جواب للعلامة الشيخ حسين عن سؤال في عدم جواز الإختلاف في الدين 

( القسم : مسائل التقليد في فروع الدين )

السؤال :

الجواب :

قال قدس سره في المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية بعد ايراد( المسألة الثانية عشرة ) ثم قال >سلمه اللّه تعالى< :قد ذكر المحدث المزبور في بعض كتبه المسطور باباً عنوانه ، هكذا : ( باب عدم جواز الإختلاف في الدين، وأن الحق لا يكون من الأقوال المختلفة إلا واحد في نفس الأمر) وبهذا الباب استدل تلاميذه على أنه لا يجوز الإختلاف في الفروع.

ما لفظه : الجواب
إنا بعد التتبع التام لكتاب الوسائل ، لم نقف على باب هذا العنوان ،فلعله موجود في بعض نسخها القديمة والحادثة ، لتعدد نسخها على اختلاف بينها في التأليف ، أو انه مما زاغ عنه بصري وقت المطالعة والتصنيف ، ومع الإغماض عن هذا كله وتحقق وجوده كما ذكرتم فليس فيه حجة على ما ادعاه هذا القائل من تلامذة الحر، إذ الإختلاف في الأحكام مما قد جاء الإذن فيه في كثير من أحاديثنا . وقد حققنا محله في المسألة الثانية، على وجه لا يدخله الإرتياب ، ولا تنافيه أخبار الباب. وملخصه: ان الإختلاف في دين اللّه تعالى ومسائله الفروعية منه ماهو مرخص فيه، ومنه ما هو ممنوع منه مذموم من سلكه ، ملعون من اتبعه. والأول ما كان ناشئاً عن إختلاف الاخبار التي جاءت عنهم عليهم السلام في المسألة ، ومن منهم المراد منهما ، فقد أعطى كلاً عقلاً وادراكاً، وإن مراتب الناس والمكلفين متفاوتة في هذه المقامات ، حتى جاء في المستفيص عنهم >عليهم السلام<: أنهم مكلفون على قدر العقول في الفروع والأصول، وليس هنا الاختلاف منحصراً سببه في التقية ، كما ذهب إليه الفاضل الإسترابادي في الفوائد المدنية وتبعه من تبعه . وقد قدمنا برهان ذلك منه ،ولا ينافي هذا ما جاء مستفيضاً عنهم >عليهم السلام< من أن حكم اللّه تعالى أمر وا حد لا خلاف فيه ،لانه وإن كان الامر كذلك إلا أنه محجوب عنّا في كثير من المسائل ، مخزون عند أهله وحملته لحكم ومصالح منهم عليهم السلام ، لا تختلف أحكامهم في نفس الامر، لو لا التقية والمصالح التي تتعلق بشيعتهم. ففي التهذيب بسند معتبر عن أبي جعفر >عليه السّلام< قال : قال علي >عليه السّلام< : لو قضيت بين رجلين بقضيه ثم عادا إليّ من قابل ، لم أزدهما على القول الأول لان الحق لم يتغير. وفي مجالس المفيد بإسناد عن الحسن بن ظريف قال: سمعت أبا عبداللّه >عليه السّلام< يقول : ما رأيت علياً >عليه السّلام< قضى بقضاء وجدت له أصلاً في السنة . قال : وكان علي >عليه السّلام< يقول : لو اختصم إليّ رجلان ، قضيت بينهما ثم مكثا أحوالاً كثيرة ، ثم أتياني في ذلك الامر لقضيت بينهما قضاءاً واحداً لان القضاء لا يحول ولا يزول أبداً . ومن كلام علي >عليه السّلام< على ما في نهج البلاغة : أعلموا عباد اللّه أن المؤمن يستحل العام ما استحل عام اول ، ويحرم العام ما حرم عام اول، وان ما أحدث الناس ، لا يحل لكم شيئاًً مما حرم عليكم ، ولكن الحلال ما أحلّ اللّه ، والحرام ما حرم اللّه. وفي الكافي بإسناده عن زرارة قال : حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام لا يكون غيره ، ولا يجيء غيره . وفي نهج البلاغة من كلام له >عليه السّلام< في ذكر القرأن : أتم به نوره ، وأكمل به دينه ، وقبض نبيه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< وقد فزع الي الخلق من أحكام الهدى، فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه ، فإن لم يخفِ عليكم شيئاً من دينه ، ولم يترك شيئاً رضيه أو كرهه إلا وجعل له عالماً يأمر به وينهي عنه ، أو آية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقي واحد،سخطة فيما بقي واحد. واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشيء سخطه من كان قبلكم ، ولن يسخط عنكم بشيء رضيه من كان قبلكم ، وانما تسيرون في أثر بيّن ، وتتكلمون بمرجع قوله ، قد قاله الرجل من قبلكم . قال ابن أبي الجديد في شرح نهج البلاغة: أن يجتهد وا فيه فيحله بعضهم ويحرمه عليهم ، بل رضاء اللّه سبحانه واحد ، وكذلك سخطه ، فليس يجوز شيء من الاشياء يفتي فيه قوم بالحرمة، وهذا قول منه بتحريم الإجتهاد. وقد سبق منه >عليه السّلام< مثل هذا الكلام مراراً ، قوله : وأعلموا أنه ليس يرضى عنكم ...الكلام إلى منتهاه . معناه أنه ليس يرضى عنكم بالإختلاف في الفتاوى والاحكام ، كما اختلف الامم من قبلكم فسخط أختلافهم. قال سبحانه : (الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) وكذلك ليس يخسط عليكم بالاتفاق الذي رضيه من كان فبلكم من القرون ، انتهى كلامه ، وهو كلام متين عجيب الصدور من مثله لان اصحابه لا يرضون بذلك . ولما قررناه من أنهم >عليهم السلام< ، حكمهم واحد في كل مسألة جاء مستفيضاً عنهم >عليهم السلام< ، مع كونهم معصومين ، أنهم لا يعتمدون الاراء والاستحسان كما قال اللّه تعالى: (وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى). وفي الإختصاص والبصائر أسنادها إلى جابر عن أبي جعفر >عليه السلام< قال: يا جابر ، لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< كما يكنز هؤلاء فضتهم وذهبهم. وفي البصائر في الصحيح عن الفضل بن يسار عن ابي جعفر >عليه السّلام< قال : لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا ، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بيّنها لنبيه وحبيبه فبينه لنا. وفيه عن جابر قال : قال أبو جعفر >عليه السّلام< : يا جابر لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكن نفتيهم بآثار عن رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< وأصول علمه عندنا نتوارثه كابراً عن كابر ، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم. وفيه في الحسن عن سورة بن كليب قال : قلت لابي عبد اللّه >عليه السّلام<: بأي شيء يفتي الإمام ؟ قال : بالكتاب . قلت: فما لم يكن في الكتاب ؟ قال:بالسنة . قلت: فما لم يكن في الكتاب والسنة ؟ قال: ليس شيء إلا في السنة ، فكررت مرة أو اثنتين فلا يسدد ويوفق ، فأما ما تظن فلا. وأمّا ما جاء في بعض الاحاديث ، مثل خبر عبد الرحيم القصير المروي في البصائر عن أبي جعفر >عليه السلام< قال : كان علي >عليه السلام< إذا ورد عليه أمر لم ينزل به كتاب ولا سنة قال : رجم فأصاب ؛قال أبو جعفر >عليه السّلام<: وهي المعضلات . وهذا الخبر مروي بعدّة طرق ، في كتاب البصائر على اختلاف ما في متنه ،وفي بعضها قال : سمعت أبا جعفر >عليه السّلام< يقول : إن علياً >عليه السّلام< إذا ورد عليه لم يجيء به كتاب ولا سنة رجم به ساهم فأصاب ، ثم قال : يا عبد الرحيم ، وتلك المعضلات. وفي بعضها : كان علي >عليه السّلام< إذا سئل فيما ليس في كتاب ولا سنة رجم فأصاب ، وهي المعضلات . فليس المراد فيها القول بالظن والرأي ، بل القول بإلهامه تعالى ، وأما قوله >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< في بعضها :(ساهم) ، أي استعلم ذلك بالقرعة ، وهذا يحتمل وجهين : الأول: أن يكون المراد الاحكام الكلية، التي يشكل عليهم استنباطها من الكتاب والسنّة ، فيستنبطون منهما بالقرعة ويكون هذا من خصائصهم عليهم السلام، لان قرعه الأمام لاتخطىء أبداً ، والأوفق بالأصول وسائر الأخبار ، وإن كان الأخير أظهر أو يكون هذه الأخبار الاخيرة جاءت على وفق مذهب العامة من جواز الإجتهاد والإستنباط في كل الاحكام ، حتى ان بعضهم >خذلهم اللّه تعالى< جوزه للنبي>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< وإن كان في التحقيق أن ذلك كفر وزندقة وردّ للكتاب. ففي خبر إسماعيل الجعفي على ما في المحاسن قال: قال أبو جعفر >عليه السّلام< : إن اللّه برأ محمد اً >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< من ثلاث : أن يتقول على اللّه، او ينطق عن هواه ، او يتكلّف إشارة إلي قوله تعالى : ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ) ويسمي الافتراء تقولاً ، لانه قول متكلف ، والى قوله تعالى: ( وما ينطق عن الهوى ) وإلى قوله تعالى: ( وما انا من المتكلفين ) والتكلّف: التصنّع ، والدعاء ما ليس من أهله. وبالجملة أن الاخبار كلها متفقة المضامين على ان حكم اللّه تعالى في كل مسألة واحد ، وإنما الإختلاف فيه من تلك الاسباب التي أشرنا إليها ، ومن أعظمها التقيّة ، وأنهم >عليهم السلام< ، قد أذنوا في العمل بهذا الإختلاف بعد الرجوع إلي القواعد المنصوصة والقوانين المخصوصة ، ولهذا جاء في الاخبار عنهم عليم السلام روايتان ، إحداهما عن أبي جعفر > عليه السلام < و أبي عبد اللّه >عليه السّلام< على ما في كتاب غوالي اللئالي أنهما قالا: علينا أن نلقي إليكم الاصول ، وعليكم أن تفرعوا . والثانية عن ابي الحسن الرضا >عليه السّلام< كما في مستطرفات السرائرنقلاً من كتاب جامع البزنطي ، وليس هذا هو الاذن في الإجتهاد المستحدث كما ذهب إليه من لا بصيرة له بأحكامهم >عليهم السلام< ، بل الحق أن معناهما لمن تعمد إلى ما القوا إلينا من الاحكام الكلية ، فاستخرج منها أحكاماً جزئية على حد الاشكال الاربعة ، وليس هذا من اجتهاد الرأي ، ولا من استنباط الحكم بالظن المذموم في الكتاب والسنة ، وذلك مثل قولهم >عليهم السلام< : لا تنقض اليقين بالشك ، ولكن تنقضه بيقين آخر. فإنا نفهم من هذا الحديث يقيناً ، ان المتيقن للطهارة الشاك في الحدث لا يجب عليه الطهارة ، والمتيقن لطهارة ثوب الشاك في وصول نجاسته لا يجب عليه غسله ، والمتيقن لشعبان الشك في دخول شهر رمضان إلي غير ذلك من الجزئيات . ومثل قولهم >عليهم السلام< :( كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي )، وقولهم : (كلما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده )، وقولهم :( إذاخرجت من شيء ثم شككت فيه فشكك ليس بشيء) إلى غير ذلك من الاصول الكلية التي تتفرع عليها الجزئيات. وكذا ما جاء من القوانين والقواعد الكلية ، عند تعارض الاخبار من الإرجاء تارة ، والتخيير في العمل من باب التسليم ، وكثيراً ما يترتب على هذه القواعد تفاوت واختلاف في ذلك التحريج ، ولا شك أن الإذن في ذلك إذن في اختلاف الناشئ عنه. فأمّا الإختلاف الممنوع منه فهو الناشئ عن التمسّك بالقواعد الإجتهادية ، والمقدمات الجدليّة ، والإستنباطات الظنية ، كما وقع للفرقة المخذولة في أكثر أحكامها. ولنزد من مجتهدي أصحابنا غفلة عما يتوجه عليهم من القدح في سلوك طريقتهم. وفي أخبار أئمتنا المعصومين تصريح بذلك ، ففي نهج البلاغة في كلام أمير المؤمنين >عليه السّلام< في ذم اختلاف العلماء في الفتيا ، ترد على احدهم القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا. والههم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، أفأمرهم اللّه بالإختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل اللّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء فعليهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ، أم أنزل اللّه ديناً تاماً فقصر الرسول >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< عن تبليغه وأدائه ، واللّه سبحانه يقول : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، و(فيه تبيان كل شيء )، وذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضاً، وأنه لا أختلاف فيه فقال :( ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ، وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ،ولا تنكشف الظلمات إلا به. وعن عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد عند شرحه لهذا الكلام مع أنه من فضلاء المعتزلة يقول :لا ينبغي أن يحمل جميع ما جاء في الكتاب العزيز على ظاهر فيه غير مراد ، بل المرد أمر آخر باطن ، والمراد الرد على أهل الاجتهاد في الاحكام الشرعية ، وإفساد قول من قال ، كل مجتهد مصيب. وتلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه : احدها : انه لما كان الاله واحداً، والرسول>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< واحداً ، والكتاب واحداً ، وجب أن يكون الحكم في الواقعة واحداً ، كالملك الذي يرسل إلى رعيته رسولاً بكتاب يأمرهم فيه بأوامر يقتضيها ملكه وإمرته فإنه لا يجوز ان تتناقض أوامره ، ولو تناقضت لنسب إلى السفه والجهل. وثانيهما: لا يخلو الإختلاف الذي ذهب إليه المجتهدون ، أما أن يكون للثاني ما به أم لا ، والثاني حق ويلزم منه تحريم الإختلاف . وثالثها : إما ان يكون دين الاسلام ناقصاً أو تاماً ، فإن كان الاول فاللّه سبحانه قد استعان بالمكلفين على إتمام شريعة ناقصة ، ارسل بها رسوله إما استعانه على سبيل النيابة عنه أو على سبيل المشاركة، وكلاهما كفر . وإن كان الثاني ، فامّا ان يكون اللّه سبحانه أنزل الشرع تاماً فقصّر الرسول عن تبليغه ، او يكون الرسول قد بلغه على تمامه وكماله ، فإن كان الاول فهو كفر ايضاً ، وإن كان الثاني فقد بطل الإجتهاد ، لان الإجتهاد لا يكون فيما لم يبين ، فأما ما تبين فلا مجال للإجتهاد فيه. رابعها: الإستدلال بقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)،وقوله تعالى (تبياناً لكل شيء ) ،وقوله سبحانه :( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) فهذه الاديان دالة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الاحكام فكل ما لم يكن في الكتاب ، وجب أن لا يكون من الشرع. وخامسها : قوله تعالى : (ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) فجعل الإختلاف دليلاً على انه ليس دليلاً على انه ليس من عند اللّه سبحانه بالادلة الساطعة الدالة على صحة النبوة فوجب ان لا يكون فيه اختلاف . قال: وأعلم أن هذه الوجوه هي التي تتعلق بها الإمامية ونفاة القياس والإجتهاد في الشرعيات ، وقد تكلم عليه أصحابنا في كتبهم .... انتهى كلامه . ولقد داس بساط الإنصاف وتنكّب عن جادة الزيغ وأهل الإعتساف. قال الفاضل الكاشي في رسالته الموسومة بسفينة النجاة بعد نقله هذا الكلام عنه: وفي كلامه هذا دلالة على ان نفي الإجتهاد كان معروفاً من مذهب الإمامية حتى عند مخالفيهم ، كما أن نفي القياس كان معروفاً من مذهبه انتهى كلامه. وفي نهج البلاغة ايضاً من كلام امير المؤمنين >عليه السّلام< في صفة من يتصدى الحكم بين الامة ، وليس لذلك بأهل: إن انقض الخلائق إليّ رجلان : رجل وكله اللّه إلي نفسه فهو حائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة وداعي ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، خال عن هدي من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حامل خطاياه غير مدهن بخطئته. ورجل قمش جهلاً موضوع في جهال الأمة ، غار في اغباش الفتنة ،عم عما عقد الدهشة ، قد سماه اشباه الناس عالما ولس به بكر فأكثر من جميع ، ما قلّ خير مما كثر منه ، حتى إذا ارتوى من ماء أمن واكتنز من غير طائل ، جلس بين الناس قاضياً ضامناً التلخيص ، التبس على غيره ، فإن نزلت به إحدى المبهمات ، هيأ لها حشواً رماه من رأيه ، ثم قطع به فهو من لبس الهوان في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ ، إن اصاب خاف ان يكون قد أخطأ، وإن اخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خباط جهالات عاش ركّاب عشوات ، لم يعض على العلم بضرس قاطع ، ولا يذري الروايات إذا رأى الريح الهشيم ، لاأملي واللّه بإصدار وما ورد عليه . ولا يحسب العلم في شيء مما أنكره ، ولا يرى أن ما وراء ما بلغ منه مذهباً لغيره ، وإن أظلم عليه أمراً اكتتم به ، لما يعلم من جهل نفسه ، تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث. إلي اللّه أشكو من معشر يعيشون جهالاً ، ويموتون ضلالاً، ليس فيهم ساعة أبور من الكتاب إذا تلي عليهم حق تلاوته ،ولا سلعة أنفق بيعاً و لا أغلى ثمنأً من الكتاب إذا حرف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر. قال ابن أبي الحديد في شرحه على هذا الكلام : إن قيل تبيّنوا الفرق بين الرجلين ، الذين أحدهما رجل وكّله اللّه إلى نفسه ، والآخر رجل قمش جهلاً ، فإنهما في الظاهر واحد . قيل أما الرجل الاول ، فهو الضال في أصول العقائد ، كالمشبه والمجبر ونحوهما ، ألا تراه كيف قال : مشغوف بكلام بدعة ودُعَاء ضلالة ، وهذا يشعر بما قلناه من أن المراد به المتكلم في اصول الدين ، وهو خال من الحق ، ولهذا قال: أنّه فتنة افتتن به ضال عن هدى من كان قبله ، مضل لمن يجيء بعده. وأما الرجل الثاني : فهو المتفقه في فروع الشرعيات وليس بأهل ذلك ، كفقهاء السوء ، ألا تراه كيف يقول : جلس بين الناس قاضياً . وقال ايضاً: تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث . ومن كلام له >عليه السّلام< في خطبته : ما كل ذي قلب لبيب ولا كل ذي ناظر بصير ، فيا عجباه ، وما لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتصون أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفون عن عيب ، يعملون في الشبهات، ويرون الشهوات ، المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر ما أنكروا ، فعزهم في المعضلات على انفسهم وتعويلهم في المبهمات على آرائهم ، كأن كل امرء منهم إمام نفسه ، قد أخذ منها فيما يرى ، بعرى وثيقات وأسباب محكمات ، وفي نهج البلاغة أيضا من جملة كلام >عليه السّلام< ينعم فيه من يعمل برأيه : ادم الصلاة على النبي محمد فقبــولها حتم بــدون تـــــردد أعمالنا بين القول وردهـــــا إلى الصلاة على النبي محمد هذا آخر ما انتهى إليه كتاب المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية للفقيه الأعظم الشيخ حسين العصفوري الدرازي البحراني ، تغمده اللّه برحمته ورضوانه.



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 5924  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 هل التقنين الشرعي يمنع القاضي من الاجتهاد في الحكم

 متى تتحقق الجنابة بالاحتلام وخروج المني

 تدخين الصائم

 شراء المنتجات الاسرائيلية

 شروط لبس الجورب للنساء

 حكم اللطم في العزاء

 من زنا بذات زوج واراد الزواج بها بعد وفاته

 معنى قول الرسول ص لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة

 الرد على الزعم القائل ان عمل الأخباري باطل

 تغييب الجانب العلمي في العبادات

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 10973402

 • التاريخ : 14/11/2019 - 16:29