كتاب القول المفيد في أهم مسائل التقليد للشيخ باقر 

( القسم : مسائل التقليد في فروع الدين )

السؤال :

الجواب :

القول المفيد في أهم مسائل التقليد
تأليف العلامة الوقور الشيخ باقر بن أحمد بن خلف آل عصفور
حكمة مأثورة متبعة الرجال أربعة: رجل يدري، ويدري انه يدري ، فذالك عالم فاتبعوه . ورجل يدري ، ولا يدري انه يدري ، فذالك نائم فأيقضوه . ورجل لا يدري ، ويدري انه لا يدري ، فذالك مسترشد فعلموه ، ورجل لا يدري ، ولا يدري انه لا يدري ، فذالك جاهل فارفضوه .
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه خالق الموت والحياة ،ومحي الأموات بجميل الذكريات الطيبات والأعمال الصالحات الخالدات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيّد السادات وآله الهداة ومجمع السعادات. وبعد: فإنّا نتحدث بهذا الكتاب في عدّة مقالات:
المقال الأوّل
هو في هذا السؤال التالي:
1 ـ من هو المرجع للأنام لأخذ الأحكام التي جاءت بها شريعة الإسلام في زمان غيبة الإمام عليه السّلام ؟ تعرف الجواب لهذا السؤال الهام بالوفاء التمام، إذا استمعت الى هذا الحوار والكلام من مبدئه حتى الختام ، وعلى اللّه التوكل وبه الإعتصام.
2 ـ أصاب ثوبي قطرات من بول إنسان فغسلته بماء من كوز (قليل طبعاً) مرتين يتبع كل غسلة عصرة بكل ما أوتيت من قوّة لإخراج ماء الغسالة حسب ما عرفته عن كل رسالة. وصدفة ومن باب الإتفاق، وقع طرف ردائي في ماء تلك الغسالة وكنت أجهل حكم المباشر لماء الغسالة ، ولا يسعني في هذه الحالة تسويفه وإهماله ، فلاحظت رسالة عندي لأحد الأعلام فإذا هي تنص بصريح المقالة: إن حكمه حكم المحل قبل غسله ، وقبل انفصال ماء الغسالة ومفاد ذلك ومآله :أن المباشر لماء الغسالة يحتاج إلى تطهيره بالماء القليل إلى غسلتين وعصرتين فيكون حكم طرف الرداء المؤمأ إليه آنفاً حكم الثوب بدون فرق في البين . فلما أخذت في مباشرة تطهيره انتقدني جليس لي ورماني بالجهالة قائلاً : إن عندي رسالة تفتي وتقول : إن ماء الغسالة طاهر لا محالة ، ولا يحتاج إلى تطهيره بالمرّة لا ولا إلى مرّة " وقد قوى هذا الرأي شيخنا علامة البحرين أعلى اللّه مقامة" فاعترضه شخص آخر جالس عن شماله قائلاً: سبحان اللّه وجلّ جلاله : إن عندي رسالة تفصّل في المقالة: وتقول ان ماء الغسالة الأوّلى يحتاج إلى التطهير مرتين . وإما الثانية فإنّه طاهر (على طول الخط ) ، ولكن فيها تعليقة تقول : عن بعض الفحول : أن ماء الغسالة الأوّلى يحتاج إلى مرة وماء الثانية طاهر كالمحل بعدها . 3 ـ يقول صاحب الحادثة صرت في بالغ الدهشة من هذه الكارثة وحيرة وارتباك بأي الرسائل اعمل وعلى أي منها أعول؟ فقال ذالك الجليس: يا أخي هون عليك ، فإن هذه المسألة ليست أول مسألة في الخلاف فريدة ، وفي الإتفاق سعيدة بل لها أشباه ونظائر قد ملئت منها الأسفار . . وشحنت الدفاتر . فمضيت من توي إلى احد رجال العلم فقصصت عليه القصص لينفس عني بعض هذه الغصص فقال : لا يهولنك يا أخي . . الأمر فلا مشكل مهما أشكل إلاوله شكل وحل سهل يحل المشكل والأشكل ، لمن لا يأنف من ان يتعلم ، لانه ليس من المستهجن على من لا يعلم ان يتعلم ، لكي يعلم سيّما من طلب الهداية من اللّه القدير الخبير فإنّه عز اسمه وتعالى يقول :"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان اللّه لمع المحسنين" واعلم يا أخي السائل : انه كما اختلفت هذه الأقوال ، فإنّه قد اختلفت صفات القائلين بها فإنّ منهم الأعلم الأفضل، ومنهم العالم المفضول بالنسبة للأوّل ، ومنهم الحي الموجود ، ومنهم الميت المفقود ، ومنهم الأصولي ومنهم الأخباري.
4 ـ فإذا أردت أن تعمل عملاً صحيحاً فلا محيص لك ولا مناص من ان تكرس عملك على مركز فتوى واحد من أولئك الأشخاص ، وان يكون ذلك التركيز والتعيين عن بصيرة واختبار ، وليس عن تقليد لأحد ، وإن كان من العلماء الكبار ، فإنّه بهذه الصفة يكون تقليداً في التقليد ، وهو بحسب عرف أهل المعرفة : (على نفسه يدور) وعار عن الإعتبار. فقلت: بشرف العلم الذي لديك ، وبحق من علمك عليك: اشرح لي هذه الأوصاف ، وعرّف لي هذه الأصناف. . فقال: حباً وكرامةً على شريطة الإتزان والإستقامة ، ونبذ كل ميل وعناد وكل تحزب يخامر الفؤاد ، وإن تستمع لي بعناية كي تصل إلى الغاية، وعندها يصبح لك الجواب سافر الوجه عن نور الصواب. وعلامة ذلك ان تعيرني منك اذناً واعيةً فسوف تسمع مني نصائح كافية، ومعلومات وافية لا تسمع فيها لاغية بلا من مني عليك لان هذا من اوجب الواجبات على العلماء والخبراء تجاه المتعلمين والمستبصرين ، وإنما المنة للّه ربّ العالمين. وتوضيح الحال يحتاج إلى مقدمة ومقال نسرد فيه مجملاً من سيرة أهل الإسلام في منهجهم لإستعلام الأحكام .
5 ـ اعلم أن عمل الأمة كان في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بالنص لا غير، فلما قبضه اللّه تعالى وتولى الأمر غير أهله كان الخليفة منهم يقضي بما يقتضي الحال من الكتاب والسنة ، وربما يسأل من بحضرته من الصحابة فإن لم يجد نصاً حكم بما يراه من المصلحة كما هو شأن الملوك والأمراء، يراعون ما ينتضم به أمر الدولة ، ويصلحوا به الرعيّة سواء وافق الشرع أو خالفه، وكانوا يسمون ما لم يستند فيه إلى نص اجتهاداً ، والعامل به مجتهداً. قال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة : كان عمر مجتهداً ، يعمل بالقياس والإستحسان والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص العموم بالرأي والإستنباط وأصول تقتضي خلاف ما يقتضي عموم النص ، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدب في مادة ، ويعفو عن أخرى ، بحسب ما يراه من المصلحة انتهى ملخصاً. ودام الأمر على ذلك إلى ان تخلّف أمير المؤمنين عليه السّلام، فغيّر بعض ما قدر عليه، وبقي الباقي لعدم تمكنه من ذلك . فلما تولى بنو أمية كثرت البدع، وظهر الباطل ، إلى إن تولى بنو العباس ، وكثرت الفقهاء من العامة في أيّامهم ، فقربوهم وأمروا الناس بإتباعهم ، وكان أقرب الناس إليهم من خالف آل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، وكان في زمانهم من هو أعلم منهم ، لكن اشتهر هؤلاء لاظهارهم الزهد والتهرب من مخالطة الملوك ، لأنهم طلبوا الرئاسة بترك الدنيا ، فمالت إليهم العوام، ووجهوا أقوالهم ، > والميت يقل حاسده وتخفى عيوبه ويقبل قوله أكثر من الحي<. ووضعوا لهم الكرامات، ونسبوا لهم خوارق العادات ، وولوهم المناصب والحكومات من القضاء والتدريس ، وأرادوا إظهار الفضيلة بذكر المسائل الغريبة، ولم يكن عندهم من السنة ما يفي بذلك، فنظروا فيما يمكن إن يستدل به فرأوا انحصار النقل في الكتاب والسنة >وما عسى أن يفي الكتاب به من أحكام وليس فيه إلا خمسمائة آية < والسنة قد جزؤها > وما عسى أن تفي به بعد ذلك< . ورأوا قدماءهم قد عملوا بالإجماع والقياس والإستحسان ، فخططوا تلك الطرق، وأضافوا إليها ماكمل به التعريف بها من مسائل الكلام والمنطق والعربية، ورتبوا ذلك على تلك الأبواب والفصول، وسموه (علم الأصول) ، وجعلوا محل الإجتهاد من مسائل الفقه ما ليس عليه دليل قطعي بل ظني ، وقالوا : القطعيات ليست فقهاً >بل الفقه هو الظنيات< لاغير . والمجتهد هو العالم بتلك الأصول القادر على استنباط الأحكام منها ،ورد كل فرع إليها ، فإن أصاب حكمه الظني حكم اللّه في الواقع فله أجران، وإن اخطأ فله أجر واحد ، ورووا في ذلك حديثاً عن عمرو بن العاص ، وقالوا : إن الصحابة كانوا مجتهدين ، وكانوا يعرفون الأصول بالسليقة ، وقالوا : الرعية قسمان : مجتهد ومقلد يجب عليه تقليد المجتهد . ولمّا تمادى الزمان وكثر المجتهدون ، وأدى ذلك للإختلاف أرادوا حسم مادة الفتنة فاجمعوا >سياسيا< على حصر العمل بالمذاهب الأربعة المشهورة بعد أن سبق إجماع منهم على تحريم تقليد الموتى في الفروع . هذا محصّل عملهم في الفروع ، وأمّا عملهم في الأصول فله حديث يطول، لا حاجة لنا بذكره الآن لان موضوع حديثنا الفروع.
6 ـ أمّا الفريق الآخر وهو الشيعة وأصحاب ألائمة عليهم السلام، فلم يكونوا يعوّلون في أصول الدين ولا فروعه إلا على كلام أئمة الهدى عليهم السلام، وكان منهم جماعة من الفقهاء المدققين كهشام بن الحكم ومؤمن الطاق ومحمد الطيار وغيرهم ، فكانوا يأخذون مسائل أصول الدين عن الأئمة ، ويؤيدونها بالبراهين القاطعة العقلية ، ويأخذون مسائل الفروع ، ويعملون بها >من باب التسليم< من غير بحث عن عللها وأسبابها . وكانوا في اغلب الأحوال ، لا يمكنهم لقاء الإمام لعدم انتشارهم في البلاد لا نحصار الشيعة في زمن أمير المؤمنين في بلاد الحجاز وعراق العرب إلا ما شذ، ودام الأمر كذلك الى قرب زمان الصادق عليه السّلام . فأدركت العناية الأزلية قوماً من العجم فأهتدوا الى الحق ، وكان أكثرهم في قم فكانت خواص الشيعة منحصرة في هذه الأماكن ، وكان منهم جماعة في بلاد الشام ، ولكن كانوا مستورين خوفا من بني أمية، ولذلك كان أكثر أصحاب الأئمة من العراق وبلاد العجم ، فأخذوا عن ألائمة كلّ ما يحتاجون إليه من أمر الدين،الى ان وقعت الغيبة الصغرى تعذر النقل وملاقاة الإمام لكل احد ،فخرجت التوقيعات على يد السفراء الي الشيعة بالرجوع الي رواة احاديثهم ، وكان قد اجتمع لهم كتب كثيرة في الحديث تشتمل على المسائل الجزئية ، والقواعد الكليّة ،وعلى قواعد الجمع بين الأخبار المختلفة ، وكانوا يسمون المحصل لتلك الكتب الراوي لها ، العالم بما فيها : (فقيهاً وعالماً و محدثاً وراويةً ) ولم يكن للإجتهاد عندهم ذكر بل كانوا يذمون الإجتهاد ، والف ابو إسحاق بن نوبخت مقالاً في إبطال الإجتهاد ، وهو من أكابر الإمامية. ودام الأمر على ذلك الى ان وقعت الغيبة الكبرى، وزال معها معظم التقية بإعراض الخلفاء من بني العباس عن الشيعة ، حيث لم يكن لهم إمام ظاهر يخافونه على ملكهم ، وانضم الى ذلك ظهور قوم من الشيعة لهم دولة وشوكة كالسلاطين من آل بويه والأمراء من بني حمدان وغيرهم وظهور امر الشيعة ومشايخهم علماً وفضلاً في المعقول والمنقول كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وغيرهم فنظروا في كتب العامة ، وبحثوا معهم في الفروع والاصول لما كان مدار العامة في الفقه على الإعتبارات العقلية من الإجتهاد والرأي والقياس والدلالات الظنية ، وكانوا يسمون الملكة التي يقتدر بها على استنباط الفروع من تلك الأصول الموضوعة (اجتهاداً) وصاحبها مجتهداً ، وكان مدار الشيعة في ذلك الزمن على البحث معهم في الأصول والفروع بما يلزمونهم به من ادلة العقل والنقل التي لا يمكنهم انكارها ولا ردّها ، فسموا طريقتهم في مقابلتهم اجتهاداً، والعارف بمذهب آل محمد مجتهدا ً. وربما استحسنوا لبعض آرائهم ، فمنهم من تنبه ورجع ، ومنهم من بقى على غفلته ، فمن هؤلاء ابن الجنيد، كان يعمل بالقياس ثم رجع عنه ، والشيخ الطوسي كان يقول بالوعيد ثم رجع عنه، والسيد المرتضى انكر وجود عالم الذر. فإذا كان هؤلاء الأعلام مع قرب عهدهم بزمان الأئمة ووجود الأصول كلها عندهم ، وكونهم لا يجوزون الحكم بغير النص كما صرحوا به من بطلان القياس والإجتهاد في نفس احكامه تعالى فما ظنك بمن تأخر عنهم ،كيف لايغفلون عن طريقة القدماء.
7 ـ فهذا أصل اطلاق لفظ (مجتهد) على العالم من الإمامية ، ومع ذلك لم يكونوا يذكرون في مدح العالم لفظ المجتهد ، بل يمدحونه بالعدالة والعلم وكثرة الرواية والدراية ونحو ذلك ، كما في فهرست الشيخ وكتابي الكشي والنجاشي وغيرهما، وانما مدح الرجل بكونه مجتهداً عرف حادث لا يوجد له ذكر إلا في كتب العلامة . ثم تمادى الزمان ولم يأتِ بعد الشيخين والسيد المرتضى من يقاربهم في الفضل والعلم الى أواخر سنة مائة من الهجرة ، ولم يكن للإمامية في أكثر تلك المدة دولة لإنقراض دولة آل بويه وآل حمدان وغيرهم من الشيعة.
8 ـ الي ان تخلف الناصر العباسي ، وكان يميل الى التشيع ، وظهر في ذلك الزمان جماعة من الإمامية ، يقاربون القدماء في الفضل والعلم ، وكانت بغداد مجمع الفضلاء ، والدولة للعامة ،والمدارس لهم ، والمدرسون منهم ، والكتب التي في العلوم من تصانيفهم، فلم يكن بد لعلماء الشيعة من مخالطتهم ومداراتهم وقرأءة كتبهم وتدريسها خصوصاً كتب الكلام وأصول الفقه ، فمالت طباعهم الى ما فيها من الدقة ، ورأوا من تقدّم من الإمامية كالشيخين والسيد المرتضى سلكوا في الإستدلال على بعض المسائل الشرعية مسلك العامة بحسب الظاهر (للمشاة معهم والإلزام لهم بما يعتقدون صحته) ، لا لكونه صحيحاً عندهم ، بل من باب الجدل ودفع الباطل بالباطل للضرورة ، فغفلوا عن مقاصد القدماء ، وأعجبهم هذا الطريق لما فيه من وجوه غريبة ، وعملوا به لا عن عمد بل لغفلة وشبهةٍ دخلت عليهم بسبب الألفة لكتاب العامة.
9 ـ فلما وصلت النوبة الى العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي> >عليه الرحمة<< وانتهت رئاسة الشيعة اليه في زمانه، وكان واسع العلم ذكي الطبع كثير البحث مع العامة ملازماً للنظر في كتبهم، والرد عليهم في الأصول والفروع، محباً للتصنيف ، راغباً في التفنن بها ، وراى كتب من تقدمه من الإمامية مشتملةً على الأدلة العقلية والقواعد الأصولية في فروع الشيعة إمّا لإلزام الخصم كما فعل الشيخان والمرتضى، او من باب الغفلة كما فعله غيرهم ، وأحسن الظن بهم ومال الي ذلك الطريق لا عمد بل غفلة اوجبتها كثرة الألفة لكتب العامة ، وميل الطباع إلى ما يدرك بالعقل اكثر مما يؤخذ بالتسليم فإن في تلك (خلابة خادعة) . ويشهد بذلك ان الكتب التي الفها في ذلك من كتاب العزيز الرافعي من علماء الشافعية ،وكل من جاء بعده فهم اتباع له في هذا الطريق ، حيث لم يطلعوا على طريقة القدماء فهم في غفلتهم عن تلك الطريق ساهون.
10 ـ الي ان وصلت النوبة الي الشيخ حسن صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني، واطلع على رسالة المحقق في الأصول ، وعرف مذهب الشيخ والمتقدمين في الأخبار وصوّبها ، وقال: انّه هو الطريق الذي كان ينبغي حفظه ورعايته، وتكلم مع والده وغيره من الفقهاء في الكثير من المسائل التي ضيقوا الأمر فيها ، ومال الى ترجيح أخبار من لا يحضره الفقيه، والعمل بها في كثير من المواضع، وإن لم تصل الي حدّ الصحة عند المتأخرين،اعتماداً على ماذكره الصدوق في اوّله. وكذلك السيد محمد صرّح في اوّل المدارك بأن الإجماع الذي يدعيه المتأخرون في كثير من المسائل لا اعتبار به ، فإنّه مجرد دعوى ، وكذلك الشيخ بهاء الدين العاملي الذي هو افضل المتأخرين وأعرفهم بالحديث يقول: إنّ هذا الإصطلاح في تنويع الأخبار ، لم يكن معروفاً عند قدمائنا . إلا ان هؤلاء لم يجسروا على التصريح بمخالفة هذه الطريقة لطريقة القدماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام.
11 ـ حتى جاء بعدهم جماعة من الققهاء من مثل : الملا محمد أمين الإستربادي نزيل مكة المكرمة ، والشيخ زين الدين حفيد الشهيد الثاني ، والملا خليل القزويني ، وأمام العربية في زمانه الشيخ الحرفوشي، والشيخ حسن ابن الظهير العاملي ، والشيخ محمد جابر النجفي فصرحوا بما لوّح له أولئك المتنبهون ، وأعلنوا لما رمز له الأوّلون ( ولم تأخذهم في اللّه لومة لائم) .
12 ـ ومن هذا التاريخ امتاز الفريقان وتباين المسلكان فصار السالك لمسلك القدماء يسمى ب ـ > الأخباري< والذي سلك مسلكاً جديداً غير الأوّل ب ـ >ألأصولي< وأوّل شيء اختلفوا فيه هو تعريف الإجتهاد والمجتهد وما فيه الإجتهاد ، والتقليد والمقلد، فمعنى الإجتهاد عند الأخباري: هو استفادة الأحكام الشرعية الفرعية من مدا ليل الأخبار المعصومية بعد تقييد مطلقها ، وتخصيص عامها ، والتأليف بين مختلفاتها بالميزان الذي تلقوه من أخبار الأئمة عليهم السلام لا يعدونه إلى غيره . فإذا أشكل عليهم حكم من الأحكام احتاطوا عملاً، ولا يحكمون على الشيء المشتبه الحكم بأنه حلال او حرم فمعنى التقليد عنده: هو اعتماد العامي على فتوى هذا العالم . أمّا معنى الإجتهاد عند الأصولي والتقليد فهو معناه عند علماء الأصول من العامة . قال التفتازاني : الإجتهاد هو إستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي. وقال الآمدي : الإجتهاد باصطلاح الأصولي مخصوص باستفراغ الوسع في الأحكام الشرعية.وأمّا ما فيه الإجتهاد فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظنيّاً، أمّا القطعيات فلا اجتهاد فيها ولا تقليد. وقال العلامة >أعلى اللّه مقامه< في التهذيب: المجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس عليه دليل قطعي، وقال الشارح عميد الدين: الإجتهاد هو كل حكم شرعي ليس عليه دليل قطعي. ومقتضى هذا التعريف للحكم الشرعي: أن لا تطلق الفتوى على الحكم المعلوم مع إن القرآن الشريف سماه فتوى ، قال تعالى : (يستفتونك في الكلالة ، قل اللّه يفتيكم) . وأخبار الباري جلً اسمه والنبي صلى اللّه عليه وآله بالأحكام المذكورة إنما هو عن علم ، وقد سماها فتوى: (قل اللّه يفتيكم) . أما الأخباري فإنّه يقول : إن قول الفقيه إنما هو شرح للأخبار ، لأنه لا يخرج عن منطقة الخبر، وهو رائد العامي حياً وميتاً وراوياً ورأئياً ، ويقول : إنّ الراوي واسطة بين الفقيه والإمام في نقل الأحكام معتمداً بتعميد الإمام إيّاه على ضبطه وتقواه. والاصولي يقول : إن فتاواه احكام ظنية ، ويجب العمل بها على الرعيّة ، ورتّب لذلك شكلاً منطقياً ( لم تسلم كبراه ) ويقول : هذا ما أدّى إليه ظني ، وكل ما ادى إليه ضني فهو حكم اللّه في حقي وحق مقلدي . يقول له الأخباري : متى وصلت النوبة (لا سمح اللّه) الى الظن ، وقد نصت الآيات والاخبار على قبحه وذمه وذم العامل به اطلاقاً غير قابل للتقييد ، وتعميماً أبيّاً عن التخصيص :( أن الظن لا يغني من الحق شيئاً ).
13 ـ وقد اجمع الإمامية : على عدم اصالة حجية الظن في امور الدين جميعها مطلقاً، وعدم جواز العمل فيها بغير العلم ، وانّها مبنية على العلم واليقين . بذلك صرح المفيد >عليه الرحمة< في جملة مؤلفاته كالمسائل السهروردية ، والعيون والمحاسن والمجالس ، والسيد المرتضى علم الهدى في مواضع من الإنتصار والذريعة والشافي ، وشيخ الطائفة في مواضع من العدّة وفي كتابي الأخبار ، وابن ادريس في مواضع من السرائر ، والشيخ ا بن قبة في كتاب الرد على الزيدية ، والكليني في اول الكافي ، وتلميذه النعماني في تفسيره وفي كتاب الغيبة ، والفضل بن شاذان ، والصّدوق في العلل ، وامين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان ، والقطب الراوندي في فقه القرآن ، والكراجي في كنز الفوائد . وإنما الخلاف بينهم في وجه الحرمة انه عقلي او شرعي؟ وعلى الأوّل يستحيل تقييده لعدم تخصيص الحكم العقلي ، وعلى الثاني يحتاج الى مخصص. اقول : قدبينا عدم صحة التخصيص ، ثم نقول كيف انعكس هذا الأصل واندرس وصار الظن حجة وفي أي تاريخ . قالوا: لسببين احدهما غيبة الإمام عليه السّلام فإنها سدت باب العلم كما انها التاريخ.
14 ـ فقال الأخباري (ياسبحان اللّه) يفتح باب العلم في الصين ويقول : (اطلبوا العلم ولو بالصين) ولا يريد ـ طبعاً ـ إلاعلوم الدين قطعاً ويسده على طلابه من الشيعة المساكين كلا ،وإنما فتحه سد لباب الإجتهاد العقلي إن كنتم تعقلون. ثم إن غيبته عليه السّلام وإن حرمت الناس من بركة مشاهدته لكنه لم يفتهم ما هو المهم من أموره ووظيفته ، وهو تعلم الأحكام لأنه أحال الشيعة فيه إلى الرواة. قال جابر رضوان اللّه عليه : فقلت: يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم :وهل للشيعة انتفاع به في غيبته؟ فقال:أي والذي بعثني بالنبوة ، إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته كانتفاع الناس بالشمس إذا جللّها السحاب. وجه التشبيه بالشمس المجللة بالسحاب: لان الناس ينتفعون بعلمه وارشاداته المودعة عند رواته كما ينتفع الناس بنور الشمس المجللة بالسحاب. وأيضا نقول: ما الذي جرى على مدينة العلم التي أعلن عنها نبي الإسلام لمعرفة أحكام الدين ،وأمر الناس أجمعين أن يأتوها من بابها ،وهو الوصي عليه السّلام ، وجعله مفتوحاً على مصراعيه لرواده وورّاده أجمعين ، ونزّه أ مته وأجلّها عن الجهل بالأحكام بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : (رفع عن أمتي مالا يعلمون ).
15 ـ وأمّا السبب الثاني الذي ذكره الأصولية لكون الأحكام ظنية فهو مؤلف من دعوبين: احدهما : إن العمدة في مدارك الأحكام هو القرآن الكريم والأخبار المعصومية وكل من القرآن والأخبار دلالتها على الأحكام الشرعية ظنية يعني تحتمل معان خلاف المعاني المفهومة منها وتزيد الأخبار: إن سندها ظني كدلالاتها يعني :إننا لا نجزم بأنها واردة من ألائمة عليهم السلام ونحتمل انها غير صادرة منهم وهذه هي الدعوى الثانية . فقال له صاحبه وهو يحاوره: لا تتشابه عليك (ياأخي) الأسماء فإنك (حفظت شيئا وغابت عنك أشياء) وتشابهت عليك المداليل (كما تشابه البقر على بني إسرائيل) فإن الأخبار المتضمنة للأحكام ليست ألفاظاً مفردة ذات معان متعددة وإنما جلّها بل كلّها جمل تامة ناصّة على معانيها يعرف منها المقصد والمرام . ولو كانت العبارات غير مفيدة للعلوم، ولا مستقلة في إفادة المفهوم ، لما فهمت العلوم العربية والأدبية والسير والتاريخ من كتبها المؤلفة فيها ، ولا مقاصد الشعراء والخطباء من القصائد والخطب المطولات مع كثير تضمنها للكنايات والإستعارات، مثل علمنا بسائر المعلومات وليس تشكيكاتهم وفروض احتمالاتهم إلا تكذيب الوجدان بالعناد(والطيران مع البازي بجناح الجراد). إن العلم يطلق على ما تطمئن إليه النفس ، وهذا يسمى العلم العادي الذي كلفنا اللّه به . كما يطلق ويراد منه الإعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع ، وهو مصطلح الحكماء والفلاسفة ، وهو ما لا يمكن فيه احتمال الخلاف . ولما صرف القوم أعمارهم في تدقيقات فلسفية وتعليلات خيالية وشبهات كلامية وسفسطات (سقراطية وبقراطية) وفروض ظنية اختلّت أذواقهم الطبيعية وعرفياتهم الذوقية فارادوا (تقريب النور بالظلمة ، والبهاء بالبهمة) فعرضوا كلام المعصومين على كلام الخاطئين وكلام العالمين على كلام الخراصين.
16 ـ أيها المستمع الكريم إذا أنت ألممت بما ذكرنا بعض الإلمام فقد أشرفت على الصواب في فهم الجواب عن السؤال المكتوب في أول الكتاب . وأمّا حديث ظنية الأخبار وعدم اليقين بصدورها عن الأئمة عليهم السلام ، من حيث أنها أخبار آحاد، فنعود ونقول: ما قلناه أولا في معنى العلم: إن الخبر الواحد يفيد العلم بالمراد بالعلم العادي ، وهو الذي كلف اللّه سبحانه به العباد ،وهو يحصل بخبر الثقة المتحرز عن الكذب، وبخبر غير الثقة إذا علم من حاله انّه لا يكذب ، أو دلّت القرائن على صدق خبره ، كما إذا اخبر إنساناً خادم له عن حادث في بيته مسر أو محزن فإنه يصدقه إذا انضم إلى الخبر الأوّل سماع تصفيق وتهليل وصلوات، او نضم إلى الثاني صراخ ونياح . ويرتب على كل من الخبرين الآثار، وقد عمل أصحاب الأئمة عليهم السلام بخبر الواحد بالمكاتبة على يد الشخص الواحد ،ولا ينافي هذا العلم والجزم تجويز العقل خلافه نظراً لإمكانه، كما لا ينافي جزمنا بحياة زيد الذي غاب عنا لحظة تجويز موته بغتة . ولو اعتبر الناس في عاداتهم ومعاملاتهم العلم الحكمي الفلسفي لم يتحقق لديهم علم بوجود شيء أو عدمه ، ويلزمنا الشك فيما نراه الآن أهو الذي رأيناه قبل . ثم لو سلمنا أنّ خبر الواحد لا يفيد اليقين إلا أن الأخبار المودعة في المجامع الأربعة للمحمدين الثلاثة وهي (الكافي) لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ،و ( من لا يحضره الفقيه ) للصدوق محمد بن علي القمي ، و(التهذيب والإستبصار) لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، نعلم علم اليقين بأنها صادرة عن ألائمة الطاهرين عليهم السلام ، لأنها منقولة من الكتب المعتمد عليها عندهم المقطوعة على صحتها وصحة مضامينها إما بالتواتر أو بالقرائن التي تفيد العلم والعمل بها فيثبت ورودها عن المعصوم ،وبتصريح مؤلفيها بذلك مع ما هم عليه من وفور العلم والضبط وقربهم من عصر الأئمة (عليهم السلام) الموجبة لسهولة اطلاعهم على مقتضيات الحال وكونهم ألفوها ليعمل بها إلى يوم القيامة . وعمل كثيرمن أكابر القدماء في كتب الفتوى بها كالصدوقين وابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد والمرتضى ، وحيث لم يظهر لنا وجه يقتضي خطأهم ، ولم يذهب احد من أهل الحق إلى بطلان طريقتهم نقطع بأن عملهم لابد إن يبتني على وجه صحيح لثقتهم وعدالتهم ، فأصحاب الكتب الأربعة الأوائل بل وصاحب الوسائل من اظهر مصاديق التوقيع القائل : لا عذر لشيعتنا في التشكيك فيما يرون عنّا ثقاتنا .
17 ـ قال الأصوليون: إنا إذا اعتمدنا في تصحيح الأخبار على قول مؤلفي الكتب الأربعة نكون قد قلدناهم في ذلك لكن لنا اجتهادنا كما لهم اجتهادهم . قيل لهم : أولا ً ـ إن عملكم أيضا تقليد لأصحاب كتب الرجال ، وتعويل على قولهم في الرواة هذا عدل، وفلان ثقة ،وفلان كذاب ،وفلان مجهول الحال ، وهو أمر اجتهادي وإنهم أيضا مختلفون في معنى العدالة ، وفي الكبائر تحديدها وتعديلها فقد وقعتم فيما فررتم منه . ثانيا : ان الرجوع في تصحيح الأخبار الى قول مؤلفي الكتب ليس تقليدا ًلهم بل هو رجوع لاهل الخبرة في فنهم، وهو حجّة من عرض الحجج، لانهم يرجعون فيها الى من تقدّمهم ، واخذوها عن اسلافهم .
18 ـ ولتنقيح هذا المطلب وتوضيحه نقول : ان قول اهل الخبرة إمّا ان يأخذونه عن من تقدّمهم من اسلافهم ، وإمّا ان يوخذ منهم بأن يكون كاشفاً عن قول اسلافهم وعمل اوائلهم ، وقد اخذوا ما يؤخذ منهم ممن تقدمهم الى ان ينتهي الأمر اليهم، ولا شك في ان اعتبار قولهم وكونه حجة من عرض الحجج . ثانياً :أن يعلم أنّ ما أخبروا به كان عن اجتهاد اتهم واستنباطاتهم بعد إعمال ما يتوقف عليه الإجتهاد ، فهذا لا يعول عليه لأنّ التعويل عليه تقليد بحت . ثالثاً : ان لا يعلم انه من القسم الأوّل او الثاني ، والظاهر ان بناء العقلاء في مثله على التعويل عليه فنقول: إن إخبار اهل الكتب الأربعة عن صحتها لم يعلم انه من القسم الثاني كي لا يعول عليه .
19 ـ والاخبار عند الأخباريين قسمان صحيح وهو ما عمل به الفقهاء المتقدمون ،وضعيف وهو ما ترك العمل به الأوّلون . أمّا عند الأصولي فأربعة اقسام : صحيح وحسن وموثق وضعيف، وقد سلكوا في هذا التقسيم أيضاً مسلك العامة حيث انهم السابقون في علم الدراية حينما لم يكن للشيعة فيه تأليف لعدم حاجتهم اليه .
20 ـ والباعث للعامة على ذلك : ان من الناس من كان يظهر الإسلام ويسرّ الكفر وكذاب ومتصنّع ، يضع لكل بدعة مال اليها حديثاً ، ومنهم الحشوية : من لا يبالي من اين يأخذ دينه، فيقبل كل ما حدث به ويصدقه سواء كان له أو عليه . وكان من لطف اللّه سبحانه الخفي ان انطق السنتهم بما يقتضي ابطال ما هم عليه فرووا من الأخبار ما يدل على ذم اسلافهم او يدل على اقرارهم لاهل الحق بالحق . ثم لما كثر العلماء والمحدثون فيهم ، ورأوا في احاديثهم ما يوجب للعاقل الحيرة والعدول عن مذهبهم تصدى جماعة منهم لستر عيوب اسلافهم مهما امكن فوضعوا علم (الدراية) . وهو علم يبحث فيه عن متن الحديث وسنده ورجاله ،وبيان المقبول منه والمردود ، وغايته : معرفة ما يقبل منه او ما لا يقبل . والغرض الأصلي من وضعه ما رأوه في احاديثهم من فضل آل محمد و تفضيلهم والطعن على من خالفهم واتباعهم فدبروا تدبيراً (سياسياً ) وقالوا: الأخبار كلها ظنية فلا يعوّل فيها إلا على ما رواه الثقة، وسموه صحيحاً ، وقالوا: إنما سواه ضعيف فإذا رأوا حديثاً لم يرقَ لهم ضعّفوه ، وطعنوا في راويه ، ومالم يمكن ردّه لوجوده في صحاحهم المعتمدة اوّلوه فتابعهم الأصوليون في التقسيم غفلةً عن السبب . واوّل من الف في الدارية هو الشهيد الثاني >رحمه اللّه < اختصر دراية الشافعي وشرحها في رسالة ، والشاهد على ذلك : كلمة الشيخ البهائي المارة في رقم (10) ، وحيث ان الشيخ المذكور لم يطلع على عدّة الشيخ الطوسي ولا على اصول المحقق ليعرف طريقة القدماء والمتأخرين كما عرفه ولده الشيخ حسن اخذته الحيرة ،واكثر الإعتراض على الشيخ في العمل بالاخبار حتى آل الأمر الى ما نراه من الإعراض عن النص الصحيح وتركه على ضوء هذا الإصطلاح الحديث والقواعد المتزلزلة .
21 ـ والاصولي ربّع الأدلة فأضاف الى الكتاب والسنة حجية العقل والإجماع ،ومعنى العقل عند الأوّلين منهم هو البراءة الأصلية والإستصحاب ،ومعنى البراءة الأصلية بالمثال ان الغناء واستماعه مثلاً حرام ، ولكن إذا كان المحقق من معناه هو ما إذا كان الصوت عن ترجيع ومطرب وكانت مادته التشبيب والغرام كما إذا انشد المغني مثلاً قول الشاعر : قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا صنعت بزاهد متعبد أمّا إذا كان فيه ترجيع وغير مطرب او مطرب بشعر نسيب كما لو انشد قول الشاعر : ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجداً على وجدى فإن المدار على حرمته في تسميته غناء فإنّ الأصولي يحللّه بأصل البراءة لعدم التحقيق في تسميته غناء اً ، أو على حد تمثيل الشيخ محمد جواد مغنية للبراءة بحضور الأفلام السنيمائية ، واستطرد في الأمثلة بما ماثل الأفلام ثم عممها بالحكم وقال: نحكم بإباحتها . والأخباري يحتاط أيضاً في كل فعل وجودي لم يقطع بجوازه مثل الجهر بالتسبيح للإمام لورود الخبر فيه : انه ينبغي للإمام ان يجهر بكل ما يقول، وقد ورد هذا اللفظ مستعملاً في الإستحباب فلذلك كان واجباً بالإحتياط . نعم يستثني الأخباري : الحوادث التي تعم بها البلوى، ويكثر وقوعها فإنّه يحكم فيها بالبراءة . أمّا الإستصحاب فمعناه بالمثال ما لو صلى الإنسان بتيمم لفقد الماء وبعد ان شرع في الصلوة وقبل ان يفرغ منها حصل له الماء . فإن مقتضى الإستصحاب ان يستمر المصلي بها مطلقاً وبدون تفصيل مع ان الأخبار جاءت بخلافه .
22 ـ وعندهم معنى آخر لدليل العقلي ، وقد لا يريدون في العصور الأخيرة من الدليل العقلي إلا ايّاه ،وهذا مبتني على التحسين والتقبيح العقلي، وهو العقل العملي باصطلاح الحكماء . وهذا أيضاً مما اختلف الفريقان في حجيته والإعتبار به، وقد يمثّل له بعضهم امثلة تشبه ان تكون (مغالطة) لانّها من نوع الآراء المحمودة ، وهي مما تطابق عليه جميع العقلاء مثل الكذب الضار ، وقتل النفس المحترمة بدون جرم او جناية ، واكل القذرات، ومثل المثال السائر الدائر وهو حسن الإحسان وقبح العدوان فإنّ هذه المواضيع لا يختلف في شأنها اثنان ، وفي كتب الفقه يأتون بمسائل يبنونها على قواعد فلسفية لا يتفق فيها في الغالب اثنان واليك نموذجاً منها . فمنها : (تطهير الزيت النجس بضر به الكثير بالماء الكثير) فرّعه بعضهم على تركيب الجسم من اجزاء لا تتجزء توهماً منه ان الماء يتخلل في كل جزء فيطهر . ومنها : مسألة( انضمام السلت الى الحنطة) الموافق له طبعاً لا الى الشعير المشابه له صورة في الزكاة . وفرعه بعضهم على اتحاد المادّة والصورة الجسميّة ولزوم اتحاد الحقيقة عند اتحاد الطبيعة الصادرة عن الصورة النوعيّة . ومنها : (وجوب رد العصير المغصوب إذا انقلب خلاً الى مالكه) قال في الإيضاح : والتحقيق ان هذا يتفرّع على ان الذوات هل هي متساوية واختلافها باعراض واحوال ، كما هو مذهب الجبايئي او متخالفة كما هو مذهب ابي الحسين البصري . فعلى الأوّل يجب ردّه ، وعلى الثاني لا يجب لانه غير مغصوب . ومنها : (استحقاق الأجرة على العمل في العين التالفة عند الأجير) قال فيه : التحقيق انه هل هو علة معدة للصفة الحاصلة المقصودة ، كقول ابي الحسين البصري ومن تتبعه من المعتزلة بأحتياج الباقي إلى المؤثر او علة فاعلية ، كما قال المرتضى . ومن ذهب الى استغناء الباقي عن المؤثر من المعتزلة فعلى الأوّل تقع الإجارة على حركاته وعمله واللّه تعالى يفيض الصفة الحاصلة بعد ذلك عند تمام الإستعداد بالعمل فيستحق الأجرة . وعلى الثاني ان قلنا انها تحدث على ملك المالك ابتداءاً احتمل استحقاق الأجرة لأنّه ادخل في ملكه ويده نيابة وامانة وكان كالوكيل او المستعير ، وفي المعاوضة لا يستحق التسليم في العوض إلا بتسليم الآخر فكان متقدماً . وان قلنا انها تحدث على ملك العامل، وتنتقل الى المالك تقع المعاوضة والإنتقال على وجوده فلا يستحق العامل الأجرة . ومنها : (الوصية المطلقة للأخوة هل يعتبر فيها رعاية تأكد القرابة) فبني تحقيقها على تحقيق معنى التشكيك هل هو باعتبار اجتماع الأمثال والاضداد أوباختلاف الأنواع . اقول: ومثل هذه الفروع وامثالها كثيرة ، ولكن ما هو موقعها ( يا ترى ) من الخبر الإمامي المعصومي الداوي الصوت والصيت في الأرجاء والاجواء : من دان اللّه بخبر بسماع من صادق ألزمه اللّه التيه الي الفناء، ومن دان بسماع من غير الباب الذي فتحه اللّه لخلقه فهو مشرك. فاين قوله من قوله عليه السّلام : كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل أو هو زخرف.
23 ـ وأمّا الإجماع فإنّه نوعان: محصّل ومنقول ، ومعنى المحصل : ان يتتبع الإنسان ويستقري ويحصي اقوال جميع الفقهاء المشهور منهم والمستور والمُقَلَّد والمهجور . ويحصى اقوالهم بإحصاء تام يتيقن انّه لم يتخلّف احد من الفقهاء عن (سجل احصائه). وأما الإجماع المنقول فهو أن يخبر واحد وأكثر بأنّه اطلع على ذلك الإجماع المحصّل وحصّله على النحو المفصّل . وقد نسب الأوّل العلامة الشيخ مرتضى الأنصاري اعلى اللّه مقامه نسباً صحيحاً حيث قال: الإجماع في مصطلح الخاصة بل العامة الذين هم الأصل له وهو الأصل لهم. يعني ان هذا الإجماع الأساسي يكون وليد زميله السياسي وشقيقه السقيفي الذي تأسس على انكار نص الغدير فصار محصوله ان اغتنم صاحبه الفرصة وتربع على المنصة وأذاق صاحبها الغصة بعد الغصة . وسوف نوافيك بنبأ هذا على التفصيل عند بيان الدليل الثاني للمانعين عن تقليد الميت بعد قليل إن شاء اللّه تعالى. أمّا الإجماع عند الأخباري فهو ان تتفق الطائفة المحقة والفرقة الناجية على مضمون آية حكيمة او رواية معصوميةغير متهمة بحيث تكون معروفة لكل احد ،ولا يشد عن ذلك شاذ كاتفاقهم على وجوب المسح في الوضوء دون الغسل فهذا يكون حكماً قطعياً لا شبهة فيه لقولهم عليهم السلام : خذ بالمجمع عليه بين اصحابك فإنّ المجمع عليه لاريب فيه.
24 ـ ومن الأصوليين ، بل جلّهم لا بل كلهم إلا قليل منهم قد اعتبروا الشهره الفتوائية دليلاً شرعياً فياساً لها بالشهرة الخبرية بتنقيح المناط (الوهمي) فاصبحت ادلة الأحكام الشرعية خمسة منقحين اعتبارها اضافة لذلك التنقيح بظاهر بعض الآيات التي استدل بها (الجماعة) على حجبة اجماعهم المفرق للجماعة . ثم قد يكون عندهم حجة بالإستقلال فتصدر منها الأحكام وربما يكون لها تسعة اصابع في الحجة يعني (تسعين بالمئة) فتقوى الخبر الضعيف النحيف باصطلاحهم إذا وافقها وصافاها وتسقط الخبر الصحيح المعتبر إذا خالفها ونافاها ، واليك مثالين من هذا (المال) كشاهدي عدل لما قلناه : احدهما : قال صاحب العروة الوثقى > رحمه اللّه < في المسألة عدد خمسين من مسائل كتاب النكاح وهي مسألة الجمع بين الفاطميتين قال: وكيف كان فالاقوى عدم الحرمة وان كان الخبر بالمنع صحيحاً ... وبعد ان اورد الخبر الشريف قال (وذلك) :معللاً لترك الحكم بالحرمة والحكم بالجواز بضد الخبر لإعراض المشهور عنه ـ يعني عن الخبر ـ . الثاني :حكمهم بأنه يكفي في حصول التباعد المأمور به بين صفوف الجماعة وبين افراد الصفوف بما لا يصدق عليه التفرّق يعني وان بلغ خطوات عملاً بالشهره مع ان الأخبار جاءت بحد معين ، وهو: ما لا يتخطى وقد شهد على (هذه الأحوال) شاهد من أهلها. وقد قال العلامة المشهور له بالعلم المشهور بالفضل اغا محمد علي نجل الوحيد في كتابه مقامع الفضل في جواب المسألة عدد (569) : قد اشتهر بين المتأخرين مسائل على خلاف الأدلة القوية استناداً الي بعض الأصول او اطلاق دليل معارض بمقيّد او خبر ضعيف بل عامي معارض بقوي خاصي انتهى.
25 ـ وقد اشتهر في الأونة الأخيرة وبعد الغيبة الكبرى بستمائة سنة تقريباً مذهب للمجتهدين بتحريم العمل بفتوى العالم الميت وبطلان عمل العامل بها وان كان الميت اعلم من جميع العلماء الأحياء منهم والاموات . بل وحتى لو ظن المقلد مطابقة فتوى الميت للحق والواقع وكانت فتوى الحي مشكوكة الموافقة للواقع . واشتهر هذا القول عند الأواخر بعد ان لم يكن له ذكر في الأوّلين وسوف يأتيك نبأه بعد حين ، وبعد ما نسمعك قول المحدثين ودليلهم على قولهم الرصين. أمّا المحدثون فأهم شرط لديهم في المقلد بعد احراز علمه في الأحكام عن طريق الأئمة المعصومين ان يكون ورعاً عن زخارف الدنيا وحطامها ومن المتقين . ويكون أكبر همه إعلاء كلمة الدين فإذا حاز هذه الخصال جاز عندهم العمل بفتواه وأن كان من الميتين ، أمّا إذا تعدى هذه الخطة فلا يصح عندهم تقليده وان كان أعلم الأوّلين والآخرين لا حياً ولا ميتاً . ودليلهم على ذلك الإخبار المتواتر المؤيد للسيرة السائرة.
26 ـ فاستمع لنغمة الوحي من هذه الأحاديث واشكر نعمة اللّه وعنايته بالشيعة المخلصين. ففي تفسير الإمام عليه السّلام قال الصادق عليه السلام: في ضمن حديث طويل ، فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم الحديث . ومنها ما رواه البرقي في المحاسن عن أبي جعفر عليه السّلام : وبقول العلماء فاتبعوا . ومنها ما رواه الصدوق في الإكمال عن محمد بن محمد بن عصام الكليني عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب: قال سألت محمد بن عثمان العمري رحمه اللّه أن يوصل لي كتاباً قد سئلت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عجل اللّه فرجه : أمّا ما سئلت عنه أرشدك اللّه ووفقك اللّه ..... إلى قوله عليه السلام: وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواه حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجه اللّه عليهم . ومنها ما رواه الكشي رحمه اللّه في الرجال، وذكره الشيخ في الإستبصار وهو أن أبا الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال : كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث عليه السّلام اسأله عمن آخذ معالم ديني ، وكتب أخوه أيضاً فكتب إليهما : فهمت ما ذكرتما فاعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا وكل كثير القدم في أمرنا فإنهم كافو كما إن شاء اللّه . ومنها ما رواه الكشي أيضاً في الصحيح عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبداللّه(ع): ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالا سدي يعني أبا بصير . ومنها ما رواه عن عبد العزيز بن المهتدي قال :سألت الرضا عليه السلام فقلت: إني لا ألقاك كل وقت فعن من اخذ معالم ديني قال خذ عن يونس بن عبدالرحمن . ونضير ذلك ما ورد في زكريا بن آدم . ومنها ما رواه النجشي عن الباقر(ع) قال لا بان بن تغلب : اجلس في مسجد المدينة وافت للناس فإنّي احب ان يرى في شيعتي مثلك . وما رواه بسند معتبر عن معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق(ع) قال: بلغني انك تقعد في الجامع وتفتي الناس قال قلت: نعم وقد أردت أن اسألك عن ذلك قبل أن أخرج إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون ويجيء الرجل أعرفه بحبكم ومودتكم فأخبره بما جاء عنكم ويجيء الرجل الذي لا اعرفه ولا ادري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك قال : فقال: اصنع كذا فإنّي اصنع كذا . ومنها قول الرضا (ع) لعلي ابن أسباط: ائت فقيه البلد فاستفته فإذا قال فخذ بخلافه فإنّ الحق فيه. ومنها الأخبار المعتبرة الواردة في شأن العلماء كالأخبار الواردة في النهي عن الإفتاء بغير علم الدالة بمفهومها على ذلك ، ومنها الأخبار الواردة في بذل العلم للجاهلين والآثار الواردة في فضل تعليمهم أمور الدين . وجدر بنا للكلام في هذه الأخبار الشريفة الإشارة لعدة نكات تعين في فهم المراد من تلك الأخبار بأحسن تبيين.
27 ـ الأوّلي: انه لما كان التقليد أمر ليس للإنسان عنه محيد ، بل يحكم العقل السليم بالإيجاب على أن يقلد الجاهل العالم وان يقتدي العالم بالأعلم كما أن هذا هو مقتضى الفطرة ( التي هي عقل هبط عن مستواه) وترى الناس جيلاً بعد جيل مندفعين ومتداعين إلى الرجوع للكتب المدونة في شتى العلوم ومختلف الفنون للانتفاع بالعلم الذي تحويه والعمل بما فيها عند مسيس الحاجة وحسب الظروف من دون نكير. كما وترى كل ذي فضل من علم او فن إذا كتب او قال اسند ما يحتج لصحة رأيه فيما يقول إلى رأي من يثق به هو وسامعه بأنه أفضل منه. الثانية: انّه وان كان قد نوقش في هذه الأخبار بأنها تدل على قبول روايات الرواة ولا تدل على الأخذ بفتواهم وتقليدهم ، إلا أن فيها مالا يقبل هذا النقاش لانها خاصة في التقليد والفتوى واخذ الأحكام فأين أنت عن قوله عليه السلام:( فللعوام ان يقلدوه ) وعن قوله:( وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا بها الي رواة حديثا) وقوله لأبان: (افت للناس) . وقوله لمعاذ:( وأفتى للناس) ومفهوم قوله :(ومن أفتى الناس بغير علم) ،ومفهوم الموافقة المدلول عليه بصحيحة ابي خديجة ومقبولة ابن حنظلة الواردتين في المرافعة . وقول الرضا عليه السّلام:( إئت الي فقيه البلد واستفته فإذا أفتاك فخذ بخلافه فإنّ الحق فيه ) ونظير هذا كثير. الثالثة : أن من المقطوع به أن المراد من كلمة (راوي الحديث) و (رواة الحديث) من مارسوا هذا العمل وتعودوه وعرفوا النكت وخصوصيات الظاهر والباطن ويكون له بصيرة وخبرة بها بحيث تجعله محلاً للإعتماد والإعتبار في مقام اخذ الأحكام منه وبذلك استحق لان يمنح هذا الوصف (ويزيّن صدره بهذا الوسام) فهذا الإسم رديف للفقيه والعالم والمفتي والمقلد والمحدث . وقد لمح الإمام عليه السّلام لجمع هذه الصفات في ابان بقوله له : ( اجلس في مسجد المدينة وافت للناس) فإنّ معناه ان مثلك انت الذي يكون حاملاً للأحكام الدينية ومحل اعتماد المسلمين فإنّ وظيفة العالم مثلك أن تجلس في مسجد رسول اللّه وتفتي للناس فإني أود أن يكون مثلك من شيعتي مشهوداً للناس ومعتمداً عندهم فهي صريحة في ان الفتوى هي محل الإعتماد وهي التي ينبغي أن يطلبها المسترشد ويرجع إليها السائل. رابعا: لما كانت هذه المراجعة ثابتة في زمان الأئمة وجارية في عرفهم ككل عرف وزمان وكان رجوع العامي العاقل للعالم هو من هذا القبيل اعني من نوع الرجوع إلى أهل الخبرة وداخلاً في هذا الباب كان يكفي في اعتبارها عند ألائمة عدم إنكارها فإنه تقرير لها كيف وقد قرروها بما ورد عنهم في هذه الأخبار الساطعة المنار وفي غيرها مما لم نوردها الدالة بصراحتها على إرجاع ألائمة عليهم السلام لشيعتهم في أخذ معالم دينهم الي رواة حديثهم. خامسا: لما كان هدف الطالب والغرض في الإرجاع والرجوع والإعتماد إنما هو في المأخوذ والمرجوع فيه من الفتوى أو الرواية والمعتمد فيه ولا دخل للمأخوذ منه والمرجوع إليه ومحل الإعتماد في الغاية والغرض كان موت المأخوذ منه والمرجوع اليه ومحل الإعتماد لا يبطل الأخذ والرجوع والاعتماد كما لا يبطل الفتوى ولا نسبتها إليه. فإنّ النسبة تصح بأدنى علاقة، ولا نه لم يشترط الإمام عليه السّلام الحياة في الرجوع الي ابان وغير ابان فلم يقل: ارجعوا الي ابان ما دام حياً او ارجعوا الي رواة حديثنا ماداموا احياء. كما انه لم يقل لابان: يا ابان الحي افت للناس وانما خاطبه حيّاً فحياة ابان والرواة حالة من سائر حالاتهم فهي كانتباهتهم ونومهم وحضورهم وغيبتهم وصحتهم ومرضهم وقد اطلق الأمر بالنسبة الي اي جهة من هذه الجهات واي حال من الأحوال وصارت حالاته لادخالة لها في معلوماته ولو كانت حياته شرطا في الأخذ عنه والتعديل على معلوماته لانه خاطبه عندما كان حياً لكانت غيبته وحضوره وصحته من شروط الرجوع اليه فلا يصح الإعتماد عليه فيما إذا غاب او نام او ابتلى بمرض الرسام عدة ايام . وكما ان صحة الأخذ لا تختص بالمرجع وحده فكذلك المرجوع اليه لا ينحصر الأخذ منه بحال الحياة فقط بل حتى لو اخذ عن رسالته او عنه في حال حياته . وفي الحديث المروي في تفسير الإمام عليه السلام اقوى شاهد على عدم اعتبار الحياة في الفقيه والمرجع فقد جاء في بعض فقراته : انه يقال للفقيه يوم القيامه: ايها الكافل لايتام آل محمد قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك او تعلم منك فيقف فيدخل الجنة بشفاعته فئام وفئام حتى ذكر عشراً وهم الذين اخذوا عنه علومه واخذوا عمن اخذ عنه واخذوا عمن اخذ عنه الي يوم القيامة فالفقيه والمرجع هو الأوّل الذي هو الشفيع والباقون هم الآخذون عنه بعد ان صار رميما. ثم نقول ان الفتوى مستنده في الحقيقة على مدركها التي هي الأخبار والمدرك والاخبار موجودة وباقية لم تبطل بعد موت المجتهد.
28 ـ وتخيّل بعض الأصوليين من تنظير بعض الأخباريين الفتوى بالرواية وقوله :ان الفتوى لا تبطل بموت المفتي كما ان الروايه لا تبطل بموت الراوي: ان الأخباريين يزعمون ان فتاواهم ليست إلا مضمون الرواية ولذلك لا تبطل الفتوى بموت المفتي كما لا تبطل الرواية لانها الرواية نفسها . إلا أن هذا الخيال خلاف الحس فإنّ كتب المحدثين الإستدلالية كتب إستدلال واستنباط ويعتبرون انفسهم مفتين ومستنبطين يكتبون في الإستدلال لإثبات فرع واحد ثلاثة اوراق من الحجم الكامل وازيد فالإستدلال بهذا النمط كيف يكون ترجمة الرواية ، ولم يزل يصرحون بأن الخروج من عهدة كلفة الإستدلال ليست في عهدة كل أحد وليس غرض ذلك المؤلف الأخباري من عبارته تلك ما توهمه المنتقد من ان مؤلف كتب الأحاديث راو مثل مصنف الكتب الفقهية وإنما مقصوده كما ان كتب الأحاديث لا تموت بموت مؤلفيها فكذلك الكتب الفقهية لا تموت بموت مصنفيها يعني كما ان حياة الراوي ليست شرطا ً لإعتبار الرواية فكذلك حياة المفتي ليست شرطاً لاعتبار الفتوى . وعندهم ان الخبر يخالف الفتوى لان الخبر عبارة عن نسبة الحكم من المخبر الي غيره والمفتي هو الذي يخبر عن اعتقاد نفسه ويقول: اني اعتقد لما ثبت لدي من الأدلة ففي بيان حكم المسألة كما ان الأخباري يخبر عن إعتقاد نفسه فكذلك الأصولي يخبر عن اعتقاد نفسه ، وليس الفارق بينهما سوى ان منشا اعتقاد الأصولي الظنون الإجتهادية ولو من غير الخبر مثل الإجماع المنقول والشهرة وسائر الوجوه الإعتبارية . ومنشأ أعتقاد الأخباري ما يستفيده من مداليل الأخبار الجليّة ومفاهيم جملها الواضحة البينة ومن الجمع بين دلالاتها بتقييد عامها بخاصها ومطلقها بمقيدها وأيضاح مجملها بمبينها وإعمال ميزان التراجيح المتلقى من الأئمة في اسنادها بمقتضى فهمهم. وبالجملة الأخباري لا يخرج عن منطقة الخبر.
29 ـ وبعد هذا البيان فال السائل الآنف الذكر للعالم المسؤول المؤمأ اليه في اول الكتاب: لقد أتيت يا شيخ بالحل للمشكل ، واوضحت الإفادة واحسنت الرفادة ،واهتديت بهديك الى معرفة كل من النهجين ، وعرفت كل واحد من النجدين فارتفعت الحيرة من البين ، وترجّح عندي مسلك القدماء والمحدثين، واعتقدت صحة التعويل على قول العالم الميت والعمل عليه ولا عد مناك ، ولكن لا يخفى عليك ان ذلك الترجيح والرجحان لم يصل عندي الي درجة العلم والايقان حتى افهم دليل المانعين عن تقليد الميت الموجبين لتقليد المجتهد الحي ، كما واعرف ردّ تلك الحجج والدلائل وافتكر فيها بتريث وامعان ليطمئن فلبي بالإيمان (فإن العجلة من الشيطان والراضه من الرحمن) ولك مني جميل الشكر والامتنان. قال الشيخ مرحباً بالسائل :ومرحاً لك يا فهيم ، فسوف آتيك عن ذلك من (سبأ بنبأ يقين ) فوجه المسؤول الأوّل نفس السؤال الى زميله العالم الأصولي وقال له: نحن قد اقمنا الدليل عن جواز التعويل على فتوى الميت قبل هذا بقليل وقطعنا قالك والقيل ، فما دليلك انت على عدم اعتباره ووجوب تقليد الحي وانحصاره في التقليد: فإنّ النافي القاطع كالمثبت القاطع، مفتقر الي الدليل . فقال الشيخ الأصولي: أمّا انا فلا احيد عن رأيي في التقليد وانه من باب الظن، وان الأصل عدم اعتبار الظن، إلا ان الضرورة الجأت العامي اليه فإذا ابطلنا جواز تقليد الميت فقد ربح بطلنا المعركة، وحاز للبركة ،وترأس العالم الأصولي الجلسة (بالإستحقاق) حسب آداب المناظرة التي يستحقها كل محاضر ومناظر ، في العصر الحاضر والغابر عند تبادل الأفكار وتطارح الأنظار على بساط الحق بدون مكابرة وجدال.
30 ـ واخذ في الإستدلال وقال: لنا ادلة كثيرة إلا اني اذكر اهمها واتمها وهي ثلاثة بل اربعة: الدليل الأوّل : ان من المعلوم ان العمل بغير العلم غير جائز بمقتضى الأدلة الأربعة، الكتاب والسنة والعقل والاجماع ، ولا يجوز خرق هذا الأصل إلا بدليل قاطع وسبب مسوغ ، والتقليد من جملة الظن ، ولا دليل قاطع على جواز تقليد الميت . فأجاب الأخباري عن هذا الدليل بقوله : أمّا قولك ان العمل بغير العلم لايجوز فانا اول المؤمنين المصدقين بهذا الأصل الأصيل واتولاه واحالفه بل اتبرأ من كل من نفاه ويخالفه ، ولا زلت ابتهل الي الباري عز وجل ان يديم وجوده للعباد في جميع البلاد، ويكفيه شرّ الأضداد سيما عدوه الألد ( دليل الإنسداد) . فإنّا اولى منك بمطالبة الدليل القاطع على جواز التقليد الظني المصطلح عليه عندكم . فقال المانع : الدليل على ذلك هو دليل الإنسداد ، فإنّ العامي قد انسد عليه طريق العلم بألاحكام فأضطر الى معرفتها من طريق التقليد الظني كإلجاء الجائع المسبغة والإجاعة لأكل الميتة في المخمصة والمجاعة ، وكأن يكون في بادئ الأمر تقليد الحي والميت في الجواز سيان ولكن الدليل القاطع المانع من تقليد الميت جعلهما يفترقان. فقال الأخباري : الحق ان هذا الحوار منطقي ومنطق سليم فما دليلك يا اخي على المنع من تقليد الميت ؟فقال: لنا عليه دليلان: الأوّل : ان اعتبار قول المجتهد بالأحكام : انما كان من جهة ظنّه بالواقع بها ، وظنه قائم بقواه، وقواه قائمة ببدنه فإذا مات وتلاشى البدن فنت ظنونه . فأجاب الأخباري فائلاً : اولاً : اننا لا نسلم ان اعتبار قول المجتهد عند المقلد من جهة ظنه بالواقع لان المقلد لا يعرف هذه الفلسفة وانما يعول على فتواه لاعتقاده ان تكليفه من اللّه : بأن يعول على فتوى هذا العالم . وبعد التسليم (مماشاة) فنقول: ان اعتبار قول الإمام عليه السلام أيضاً من جهة علمه بالواقع فإذا كان الظن يفنى بالموت فالعلم يفنى وينتهي بالموت لأنّه لا فرق بين العلم والظن من هذه الجهة فيكون موت الإمام مسبب لبطلان قوله وذلك بديهي البطلان . فإن قلت : ان بدن الإمام لا يتلاشى كي يفنى علمه ويسقط اعتبار قو له نقول : نحن نفرض المسألة على تقدير تلاشيه فإنّه ليس من المستحيل . فإن قالوا : ان علم الإمام بالأحكام من اللّه الحي القيوم ، قلنا : إن قول المجتهد الأخباري أيضاً من احكام اللّه وعلمه الدائم الذي لا يزول، ولا فرق بينهما سوى قلة الوسائط وكثرتها . أمّا إذا كانت احكامه من الظنون كما تظنون فلا يجوز التعويل عليهما مهما تكون . ثم انا لا نسلّم : أن فساد الظن مستند الى فساد القوى، وانما هو مستند لخروج الروح البخارية من البدن ، حتى لو لم يتلاشَ البدن فيفسد العلم أيضاً لأنّ كلاً من العلم والظن والشك والوهم من الأوصاف النفسانية للنفس، والنفس لا تفنى بالموت فلا تفنى اوصافهم أيضاً بل النفس هي محل المعرفة وحاملة للتكاليف . وهي تتوفى في حالين : حين الموت وعند النوم قال تعالى (اللّه يتوفى الأ نفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) وبعد خروجها من البدن بسبب الموت المسبب عن خروج الروح البخارية، لا تعود النفس الى البدن، لانه لا تبقى لها علاقة وصلة به فينتقل الى عالم البرزخ ، فإنّ خرجت بسبب النوم رجعت الى البدن . فإذا كان خروج النفس من البدن في حالة الموت يسبب بطلان قول المجتهد ويميت رسالته فبخروجها من البدن عند النوم يقتضي بطلان قوله ورسالته وذلك بديهي البطلان.
31 ـ ولوضوح فساد هذا الدليل الذي ذكره الفاضل الزميل حكم بردائته فحل من فحول الفقهاء وعميد من عمد الأصول . وقد سبق ذكره الميمون في بعض الفصول قال: > والحجة التي ذكرها الأصحاب له( يعني لمنع العمل بفتوى الميت) رديئة جداً لا تستحق ان تذكر< يعني: ليس لها مبنى ولا فيها (حرف جاء لمعنى) ، وان تسميتها عقلية بدون مزية ، لانها لا تمت الى العقل بسبب ولا بنسب، بل هي الى الخيال اقرب وبالخبال انسب.
32 ـ وقد وجه بعضهم هذا الوجه وحوّله وحوّره، فقال: إن زوال ظن المجتهد بسبب الموت، ليس من جهة ان المتصف بصفة الظن هو القُوى ،وإذا فنى الموصوف فنت الصفة، كي يمنع اتصاف القُوى والأبدان بهذه الأصناف من الأوصاف. بل من جهة: ان النفوس بعد ان تنتقل الى عالم البرزخ تنكشف لها حقائق الأمور، ويحتمل ان ظن المجتهد بنجاسة الغسالة مثلاً يزول، فتنكشف طهارتها هناك إليه، وقد كان ظنه بالنجاسة هو المعتبر وبقاء هذا الظن غير معلوم . نقول: بعد تسليم انكشاف كل الأمور، بل بعضها أيضاً ، وتسليم ان اعتبار قول المجتهد من جهة الظن، ونذهب الى (الكشفية): انه في بعض الأحيان يزول ظن المجتهد ويتبدل، بأن يحصل له تجديد الراي في المسألة، فإذا شكّ المقلد في حياة المجتهد، ببقاء ظنه بنجاسة الغسالة لإحتماله حدوث رأي جديد له بها، أليس انكم تقولون: يستصحب المقلد الظن بها، فيصح لنا نحن أيضاً ان نقول: إذا شك المقلد في بقاء الظن بعد موت المجتهد لما ذكرت من الإحتمال فتحكم ببقاء الظن بالإستصحاب إذ لا فرق بين الحالين.
33 ـ والشيء بالشيء يذكر، والكلام يجر الكلام، فقد الفتنا ذكر الإستصحاب، الى انه قد يقال: ان من الممكن اجراء الإستصحاب في المسألة ذاتها يعني مسألة جواز تقليد الميت، وصحة التعويل على فتواه ورسالته بأن يقال: كان الأخذ بفتوى المجتهد الفلاني في حال حياته جائزاً، ويستصحب ذلك الجواز بعد موته. وذلك: لان جعل الأحكام الشرعية بتمامها، انما هو بنحو القضية الحقيقية، يعني بمعنى جعل الحكم على العنوان الكلي وماله من مصاديق كثيرة تدريجية في عمود الزمان من دون تعدد ارادة ولا جعل حسب تعدد المكلفين، وقضية الرجوع والارجاع الى فتوى المجتهد هو من هذا النوع فإن معناها: ان كل من وجد في الخارج وكان مكلفاً في كل زمان كان له تقليد المجتهد الفلاني. وتوضيحه : ان حقيقة الإرادة التشريعية في ظرف جعل الأحكام كالإرادة التقنينية بين العقلاء، فكما ان الإرادة التقنينية الدارجة في اقطار العالم والرائجة فيه عبارة عن جعل حكم واحد على معنون كلي مثل عنوان: الناس والمالك والمستأجر، فهو بهذا الجعل الواحد على معنونه يصير حجة على مصاديق معنونة مدى الدهور والايام، سواء كانوا موجودين حال الجعل، أو لا من دون ان يتعلّق جعل مستقل بكل واحد من مصاديقه، ولا ارادة مستقلة بحيث يكون هناك ارادات وجعلات حسب نفوس المكلفين، وهكذا الجعل التشريعي، فإنّ جعل من استطاع من الناس مركزاً وموضوعاً لطلب حج البيت ليس معناه تعلق جعل مستقل ، لكن واحد من الأفراد بل معناه تعلق الطلب التشريعي الواحد على العنوان الواحد لكنه يصير بوحدانيته حجة عند العقلاء لكل من تلبس به فعلاً، او في المستقبل فإنّ ما هو تمام الموضوع إنما هو من استطاع اين وجد وفي أي زمان تلبس لذا لو شككنا في طرو النسخ على هذا الحكم بعد قرن او قرون كان علينا استصحابه. وبالجملة جواز رجوع الناس او كل من له التقليد على المجتهد الفلانى كتعلق وجوب الحج على عنوان من استطاع ، فكما يجوز استصحابه عند طرو الشك فهكذا ذاك بلا تفاوت. وما يقال:ان مدار الفتوى إنما هو الظن الإجتهادي ولذا يقول المجتهد : (هذا ما ادى اليه ظني ، وكلّ ما ادى اليه ظني يجوز لي الإفتاء به ). فإذا مات لم يبقَ له ظن ولا علم فلا يبقى له راى ولا فتوى ومعه كيف يجوز الإستصحاب. ففيه: ان ملاك عمل العقلاء بآراء ذوي الفنون واصحاب الصنائع ومن له شغل التقويم إنما هو لكون الرأي بنحو الجزم وبوجوده الحدوثي طريقاً الى الواقع وصفة الطريقيّة ثابتة له كان صاحبه بعد ابراز رأيه حياً أو ميتاً . فإنّ مناط الحجيّة وملاك الطريقيّة عندهم قائم بنفس الأخبار جزماً عن امر واقعي، ولاتنسلخ هذه الأوصاف عنه اصلاً لا بموته ولا بنومه إلا بنقضه وتبدل رأيه والجزم على خلافه هذا حال السيرات العقلائية ، والادلة الشرعية جارية عليها وغير خارجة عن حدودها. وإن شئت قلت: إن رأى الفقيه وابرازه بصورة الجزم جعل كتابه طريقاً الى الواقع لدى العقلاء وجائز العمل في زمان حياته لكن نشك في دخالة الحياة فيه شرعاً على وجع التعبد وجواز العمل على طبقه والاصل بقاؤه. وذلك: لان الرأي والجزم بوجوده الحدوثي جعل الكتاب او الرأي بمعنى حاصل المصدرجائزا لعمل وحجة وطريقاً الى الواقع ، ومع الشك يستصحب جواز العمل والحجيّة والطريقيّة ونحوها . والرأي الذي هو عدم : هو الرأي القائم بنفسه لا الرأي بمعنى حاصل المصدر. كما ويمكن أن يقال أن الحجيّة وجواز العمل وتطبيق العمل على الفتوى انما هو من الأمور الإعتبارية الدارجة بين العقلاء وليست من الحقائق الخارجية الأصلية التي يحتاج ثبوتها الفعلي الى الموضوع الفعلي، وأي محذور أن يكون الظن الموجود في محله موضوعاً لجواز الإحتجاج على نحو الإطلاق . وقد حقق في محله أن رفع الوجود المقيد لا يلازم سلب وجوده المطلق في الواقع.
34 ـ ولم يزل صاحبنا المناظر يرأس الجلسة ،وقال : لا يهمنا إبطالكم دليلنا الأوّل فإنّ دليلنا الثاني على المقصود أدل وباسمه اجدر، وعليه وحده اعتماد من تأخر.
35 ـ وهو الإجماع فإنّه عندنا: معشر المربعة وهو احد الأركان الأربعة بل هو والعقل يفضلان الكتاب والسنة ، وذلك لان في بنيتهما (مناعة قوية) عن تأثير أي تخصيص عليهما . فإنّ ظهور الإجماع من الطائفة المحقة فوق حد الإستفاضة على بطلان تقليد الميت. فقال الأخباري :الحق انه دليل واي دليل لكن يكلفك امرين : تحقق هذا الإجماع ، واثبات انه دليل علمي لكي يكون حجة لك على مدعاك . فقال : أمّا وجه حجيته فلانه دليل على الحجة اعني قول الإمام (ع) ، وأمّا جهة هذه الدلالة ففيها ثلاثة أراء : الأوّل: ان قول الإمام داخل في جملة اقوال المجمعين يعني يكون هو سلام اللّه عليه (احد اعضاء الجمعية) المؤلفة من الفقهاء ، وان كان لايُعْرَف شخص جنابه بالتفصيل فإذا اتفقوا في مسألة على حكم من الأحكام يكون ذلك الإتفاق دليلاً قطعياً على ان الحكم مطابق للواقع ، وبمناسبة هذا التوجيه يسمى الإجماع بالتضمني لأنّ قول الإمام في ضمن قول المجمعين أو فقل : أنّ الإجماع يدل عليه بدلالة التضمن . فقال له الأخباري: اثبت العرش ثم انقش وبعبارة اصرح: ان اثبات اتفاق جماعة من الفقهاء يعلم دخول الإمام في جملتهم على بطلان تقليد الميت دونه خرط القتاد بل من المقطوع بعدمه . . فسل الشيخ احمد بن فهد الحلي > طاب ثراه< : هل تحصل على جواب عندما استجوبهم عن اول قائل به وعن تاريخ هذا القول؟ ثم ان جلّ تلك الأقوال إن لم يكن كلها مستحصلة من اراء الموتى ومن كتبهم فكيف يستدل بأراء الموتى على بطلان تقليدهم إن هذا إلا عجاب .
36 ـ الرأي الثاني في توجيه دلالة الإجماع على قول الإمام (ع) قاعدة اللطف، وهي على علاتها ونشوب الخلاف بين علماء الكلام فيها قالوا في هذا التوجيه وتقريره : انه إذا اختلف الفقهاء الإمامية في مسألة على قولين ولو كان القائل بأحد القولين واحد، فلا بد ان يكون قول الإمام مطابقاً لاحد القولين، ولو لم يكن القول المطابق ولا قائله معروفاً، وذلك: لان انفراد الإمام بقول مخالفاً للأمامية غير جائز، بل يجب عليه من باب اللطف: إذا رأى ان الحق في مسألة خارج عنهم وبخلافهم: ان يظهره، ولو بأن يلقه او يلفته واحداً منهم. وبعد ان اثبتنا ان احد الأقوال لا على التعيين موافقاً في صورة الإختلاف لقول الإمام بمقتضى وجوب اظهار الحق عليه فلا بد ان يكون اجماع هؤلاء موافقا لقول الإمام. واما انه يجب عليه اظهار الحق وعدم جواز الإنفراد فلأنّه لو لم يجب عليه ذلك وجاز له الإنفراد يكون التمسك بالاجماع باطلاً لأن وجوب موافقة اجماع هؤلاء مع قول الإمام اثبت وجوب اظهار الحق عليه ، وعدم جواز الإنفراد وإلا فلا يقوم دليل على القاعدة .
37 ـ نقول: في بيان الخلل في هذا الرأي وضعفه: اولاً: ان الواجب على الإمام >عليه السلام< حسب جاري العادة ان يظهر الأحكام بنحو التعيين وليس على سبيل الترديد بين الأقوال . إلا ان ظلم الرعية لجنابه وخوفه من ان يقتل او يسم جعله معذوراً فاختار الغيبة التامة بأمر اللّه جلّ قدسه،بحيث لم يقدر ان يظهر احكام اللّه جل جلاله ولو بأن يوصلها لاحد من عباده بل كان روحي فداه من الخوف على اشده بحيث لم يكن وهو في زاوية بيته مأموناً على نفسه من الناس الذين عقوه وتجنبوه واساؤوا العشرة والسيرة معه فحرموا من فيوضات غيبته. إذا عرفت ذلك فبأي دليل يكون اظهار الحق واجباً عليه وهو بهذه الحالة بتلك الوسيلة لانه لو لم يظهره تسقط (قداسة ) الإجماع عن الحجيّة والإعتبار فهل كان ذلك لان الإجماع إذا بطل يكون سبباً لورود القدح (والعياذ باللّه) عليه، ام ان هذه من جملة الفيوضات التي يجب عليه ايصالها الى رعيته . إلا ان اثبات ذلك موقوف على بينة من حديث او رواية تثبت وجوبه، مع ان رئيس هذه الطائفة وخريت هذه الصناعة، موجه الإجماع بهذا الوجه لم يذكر ولا خبراً واحداً في هذا الشأن . وحتى لو كان لم يكن كافياً ولا وافياً عندهم لانه لا يفيد علماً بل يحتاج الى اخبار متواترة بل الأدلة على خلافه وانحرافه موجودة في اصح مجمع وكتاب. وكذا لو كان هناك دليل عقلي لذكروه لانهم اهله وذووه ، ولم يتمسك له بغير لزوم بطلان التمسك بالإجماع وسقوط اعتباره . فإن قالوا: دليلنا الإجماع قلنا: اثبتوا، اولاً: حجية الإجماع ذاته،ثم استدلو به كيلا يدور. والملخص: ان قاعدة اللطف على فرض صحتها في نفسها لا تثبت ان الإجماع دليل علمي.
38 ـالرأي الثالث في توجيه حجية الإجماع: هو كشف اجماع الفقهاء عن رأي الإمام (ع) بالحدس ، وبهذه المناسبة يسمى الإجماع على هذا الرأي بالإلتزامي والكشفي، وذلك لان الملازمة بين ثبوت الإجماع وقول الإمام كالملازمة بين النار والدخان، فإنّ العادة قاضية بعدم امكان وجود النار بدون دخان وهذه الملازمة قاضية لأن يحكم الإنسان بوجود النار ولو لم يرها ، وإنّما رأى الدخان ، فإنّ ادراك وجود الدخان بالحس وهو البصر ، وادراك وجود النار بالحدس ، ولا فرق في حصول العلم بين الحس والحدس. كذلك الأمر ما بين الإجماع وقول الإمام (ع) فإنّ العادة قاضية بأنه لا يمكن تحقيق اجماع الإمامية واتفاقهم في مسألة وهي مخالفة لقول الإمام، فتحقق الإجماع في المسألة بالحس إمّا بمراجعة المسألة في كتبهم او بالسماع منهم ،وتحقق قول الإمام بالحدس. وأمّا اثبات الملازمة فلان اقوال جميع الفقهاء مع حذقهم ومهارتهم في الفن وبذل جهدهم يلزمه عدم تخلف قولهم عن الواقع ، وهو قول الإمام ،فيكون الدليل على ان الإجماع دليل علمي هو هذه الملازمة ، واختار هذا الرأي وارتضاه كثير من العلماء، منهم الشيخ مرتضى الأنصاري >قدّس سرّه< في رسائله فإنّه بعد ان ردً الوجهين الأوّلين التضمني واللطفي قال: لان الأوّل وهو السماع من الإمام غير متحقق، وان الثاني يعني اللطفي، ليس طريقاً للعلم، فلا تسمع دعوى من استند اليه. نقول: قد عرفت ان هذا الشيخ ابطل دلالة الوجهين الأوّلين في دلالتهما على ان الإجماع دليل علمي . وهذا الشيخ نفسه يقول عن الشيخ الطوسي: انه صرح في العدّة في مقام الرد على السيد ـ يعني السيد المرتضى حيث انكر السيد الإجماع من باب اللطف ـ قال: لولا قاعدة اللطف لم يمكن التوصل الى معرفة موافقة الإمام للجمعين. فأنت ترى ان هؤلاء العلماء قد ابطل كل منهم رأي الآخر وتوجيهه فمن الصحيح منها يا ترى ..؟؟؟!!! الصحيح انه : ليس فيها رأي صحيح ولا وجه مليح بل الأمر كما قال صاحب مباني الأصول، حيث قال فيه في طي مسألة اشتراط الحياة للملقد قال: والمختار عندنا الإشتراط لا للإجماع فإنّ المحقق من الدخولي منه غير محقق لان الإتفاق ينقطع عن زمن الحضور . ومثله ليس بكاشف عندي كما حقق في محله ، وغيره يعني به:(اللطفي) والالتزامي غير حاصل لتعذر اجتماع شروطه . و المنقول معيوب الى آخر ما قال ، فإن هذا المحقق قد وسّم الإجماع المنقول بعامته بالعيب، ولم يستثنِ منه نقلاً من النقول ، وكذا صاحب البركات حيث قال في المسألة ذاتها: لا يجوز تقليد الميت ابتداءاً كما اشرنا اليه انفاً لا للإجماع بل لان الرجوع الى المجتهد إمّا من جهة رجوع غير العالم الى اهل الخبرة ، او لقوله تعالى: (فاسئلوا اهل الذكر) ، ولا ريب ان السؤال والرجوع الى اهل الخبرة ظاهر في كون المسؤول والمرجوع اليه حياً فهذا السيد أيضاً انكر اعتبار الإجماع المنقول على العموم . ونلفت انتباه المطالع والسامع الى ان الإجماع يعوزه ـ مضافاً لما تقدم ـ انه: مجهول الهوية والكيان، لانه لحد الآن لم يعرف له حد معين، ولا تعريف متيقن، فإنّه يختلف تحديده بحسب اختلاف الآراء في توجيه وجهة حجيته من القول بالتضمين او من جهة الألطاف او من جهة التلازم بين الإتفاق وقول الحجة عليه السلام، وهو منتهى المطاف. أمّا التظمني واللطيفي فلم يبينه اهله واهملوه ، وأمّا اصحاب الوجه الثالث: فقد اخذوا ـ حسب ما يفهم منهم من مأخذه ـ اتفاق العلماء جميعهم في جميع العصور، بما فيها عصور الحضور، ولا اقل اتصال سلسلة العصر الحاضر بعصر الحضور كما افاده صاحب المباني في االعصر الأخير . وذلك عند ردّه الإستدلال على المنع من تقليد الميت بالاجماع: بان هذا الإجماع غير مقبول لانه لم يتصل بزمن الحضور، وقد حقق صاحب هذا الرد فقال : لأنّ من شرط اعتباره بالقبول : أن تتواصل افراده، وتتصل بزمن الحضور، كإتصال السلسلة بحلقاتها والسلك بحباتة وخرزاته . وعلى اي حال ، وبأي معنى كان: انه إذا حصل اتفاق بهذا النحو وهذه الصفة فإنّه حجة من دون شك ولا شبهة، ويعطي اليقين لكن: لا لانه اجماع، وبصفته اجماعاً، بل لان اتفاقاً بهذه الصفة، وبهذا العدد الضخم الهائل الكثير هو من نوع الضروريات، قسيمة البديهيات، ومن اقسام الأوّليات، التي لادخل لها بالاجماع . كما ان دخاله الإجماع فيها مردود ومعيوب كدخول الغاضب في المكان المغصوب.
39 ـ وقد رام بعضهم تأييد الإجماع وتشييده بحجة ان النقل فيه مستفيض، وفوق الواحد بأزيد من واحد وان لم يعدُ الخبر الواحد . وملخص ذلك: ان النقل متآزر، وإن لم يبلغ حد المتواتر إلا ان هذا التسديد كاسد بل فاسد، وذلك لان من خاصية الإجماع المنقول ان تنقص نسبة قيم محصلة المنقول بنسبة تعدد الناقل. وذلك لان نفس الناقل خارج عن جملة المحصل، فإذا قال:اجمع العلماء ـ يعني طبعاً ـ جميع من اراده من المجمعين والمفروض انه من العلماء، مع انه خارج من عدد المنقول عنهم، لانه الناقل فينقص من جمعية الإجماع المحصل واحد، فتتضائل قوة حجيته بجزء واحد من نشاطها ، وقس على ذلك باقي النسب. وأمّا ماذكره حجة لإشتراط الحياة فهو الذي اشرنا اليه آنفاً برابع الأدلة لهم على الإشتراط . وهذا الإحتجاج أيضاً مردود، لان حجية الرجوع الى أهل الخبرة معناه الفطرة وهو لبي معنوي، وليس لفظياً كي يكون له ظهور ويتبادر منه حياة المرجوع اليه والمسؤول ، وأمّا الآية فقد حققنا فيها وما في معناها من الأخبار انه ليس للحياة دخالة في المسؤول ، ولو كان للحياة دخالة لكانت المشافهة أيضاً لها الحق بتلك الدخالة مع انه بالإجماع: لايشترط في المسؤول ولا الإرجاع. ثم ان هذه الآية لا تصلح للإحتجاج في التقليد المصطلح عليه عندهم لان التقليد المصطلح عليه عندهم خاص بالفتاوى الظنية، ولم يكن في تلك العصور إلا الأحكام العلمية.
40 ـ لم نعود الى الإجماع المزعوم فنقول: كيف يتحقق هذا الإجماع مع مخالفة كل الأخباريين، ومخالفة صاحب القوانين فهذا من دعوى الإجماع في موضع النزاع، ويضاف الى ذلك مخالفة من يقول : بجواز البقاء على تقليد الميت وهو القول الجديد الذي هو برزخ بين القولين ومفاده : انه إذا مات المجتهد المقلد للناس فإنّ لهم البقاء على تقليده والعمل بفتواه إذا لطف احد المجتهدين الأحياء بالحال فاجاز لمقلدي الميت ان يعملوا بفتواه ، ويكون بهذ ه الفتوى التي يفتيها الحي جميع فتاوى الميت صحيحة ويجوز العمل بها للمقلدين .
41 ـ والشيء الطريف في هذا القول : الذي هو بين بين : يصلح الظنون بالظنون ، وذلك لان فتوى الحي بجواز البقاء على تقليد الميت وصحة العمل بفتواه، انما هي من الفتاوى الظنية ، وتحمل طابع الظنون وطبعها الموهون فكيف تصلح الظنون وانى يكون. إلا انه يمكن ان يكون لأنّه قد قال الفيلسوف الحكيم منذ عهد قديم: ( إذا طرق سمعك شيءمن غرائب الأكوان فدعه في حيز الإمكان حتى يذدك عنه قاطع البرهان) . وحيث، ان قول المجتهد الحي لحد الآن هو في قيد الحياة ، فاته بامكانه وبوسعه ان يحشر الأقوال الميتة اليه وتتسرب الحياة الى جملتها من لديه، ولا يدع شيئاً منها يعتب عليه.
42 ـ هذا كله في حال حجية الإجماع المحصل الذي سبق منا تعريفه مع تعريف المنقول منه في المقال :رقم"23" على الوجه الأكمل فلا تغفل. أمّا تحقيقه وحصوله : فإليك هذه ا التصريحات من اصحابه في نفي حصوله وتحقيق ذهابه، وان تحصيل الإجماع المحصل ماهو إلا تقدير وافتراض تحصيل . قال صاحب التلخيص المومأ اليه من ذي قبل : ان القائل بامتناع الإجماع ناظر الى امتناع اتفاق كل المجتهدين مع اختلاف مشاربهم في الأحكام النظرية على حكم واحد . والقائل بامتناع العلم به ناظر الى ان الإجماع على حكم من الأحكام ـ وان كان مستبعداً غاية الإستبعاد، بل ملحقاً ذلك بالمحالات العادية لكن ليس ذلك موجباً للإستحالة الذاتية لعدم دليل على الإمتناع الذاتي المستحيل العلم به في الخارج. يعني : ان الإجماع مبتلى بفقد الحجيّة ومحتضر بمرض الجهالة . ثم اقول : قد سمعت اعتراف هذا العالم الأصولي المعزر باعتراف غيره من امثاله بأن الإجماع المحصل لا يكاد يحصل . ومع ذلك لايزالون يستدلون به في الأغلب (كتشبث الغريق بالطحلب). ثم اقول : ليت شعري إذا كان الإجماع غير موجود فأي شيء ينقله الناقل كي يكون الإجماع المنقول الذي (دقوا له الطبول)، حتى صار عند جلّ متأخريهم هو الدليل الوحيد في المنع عن هذا التقليد لست ادري !!!.
43 ـ وأمّا الإجماع المنقول ، فإذا اردت ان تعرف حاله عندهم في الإعتبار والقبول فاسمع لما اقول : قال الففيه العلامة صاحب مصباح الفقيه > اعلى اللّه مقامه < في مسألة الغسل عن وطي الغلام : ان الإجماع انما يكون حجة لاشتماله على قول المعصوم ، والعادة قاضية بأن ناقل الإجماع، لا ينقله إلاعن حدس واجتهاد ... واستطرد البحث في المسألة الى ان قال : ان اخباره بقول الإمام عليه السلام وكذا باتفاق العلماء بحسب العادة لايكون إلا حدسيّاً مبنياً على اجتهاد من الناقل ، وقد عرفت انّه لادليل على حجية هذا النحو من الأخبار، بل الأدلة قاضية بعدمها .انتهى موضع الحاجة منه. اقول: يقصد >عليه الرحمة < ان الإجماع المنقول إنما صح اعتباره بمحاولة دخوله في جملة الأخبار، والاخبار إنما صارت مقبولة لانها تخبر عن شيء محسوس، بأحد الحواس الخمس ، فلو اخبرت بشيء عن حدس، فلا تكون مقبولة . والحال ان الناقل للإجماع لا يخبر عادة إلا عن حدس واجتهاد، فلا يدخل في الخبر ، فلا تكون له حجيّة. وكذا ماقاله صاحب البركات فإنّه قال :( وبعد ان فرغنا من بطلان الوجهين الأوّلين ) يقصد بالوجهين: الإجماع المحصل على الوجه التضمني، والوجه اللطفي على ذلك بقوله:( بالقطع بعدم وقوع الإجماع الدخولي والقطع بعدم اقتضاء اللطف، لذلك بعد كون استتار الحجة وعدم تصرفه من طرف الرعية ، فينحصر الوجه في الثالث اعني به الحدسي القطعي، بموافقة المجمعين للمعصوم ، وكون الإتفاق كاشفاً عن كون ذلك برضا المعصوم . ثم قال >عليه الرحمة<: ولا يهمنا الآن المناقشة في حصول القطع بقول المعصوم بسبب الإتفاق بالحدس بل انكاره جداً. وهكذا اتى بعين المعنى صاحب الكفاية >عليه الرحمة<، باختصار حيث قال :( انه لا اشكال في حجية الإجماع المنقول بأدلة حجية الخبر الواحد إذا كان نقله متظمنا لنقل السبب) يعني بالسبب اقوال الفقهاء(والمسبب) ويعني به: قول الإمام(عن حس) لو لم نقل انّه نقله كذلك يعني عن الحس (موهون جداً) يعني لايتأتى النقل في زمن الغيبة عن حس ، فلا تعتبر هذه النقول. فهذه تصريحات ناصّة من هؤلاء الفحول بعدم تحقق الإجماع المحصل (واربع شهادات) منهم بعدم اعتبار المنقول ، وهو حكم عام شامل لجميع الناقلين ، ولن يستثنى احد منهم ولا من غيرهم احداً من الناقلين . إلا ان بعض العلماء استثنى من الإجماع المنقول واعتباره ما إذا كان الناقل مثل المحقق الكركي والشهيدين اعلى اللّه مقامهم. افهل كان حدس هؤلاء حاسة سادسة مضافة لحواسهم الخمس الأخرى او ورد في تخصيصهم رواية او حجة سواها ( أم لحاجة في نفس يعقوب قضاها)00 لست ادري !!! .
44 ـ ايها السائل قد اسمعناك الدلائل للقولين وشرحنا المسائل للجانبين . والغاية من ذلك ان يكون تقليدك عن بصيرة في الدلائل . وليكن نصب عينيك قول القائل: ادور مع الإنصاف والحق اقتفى وعن ربقة التقليد جيدي مكرم وإذا نظرت بعين الإنصاف تعرف الحق فإنّ الحق واضح كوضوح الصبح لذي العينين . فلا تهولنك الكثرة فإنّه ليس بها عبرة ، ولا يغتر بها إلا الجاهلون فإنّه:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غروان يرتاب والصبح مسفر
45 ـ ولا تخدعك العناوين التي يصدر بها المسألة بعض المصنفين فيقول: واجاز الأخبارية تقليد الميت ابتداءاً، تبعاً للعامة، او بتعبير آخر منهم موافقة للعامة . اهذا من الإنصاف ان يكون المحدثون ليس عندهم حجة ولا دليل على قولهم في المسألة إلا تقليد العامة مع ان دليلهم واضح السبيل ، لكن هؤلاء صدق عليهم المثل القائل: "رمتني بدائلها واستلت" .
فلاحظ المقال التالي كي تعرف من التابع للعامة بعد التبعين الأوّلين السابقين. قال المحقق العاملي >قدّس سرّه< في هداية الأبرار: ان هذا القول يعني المنع من تقليد الميت لم ينقل في كتاب من كتب القدماء ولا يعرف القائل الأوّل به من الإمامية من هو وفي اي عصر، ولم ينقل به حديث ، وقد انكره جماعة منهم الشيخ احمد بن فهد ... ثم قال: وتحقيق القول في ذلك:إن هذا أيضاً من الأمور السياسية التي دبرها العامة وكان هو المعول عليه عند قدمائهم، ، وقد صرّح بذلك القاضي البيضاو ي في منهاج الأصول . وكانوا في العصر الأوّل لا يولون القضاء إلا من له مرتبة الإجتهاد عندهم ، واحتجوا عليه بأنه لو كان قول الميت معتبراً لما انعقد الإجماع على خلافه بعد موته، ثم لما اضطرهم الأمر لكثرة من يدعي الإجتهاد من الأحياء وخافوا الفتنة والفساد تركوه واجمعوا على تقليد الأربعة ، ولما دبر العامة هذا النوع السياسي قلّ النزاع بينهم . وأمّا المتأخرون من اصحابنا فما زادهم قولهم بتقليد الحي وطرح قول الميت إلا نزاعاً، ولم نرَ في زماننا هذا بل ولا سمعنا فيه ولا قبله بمدة طويلة أن احد هؤلاء سلم لصاحبه اجتهاده في حياته وان كان ذلك فنادر ، وإنما يسلمون له الإجتهاد وانه من اهله بعد موته.

الخاتـــمة

46 ـ وهذا آخر الأرقام ومنتهى المقال في هذا المجال، وخاتمة الكتاب، ونلفت في الأنظار الى جملة ملاحظات مع تعليقات على ما تقدّم منها في عدّة ارقام:
1 ـ اعلم : انه لا مناص، ولا محالة من ان يحوز المقلد الوصفين التاليين العلمية والعدالة، بل الأعلمية ان تيسر العلم بها ( بسهالة) ويحرز الوصف الأوّل باحد الدالين: إمّا الشهرة الى حد الإشاعة الذائعة من جانب الهيئات العلمية والطلاب ومن باحئه او حضر ابحاثه، او شهادة صريحة شفهية او كتبية من عالمين ـ لا اقل ـ يحرز فيهما حيازة الوصفين المذكورين . أمّا الوصف الآخر ـ وهو العدالة ـ فلابدّ من ان يحزر اتصافه باخص معانيها، وهو ما اعتبره في معناها عمنا الأعلى صاحب الحدائق >اعلى اللّه في الخلد مقامه< في المقلد وامثاله من اهل المقامات الرفيعة في وظائف الشريعة، وذلك لوقوع الإختلاف في معناها ، ولا يمكن للمكلف الإجتهاد فيها لقصوره عن ذلك كما هو مفروض الحال ولا التقليد ،لأنّه لا موقع له ولا معنى له مادام هو في تلك الحالة . وان اردت ان تعرف المعنى الذي اشرنا اليه فاطلبه من الحلقة الرابعة صفحة 47 من احسن الحديث تعثر عليه.
2 ـ يجوز التبعيض في التقليد، وذلك فيما إذا لم يتيسر معرفة الأعلم . ومعنى ذلك ان يبني امره انّه إذا احتاج الى معرفة مسألة من المسائل ان يسألها احد افراد العلماء المعروف عنده بالعلم والعدالة او يطلبها من رسالة عالم يكون بتلك الصفة من المعرفة . وهكذا إذا احتاج الى مسألة أخرى يسألها من عالم آخر لنفس ذلك الطلب، ومتصفاً بنفس الصفة، وهلم جرّا. أمّا إذا بنى امره على تقليد احد العلماء في جميع المسائل فلا يجوز له العدول عن التقليد، بعد العمل على طبق فتواه ولو في احد المسائل ، وذلك بان يعمل بفتوى عالم آخر من حيث: انه يكون بهذا التحديد، والعدول داخلاً في باب الرد على علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يوجب له الخروج من باب الإيمان باللّه العظيم.
3 ـ اعلم انه حسب المستفاد من الأصول والمعارف الملتقاة من الطرفين المتفق عليها بين الفريقين: انهم يتفقون على وجوب تقليد العالم الأخباري الحي الأعلم بلا خلاف، وذلك لان مدارك العالم الأخباري لإجتهاداته مسلمة الإعتبار لكل من الفريقين من اهل الأنظار، فمن يكون جامعاً لهذه الأوصاف يكون في ملتقى الطرق وهمزة الوصل ونقطة الإتصال والجوهر الفرد لآحاد الصنفين. أمّا إذا اتصف العالم بأحد الوصفين من الحياة والأخبارية، فعندها تكون القضية منفصلة حقيقية ، ويقع ( التباين البغيض الممقوت) . فالأخباري يحتاط ـ جرياً على عادته المحبوبة وطريقته الممدوحة المطلوبة ـ بترك التقليد للعالم الأصولي، وان كان في قيد الحياة، ان كان من رأيه ان يتجاوز الحدود المشروعة لإستنباط الأحكام، ويلتف حول الأصول المخترعة الموضوعة من جانب الأقوام مثل العضدي والآمدي وماشابههما من الأباعد والأغيار، وحجته مرضية ومنطقية ولا يزيد على هذا الكلام. والأصولي يحرم تقليد الميت وان كان اعلم البرية وافضل الأنام مع انّه موافق لمرونة الشريعة وسهولتها لا لشيء اقترحه ولا لجرم اجترحه، بيد انه دعاه ربّه جلّ وعلا شأنه الى جواره فلبى دعاه ، وامتثل امره التكويني الذي لامرد لقضاه. ولا يقتصرون على هذا التحريم والتأئيم بل تخطوه الى ابعد الخطى فيه فابطلوا جميع اعمال مقلديه واقواله الشرعية من عبادات ومعاملات وعادات وعقود وعهود وانشاءات . والغريب في ذلك ارسال بعضهم القضية وجعلها مطلقة عامة وسالبة كلية لتشمل الفتاوى الموافقة لفتوى الحي كان لصرف الإستناد والنية اثر في المقما مع ان العزم على الحرام لايترتب عليه شيء من الآثام. والأعجب والأغرب انهم يوجبون تقليد الحي حتى لو ظن الإنسان ان قول الميت اقرب الى الحق واصوب، وذلك فيما كان اعلم من الحي وافضل .
والسر في ذلك انهم يرون ان لفتوى المجتهد موضوعية واوامره مولوية، ويكون شريكاً للشارع في تصدير الأحكام بعد حكم اللّه الذي اوجبه على كل احد إذ قال النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم في خطبته الشريفة: (ألا ومن أمّ إمامةً عمياء وفي الأمة من هو اعلم منه فقد كفر). ثم لتعلم أن الإختلاف بين علماء الشيعة> ايدهم اللّه تعالى< كلهم جميعاً في هذه المسألة وفي غيرها من مسائل الأدلة ليس اختلافاً جوهرياً لأنّه ليس على سبيل التباين الكلي حيث لم يتحقق اتفاق طرف في مسألة من تلك المسائل، إلا وافقه فيها من الطرف الآخر لا اقل من قائل ،فلذالك لم يكن له كبير أهمية. بل ان بعض المسائل كانت خلافية لفظاً ومعناً ثم عادت وفاقية في المعنى مثل مسألة حجية البراءة في الشبهة التحريمية، والإستصحابات الأحكامية كانتا عند الأصحاب عقلية من حيث انهم كانوا يستدلون عليها بأدلة عقلية، ثم قالوا انهم استفادوها من الأخبار فعادت اخبارية. والحقيقة انّه مهما كان من التباعد بين المسالك ، لم يكن ناشئاً ممن اسس قواعد الإجتهاد كالعلامة > اعلى مقامه< ، ولاممن اشاد بطريقة الأخبارية واعلن عنها كالشيخ ملا محمد الإستربادي >عليه الرحمة< .
بل كانوا قدوة صالحة في تقدير بعضهم البعض، ولم يحمل قلب احدهما على الآخر ولا مثقال ذرة من بغض، بل كل منهم اعذر الآخر. فإنّ الأخباري اعذر الأصولي في تبنيه لبعض الأصول العامية بأنه لم يبتنيها عن عمد وانتباه واجلّوهم وحاشوهم عن ذلك بل عن غفلة واشتباه . والأصولي أيضاً اعذر الأخباري لعدم اعتبارها من حيث انها تبتني على دقة عقلية وامور فكرية وان الأخباريين صرفوا فكرهم بالكلية شطر الأخبار والأحاديث المعصومية . ولكن التباين الكلى انما نشأ من اتباعهم وبعد ان مرت قرون على اقوالهم نشأ من مثل قول صاحب المباني وبعض معاصريه وما قارب عصره حيث يقول بدون تحرج بالبهتان الفاضح(وبالحرف الواحد) الواضح في رسالته المعمولة في فقه الرضا (ع) قال: لم تجد ذلك إلا في بعض المقامات ، كالمذاهب الفاسدة المحدثة الناشئة من كثير من الصوفية والغلات والأخبارية في مقام تخريب الدين وتضييع شريع



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 7566  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 حكم الصلاة بعد استعمال المستحضرات المشتملة على الكحول في الشعر

 طلب التعليق عن بيان الشيخ الوحيد ضد الفلسفة

 وسائل معالجة الظواهر السلبية لدى الشباب

 حكم الحفاف

 اخذ الأعضاء من الحي المحتضر لزراعتها في الحي

 عقيدة الشيعة في عصمة يوسف ع وسائر الأنبياء

  أكل المعتكف للأطعمة ذات الرائحة الطيبة

 لو كانت اماكن الوضوء خارج المسجد

 تقليد السيد البيروتي

 توضيح معنى حرمة السفر حتى مضي 23 يوماً من الشهر

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 11509043

 • التاريخ : 7/04/2020 - 03:44