أجوبة مسائل الشيخ صالح والحاج عباس في الاجتهاد والتقليد 

( القسم : مسائل التقليد في فروع الدين )

السؤال :

الجواب :

أجوبة مسائل الشيخ صالح والحاج عباس
في الإجتهاد والتقليد
تأليف
الشيخ عبد علي بن خلف بن عبد علي
ابن العلامة الشيخ حسين آل عصفور

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد للّه الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم وصلى اللّه على حبيبه ونبيّه محمّد افضل من عَلِمَ وعَلَّمَ وعلى آله والإئمة وأشرف أصحابه المتأدبين بآدابه وسلم اما بعد فليس كمال الإنسان إلاّ بالعلم الذي به يباهي ملائكة الرحمن ويستحق به رفيع الدرجات في العقبى مع جميل الثناء في الدنيا ويفضل به مداد العلماء على دماء الشهداء ويستغفر لحامله الطائر في الهوى والحيتان في الماء والشكر للمنعم المنّان الذي لم يخلو الأرض من حجة وعالم قائم عليها بالتبليغ والبيان وذلك من لوازم حكمته وعدله ومن رواشح لطفه وفضله فورد علينا في ابرك الساعات واشرف الأوقات كتاب كريم من اخ جليل القدر ورفيع الشأن وهو جناب الأخ الصالح ذي العمل الزاكي والعلم الراجح جناب المهذّب العالم الكامل الورع العادل الشيخ صالح اصلح اللّه شأنه وامره وشكر اللّه سعيه ووفّاه اجره وكتاب آخر وصلنا من جناب الاخ العزيز العرى من البأس الحاجي عبّاس وكلاهما قد بلغا في التعبير اقصى درج البلاغة والبراعة ما يعجز عن ارتقائه اهل الفن والصناعة وجائا فيهما بمسائل مطالب احكام ازهارها ملفوفة الأكمام وعرائس افكار ما فض لها الختام سائلين بها اخاهما في الدين وداعيهما المخلص في المحبّين هذا والمسئول عن هذه المطالب النفيسة في لجج بحر القصور راسب وحيث ان حسن الظن والمحبة الراسخة في ذاتهما الطاهرة الفاخرة لداعيهما صار اقوى وأتم الوسائل وسبباً لتشريفه بهذه المسائل لا جرم قابلنا بعض هذا الإحسان والنعم بقليل من السعي والخِدم فإنّ في الإعراض سوء الأدب خصوصاً في هذا المهم والمطلب فالملتمس من جناب اخويّ ان عثرا على هفوة من هفوات الأقلام وزلة من زلل الأقدام فليمنّا بالستر واغضاء النظر وحسن الظن بمن لهما قد اعتذر وها انا اشرع المقصود متكلا على الملك المعبود.
المسئلة الأولى : قال اعلى اللّه رتبته واحسن خاتمته هل يجوز تقليد الميت مطلقاً او لا يجوز مطلقاً او يجوز استدامة فقط ولو مع وجود الحي او بشرط فقده وعلى الأول فهل هو بمساواة الحي او بمرجوحية وعلى تلك التقادير هل يتعيّن تقليد الأعلم او لا وهل مسئلة الاجتهاد والتقليد من الأصول او الفروع وما ثمرة الخلاف؟
اقول : ان هذا السؤال قد اعتمد على مطالب نفيسة تهش اليها الطباع المستقيمة اوّلها جواز تقليد الميّت من فقهاء اهل البيت وخلفائهم ورواة احاديثهم وثقاتهم المأمور بالرجوع الى اقوالهم في اخذ الأحكام الشرعية بعد النظر والتبصّر في احوالهم واستجماعهم لشرايط النيابة من الكمال والإيمان والذكورية والعدالة وشدّة التقوى والورع والعلم والعمل والإعتماد في العلم والدراية على محكمات الآيات والرواية والتجنّب لأصول مبتدعة وقواعد من غير اصل اصيل منتزعة ورأى وقياس ما انزل اللّه به من سلطان واجماع ودليل عقل واستحسان هذا على ما نحن عليه من الطريق الوسطى وعند سوانا المجتهد المطلق الجامع لشرايط الفتوى وهي البلوغ والعقل وقد عبّرنا عنه بالكمال والذكورة والإيمان والعدالة وطهارة المولد وهي داخلة في الكمال ايضاً وهذه الستة ثابتة بالإجماع والكتاب والحريّة والنظر على الأشهرالثلاثة والنطق وغلبة الذكر والإجتهاد في الأحكام الشرعية ويتحقق ذلك بحصول المعرفة والملكة القدسية المتسببة عن العلم بالمقدمات الست وهي الكلام والأصول والنحو والتصريف ولغة العرب والأصول الأربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل وقد ارتفع صيت الخلاف بين علمائنا الأبرار في جواز تقليد الميّت منهم إذا كان مستجمعاً لشرايط الفتوى متّصفاً بالعدالة والتقوى فالأكثر على المنع مطلقاً والبعض على الجواز مطلقاً و هو الأرجح لديّ إذا كان الفقيه مستنداً في علمه الى محكمات الكتاب وصحيح سنة النبي الأوّاب الواردة من طرق الأئمة الأطياب ولم يتجاوزهما الى غيرهما من الإمارات الخارجة والأصول الغير الأصيلة الغير المأخوذة منهما بل المرجع فيها الى الوهم المسمّاة بالأدلة العقلية المثمرة للظن الذي دلّت الآيات ومتواتر الروايات على النهي عن الإتباع له فمن هذا سبيله لا يعتمد على فتواه من بين الملاء وان كان من جملة الأحياء وذهب البعض من البعض الى جواز تقليده استدامة لا ابتداءاً وبعضهم شرط في جوازه فقدان الحيّ لنا على الجواز مطلقاً عموم الأدلّة آيةً وروايةً وفقد المخصص الصالح وينضاف اليه عدم الدليل المانع اما الآيات الدالة على ما قلناه فآية السؤال من اهل الذكر وهي قوله تعالى شأنه فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون إذا المقلّد الآخذ بفتوى اهل الذكر بعد السؤال منهم بواسطة الثقة الناقل له عن اهل الذكر عالم عامل به والواسطة اعم من ان يكون حياً او ميتاً و منها قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم الآية لأنّ المراد بالإنذار هنا الفتوى وهو الغاية الثانية من النفر ولو لم يقبل الفتوى منه لبطل الأمر بالنفر والفتوى هي المراد به من الإنذار وهو اعم من الحيّ والميت والمانعون لجواز تقليد الميت مطلقاً ان كان هذا الحكم لديهم ثابتاً لزم من فرض ثبوته عدمه بيان ذلك ان هذا الحكم من جملة الأحكام الإجتهادية الظنيّة وهي تبطل عندهم بالموت خصوصاً هذا الحكم المستفاد من امور اعتبارية ليس عليه دليل واضح من كتاب ولا سنة نبوية بل هو المخالف لظاهرهما ولا يرد هذا على من قال بالجواز مطلقاً اعني المحدّثين المنتهين في علومهم الى أقوال الأئمة المعصومين لأنّهم بذلك يبعدون عن الظنون الخارجة وقد حثتهم الأخبار الصادرة عن الأئمة الأطهار بالأخذ لاحكام دينهم من ثقات رواتهم احياءاً وامواتاً فمن تلك الروايات خبر ابي بصير وحديث روضة الواعظين وصحيح ابي العباس ورواية الإحتجاج وصحيح محمّد بن مسلم وغيرها من الأخبار التي لا يسع هذا المختصر ايرادها وكلها تضمّنت الأمر بأخذ الأحكام الشرعيّة وتلقّيها عنهم(عليهم السلام) من رواة احاديثهم وانهم الحجة علينا في ما نقلوه لنا والناقل لنا احكامهم اعم من الفتوى وهو النقل بالمعنى او بالرواية وهو ايضاً اعم من ان يكون حياً او ميّتاً وأقوى دليل المانع الإجماع قلنا المنع منه في محل النزاع بل وجود المخالف ظاهر ليس عليه قناع فدعواه مجازفة محضة بعيدة من الإنصاف وشرط حجية الإجماع عند اربابه العلم بعدم المخالف لا عدم العلم به ليكون كاشفاً عن قول المعصوم فلا يخرج إذاً عن الشهرة وهي ليست بدليل وانعقاد الإجماع مع مخالفة الميّت دليلكم على عدم اعتباره يشاركه الحيّ ايضاً ولا قايل به ولعل عدم الاعتبار بمخالفة الإجماع فيهما إذا عرف النسب لعلمنا به انه غير الإمام(عليه السلام) وأيضاً ان قول الميت المخالف للاجماع لا يعتبر لمخالفته له لا يلزم عنه عدم اعتبار ساير اقواله إذ سلب الخاص لا يدل على سلب العام وليس العلة في الإخلاد الى قول الفقيه بقاء اعتقاده للحكم ابداً فينقطع بزواله وانما العلة وجود الأدلة السمعية فليس هو هذه العلة المستنبطة ويؤيد هذا بأشد تأييد من جهة الأخبار ما دل على ان حلال محمّد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة وقوله(عليه السلام) لو قضيت بين اثنين بقضية ثم عاد اليّ من قابل لم ازدهما على القول الأول لأنّ الحق لا يتغيّر وزوال ظن الميّت بالموت ممنوع وانكشاف الحال له بعد الموت لا يستلزم خطأ ظنه واشتراط الحياة في بقاء ظنه ممنوع وزوال الظن لو سلم لا يقتضى بطلان التقليد فإنّ الظن معرف للحكم وعلامة عليه لا علة حقيقية له يلزم من عدمها عدمه ومعلوم ان المعَّلم لا يعدم بعدم العلامة وأيضاً ان تبدل الظنون والإعتقادات بالموت غير حجّة قادح في حجية فتواه إذا كان مأخذه من الكتاب والسنة لأنّ الظن المستفاد منهما بمنزلة اليقينوجوب العمل وتقليد الحي بالدليل القطعي في دعواكم ان اريد به الإجماع فقد عرفت ما فيه من عدم تحققه لأنّه قد نسب الخلاف الى ركن الدين الجرجاني والشيخ علي بن هلال والشيخ فخر الدين نقل عن والده العلامة جواز تقليد الميت حال فقد المجتهد ونقل الشيخ علي في شرح الجعفرية عن الأكثر الجواز وفيما ذكرناه كفاية لاولي الأبصار نعم الذي يقرب لدىّ انه عند التعارض والإختلاف يرجع الى قول الأعلم منهما والاتقاء على الأحوط لقوله(عليه السلام) في مقبولة ابن حنظلة فالحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث وذلك لأن الأعلم والأفقه الأخذ بقوله للمقلّد أبرأ للذمة واحوط في الدين ويؤكد ذلك قوله(عليه السلام) ولا يلتفت الى ما يحكم به الآخر وقوله(عليه السلام) في رواية داود الرقى ينظر الى افقههما واعلمهما بأحاديثنا واورعهما فينفد حكمه ولا يلتفت الى الآخر لأنّ الظاهر من هذا الخطاب وامثاله هو انه من الأصول الواردة عن أئمة الهدى في مقام الترجيح والتمييز لما هو الحق من اخبارهم عند اختلافها وهي من الأصول الملقاة منهم لشيعتهم في قوله(عليه السلام) انما علينا ان نلقى اليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا هذا ولم يرد في كلام اهل العصمة ما فيه ترجيح قول المجتهد الحي على الميت ومن زعم ذلك فعليه التبيان واقامة البرهان وبالجملة فالذي ظهر وصحّ عندنا جواز تقليد فقهاء اهل البيت(عليهم السلام)الأحياء منهم والأموات والأخذ عنهم احكام الدين إذا اتصفوا بما قلناه لأنّ الكل راجع بالآخرة الى تقليد من لا ينطق عن الهوى واما كون الإجتهاد والتقليد من مسائل الأصول او الفروع فاعلم ان وجوب الاجتهاد والتقليد من الواجبات والفروض الدينية ووجوبهما من الأحكام الفرعية دل عليه الآيات والروايات المتواترة وهو التفقه في الدين والعلم بالحكم الإلهي فالمقطوع به بعد ملاحظة الأدلة القرآنية والأخبار الواردة عن السادة الأطهار هو ان طلب العلم باللّه ورسله وانبياءه وملائكته واليوم الآخر و ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفائه من امر المبدأ والمعاد ومعرفة قواعد العدل التي تتم بها نظام معاش العباد من وجوه الطاعات والمعاصي وبيان الآداب والحدود والسياسات والأحكام وكل ذلك اما بطريق النظر والإستدلال واستنباط الحكم من خطاب الإله المتعال واحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والآل او بالرجوع في ذلك لمن له تلك الفضيلة والملكة ويقال للأول فقيه وعالم عند القدماء ومجتهد عند المتأخرين وللثاني متعلم ومستفت ومستبصر ومقلّد عند المتأخرين ومرجع الأول الى الثاني عند التحقيق بيان ذلك ان العامي إذا سأل العالم البصير بمعاني كلام اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)و آل رسوله عن حكم من الأحكام الدينية فأجابه بعد النظر فيما سأله كما يجب تجد السائل والمسئول سواء في اخذ الحكم واستفادتها من كلام اللّه وحججه(عليهم السلام)و ان العالم المسئول انما هو ناقل لحكم الإمام من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا فتوى في الحقيقة للمعصوم(عليه السلام)و لا تقليد إلاّ له والمستفتي و المفتي كلاهما نقلة احكام الإمام(عليه السلام) لهما ولغيرهما.
بقى هنا شي ينبغى التنبيه عليه وهو ان الإجتهاد والتقليد ان كان تعلقهما بالمعارف الإلهية واصول الدين بحيث يكونان طريق التصديق والوسيلة الى حصول الإعتقاد بها فهما مطرح الخلاف بين فقهائنا الأشراف فالجمهور من اهل الأصول ان طريق الفروع منحصرالإجتهاد الذي هو عندهم استفراغ الوسع في تحصيل الظن بها عن ادلّتها التفصيلية بالفعل او القوة القريبة منه او التقليد لمن له هذه الملكة وان تعلّق بالمعارف الإلهية و اصول الدين وجب تحصيلها من الدليل المثمر للقطع واليقين فيختص ذلك بالإجتهاد ولا يسوغ التقليد فيها ثم انهم اختلفوا في هيكل هذا الدليل فمنهم من اكتفى بما يحصل به القطع ومنهم من اشترط فيه انه الجاري على قانون اهل الميزان والمشهور بين جمهور علمائنا ان هذا الدليل شرط في الإيمان وتحققه من غير فرق بين الخاص والعام من الناس واختار ابن ابي جمهور وتبعه جدنا العلامة الشيخ سليمان عدم الشرطية وانه واجب في نفسه يفسّق تاركه بتركه ووافقهم في الوجوب النفسى على الخواص ثقة الإسلام العلامة جدنا الشيخ حسين اعلى اللّه تعالى في الفردوس مقامه وخصه بما وافق محكم الكتاب والسنة وهو ما عليه قدماء المحدّثين غير فارقين فيه بين الأصول والفروع وهو الحق الحقيق بالإتباع واكتفى المحقق الطوسي(رضي الله عنه)باصابة الحق مطلقاً ولو لم يكن عن دليل ولا تقليد واختار هذا القول الأزهر الأوحد ملا احمد الأردبيلي وايده السيد السند محمّد العاملي وانما اخترنا من جملة الأقوال قول قدماء المحدّثين من الرجوع في استفادة الأحكام الشرعية الأصلية والفرعية الى محكمات الكتاب والسنة الثابتة لأنّا نجدهما السبب الأقوى في سلوك طريق الهدى والنجاة من الضلالة والغوى لقوله(عليه السلام) ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا ابداً وايضاً ان الإعتماد على ما جاء به الحكماء والمتكلمون من براهينهم وادلّتهم التي زعموا انها توصل الى اليقين في المعارف والحال انها تورد الشك و زوال اعتقاد العارف لكثرة ما يرد عليها من النقص والإيراد في مقام الإحتجاج على المقصود منها والمراد لأنّها نتيجة عقول قاصرة وافكار ضعيفة حاسرة اكثرها اسس على قياس الغايب على الحاضر هذا وقد جاءكلام اهل العصمة النهي عن اتباعها والأخذ بها لما فيها من الخلل ولا عبرة بأصول عامية في انها من دليل إذ ليس لها في كتاب اللّه وسنة رسوله من سبيل ولنا ايضاً على ما اخترناه ورجّحناه قوله تعالى واسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وقوله جل وعلا شأنه وكونوا مع الصادقين وكذا الأخبار المتواترة معنا الدالّة على وجوب اخذ الأحكام من الكتاب والسنّة بطريق الحصر ومنها ما من شي إلاّ جاء فيه كتاب وسنة ولولا الإطالة لأملينا عليك الأخبار الواردة في هذا المضمار والمناسبة لهذا المقام وفي جملة منها دلالة صريحة في ان المعرفة فطرية جبلّية في صنع اللّه تعالى ليس للعباد فيها صنع وفيها ايضاً القدر الكافي في تحقق الإيمان وانه التصديق والإذعان بالجنان واقرار باللسان من غير تكليف بإقامة دليل وبرهان ويعلم ذلك ايضاً من سيرة النبي وخلفائه الهداة وانه لم ينقل احد انهم كلّفوا احداً دخل في الإسلام بتحصيل الأدلة الاقناعية فضلا عن الأدلة اليقينية وثمرة هذا الخلاف تظهر لمن تدبّر فيما قلناه من المذاهب فإنّهُ على قول من اشترط الدليل القاطع في معارف الدين يلزم عنه كفر ساير الأنام من اهل الايمان وعدم حصول النجاة لهم من العذاب يوم القيامة وان به ايضاً يلزم العسر والحرج المنفيين آية ورواية ويلزم عنه التكليف بما لا يطاق ومنافاة العدل وبالجملة انه لا فرق عندنا بين اصول الدين وبين فروعه في وجوب اخذهما من اصلهما محكمات كتاب اللّه وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)الواردة عن اهل العصمة(عليهم السلام)و قد دلّت الأخبار المستفيضة بأوضح دلالة بأن الخلق مجبولون على المعرفة الإجمالية والتصديق بوجود صانع العالم وعدم حدوثه وانه تعالى شأنه منزّه عن صفات الخلق وانه تعالى متّصف بصفات الكمال منعوت بنعوت الجلال وانما اكمل عليهم الحجة البالغة في معرفة نعوته بالتفصيل والعلم بوجوه طاعته وآدابه واحكامه ومعرفة ما فيه نظام معاشهم ومصالح دنياهم وآخرتهم بمقتضى حكمته وعدله بما بعث لهم من انبيائه ورسله وانزال كتبه ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيي من حىّ عن بيّنة فلم يبق للعباد عذر بعد حصول الحجة البالغة بارسال الرسل وانزال الكتب في اخذ دينهم من طريق الوحى والتبليغ من النبي واهله الذين هم خلفائه وحملة شريعته الذين ثبت العلم لهم والعصمة باجماع الأمة والتسليم لهم فيما جاءوا به عن جدهم ونبيهم لأنّا قد امرنا بالكون معهم لأنّهم الصادقون في الأقوال والأفعال ووجب علينا طلب العلم منهم ولو بواسطة ثقاة رواة احاديثهم ومنعنا من تحصيله من اغيارهم الذين غيّروا السنن وابدعوا في دين اللّه بالنظر والقياسات والرأى والإستحسانات التي سوّغتها لهم النفس الأمارة بالسوء والشيطان وانما اصل هذه القواعد الكلامية والأصول الحكمية ومنشأها من افكار علماء الجمهور واتباع خلفاء الزور من المعتزلة والأشعرية ونحن بحمد اللّه تعالى اثبتنا لكم المطلوب بالآيات الصراح والاخبار الصحاح فيحق لنا حينئذ ان نقول اطف المصباح فقد لاح الصباح.
ثم المسئلة الثانية : قال هل السنة محصورة في كتب معيّنة لا يجوز التعدي عنها الى غيرها ام لا وعلى تقديره كم هي وما هي وعلى الإنحصار فهل فيها ظني ام لا وهل الصحيح والضعيف بحسب نظر المجتهد ام في نفس الأمر وعلى القول بالقطعيّة هل هي متناً ودلالة معاً او متناً فقط او دلالة فقط وهل يجب الإجتهاد والتقليد في القطعيّة او الظنية ام يكفي التسليم للفريقين؟
اقول : السنة عندنا احاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة من طريق اهل بيت العصمة الحاكية لاقواله او افعاله غير العادية او تقريراته فمرادكم بالسنة هي المعمول عليها لكونها ثابتة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) فتلك الأخبار هل هي منحصرة في اخبار كتب معيّنة مخصوصة ام لا تنحصر تلك الأخبار المتّصفة بالإعتبار في كتب معيّنة وان كان بعضها اقوى من بعض واشدّ في الإعتبار فنقول الذي يظهر لي من الأخبار والآثار عدم الحصر وقد استقر امر القدماء في اخذ الأحكام على اربعمائة مصنّف لأربع مائة مصنّف تسمى بالأصول جمعت فيها احاديث الأئمة الأطهار وقد عرض اكثرها على الأئمة فبعد ضبطها امروا بالرجوع اليها بعد الأمر منهم بتدوينها وبعد الغيبة الكبرى لخصها جماعة من علمائنا كالمحمدين الثلاثة وغيرهم في كتب ورتّبوها احسن ترتيب تسهيلا للطالب الأخذ منها معالم دينه كالجامع الكافي والفقيه والتهذيب والإستبصار وباقي كتب الصدوق والشيخ وهذه الكتب واصولها طال ما اتعبوا الأبدان في تحصيلها وتنقيحها وتصحيحها رجاء لثواب اللّه ومحض النصح لاهل الملة وهذه الكتب التي اشرنا اليها احاديثها هي عين احاديث تلك الأصول التي صحّت عند اصحاب الأئمة وعليها بينهم مدار العلم والعمل فاذا عرفت هذا اتضح لك انه لا وجه في القول بحصر السنة في كتب معيّنة كيف وهي كل حديث علم نسبته الى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق ائمتنا(عليهم السلام)ابناء البتول و ابيهم علىّ البرّ الوصول بواسطة التواتر ووجود القرائن المثمرة للعلم بالصحة وانما اقوى اعتماد القدماء على الأصول الأربع ما به من حيث وفور القرائن وكثرتها الدالة على صحتها والصحة عند القدماء عبارة عن ثبوت نسبة الخبر الى لمعصوم(عليه السلام) ولو بالقرائن المثمرة للعلم وهي عند المتأخرين مقصورة على السند لا غير فالكتب الأربعة المشهورة صحة ما فيها على اصطلاح القدماء اظهر من اصطلاح المتأخرين لأنّ الصحة عند المتقدمين تعلم بالقرائن الخارجة وهي كثيرة ولا بأس بالإشارة الى جملة منها على سبيل الإيجاز قال شيخ الطائفة المحقة محمّد بن الحسن الطوسي قدس اللّه روحه في كتاب الإستبصار في مقدمة الكتاب المذكور اعلم ان الأخبار على ضربين متواتر وغير متواتر والمتواتر منه ما يوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقّفه على شي ينضاف اليه ولا امر يقوى به ولا يرجّح به على غيره ما جرى هذا المجرى لا يقع فيه التعارض ولا التضاد بين اخبار النبي والأئمة(عليهم السلام) وما ليس بمتواتر على ضربين فضرب منه يوجب العلم ايضاً وهو كل خبر اقترن به قرينة توجب العلم وما يجري هذا المجرى يجب ايضاً العمل به وهو لاحق بالقسم الأول والقرائن اشياء كثيرة منها ان تكون مطابقة لادلة العقل ومقتضاه ومنها ان تكون مطابقة لظاهر القرآن اما لظاهره او لعمومه او دليل خطابه او فحواه فكل هذه القرائن توجب العلم وتخرج الخبر من خبر الآحاد وتدخله في باب المعلوم ومنها ان يكون مطابقاً للسنة المقطوع بها اما صريحاً او دليلا او فحواً او عموماً ومنها ان يكون مطابقاً لما اجمع المسلمون عليه ومنها ان يكون مطابقاً لما اجمعت عليه الفرقة المحقّة فإنّ جميع هذه القرائن يخرج الخبر عن خبر الآحاد ويدخله في باب المعلوم ويوجب العمل به انتهى كلامه اعلى اللّه في الفردوس مقامه وعلى هذا المنوال والطريق جرى من تقدّم على الشيخ وتأخر عنه الى زمن العلاّمة الحلي وقبله ابن طاووس قدس اللّه روحهما فاحدثا هذا الإصطلاح الجديد الذي هو للفساد اقرب منه للصلاح وصرحا ان الباعث لهما على احداثه بعد الشقة وذهاب القرائن التي مجدها القدماء ولوجود الأخبار المكذوب بها على الأئمة وفيه كلام لا مجال لابرازه فإنّ قلت انما اعتمدوا على الكتب الأربعة لأنّها اجمع لفنون الحديث واحسن ترتيباً لا لصحة ما فيها دون غيرها ولهذا ترى الصدوق رد كثيراً من روايات الكافي قلت لا مزية للحديث صحّته التي صرّح بها ارباب تلك الكتب من حيث كثرة الجمع ومن الترتيب الحسن وانما تثبت الصحة من حيث النظر في امارات الصحة بالتتبع التام والوقوف عليها فانها مثمرة للعلم بصحة الورود وايضاً اننا نجزم بأن العالم الثقة إذا جمع كتاب تاريخ فضلا عن كتب احاديث الأحكام وكتاباً في اللغة وتمكن من نقل ما صح فلا يرضى بغيره بل يعد صحة ما ينقله مكرمة لنفسه فكيف به إذا الّف كتاباً في احكام الدين والشريعة المحمدية(صلى الله عليه وآله وسلم) ليعمل به من بعده الى يوم قيام الإمام(عليه السلام)هذا وعنده اضعاف ما يحتاج اليه من الأخبار الصحيحة اترى انه يرضى لنفسه بنقل غيرها وكيف يظن بمثل ثقة الإسلام الكليني ورئيس المحدّثين الصدوق وشيخ الطائفة الذين هم أئمة الدين بعد ائمتهم الطاهرين انهم ينقلوا ما لم يصح لديهم من غير تنبيه عليه فيغرون الناس بالجهل ما هذا إلاّ سوء ظن بهؤلاء العلماء الأبرار الأخيار بما لا يناسب شأنهم بل قدح لهم في اديانهم وقد صرّح الكليني في ديباجة كتابه انه وضع كتابه لدفع الحيرة ورفع الشبهة عن من سئله تأليف ذلك الكتاب ليأخذ منه معالم دينه ويعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين صلى اللّه عليهم فلو كان هذا الكتاب الفه من الصحيح وغيره لزاده حيرة الى حيرته وزيادة في شبهته.
و اما السئوال عن كون الأخبار كلها ظنّية الورود والدلالة معاً ام لا بل كلها قطعيّة او هما معاً او بعضها ظني والباقي قطعي فالجواب يقتضي تقديم مقدمة يتّضح بها المقصود اعلم ان لفظ العلم في لغة العرب يقال على الإعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع ويقال له اليقين وعلوم الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) من هذا القبيل ويطلق ايضاً على ما نعتقده ونطمئن به مما تقتضي العادة بصدقه ويقال له العلم العادي ويحصل بخبر الثقة الضابط إذا علم انه لا يكذب او دلّت القرائن على صدق خبره كما إذا اخبر انساناً خادم له معلوم الصدق عنده بشي من احوال منزله فإنّهُ يجد من نفسه حالة الجزم بخبره خصوصاً إذا انضم اليه قرائن الصدق بل يجد من نفسه تأثيراً بيّناً بواسطة خبره من فرح وخوف بحيث لا يختلجه الشك وهذا القسم ليس له حصر وضابط كلي بل مداره على حصول التصديق والجزم ومراتبه متفاوتة بحسب القرائن الظاهرة والخفية قلة وكثرة فربما افاد اليقين عند شخص والظن القوي عند آخر وهذا العلم الذي اعتبره الشارع وبنى عليه الأحكام فى كل الأعصار واوجب العمل بها عند حصوله وقد عمل اصحاب الأئمة بخبر العدل الواحد بل غير العدل إذا دلّت القرائن على صدقه وربّ فاسق وهو صدوق في خبره ولا ينافي هذا الجزم تجويز العقل بحسب الإمكان الذاتي خلافه إذ لو اعتبرنا عدم التجويز ذلك عقلا لم يتحقق لنا علم قط بوجود شي ولا عدمه واما تخصيص العلم باليقين فهو اصطلاح حادث من المنطقيّين والمتكلّمين لم يذهب له اهل اللغة لأنّها تثبيت على الظواهر من دون هذه التدقيقات فاذا عرفت هذا علمت ان احاديث ائمّتنا الهادين المعصومين صحّة ورودها ودلالة متونها على معانيها مختلفة لأنّ منها ما قامت القرائن على صحة نسبتها الى قائلها من الأئمة الأبرار(عليهم السلام)واضحة الدلالة صريحة المقالة في معانيها ومقاصدها ومنها ما هوذلك غير واضحة صحة ودلالة ومنها ما هو في الصحة دون الدلالة ومنها ما هو بعكس ذلك فلهذا وجب على الفقيه تفريغ وسعه وطاقته بالنظرتتبعه اسانيد ما لم يتّضح صحته في البين و يطّلع على غثّها والسمينويميّز الشراب منها من لامع السراب بالطرق التي وردت من ائمة الهدى(عليهم السلام)التي القوها لشيعتهم ومواليهم في معرفة ما اختلف من احاديثهم من العرض على الكتاب والسنة المقطوع بها والعرض على مذهب اهل الخلاف والأخذ بخلافهم فإنّ فيه الرشد بلا خلاف وغير ذلك مما هو مذكور في تلك الأخبار واما تواتر اخبار ائمّتنا(عليهم السلام)لفظاً او معناً فما حفّته القرائن المثمرة للعلم فذاك امر بيّن واضح فهذه الأخبار مختلفة في مراتب العلم القطعىّ والعلم العادي الذي تطمئن به النفس وان قيل له الظن بعد معرفة حقيقته فلا مشاحّة في الإصطلاح واما ما قيل كلها قطعية الورود والدلالة معاً كما ذهب اليه الثقة الأمين الاسترابادي قدس اللّه سره فهو افراط وتحذلق وما قيل انها كلها ظنيّة كما ذهب اليه الغير فهو تفريط وخير الأمور اوسطها والحق ان النزاع هنا لفظي لأنّ الكل اجمعوا على انه يجب العمل باليقين إذا تيسّر وإلاّ كفى ما يحصل به الجزم وسكون النفس لكن هل يسمى هذا النوع من التصديق علماً حقيقة بأن يكون للعلم افراد يقال به عليها بالتشكيك وهذا القسم من افرادها وان كان من اضعف الأفراد ام العلم حقيقة في اليقين خاصة وما سواه فخارج عن حقيقته واما دليل الفاضل الاسترابادي على دعواه القطعية وجود القرائن المثمرة للقطع ففيه ان وجود تلك القرائن في جميع الأخبار غير مسلّم له وان سلّم فهي لا تفيد القطع في كل الموارد لاسباب عديدة وموانع حادثة كما لا يخفى على الفطن المنصف فقصارى اكثر تلك القرائن التي ادعاها افادة الظن لا القطع الذي يزعمه نعم هي كما ادّعاه في زمن عرف ائمتنا(عليهم السلام) فان قيل لما لم تتضح دعوى القطع عندكم في تلك القرائن قلنا ما وجدنا كثيراً من الأخبار الواردة في الأحكام متناقضة يُعسّر الجميع بينها إلاّ على وجوه بعيدة ظنيّة وان اعتمدنا في الترجيح بينها بما ورد عن الأئمة(عليهم السلام)لم تخرج بذلك عن غلبة الظن الى ساحة اليقين والقطع بل منتهى الأمر الى حصول العلم العادي بها وايضاً ان الغالب في دلالة للفظ منها على معناه دلالة الظهور والرجحان لا القطع والجزم بسبب قيام الإحتمالات وشيوع المجازات ووجود الإشتراك اللفظي وهذا لا ينكره احد فيما اعلم ودعوى التواتر في جميعها مما يبطله اختلافها في نفسها واما القول بظنّيتها اجمع فهو خارج عن جادة الإنصاف حيث اننا نقطع في كثير منها بأنه يفيد العلم وسكون النفس بقرائن جلبت لنا العلم بصحتها وصراحتها في معانيها والمنكر لذلك مكابر لا يلتفت له.
و اما سؤال ذلك الجناب عن ان التصحيح والتضعيف هل هو بحسب الواقع ونفس الأمر ام بحسب نظر المجتهد ففي هذه العبارة نوع قصور وخدش ظاهر لأنّ التصحيح والتضعيف من عمل المجتهد فلا يقوم بالخبر في نفس الواقع فتأمل وعلى كل حال فنقول صحة الخبر عبارة عن صدقه وهو مطابقة نسبته اللفظية للنسبة الواقعية وضعفه احتمال كذبه وهو عدم المطابقة احتمالا راجحاً قلنا في هذا المقام تفصيل فنقول الخبر وهو من الكلام ما دلّ على نسبة في الخارج تطابق نسبته او لا تطابق فهو اما صادق ان طابق نسبته الخارج ايجاباً او سلباً او كاذب ان لم تطابق وهذه القسمة فيه حاصرة مانعة للجمع والخلو وله بالنسبة الى علمنا به وعدمه قسمة ثلاثية معلوم الصدق معلوم الكذب ومجهولهما فقد تحصل الصحة له في الواقع وفي نظر المجتهد معاً وقد لا تحصل إلاّ في احدهما اما الحالة الأولى فتعلم بواسطة كون المخبر به ضروري الثبوت وضروريته قد تكون من نفس الخبر ايضاً مثل الأشياء المعلومة بالتواتر كالأخبار عن فتح مكة وخيبر وقد تكون ببداهة العقل كالعلم بأن الكل اعظم من الجزء او طريقة الحس كحرارة النار واشراق الشمس او الباطن كالعلم بأن لنا لذة والم فهذا النوع يطابق صدق الخبر في الواقع لنظر الفقيه وقد يكون العلم بالصحة كسبي وتحصيلي وهو على قسمين الأول ما ليس للخبر فيه دخل كالأخبار بأن العالم حادث واللّه واحد ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)رسول اللّه لأنّ الإكتساب في هذا سابق على الأخبار والثاني يعلم من حيث صدق المخبر كخبر المعصوم(عليه السلام) ويلحق به الخبر المتواتر والمحفوف بقرائن الصدق وخبر الثقة الضابط الإمامي واما العلم بكذب الخبر فانه يتحقق بالعلم بعدم مطابقته للواقع اعني المخبر به وهو ايضاً يكون ضرورياً وكسبياً فالأول ما علم نسبة مخالفته مما علم ضرورة مثل قولنا الكل مساو للجزء والنار ليست بحارة والثاني ما علم منافاة مدلوله لامر علم بالإكتساب مثل قولنا العالم قديم ومثله الخبر المنافي لما ثبت بدليل سمعي قطعي لا يحتمل التأويل فلو لم نحكم بكذبه للزم نسبة الكذب للشارع وذلك محال اما لو قبل التأويل لأمكن القول بصدقه وهذا وسابقه في جانب الضعف كثيراً ما يوافق فيه نظر الفقيه للواقع وبالجملة فالصحيح من الأخبار ما اوجب العلم والعمل لوثاقة راويه او وجود قرائن الصحة فيه بأنه وارد عن المعصوم والضعف ما خلا عن ذلك وهذان دائران مدار حصول العلم بهما مع حصولهما في الواقع ومن جملة قرائن الصحة كون الخبر مشتملا على الأخبار بالغيب واحتوائه على بليغ الخطاب لأن الفصاحة والبلاغة انما تصدر عن معادن الكمالات ومنها اشتماله على المعاني الخفية الدقيقة التي لا يلمح اليها افهام سائر الأنام او كان فيه حكمة او كان معمولا عليه بين القدماء او من مرويّات الأصول المعتبرة او من مرويّات الكتب الأربعة او احدها او مجمع على صحته او صحة مضمونه وقد يختلف نظر المجتهد فيه مع الواقع ويقابله قسم الضعيف في مراتب التوصيف واما الخبر الخالي عن قرائن الصحة فشرط العمل بمضمونه وثاقة راويه وعدالته لتثبت حجيته ويصح التمسك به وقد استفدنا ذلك من مفهوم خطاب الكتاب المجيد ودلّت عليه سنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)واخبار الأئمة(عليهم السلام) واما الكتاب فقوله تعالى شأنه ان جائكم فاسق بنبأ فتبيّنوا واما الأخبار فهي اكثر من ان تحصى وتذكر في هذا المختصر فلتطلب من مظانها والمراد بالثقة هو العدل الضابط والعدل هو المؤمن الحسن الظاهر اعني المحافظ على الواجبات غير متظاهر بالمناكر وفعل الكبائر وغير مصرّ على فعل الصغائر فهذا معنى العدالة عندنا المعتبرة في مواردها ويدل على ما قلناه صحيحتا ابن ابي يعفور وغيرها من الأخبار المعتبرة لأنّه بين لا يدفع وظاهر لا يقنع ان العدل الحكيم لا يجوز في حكمته وعدله ان يأذن في اخذ احكام دينه وشريعته ممن تظاهر بالفسوق والعصيان ومن المقطوع به ان مثل هذا لا يدخل في زمرة رواة احاديث الأئمة الهداة عليهم التحيات والصلاة المأمور بالأخذ عنهم والتسليم اليهم وكيف وقد قال اللّه في صريح القرآن و لا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم النار وفي التوقيع الصحيح واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فمن الواضح البيّن ان شفقة الأئمة وشدة حرصهم في هداية شيعتهم الى طريق الحق والصواب لا يقتضي الرضا منهم والإذن لشيعتهم بالرجوع في اخذ احكامهم من الفسقة الخائنين وكيف يصير الرد على هؤلاء الفاسقين فيما جاؤا به هو الرد عليهم(عليهم السلام) ما هذا الاّ التجاهل في الدين وضلال مبين.
و قولكم هل يجب الإجتهاد في القطعيّة ام الظنيّة ام يكفى التسليم للفريقين والمراد انه على تقدير القول بأن الأخبار كلها قطعية الصدور او على تقدير القول بأنها ظنيّة الصدور فهل يجب حينئذ على الفقيه الإجتهاد فيها وتحقيق الحال فيها حتى يتبيّن له صحة احد القولين ام يكفيه التسليم له والرضا بأحد القولين فيكفي نفسه مؤنة الطلب فالذي يظهر لي من تتبّع اخبار ائمتنا السادة الأبرار مثل مقبولة ابن حنظلة ورواية ابي بصير ورواية ابي خديجة ان الفقيه النايب عنهم في تأدية احكامهم(عليهم السلام)و نقلها لشيعتهم هو ان يكون ذا بصيرة ونظر في احاديثهم ولا تتحقق البصيرة والنظر حتى يكون باحثاً عن طرق الأحاديث وصحتها عارفاً بها فكيف يصح له التسليم للغير من غير نظر فلا وجه حينئذ للتسليم للفريقين وايضاً من شرائطه ان يكون عارفاً بأحاديث الأئمة بالملكة القدسية بحيث يكون مطلعاً على مقاصدها كاشفاً عن رموزها واشاراتها فارقاً بين حقائقها ومجازاتها مميّزاً بين خاصّها وعامّها بايناً مطلقها على مقيّدها جامعاً بين مختلفاتها آخذاً بمحكماتها واقفاً عند مشتبهاتها ناقلا لرواياتها بعد تصحيح طرقاتها متصفاً بالعدالة والتقوى مقتصراً على محكمات الكتاب والسنّة في عمله والفتوى متمسك في فتواه بالعروة الوثقى نسئل اللّه القدير المالك ان يسلك بنا هذه المسالك.
المسئلة الثالثة : قال هل يكفي في التقليد توطين النفس على قبول قول المفتي في جميع التكاليف في الجملة يعنى من غير نظر الى كل مسئلة مسئلة ام لابد من التوطين في كل مسئلة مسئلة في مجموع التكاليف بحيث لا يصح التقليد بمجرد التوطين في بعض المسائل؟
اقول : الذي استفدناه من الأدلة الواردة في هذا المورد من الآيات والروايات الحاثّة والآمرة بطلب العلم وتلقّي الأحكام الواردة عن صاحب الشريعة والعمل بها ان هذا الطلب يحصل بطريقين احدهما بالنظر والإستدلال على كل حكم اريد بخطاب الشارع كما اشار اليه بقوله ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا وهذا لا يتم إلاّ بالملكة القدسية وهي لا تحصل إلاّ بالنور الإلهي الملقى اليه واليه الإشارة انما هو نور يقذفه قلب من يحب او يشاء والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا الآية والثاني الاخذ عمن له هذه الملكة والبصيرة ويقال للاول في عرف المتأخرين من علمائنا بالمجتهد وللثاني المقلّد ولا مشاحّة في الإصطلاح وكل مكلف يجب عليه في استفادة معارف دينه وتصحيح اعماله ان يطلب العلم الإلهي المطلوب منه من احد هذين الطريقين المستقيمين المنجيين له بقوله(عليه السلام) كن عالماً او متعلماً ولا تكن الثالث فتهلك والواجب على كل مقلد توطين النفس على طلب العلم وتلقّي الأحكام ممن امر الإمام(عليه السلام)بالرجوع اليه المستجمع لشرائط الفتوى المتّصف بالورع والعدالة المتحلّي بلباس التقوى في كل ما احتاج اليه وكلف به من معارف الإيمان والإسلام ومعرفة الحلال والحرام ويشترط عندنا فيمن نقلده ان يكون حابساً نفسه على الإستدلال بمحكمات السنّة والكتاب متمسكاً في علمه بهما بأخبار الأئمة الأطياب في كل باب إذ لا يعلم ما جاء فيهما على حقيقته إلاّ من خوطب بهما انه لذكر لك ولقومك واسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون واهل الذكر آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وان من اسمائه الذكر والواجب على الرعية السماع منه وقبول فتواه لأنّه قد جاء بحكم اللّه وحججه والراد عليه كالراد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه تعالى ولا يتحقق القبول والرجوع اليه والرضا بحكمه لكونه حكم الأئمة الهادين وحكمهم حكم اللّه الموحى به الى جدهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بتوطين النفس والتزامها لذلك في كل مسئلة مسئلة كلف بحكمها واما بالنسبة الى الرجوع الى عالم بعينه ومجتهد وحده فلم نجد به دليلا صالحاً بل غاية الأمر هو طلب العلم باحكام الشريعة المحمدية من اهل العلم ممن دخل في وصف الإمام واستجمع شرائط الفتوى من بين الأنام فيلزم على كل مكلف ان يلزم نفسه عهدة التكليف ليصح له العمل ويخرج بنور العلم من ظلمة الجهل والزلل والمدار في ذلك كله على ما ورد عن ائمة الهدى(عليهم السلام) واللّه العالم بحقيقة احكامه.
المسئلة الرابعة : قال إذا وطّن نفسه على تقليد فقيه في نوع من انواع الفقه فهل يتعيّن عليه تقليده في باقي الأنواع او يكفى تقليد آخرالنوع الآخر.
اقول : الذي دلّت عليه اخبار الباب الوارد عن السادة الأطياب الآمرة بالرجوع في اخذ الأحكام الشرعية من ثقاة رواة احاديثهم(عليهم السلام) هو الشق الثاني اعنى جواز الأخذ من الفقيه الآخر لعدم الدليل الحاصر إذ هي اناطت الإذن في ذلك على وجود صفات النيابة كما مرّت الإشارة اليهما آنفاً وهي على تواترها معنا دالة على ما قلناه باطلاقها صادقة الدلالة على ان من اخذ النوع الآخر من الفقيه الآخر انه مقلد لمن امروا باتباعه وانه راض به حكماً من حيث كونه حاكماً بحكمهم(عليهم السلام) وهو واضح لا ستر عليه فلا وجه للتخصيص حينئذ وهذه الأخبار على تكثرها وتواترها معنا هي مطلقة في اخذ كل المسائل او البعض من كل من اتصف بهذه الصفات في حال الإتفاق اما لو اتحد الموضوع واختلف الحكم من رجلين فقيهين فان كانا متساويين في العدالة والفقاهة والورع من غير ان يفضل احدهما على الآخر تخيّر المقلد في اتباع ايّهما شاء وانما الخلاف في تفضيل احدهما على الآخر فيها اذا صار احدهما الاعلم فهل يجب تقليده ام يستحب ام يبقى حكم التساوي والتخيير من غير رجحان فالذي يقوى لدىّ الثاني اعنى استحباب تقليد الأعلم منهما ولا يجب ذلك بقوله(عليه السلام) في المقبولة الحنظلية فالحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما وفي هذه الجملة من المبالغة ما لا يخفى حيث ان تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر مثل العالم زيد وانما قلنا مفاد ذلك الإستحباب لا الإيجاب لامور احدها ورود الأخبار والصحاح المطلقة بالمساواة الشاملة لهذه الحالات كلها وهي على تعددها اصح سنداً وثانيها انه لو وجب تقليد الأعلم خاصة لنافاه امرهم(عليهم السلام)لشيعتهم بالرجوع الى نوابهم في اخذ احكامهم عنهم وهو في زمان حضورهم(عليهم السلام)مثل زرارة بن اعين ومحمّد بن مسلم وابن خريود وابان بن تغلب وابي بصير ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وهم و ان كانوا على ما هم عليه من العلم والتقوى قاصرون عن ادنى رتب ائمتهم في العلم والتقوى والفتوى لما ورد وتحقق من ان علم الإمام(عليه السلام) بالنسبة الى الأنام كقطرة من البحر والذرّة من الثرى وثالثها ان مورد المقبولة خاص والمدّعى عام فلا تصلح للدلالة على جهة العموم وذلك انها وردت في والحكم والقضاء لا مطلق الفتوى ورابعها ان الترجيح فيها ليس بالأعلم وحده بل به وبالأفضلية في الأصدقية والأعدلية كما هو صريحها على ان في سلوك جادة الإنصاف وترك طريق التعصب والإعتساف بيان واضح في انه لا يشترط في الفقيه الذي يجب الرجوع اليه في اخذ الأحكام هو معرفتها بالتمام بل المعتبر فيه وقوفه على جملة منها وافرة وليس بشرط فيه ايضاً العلم بجميع ادلة المسائل اصولها وفروعها بل بما وصل اليه واتضح فهمه لديه إذ الإحاطة بجميع الأحكام متعذر الحصول لغير الإمام(عليه السلام)من الأنام وهذا عين ما نطقت به الأخبار واللّه العالم بحقيقة احكامه.
المسئلة الخامسة : قال إذا قلّد فقيهاً في حياته في بعض المسائل وذلك الفقيه لا يشترط الإستدامة في تقليد الميت هل يجوز تقليده في غير تلك المسائل؟
اقول : الظاهر ان معود الضمير في تقليده هو الميت لأنّه الأقرب وبه يستقيم المعنى من السؤال والمعنى هل يجوز تقليد الميت ابتداءاً لجايز التقليد عند مقلده الحيّ كذلك في غير تلك المسائل التي اخذها من الفقيه الحي ام لا يجوز التقليد فالذي استفدناه من الأخبار الجواز لعمومها واطلاقها الشامل لهذه الحال فلا ريب ولا اشكال في الجواز لوضوح السبيل فعلى من منع من ذلك الدليل وذلك بيّن لا يدفع وظاهر لا يقنع انه متى تحقق في الفقيه شرايط النيابة فيه التي من جملتها اخذ هذه الأحكام من كتاب اللّه وسنّة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)الواردة من طريق اهل العصمة(عليهم السلام) فإنّهُ يجب على الرعية ممن قصر عن رتبته تقليده والرضا بحكمه فإنّهُ الحاكم من قبل اللّه ورسوله والأئمة(عليهم السلام) والراد لقوله راد عليهم وهو على حد الشرك باللّه تعالى ومن هذا شأنه لا يبدل لديه القول ولا يبطل له حكم في الحياة والممات ولو بطلت فتاواه في موته لم يصح الأخذ بها في حياته وزوال اعتقاده في الموت لا يستلزم بطلان تقليده لأنّ اعتقاده الزائل بالموت ليس بعلة في وجوب تقليده وانما اوجبت تقليده الأخبار والآيات و انما اعتقاده علامة لصحة التقليد المعلم لا يزول بزوال العلامة وحجج المانعين من تقليد الموتى قد سبق وانقضها على احسن تبيين فالقول بالجواز عندنا قوي متين.
المسئلة السادسة : قال إذا قلّد فقيهاً يجوّز تقليد الميت هل يجوز له تقليد من شاء من الأموات وان كانوا لا يجوّزونه ام لا؟
اقول : قد اوضحنا لجنابكم غير مرة ان افراد الرعية في اكتساب الأحكام الشرعية المروية عن حجج الملك العلاّم صنفان ناقل للرواية وعالم بطرق درايتها عدل ثقة في نقله والآخر مقلد له والاول يعبر عنه بذي البصيرة والثاني هو المستبصر الآخذ عنه بالقائه اليه من الفتوى بعد معرفته بانه الناقل لروايات الأئمة الناظر فيها بعين بصيرته والمستنبط لاحكامها والعارف بحلالها وحرامها بطرق روايته الحابس نفسه في معرفة احكام دينه وشريعته على محكمات كتاب ربه وسنة نبيّه الصادق الأمين الواردة عن ائمته منتظماً في سلك اصحابهم عارفاً بمرادها ومقاصدها كاشفاً عن رموزها واشاراتها مصححاً لالفاظها وعباراتها فارقاً بين حقايقها ومجازاتها مميّزاً بين خاصّها وعامّها ومطلقها ومقيّدها جامعاً بين مختلفها عالماً بصحّتها وكل طريق يتوقّف عليه استنباطها من ادلّتها من الطرق الثابتة من صاحب الشريعة الغراء مجانباً للتمسّك بأصول مبتدعة ما انزل اللّه بها من سلطان وقواعد اسست على خلاف ما جائت به السنّة والقرآن وهي قياسات عقلية وآراء و استحسان واجماع ودليل يحكم براءة ذمته عند فقد الخطاب الشرعي والبيان هذا والأخبار تنادي بأوضح بيان ما من شي الا جاء به سنة وقرآن وكذا قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شي وفيه تبيان كل شي وايضاً ومن صفات ذلك الفقيه النائب عنهم(عليهم السلام) ان يكون عاملا بمقتضى علمه ورعاً ثقة اميناً على دين اللّه مخالفاً لهواه مطيعاً لامر مولاه فاذا عرف بذلك وجب اخذ الأحكام عنه وان كان من الموتى لقوله(عليه السلام) العالم حيّ وان كان ميتاً ولا ما علمه هو حلال محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وحرامه وهو باق الى يوم القيامة وهذا وان فرضنا انه يذهب الى عدم جواز تقليد الميت لشبهة عرضت له في ذلك ولأنّ المقلد له لا يتعيّن عليه تقليده في هذه المسئلة بخصوصها ولأنّه انما قلّد الحيّ في مسئلة جواز تقليده فلا أرى للمنع وجهاً واضحاً وطريقاً لايحاً على ان هذه المسئلة من المسائل الإجتهادية الظنية ليبطل الفتوى فيها بموت مفتيها على قول زاعميها واللّه العالم.
المسئلة السابعة : قال هل الواضع اللّه مطلقاً او البشر مطلقاً او منه سبحانه الضروري ومنهم الباقي وما ثمرة الخلاف؟
اقول : اختلفت اقوال العلماء في هذا المقام في ان واضع اللغة هو اللّه تعالى شأنه ام البشر والوضع جعل اللفظ بازاء معنى وتخصيصه به بشرط التوقيف والتواطئ عليه فاختلف في الواضع فذهب الأشعري وابن فورك و جمع من الفقهاء الى انه اللّه تعالى بتوقيفه عليها لعباده اما بطريق الوحي او بخلق الألفاظ الموضوعة لمعان مسموعة لهم او بخلق علم ضروري فيهم بوضعها وذهب ابو اسحق الإسرافائيني ومن تبعه الى التوزيع وفسر بأن ما يحتاج اليه في الإصطلاح من الوضع والتواطئ فمنه تعالى شأنه وما زاد على ذلك فمن البشر وذهب ابو هاشم واصحابه الى ان الواضع هو البشر والإصطلاح في المواضعة حصل بالتكرار والإشارة منهم كما في الأطفال وذهب آية اللّه العلامة اعلى اللّه مقامه وجماعة من الأصوليين الى الوقف وهو ظاهر الحاجبي في مختصره والأصح عندي الأول لقوله تعالى وعلّم آدم الأسماء كلها والمراد بالأسماء ما يعم الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفصل ولأنّ الأسماء مفرده الإسم وهو من السمة اي العلامة وهما علامة على معنييهما وقوله تعالى واختلاف السنتكم والوانكم وليس المراد بالألسن الجارحة المخصوصة وانما هو مجاز في اللغة القائمة بها من باب تسمية الحال باسم المحل ومثله كثير في باب المجاز وعلى ما ذكرنا اتفاق المفسرين وهي من آياته وافعاله تعالى وتقدس شأنه ومعنى انها من افعاله انه تعالى اوجد تلك الألفاظ في السنتنا مريد بها معانيها ووقفنا على موضوعاتها حسب ما اراد وقدّر وقوله تعالى واللّه خالق كل شي خرج منه ما خرج من اعمال العباد وبقى ما بقى مقهوراً تحت سلطة قدرة الواحد القهّار فيكون وضع اللغة من جملة ما بقى عندنا تحت العموم.
و اما ثمرة الخلاف في معرفة واضع اللغة فتظهر في مواضع فمنها ثبوت الحقيقة الشرعية فبيّنا على صحة القول الأول ثبوت القول به لأنّا نقطع حينئذ ان استعمال الشارع للفظ الصلاة والزكاة والحج والصوم و نحوه في المعانى الشرعية التي لم تكن معهودة لغيره هو استعمال اللفظ فيما وضع له في اصطلاح الشارع وان هذا التبادر كان في عرفه تعالى لا في عرف المتشرّعين وانما المتشرّعون في استعمالهم تابعون للشارع.
و اما على القول بأن الواضع هو البشر وعلى القول بالتوزيع فلا ثبوت لهذا القول لاحتمال ان استعمال الشارع لها في تلك المعانى بطريق التجوّز والتبادر لكثرة شيوع ذلك الإستعمال انما حصل في زمن عرف المتشرّعين ومنها ثبوت ان الأمر بالشي يقتضى النهي عن ضده وهو مبنىّ على كون هل اللازم مراد ومقصود للواضع ام لا فعلى الأول ثبوت هذه القاعدة ظاهر وان كان الحق الحقيق بالإتباع القول بالتفصيل وعدم الإجمال والإطلاق وهو ان اريد بالضد هو العام اعني الترك لذلك الفعل المأمور به فلا ريب في دلالة الأمر به على النهي عنه وان اريد به الخاص وهو كل فعل وجودي معاند له كمن امر بالصلاة مثلا فقام ومن امر بالكتابة فخاط بالإبرة فلا يتعيّن القول به إلاّ بالقرينة الموضحة واللّه العالم بحقيقة احكامه.
المسئلة الثامنة : قال هل يجوز التقليد في الفروع للقادر على الإستنباط ام لا؟
اقول : الظاهر لدىّ عدم الجواز من اجل ما استفدناه من الأدلة الدالّة على وجوب طلب العلم وانه فرض على كل مسلم ومسلمة وقول الصادق(عليه السلام) وددت السياط على رؤوس اصحابي حتى يتفقهوا في الدين وقوله(عليه السلام)تفقّهوا في الدين ولا تكونوا اعراباً واطلبوا العلم ولو بالصين وآية النّفر وسؤال اهل الذكر وكلها قد اشتملت على الأمر بطلب العلم والأمر للوجوب كما عليه اكثر المحققين من المجتهدين والمحدّثين.
فاذا عرفت هذا فاعلم ان طلب العلم على قسمين الأول على طريق الإستدلال بالأدلة الشرعية بحيث تحصل له الملكة الراسخة والقدرة على استنباط الحكم من دليله التفصيلي ولو بالقوة القريبة وعلى هذا النوع اقتصر فقهاء حلب فمنعوا التقليد... ان به يحصل العسر والحرج المنفيين.
القسم الثاني التقليد آية ورواية وقبول قول من له ولاية الحكم والفتوى المستجمع لشرائط النيابة السالك لطريق الورع والتقوى والإصابة من غير طلب دليل عليه ودليل هذا دليل اجمالي يستند اليه في كل ما يرد عليه مركّب من مقدّمتين احداهما حسيّة والثانية اجماعية وصورته هذا ما افتى به مقلدي وكل ما افتى به مقلدي فهو حكم اللّه في حقي فهذا حكم اللّه في حقّى وهو جار في كل حكم ورد عليه من المجتهد الذي يقلده ولما كان طلب العلم بالقسم الأول عزيز الوجود وهو فضيلة ومرتبة لا تتيسّر لكل طالب من التنزيل الموفق لتحصيلها هم الخواص من الناس بعد جهد وتعب واخلاص النيّة وتصفية الباطن والطوية لا جرم جاز للعوام من الأنام غير العارفين للاحكام الشرعية الرجوع والتسليم للعلماء الأعلام لأنّهم خلفاء الإمام والوسيلة للعوام وذلك بأمر منهم(عليهم السلام) وبه يرتفع العسر والحرج ويتم النظام للانام وقد دل على ما قلناه من الكتاب بأصرح دلالة قوله تعالى فسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وقوله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم وايضاً ان من قدر على استنباط الحكم من دليله فقد استغنى بعلمه عن علم غيره فلو جاز له تقليد الغير لكان آخذاً بأضعف العلمين لأنّ علمه بالدليل علم بالتفصيل وعلمه بالتقليد علم بالإجمال وايضاً القول برجوع الفقيه الى التقليد خلاف ما عليه الإمامية قاطبة فهو خلاف مذهب اهل الحق تعالى بقى شي ينبغي التنبيه عليه وهو انّا لو قلنا بتجزي الإجتهاد في الملكة وقوة الإستعداد بحيث يكون قادراً على استنباط بعض المسائل دون بعض فهل هذا فيما علم كالمجتهد المطلق فيكفيه ذلك الإجتهاد في البعض ويرجع الى التقليد فيما قصر اجتهاده عنه او يكون في جميع الأحكام من سائر العوام فيجب عليه التقليد في الكل في المسئلة قولان مشهوران اصحّهما الجواز فيما علم إذا قدر على احكام طرق الإستدلال وذلك لأنّه قد شارك المجتهد المطلق فيما علم وليس فيما جهله مانع لصحة اجتهاده فيما علم ولعموم الأدلة السمعية المتناولة لمثل هذا وعدم صلاحية المعارض واللّه العالم بحقيقة الحال.
المسئلة التاسعة : قال هل يجوز تقليد من يربع او يثلّثها او يثنّيها او يعيّن تقليد من اقتصر على السنّة؟
اقول : افرط مجتهدو متأخري علمائنا رضي الله عنهم فربّعوا الأدلة وجعلوها الكتاب والسنة ودليل العقل و الإجماع وفرط اخباريّهم فحصر الدليل في السنة الواردة عن اهل العصمة صلوات اللّه عليهم والحق الحقيق بالإتباع انحصار الأدلة الشرعية في محكمات الكتاب وصحيح السنة النبوية ; الواردة من طريق العترة العلوية وعدم جواز الإعتماد في الإستدلال على ما سواهما لفقيه او مقلّد من القواعد الأصولية التي لم يكن لها اصل في الكتاب ولا السنة من اجماع بسيط او مركّب او برائة اصلية او استصحاب او قياسات مساواة او اولوية او استحسان واعتبارات ما جاء بها القرآن قد ابتدعت في دين المالك الديّان وسولها لاوليائه الشيطان فلا افراط ولا تفريط انما هو امر بين امرين وهو الطريق الذي اشرنا اليه آنفاً لنا الحديث المتواتر بين الفريقين معناً اعني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)اني مخلّف فيكم الثقلين ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي وغيره من الأخبار المستفيظة بل المتواترة معنا الحاصرة للدليل الشرعي في الكتاب والسنة وان من تجاوز كتاب اللّه فقد كفر ومن ترك سنة نبيّه فقد ضلّ وانه ليس شي إلاّ جاء فيه كتاب وسنة ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين وما فرّطنا في الكتاب من شي وفيه تبيان كل شي ومن نظر برأيه هلك ومن ترك اهل بيت نبيه ضل لا يقال المراد بالرأي المحظور استعماله ما كان منشأه عن قياس لا مطلق الرأي وإلاّ لما جاز استنباط الأحكام من الكتاب والسنة لأنّا نقول المراد من الرأي في تلك الأخبار ما كان ناشئاً عن تلك القواعد العقلية والأصول الخارجة عن مدلول الكتاب وسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)التي عليها مدار الإجتهاد وافادة الظن الذي ذمّت الآيات والروايات اتباعه والعمل بمقتضاه وهذه القواعد التي مهّدها العامّة وبنوا عليها صحة الإجتهاد واغتر بها بعض الخاصة غفلة فاتبعهم واقتفى اثرهم فيها ويدل على صحة ما قلناه قرينة العطف في الأحاديث المؤذنة بالمغايرة حيث عطف فيها القياس على الرأي فلا يصح حمله عليه وانما قلنا يجب الإعراض عن الأصول والقواعد المباينة لطريق ائمة الهدى(عليهم السلام) لما سمعت من كثير الأخبار انها طرق الضلالة والمؤدية للاختلاف في الدين ومفادها الظن والتخمين و القول على اللّه بغير علم ويقين وان كل علم خرج من غير بيت النبوة والرسالة فهو مؤدّ الى الباطل والضلالة ومن ذهب الى حصر الدليل في السنة النبوية يلزمه القول بالأثنينية يعنى انه يؤول هذا المقال الى الإستدلال بالكتاب المجيد والسنة وذلك انّا إذا رجعنا في تفسير الكتاب الى الرواية فقد استفدنا الحكم من الكتاب والسنة معاً فلم يخرج الكتاب بذلك عن كونه حجة ودليلا في نفسه بل ذلك يكون تأكيداً لحجته كما لا يخفى على البصير الماهر وحيث ان الإستدلال على ابطال حجته ما سوى الكتاب والسنة يقتضي البسط والإطناب وهو غير مناسب لهذا الجواب لا جرم قبضنا عنان القلم وطوينا الكشح عن سعي بالقدم والحمد للّه رب العالمين.
المسئلة العاشرة : قال هل يجوز تقليد من ينوّع الأخبار الى الأنواع المصطلح عليه بالإصطلاح الجديد ام لا؟
اقول : الذي يقوى لدى جواز تقليده إذا لم تعارضه الصحة بالإصطلاح القديم الذي ايّدته اخبار ائمتنا الأطهار فإنّ اصطلاح القديم الذي عليه مدار الفرقة الناجية في اكثر الأعصار في زمن الأئمة السادة الأبرار لا يترك لاجل اصطلاح حادث وضعته اعداء الدين اهل الشقاق واتبعتهم عليه جملة من علمائنا رضي الله عنهم فضاق في تصحيح الأخبار الخناق ولزم من العمل بمقتضاه رد اكثر اخبار اهل العصمة والتكذيب بها نعم لو طابق هذا الإصطلاح الحادث الذي هو للفساد اقرب منه الى الصلاح للاصطلاح القديم لجاز حينئذ التقليد لمن عمل بمقتضى الإصطلاحين وانما قلنا هذا لما علمنا واتضح لدينا من استقراء الأخبار وتتبع الآثار الواردة في هذا المضمار حيث وجدناها مصرّحة بأن اعتماد القدماء في تصحيح الأخبار لم يكن مقصوراً على السند خاصة ولم يكونوا يحكمون بصحة حديث حتى يقطعوا بذلك لأنّ اكثر الأخبار كانت عندهم متواترة او في حكم المتواترة لقرائن دلتهم على صحتها وكانت اكثر الأصول واحاديث الكتب التي عندهم بخط الثقاة من اصحاب الأئمة(عليهم السلام)ولهذا صرّح المحمدون الثلاثة بصحة ما نقلوه في كتبهم واجازوا العمل به لوثوقهم بصدقه وثبوته ولكونهم اخذوا احاديثهم من الكتب المعتمدة المعوّل عليها وقد اعترف بذلك جماعة من المتأخرين ممن يوثق به فلا عذر لمن ترك طريقهم بعد ان عرفه واعتمد على الإصطلاح الذي احدثته العامّة واما الجاهل به فمعذور واللّه الهادى الى سواء السبيل.
المسئلة الإحدى عشرة : قال ما الوجه في تسمية الأصولى والأخباري ومتى حدث هذا الانقسام وهل بينهما فرق معنوي ام لا؟
اقول : الأظهر في سبب هذه التسمية وثبوت هذه النسبة اعني الأصولي والأخباري ما سأذكره انشاء اللّه تعالى لك عن قريب واما حقيقة النسبة عند علماء العربية على ما ذكره ابن مالك في التسهيل هو ان يجعل حرف اعراب المنسوب اليه او المضاف اليه ياء مشددة تلي كسرة غالباً وهذه الترجمة هي المشهورة بين النحّاة وترجمة سيبويه بياء الإضافة وهي تقتضى لذاتها في الأصل متعدداً لتوقّف وجودها على الأمرين احدهما المضاف والثاني المضاف اليه فيحذف المضاف وتخلفه ياء في آخر المضاف اليه فعلى هذا يكون الأخباري في الأصل رجل الأخبار والاضافة يكون باء بتقدير اللام والأصولي رجل الأصول يعني الأدلة او القواعد والضوابط الكلية ولما كان الأول اشد اعتماداً في معرفة معالم دينه على اخبار اهل بيت نبيه حتى في تفسير كتاب ربه صحت الى نسبته الأخبار ولما كان الثاني مع مشاركته للاول في وجوب العمل بالسنة والأخبار في الجملة لكن اكثر استناده في معرفته واجتهاده على الأدلة الخارجة عن الكتاب والسنة كما هو ظاهر ممن جاس خلال تلك الديار لا جرم صحّت نسبته الى الأصول واما بيان زمان حدوث هذا الإنقسام وسبب حدوث هذا الإختلاف بين علماء الفرقة الناجية فنقول ان اصحاب الأئمة(عليهم السلام) ومن تبعهم لم يكونوا يأخذون اصول دينهم وفروعه الاّ عنهم(عليهم السلام) وكانوا يتلقّون الاصول عنهم(عليهم السلام) بطريق يوجب لهم القطع بها اما باقترانها بالمنبّهات على ضرورياتها والأدلة القاطعة على نظرياتها او من اشراق الأنوار الالهية على قلوبهم بسبب اخلاصهم في طلب الحق بحيث تندفع عنهم ظلم الشكوك والشبهات وتصير النظريات ضرورية لهم ببركة الأئمة(عليهم السلام) فمن تتبع كلامهم واخلص النية للّه تعالى في التوسل بهم(عليهم السلام) ادرك الهداية ومن طلب الحق للحق تعالى ادرك من ذلك ما يظهر له من صدق ما قلناه هذا حالهم في اصول دينهم واما الفروع فكانوا يأخذونها عنهم(عليهم السلام)على طريق التسليم وربما سئلوهم عن وجه الحكمة فيها فبيّنوه لمن له اهلية ذلك ومنعوا من عرفوا منه التعنّت او الشك او عدم الفهم لأنّهم(عليهم السلام) يخاطبون الناس على قدر عقولهم وكانوا ينهون اصحابهم كافة عن العمل بالرأي والقياس والإجتهاد فيما ليس فيه... ويأمرونهم بالوقوف عندما لا يعلمون حكمه والرد اليهم في ذلك الى وقت الغيبة الصغرى فأمرهم امامهم صاحب الأمر(عليه السلام) بالرجوع الى رواة احاديثهم واخبار الأحكام الواردة عنهم كما نطق به التوقيع الأشرف ولم يكن للشيعة في ذلك الزمان في اصول الفقه تأليف لعدم الحاجة اليه عندهم لوجود كل ما لابد لهم فيه من الأصول المروية عن الأئمة(عليهم السلام) الى ان جاء ابن الجنيد فنظر في اصول العامّة وفروعها فاستحسن ذلك فألّف الكتب على ذلك المنوال حتى انه عمل بالقياس فلذا اعرض القدماء عن كتبه ولما وصلت النوبة الى الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ اكثروا البحث مع العامّة واستدلوا على اصول المذهب وفروعه بالأدلة العقلية الجدلية الموافقة لطريق العامّة وكان غرضهم ابطال الباطل واحقاق الحق بما يعترف به الخصم وان كان في نفسه باطلا فلا تظن بقدمائنا كالمشايخ الثلاثة وغيرهم انهم خرجوا عن طريق اصحاب الأئمة(عليهم السلام)فان ترى احدهم قد يستدل على فرع بغير النص ليس لأنّه مدرك شرعي عنده بل لإلزام الخصم ولبيان ان ما نقل عن الأئمة(عليهم السلام) مما تعاضد فيه العقل والنقل فمدرك الحكم عندهم النص لا غير والعقل انما هو مؤيد وعلى هذا كانت طريقتهم من عصر الأئمة(عليهم السلام) الى اواخر الخمسمائة من الهجرة وقد صرّح به ابو المكارم ابن زهرة في اصول الغيبة حيث قال نقل ان بعض العامّة اعترض فقال انتم معاشر الشيعة لا تعملون بالأصول بل بأحاديث أئمتكم لا غير فكلامكم بالأصول عبث واجاب عنه بأنا معاشر الشيعة لا نعمل إلاّ بالحديث و كلامنا في الأصول لأمرين احدهما لنفهم ما في كلام الأئمة(عليهم السلام) من معنى الأمر والنهي وغير ذلك مما يتعلق باللغة.
الثاني : ان الأحكام الشرعية ثابتة عندنا بطريق النقل ونريد ان نؤيدها بادلة العقل ليتعاضدا فلا يكون كلامنا في الأصول عبثاً انتهى كلامه علت في الفردوس اقدامه.
و اما الفرق بين الأخباري وبين الأصولي فمن وجوه عديدة.
احدها ان ادلة الأحكام الشرعية عند الأصولي اربعة بل خمسة وهي الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل و بعضهم يرى حجية قياس الأدلة... ومنصوص العلة والأخباري خصّها بالكتاب والسنة وذهب البعض الى السنة وحدها بناء على ان الكتاب لا يجوز العمل بما فيه إلاّ بما ورد التفسير به من اخبار اهل البيت وهذا الوجه من ابين وجوه الفرق واقواها.
الثاني ان الأحكام مبنية على التثليث عند الأخباري حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك واما الأصولي فليس عنده إلاّ الآخران خاصة.
الثالث : ان الأصولي يوجب الاجتهاد عيناً او تخيّراً والأخباري يوجب الأخذ بالرواية عن المعصوم(عليه السلام)ويمنع الاجتهاد في مقابلة النص والأخذ بالرواية اما مشافهة او بالواسطة وان تعددت لا.
رابعها : ان الأصولي يجوز اخذ الأحكام بالظن والأخباري يمنعه ولا يقول إلاّ بالعلم والعلم عند الأخباري قطعيّ وهو ما طابق نفس الواقع وعادي واصلي وهو ما وصل عن المعصوم ثابتاً ولا يجوز عليه الخطأ عادة فإنّ الشارع واهل اللغة والعرف يسمّونه علماً وان الظن ما كان بالإجتهاد والإستنباط من غير رواية... وان الأخذ بالرواية لا يسمى ظناً ولهم على المنع بالعمل بالظن ادلة من الكتاب والسنة فلو اعترض بأن العامل بالأخبار لا يخرج عن العمل بالظن ايضاً قلنا هو ممنوع وانه لا يسمى ظناً شرعاً ولا لغة ولا عرفاً وتجويز احتمال النقيض بحسب الإمكان الذاتي لا يخرجه عن كونه علماً لغة وشرعاً لأنّ العلم الشرعي ما لا يجوز احتمال النقيض فيه عرفاً وعادة لا مطلقاً ولو اعتبر ذلك في حقيقة العلم لم يتحقق لنا علم قط.
خامسها : ان الأصولي ينوع الأخبار الى اربعة انواع صحيح وحسن وموثق وضعيف والأخباري الى صحيح وضعيف.
سادسها : ان الأصولي يفسر صحيح الأخبار بما رواه الامامي العدل الثقة عن مثله في جميع الطبقات الى المعصوم والحسن ما كان رواته او احدهم امامياً ممدوحاً بغير الوثاقة والموثّق ما كان رواته او احدهم غير امامي وهو موثّق والضعيف ما كان في رواته مجروح والأخباري يفسر الصحيح بما صح عن المعصوم وثبت ومراتب الصحة مختلفة عنده فتارة بالتواتر وتارة بالقرائن المثمرة للعلم الشاهدة بصحة الخبر.
سابعها : ان الأصولي يحصر الرعية في صنفين مجتهد ومقلد والأخباري يقول ان الرعية كلها مقلدة للمعصوم والإجتهاد لا يسوغ في الدين.
ثامنها : ان الأصولي يقول طلب العلم في زمن غيبة الإمام(عليه السلام)بطريق الإجتهاد وفي زمن حضوره بالأخذ عن المعصوم ولو بالواسطة والأخباري لا يجوز عنده الإجتهاد حضوراً وغيبة.
فهذه وجوه ثمانية حصل بها الفرق بين الأصولي والأخباري فانظر بعين بصيرتك اي الطريقين اولى بالإتباع واي الكنزين اعود في الإنتفاع هذا ما حضرني من الجواب واللّه اعلم بالحق والصواب.
المسئلة الثانية عشرة : قال هل القاضي ومن يجوز تقليده والأخذ عنه والرجوع اليه متحدان في الشرائط او مختلفان؟
اقول : اعلم ان من يجوز تقليده والأخذ عنه الأحكام الشرعية هو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ومن له هذه الرتبة فله ولاية الحكم والقضاء وله الإذن من المعصوم على سبيل العموم ولم يقم دليل على الإذن الخاص في شأن القاضى دون المفتى وعلى زاعمه اقامة الدليل الواضح نعم ربما يظهر من عبائر علمائنا المجتهدين منهم الفرق في بعض الشروط والأوصاف وذلك انه في زمن حضور الإمام(عليه السلام)يشترط في نصب القاضى الإذن له من الإمام(عليه السلام) في القضاء لان القضاء والحكم وظيفة الإمام بالأصالة وحق له فلا يليها احد إلاّ باذنه وفيه ما فيه الثاني مما يشترط في القاضى ويختص به زيادة على الإيمان والعدالة والعلم الذي هو عبارة عن الملكة القدسية الإلهية كونه ذكراً وكونه بصير التميّز بين الخصوم وان يكون له ملكة الكتابة ليمكنه ضبط القضايا والوقائع الصادرة من المتنازعين لديه.
اقول الذي يظهر عندي من اخبار النيابة في الحكم والقضاء مثل مقبولة ابن حنظلة وصحيح ابي خديجة ورواية ابي بصير وغيرها من الروايات ان الإمام(عليه السلام) امر شيعته بالرجوع عندما يقع منهم النزاع او التراد في مواريثهم او ديونهم او كل ما يقع لهم فيه التخاصم وحثهم على التحاكم والرضا بحكم من جمع الصفات التي ذكرها لهم وهي الذكورية والإيمان والعدالة والورع والرواية لاحاديث اهل البيت(عليهم السلام) والعلم بأحكامهم بعد النظر فيها فهو الحاكم من قبلهم عليهم فصار الراد لحكم من اتّصف بهذه الصفات هو الراد لحكمهم(عليهم السلام) والراد لحكمهم هو الراد لحكم اللّه تعالى وهو على حد الشرك باللّه وعلى هذا لا يتوقف على تعيين الإمام(عليه السلام) له نعم ان من نصبه الإمام للقضاء والفتوى لا ينفك عن هذه الصفات المذكورة واما الفرق بين القضاء والفتوى بعد ان كان كل منهما هو الإخبار عن حكم اللّه تعالى إلاّ ان القضاء مغاير للفتوى في الجملة فإنّهُ عرف شرعاً بولاية الحكم واجزائه لمن له اهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على اشخاص معينة من البرية باثبات الحقوق واستيفائها للمستحق ومبدأها الرياسة العامّة اعني النبوة والإمامة فانها الرياسة العامّة في امور الدنيا والدين وغايته قطع النزاع وخواصه الحكم فيه لا ينقض بالإجتهاد وصيرورته اصلا ينفذه غيره من القضاة وان خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلا قطعياً وللقاضي الولاية على كل مولاً عليه مع فقد وليه ويلزم به حكم البيّنة من شهدت عليه بالزام الحق والشهود بتغريمهم لو رجعوا عن الشهادة بعد الحكم واكثر هذه الخواص مفقودة في المفتى فجاء الفرق بينهما وتبيّن ان القاضي بهذه الأوصاف اخص من المفتي الذي يرجع الى قوله في معرفة الأحكام الشرعية.
المسئلة الثالثة عشرة : قال : لو اختلف الخصمان بحسب اختلاف حكم مقلديهما هل يجوز البقاء على ذلك و الإستمرار عليه ام يجب عليهما الترافع الى الحاكم الشرعي و إذا ترافعا اليه هل يجوز له تقريرهما على تقليدهما ام يجب عليه حملهما على فتواه؟
اقول : ان في هذا السؤال نوع من الإجمال والمجازفة فينبغى ان يقال لو اختلف الخصمان في حكم ما يلزمهما في الحكم والقضاء بعد الترافع والتحاكم الى من يقلده كل واحد منهما من الفقهاء المستجمعين لشرائط الفتوى مختلفاً عليهما فيما حكما به وكل منهما يسند الحكم الذي حكم به الى الرواية عن اهل بيت العصمة(عليهم السلام)فهل يجوز للرجلين الذين اختصما البقاء والإستمرار على هذا الإختلاف ويستند كل منهما الى فتوى الفقيه الذي قلّده ام يجب الرجوع الى آخر فيرتفع الخلاف بينهما إذا تراضيا به وهل يجوز له حينئذ ان يقرّهما على الحكم الأول اي يفتيهما بجواز البقاء عليه ام يتعيّن عليه ان يفتيهما بما علم به من حكم اللّه تعالى في حقهما الذي استفدناه من بعض اخبار الباب مثل مقبولة بن حنظلة وغيرها هو البقاء على حكم من قلّده اولا إذا كان معروفاً عندهما بصفات النيابة التي دلّت عليها المقبولة وغيرها وكون النائب عنهم هو الراوي لاخبارهم والعارف باحكامهم والناظر في حلالهم وحرامهم وان يكون ايضاً عالماً باحكام الكتاب ومعرفتها تتوقف على معرفة العلوم المقرّرة ومعرفة القواعد والضوابط المعتبرة المأثورة عن الأئمة(عليهم السلام)لقولهم انما علينا ان نلقي عليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا سيّما في الجمع بين مختلفات الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار ومن هذا شأنه فالواجب التحاكم اليه والرضا بحكمه لأنّه الحاكم علينا من قبل الإمام(عليه السلام) فالخصمان لو تحاكما الى من هذه صفته وكانا رجلين من فقهاء الإمامية فتوافقا فيما حكما به لهما فلا كلام في وجوب العمل بحكمهما والرضا به وان اختلفا فيما حكما به لاختلاف الرواية عن اهل البيت(عليهم السلام) فالواجب النظر والترجيح لحكم احدهما على الآخر والاخذ بالراجح وترك ما هو مرجوح من حكمهما لكن الترجيح بالطرق الواردة في روايات الأئمة(عليهم السلام)فمن ذلك ما ورد في مقبولة عمران بن حنظلة وهذه الرواية وان كان في طريقها ضعف على الإصطلاح الجديد لكن ضعفها محبو بالشهرة إذ هي مقبولة عند الأصحاب معوّل عليها بينهم وفيها قلت فان كان كل رجل منهما اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم قال الحكم ما حكم اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ولا يلتفت الى ما يحكم به الآخر فإن قلت انهما عدلان مرضيّان عند اصحابنا لا يفضل منهما احد على الآخر قال فقال ينظر الى ما كان من رواتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من اصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه وانما الأمور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع وامر بيّن غيّه فيجتنب و امر مشكل فيرد حكمه الى اللّه تعالى والى رسوله قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم قال فإن كان الخبران كلاهما مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامّة فيؤخذ به وترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامّة قال جعلت فداك ارأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا احد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم بأىّ الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامّة ففيه الرشاد فقلت جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً قال ينظر الى ما هم اليه اميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر قلت فإن وافق حكّامهم الخبران معاً قال إذا كان كذلك فارجه حتى تلقاء امامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في المهلكات الحديث.
و هذا آخر ما وفّقنا اللّه تعالى اليه من اجوبة هذه المسائل ونحمده تعالى شأنه على اتمامه وختامه ونسئله تعالى ان يجعله ذخراً ليوم جزائه وانعامه مصلّين على نبيّه وآله العالمين بحلاله وحرامه على يد مؤلفه اقل عباد اللّه عملا وعلماً واكثرهم جرماً واضعفهم اجراً العبد الجاني عبد علي بن خلف بن عبد علي بن حسين الدرازي العصفوري البحراني بتاريخ اليوم الثاني عشر من شهر شوال احد شهور سنة الخامسة والسبعين والمائتين والألف من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله وصحبه الأبرار الف الف سلام وتحية تمت تمت تمة.



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 5764  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 لا تقليد في الاصول

 رد تشكيك في مظلومية الزهراء

 المفاضلة بين االمعصومين من أهل البيت

 النهي عن تزويج الحسن عليه السلام لأنه مطلاق

 اجتهاد الأخباريين في فهم الأخبار

 الرأي في فضل الله وحكم من يقلده

 معنى الواحد لا يصدر عنه إلا واحد

 عن صحة اساءة المنتظري للزهراء عليها السلام

 شرط القبلة في الذبح

 دعوة الامام الحسين على الشعب العراقي

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 10895200

 • التاريخ : 23/10/2019 - 15:24