دفع اشكال على الفقهاء الأخباريين 

( القسم : شبهات وردود )

السؤال :

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام
عليكم
في أحد المواقع أثار أحد الباحثين هذا الإشكال على الفقهاء الاخباريين
فقال:
أود أن أبين الدقة الشديدة التي إلتزمها الفقهاء الأصوليون مقابل
التساهل الشديد – حسب رأيي على الأقل – من قبل الفقهاء الإخباريين .
وأقصد بذلك
أنه يطلق الإخباري مصطلح الحكم القطعي على :
1 –
خبر الآحاد
.
2 -
كل حكم
استند الى نص الشارع أو تفريع على قاعدة فقهية مأثورة .
وبناء على ذلك يقول
الإخباريون أنهم لايتعبدون إلا بالحكم القطعي اليقيني ، وهم يقصدون خبر الواحد، والأحكام التي يجتهدون في تحصيلها إستناداً إلى فهم نص أو تفريعاً على قاعدة فقهية مأثوره .
ويظهر التساهل هنا واضحاً عند القول بقطعية تلك الأحكام ، ومايعنيه ذلك
من نسبتها إلى الله عز وجل والمعصومين عليهم السلام ، ولا يخفى مافي ذلك من الجرأة الشديدة التي طالما حذر المعصوم منها !!!
وفي المقابل ذهب الفقهاء الأصوليون
إلى أن الحكم في كلا الحالتين لايمكن أن يرتقي إلى درجة اليقين بحيث يتم نسبها إلى المعصوم عليه السلام ، ومن هنا قالوا عنها أحكامٌ ظنيةٌ راجحه ، وهذا لعمري غاية الإنصاف مع النفس ومع مقام المعصوم عليه السلام
والخلاصة إذاً يمكن
إختزالها في الآتي :
1 -
الأصوليون يتعبدون بأحكام أسموها ظنية وفقاً لمبانيهم ،
ويمكن أن تسمى أحكاماً قطعية وفقاً لمباني الإخباريين .
2 -
والإخباريون يتعبدون
بأحكام أسموها قطعية وفقاً لمبانيهم ، ويمكن أن تسمى أحكاماً ظنية وفقاً لمباني الأصوليين .

بسم الله الرحمن الرحيم
من
الانصاف أن نسجل بعض النقاط المهمة لبيان فوارق الاستنباط ومبانيه لدى الفريقين.
فنقول أن الأحكام لدى العامة وأكثر الأصوليين على التثنية (أي
حلال بيّن وحرام بين) ولدى بعض الأصوليين وجميع الإخباريين على التثليث ودليلهم الروايات المتضافرة عن أهل البيت عليهم السلام وأن المستفاد من أخبار التثليث في الأحكام (حلال بين وحرام بين وشبهات) أن الله تعالى كما تعبد عباده في الحلال والحرام بإباحة الأول وتحريم الثاني كذلك تعبدهم في الشبهات بتركها والوقوف عندها دون الحكم بها أو تنسيبها الى الحكم الأول وهو الحلية على مبدأ أصالة البراءة العقلية في الاباحة أو إصدار حكم التحريم فيها فيجب امتثالا لأمر الشارع مع عدم إمكان ردها الى المعصوم ع الاحتياط فيها مالم يتم إدراجها تحت قاعدة عملية مستفادة من القواعد الشرعية كأصالة الطهارة في حالة الشك الموضوعي مثلا وأصالة الحلية في الشك الموضوعي أيضا (وليس الشك في نفس الحكم وجعله). وعدا ذلك (مع خفاء النص) لا يجوز إنشاء حكم شرعي من مقدمة عقلية ما لم تكن مستندة الى حكم أو أصل شرعي. أما في حالة اقتضاء الضرورة للفعل فتجري قاعدة الاضطرار على عهدة المكلف أو الفقيه الذي يشخص مصداق الضرر المبيح للفعل، فقد يُعرف الإضطرار بداهة فلا يحتاج الى فقيه وقد لا يعرف الا بالرجوع الى العارف
و قيل أن من المحتمل في التثليث والأمر
بالتوقف في الشبهة هو الابتلاء والاختبار للعباد للتورع عن الشبهات وبه ميزان التقوى والورع حيث روي أن خير الورع الوقوف عند الشبهات، وقد امتحن الله الناس في متشابه القرآن كذلك لتكون الحجة عى من يتبع المتشابه بغرض الفتنة أو بغرض التأويل دون الرجوع الى حجج الله تعالى
أما توجيههم لقاعدة: ((كل شيء حلال ما لم
تعلم حرمته)) و ((كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر))
فلا يتوسعون فيها لكي تكون
دليلا على قاعدة البراءة الأصلية في مورد جعل الحكم أو نفيه أو استصحاب عدم الحكم فيه فيباح، وإنما موردها لديهم فقط في موضوع الحكم الشرعي دون الحكم الشرعي نفسه وبهذا التخصيص جزم المحدث الاسترابادي والمحقق البحراني، كحلية المال الحلال المختلط مع الحرام والمشتبه على صاحبه مع ثبوت حكم شرعي سابق فيه ولكن أفراده أو موضوعه قد اختلط على المكلف لا حكمه الأصلي
ولكن الاصوليين أجروا ذلك في نفس
الحكم الشرعي (أي الجعل وليس المجعول فحسب)

فالبراءة التي أجراها الأخباريون
هي البراءة الموضوعية لا الحكمية في مرحلة إنشاء الحكم أو جعله

أما بخصوص
الجهل بالحكم الشرعي نفسه فقد صرح الأمين الاسترابادي وفقهاء الحديث ومحققوهم بالمنع من تطبيق أصل البراءة والاستصحاب عليه بينما لم يمنع جمع من الأصوليين منه، ومثاله إنشاء حكم حول نطفة الغنم هل هي نجسة أم لا؟ فهل يحكم بطهارتها بحسب موثقة عمار (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر)؟
فالاخباري يمنع من إنشاء حكم شرعي مستحدث
بطهارة شيء (مثلا) خفي النص فيه ثم ينسبه الى الشارع كنطفة الغنم وإنما يجري البراءة في موضوع حكم له أصل في النص الشرعي كالمال الحلال المختلط بالحرام أو الشك في إصابة ثوب بنجاسة البول والخ
ولعل ذلك من باب رفع الحرج في حالة الحيرة والشك
ودفع الشك والوساوس ودفع الجهل في موضوع الحكم الشرعي ومتعلقة لا الحكم نفسه.

أما إجراء البراءة في حالة الجهل بالحكم نفسه أصلا فقد صرحوا انه لا يخلو
من الإشكال المانع من الجرأة على الحكم به في هذا المجال

وعلى ذلك صرحوا
بحجية القطع العقلي في مواضيع الحكم، أي لا تثبت النجاسة فيها الا في حالة علم المكلف بها وقطعه وليس التنجيس مثلا عندهم عبارة عن ما لاقته النجاسة واقعا بل يجب ان يكون مصحوبا بقطع المكلف، ورفضوا رفضا باتا ما يُدّعى من كون وصف النجاسة باعتبار الواقع

ولكنهم منعوا من حجية القطع العقلي في نفس الحكم (لا
موضوعه) أي في مرحلة إنشائه وجعله استنادا الى مقدمات عقلية مستقلة أو اصالة براءة والقطع هنا لا يفيد لديهم الا الظن المنهي عنه بخلاف فقهاء العامة وأصحاب الأصول الذين أسموه (قطعا يقينيا)

وفسر الإخباريون التوقف في الشبهة في حالة إنشاء
نفس الحكم الغير معلوم لا في حالة تشخيص مصاديقه لأن نفس الأحكام الشرعية موقوفة على جعل الشارع لا على جعل العاقل وإن كان نبيا او وصيا فضلا عن مجتهد

نعم
لديهم أصالة البراءة في نفي حكم تكليفي بالوجوب في فعل وجودي حتى يثبت بالنص (لا باعتبار عدم الحكم واقعا بل مع عدم العلم بذلك وما يترتب على التكليف بما لايعلم من الحرج)
وهذا مما لاخلاف حوله فلم يذهب احد الى اصالة الوجوب بل الخلاف حول
اصالة الإباحة والتي عليها جميع أبناء العاملة و أكثر الأصوليين (وليس كلهم، كالشيخ في العدة ونقله أيضا عن شيخه المفيد رض)

أرى في كلامكم أخي الفاضل العولقي
تعميما وحكما استحسانيا فقط وخاصة في قولكم ان تنسيب خبر الثقة الى الله في جرأة عليه، فلا مانع من نسبة خبر الثقة الى الله بعد أن جعل الشارع له الحجية، فليس لأحد الحق في سلب الحجية منه بل ليس من حقه ان يجعله ظنيا لأن الله تعبدنا بالعلم والامتثال والشرطان متوفران بخبر الثقة ، فأين التساهل؟ بل اين الجرأة على الله؟!!
فإذا تساهل علينا الله بجعل الحجية لخبر الواحد فلماذا نضيق على أنفسنا ونقول
له (كلا أنه خبر ظني حتى يشهد عليه خبر آخر أو أكثر)، وقد ينطبق ذلك على شهود البينة في المحكمة الشرعية وقد جعل الله الحجة لهم على الحاكم، فهل قبول شهادتهم على أنها بمنزلة الواقع تساهل وجرأة على الله؟ وهل تُعد شهادتهم ظنية بعد أن قبلها الله ورسوله؟

إنما الجرأة على الله قد تحصل في حالة الحكم على الذي جعله
الله حجة علينا (والذي هو خبر الواحد) و وصفه بالظن (عقلا) والله يقول هو حجة عليكم فتعبدوا به واقبلوه دون أن تتبينوا، فما هو الداعي للحكم بظنيته وما الفائدة منها طالما نحن نتعبد به وفقا لأمر الشارع بذلك. وخاصة بعد أن أجمع الفريقان على حجيته ولزوم الأخذ بقوله

أما بخصوص خبر الواحد (الثقة) فأرى والله العالم أن جعل
مضمون خبر الثقة نوع من القطع من قبل الإخباري هو مطابق مع جعل الحجية له من قِبَل الشارع طالما أن الشارع في كثير من الأحيان لم يتعبدنا بالواقع بقدر ما تعبدنا بالامتثال والعلم بما ورد إلينا وقال (من دان الله بغير سماع من صادق ألزمه الله العنت)، وخبر الثقة قد تم جعله بمنزلة السماع من صادق وبذلك يكون مقدما على الدليل العقلي ((لا العكس))

ولكن هناك مسألة أخرى مهمة وهي أن الاخباري جعل القطع
العقلي بإنشاء حكم شرعي من مستقلات أو مقدمات عقلية ((ظنيـا)) لأن لم يُسند الى الشرع مع القول ببطلان الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فلا دليل على أن الشارع قد أخذ مدارك العقل قيدا في إنشاء أحكام شرعية بل أوقفها عليه وقال لا حكم الا لله ولم يكن دور النبي نفسه الا مخبرا عن الله، فو أدرك العقل شيئا من الأحكام قبل الشرع أو بعده فلا يعني أنه قادر على إدراك جميع الأحكام الأخرى ((المخفية)) لأن الأحكام مرتبطة بملاكاتها وعللها التامة وهذه مخفية ولا تصاب بالعقول ولا يوجد هناك من يدعي إصابة الملاك التام للأحكام وإن كانت منصوصة فلا يعني أنها منحصرة أو تامة

فاذا كان عندنا دليل على وجوب شيء مِن جهة الدليل العقلي وليس لدينا دليل
شرعي على وجوبه فالذي يقول بحجية العقل دون الاستناد الى الشرع يجب عليه الامتثال للعقل والذي لا يقول بحجية الدليل العقلي الا بالاستناد الى الشارع لا قيمة لذلك الوجوب لديه

وخلاصة ذلك أن الإخباري ذهب الى عدم حجية القطع العقلي الناشيء
من الدليل العقلي (كالمقدمة العقلية) وليس القطع العقلي الناشيء من حكم شرعي سابق أو مقدمة شرعية، فلا يؤخذ القطع العقلي بجعل أو إنشاء حكم شرعي قيدا في فعلية المجعول، وقد وافق بعض الأصوليين على ذلك كالشهيد الصدر ولكنهم استثنوا منه قطع المكلف بالكشف عن تمام الملاك الجعلي، بدليل أن العلاقة بين الجعل والمجعول علاقة علة ومعلول

بينما خبر الثقة الذي هو ظني لدى الأصولي يُعَد قطعيا لدى
الإخباري لأنه مستند الى حجية شرعية جُعلت من الشارع ومناط الملاك في ذلك ليس مشروطا بإصابة الواقع ليكون قطعيا (كما عليه أهل الاجتهاد) وإنما هو قصد الامتثال والتعبد بالنص الشرعي بعد ثبوت العلم به
فقد أنزل الله خبر الثقة بمنزلة القطع
وإن لم يكن مصيبا للواقع أو محققا لتمام الملاك لأن مصداق تحقيق الملاك وقبول الأعمال بيد المولى لا بيد الواقع أو العقلاء
وأن الله قادر برحمته على جعل
الملاك التام لك بدون تحقيقه ولذلك روي ان الأعمال بالنيات ونية المؤمن خير من عمله وهناك من المؤمنين مَن يجعله الله كالمجاهد مع رسول الله ص بنيته وإن لم يشهد الرسول ص في الواقع، ومعنى ذلك ان مناط الأحكام هو النية والعزم على الامتثال ثم الامتثال في حالة الاستطاعة وتخلية السرب فمن شك في نجاسة ثوبه ولكنه بنى على الطهارة بحسب القاعدة الشرعية وصلى به فلا شيء عليه وإن كان ثوبه نجسا في الواقع، فلا يؤثر فقدان ملاك الصلاة (فضلا عن بطلانها) بثوب نجس بل أن امتثاله للقاعدة الشرعية وعدم اعتداده بالشك كفيل بتحقيق ملاك الصلاة كما لو كانت بثوب طاهر وإن كان نجسا في واقع الحال، فتأمل!

ومسألة أخرى وهي رفضهم القياس منصوص العلة وهو
ما يلحق بالدليل العقلي (الظني لديهم) باعتبار ان المعصوم نهى عن جميع أنواع القياس ولم يستثن واحدا منها الا في حالة تنقيح المناط القطعي حيث ذهبوا الى القول بحجية تنقيح المناط القطعي وعلى ذلك أيضا المحقق صاحب المعتبر، فإن عليه مدار الاستدلال في جل الأحكام الشرعية، فلو لوحظ خصوصية السائل أو الواقعة لم يثبت حكم كلي في مسألة شرعية الا نادرا ولهذه المسألة تفصيلات وربما تقع عليها كثير من الإشكالات الاجتهادية من قبيل تحليل الشطرنطج بدون مقامرة أو تحليل الفقاع إذا لم يكن مسكرا ووالخ...

ملاحظة: كان هذا الجواب على المستشكل في محله فنقلناه هنا للفائدة
والاسئناس بتعليق الشيخ محسن عليه وتنقيحه


الجواب :

التعليق 

بسمه تعالى
كلامك أيها الأستاذ الأسدي متين
وليس في كلام ذلك الباحث الأصولي من جديد يعتد به ولا يزيد على كونه التفافاً على ما يوصم به واعترافاً صريحاً على ما طعن به مسلكه من شمول الظن المنهي عنه له :
(
إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) النجم ـ 23 ( ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) النجم : 28
كما أنه أخطأ حين زعم أن النسبة بين المسلكين عموم وخصوص مطلق كما أشار اليه فيما اختزله في آخر كلامه فهذا من أعجب المغالطات وافظع التمحلات إذ الحقيقة والبرهان وشواهد الإذعان تقطع بكونهاعموم وخصوص من وجه ليس إلا


طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 6558  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 حكم الصلاة بعد استعمال المستحضرات المشتملة على الكحول في الشعر

 تمتع فتاة دون اذن الولى وخلاف فتوى مقلدها

 الدجاج المستورد من الدول الاسلامية وغير الاسلامية

 المراد من كون النساء ناقصات العقل والدين

 هل يوجد رقص جائز

 استخدام الزوج للعنف ضد الزوجة لارغامها على معاشرته جنسياً

 تمتع الفتاة من دون موافقة وليها

 مراسيم سفرة ام البنين

 اسئلة حول كيفية الخطبة

 الحائض والنقاء من الدم

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 11007581

 • التاريخ : 22/11/2019 - 15:28