ماهي الفوارق الرئيسية بين المدرستين الأخبارية والأصولية 

( القسم : مسائل التقليد في فروع الدين )

السؤال : ما هو القول الفصل في الفوارق الرئيسية بين المدرستين الأخبارية والأصولية عند العلامة الشيخ حسين آل عصفور قدس سره

الجواب :

مما جاء في كتاب المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخرسانية
تأليف
شهيد الإسلام وحامي شرع سيد الأنام العلامة
الشيخ حسين ابن الشيخ محمد آل عصفور
الدرازي البحراني
أعلى الله مقامه
(( المسألة الأولى))
قال >رفع اللّه مقامه وشرفت مبداه وختامه<: أيّها العالم العامل والمحدث الكامل الورع التقي الفقيه اللوذعي >أطال اللّه بقاك ومتعنا بلقاك < كيف اعتقادكم في علمائنا الأصولية مثل مولانا العلامة الحلي والشيخ زين الدين والشيخ بهاء الدين >عليهم الرحمة< وأمثالهم حيث قالوا بالإجتهاد ، والذي هو عبارة عن استفراغ الوسع في طلب الظن ، والعلم الشرعي الذي يحصل من الأحاديث سموه ظناً، والقواعد المحدثة جعلوها مدركاً ومرجعاً مع أنهم صنفوا في الأصول أصولاً، وفي الفروع أبواباً وفصولاً ،كل واحد منهم في التوحيد وحيد، وفي العدل ليس لهم عدول، وفي الكلام فضول وفي النبوة والأمامة كالردم المشيد بل هدموا جدران شكوك المخالفين، ونقضوا دلائلهم الركيكة، وحججهم السخيفة بتأليف الكتب والرسائل، ودرجوا فيها الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة ما يشفي العليل ويروي الغليل ، ويزيل الشك والإرتياب عن قلوب أولي الألباب، ككتاب الألفين. بل سعوا >رضوان اللّه عليهم< في إعلاء الدين غاية السعي ، وجهدوا فيه غاية الجهد في كل عصر وأوان، فالدين باقٍ ببركتهم إلى الآن، وبذلوا مالهم وعرضهم ومهجهم في ذلك حتى أُبْعِدوا وشرّدوا وقتلوا كالشهيدين وأمثالهم . وغاية ما في الباب القول بالتخطئة في الأصحاب بإعتقاد الاخباريين ، وهل المخطئ بإعتقادكم معذور أم لا ؟ ففي الحديث النبوي :رفع عن امتي تسعة أشياء: وعدّ منها( الخطأ والنسيان) ، ولأنهم كانوا في غاية الورع والإحتياط في الدين ونهاية المحبة والارتباط بموالاة السادات والأئمة الهداة علماء فضلاء كاملين إن لم يكونوا معذورين فأمرهم موكول إلى رب العالمين، ونحن نرجو النجاة للجهال والعوام مع أنهم عارون عن معرفة الأحكام فكيف لا نرجوها للعلماء الأعلام والفضلاء الأبدال الكرام. ولقد رأيت قوماً من الأخباريين يذمونهم غاية الذم ، ويحذرون عن مجالستهم كالحية والأرقم والعدو الأعجم ، ويعدونهم من المخالفين بل من النواصب المضلين ، نعوذ باللّه من سوء هذا الإعتقاد ، والذي تقشعرّ منه الجوانح والفؤاد ، والإختلاف في الفروع عندكم ممنوع أو مشروع بينو لنا الجواب بطريق الصواب ليزول عنّا الشك والاضطراب ، ونفوز بالثواب الجزيل من الرب الجليل.

( الجواب) انه قبل الخوض في بيان هذا السؤال لا بد من الكلام على طريقتي علمائنا الأخباريين والمجتهدين ، وبيان حدوث هذه الطرائق في والسبب الباعث على ذلك اليقين فنقول : الظاهر في ذلك هو أن اللّه تعالى لم يقبض نبيه >صلى اللّه وعليه واله وسلم < حتى أكمل دينه وأتم نعمته كما قال اللّه تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) . ومن هنا جاء في الخطب والأدعية المأثورة في ذلك اليوم عند اللّه ذلك القول قالوا >صلوات اللّه عليهم<: الحمد لله على أكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب. فلم يدع شيئاًً تحتاج إليه الأمة إلا بينه بإنزاله في كتابه وبابدائه في سنة نبيه، حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة ، فما استغنى عن البرهان أتى به مجرداً عنه ، وما احتاج إلى الحجة والبيان أتى بهما معه على أتم وجه وأبلغه بما كان معه من بينة وبرهان وخطابة وجدال بالتي هي أحسن إلى غير ذلك مما تقتضيه الحكمة الأحديّة والعناية الصمدية بأن جعل لكل طائفة منهم ما يناسب عقولهم الجليلة والمضيئة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حيي عن بينة، ولئلا تحتاج أمته إلى سالف الشرائع إلى شيء من القضايا والوقائع، فقال تعالى:(ما فرطنا في الكتاب من شيء)، وقال فيه: (تبياناً لكل شيء)، وقال جل من قائل: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). وكم في آيات الكتاب من مثل هذا الخطاب. وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين >عليه السّلام< في كلام له ذم فيه أهل الفتيا:ء انزل اللّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل اللّه سبحانه ديناً تاماً فقصّر الرسول عن تبليغه وأدائه ، واللّه سبحانه يقول: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء). وقد استفاض في روايات الفريقين بل تواتر في أحاديث المذهبين عنه >صلى اللّه عليه وآله< : إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي. وفي بصائر الدرجات بسند صحيح عن أبي الحسن >عليه السّلام< قال: إن اللّه لم يقبض نبيه حتى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه، فجاءكم ما تحتاجون إليه في حياته وتستغنون به وبأهله بعد موته ،وأنه عند أهل بيته حتى أرشى الكف. وفي الكتاب المذكور، والكافي، باسنادهما عن أبي جعفر >عليه السلام< قال: إن اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاًً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه، وبيّنه لرسوله، وجعل لكل شيء حداً، وجعل عليه دليلاً، وجعل على من تعدى على ذلك الحد حداً. وباسنادهما عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال: ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة . وباسنادهما عن سماعة عن الحسن بن موسى قال: كل شيء في كتاب اللّه وسنة نبيه أو يقولون فيه ، فقال: بل كل شيء في كتاب اللّه وسنة نبيه . وفي كتاب البصائر بإسناده عن أبي الحسن >عليه السّلام< قال: قلت : أصلحك اللّه أتى رسول اللّه > صلى اللّه عليه وآله وسلّم< بما يكتفون به؟ فقال: نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة ، فقلت: أوضاع من ذلك شيء؟ فقال:لا. وفي الكافي بإسناده عن أبي جعفر>عليه السلام<عن أمير المؤمنين >عليه السّلام< في كلام له طويل : فجاءهم بنسخة ما في الصحف الأولى، تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الحلال من ريب الحرام، وذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق لكم، أخبرتكم عنه ان فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون. وفي كتاب الأمالي للصدوق بإسناده إلى الرضا >عليه السّلام< أنّه قال في كلام له: إن اللّه لم يقبض نبيه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< حتى أكمل فيه الدين وبين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما تحتاج إليه الناس كاملاً فقال عز من قائل :(ما فرّطنا في الكتاب من شيء)، وأنزل في حجة الوداع وهي في آخر عمره >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وأمر الإمامة في تمام الدين ولم يمضِ >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< حتى بيّن لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله، وتركهم على قصد الحق، وأقام عليّاً علماً وإماماً، وما ترك شيئاًً تحتاج له الأمة إلا بينه، فمن زعم أن اللّه لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه عز وجل، فهو كافر. وفي كتاب البصائر الدرجات، باسناده عن اليقطيين يرفعه إلى أبي عبد اللّه >عليه السّلام<: أبى اللّه أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، وجعل لكل سبب شرحاً ،وجعل لكل مفتاح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، من عرفة عرف اللّه ،ومن أنكره أنكر اللّه، ذلك رسول اللّه ونحن. وفيه في الصحيح عن محمد بن مسلم فقال: سألته عن ميراث العلم ما بلغ ألجوامع من العلم، أم يفسر كل شيء من هذه الأمور التي تتكلم فيه الناس من الطلاق والفرائض؟ فقال: إن علياً >عليه السّلام< كتب العلم كله والفرائض، فلو ظهر أمرنا لم يكن من شيء إلا وفيه سنة يمضيها . وفيه أيضاً في الصحيح عن أسامة قال: كنت عند أبي عبد اللّه >عليه السّلام< وعنده رجل من المغيريّة، فقال: ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم إلا وقد خرجت فيه السنة من اللّه ورسوله ، ولولا ذلك لما احتج علينا بما احتج . فقال المغيريّ: وبمَ احتج؟ فقال >عليه السّلام<: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)... حتى فرغ من الآية فلو لم يكمل سننه وفرائضه وما يحتاج إليه الناس ما احتج به. والأخبار في هذا المعنى لا يأتي عليها أقلام البيان، وهي شاهدة على ان الطريق في أخذ الأحكام مقصورة على الكتاب وسنة أهل بيت محمد >عليهم السّلام< وأنه ليس حكم على الخصوص إلا وجاءت به سنة ونص في هذه النصوص، وكانت هذه الطريق هي المعكوف عليها في الصدر الأول، وعليها يبنى الإستنباط الشرعي ، وعليها فيما بينهم المعول ، وقد اعترف بعض علماء العامة بذلك مع إخلاده إلى الرأي والقياس وعدم مبالاته بالدخول في الشبه ومواضع الإلتباس . وكان الباعث على الانحراف عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة أنه بعدما قبض نبيه وتولى الأمر غير أهله فكان الخليفة منهم ما اقتضاه الحال من الكتاب والسنة ، وربما سأل من حضر من الصحابة فإن لم يجد نصاً حكم كما يرى من المصلحة كما هو شأن الملوك والأمراء في القضايا الكلية والجزئية يراعون ما ينتظم به أمر الدولة ويصلح حال الرعية سواء وافق الشرع أو خالفه ، ولا يبالون هنالك بالمباينة لنبيهم والمخالفة ، وكانوا يسمون ما لا يستند إلى النص اجتهاداً والعامل به مجتهداً يعمل بالقياس والإستحسان والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص عموم النص بالرأي ، والإستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه النص ، وكان يأمر أمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدب قوماً ويعفو عن آخرين استحقوا العقوبة بحسب ما يراه من المصلحة .انتهى . ثم دام الأمر على ذلك في الخلفاء المتلصصين بعده إلى أن انتهت النوبة إلى أمير المؤمنين >عليه السّلام< من رب العالمين فهدم بعض قواعدهم المبدعة في الدين ، وبقي كثير لم يقدر على إزالته لكثرة المخالفين ، حتى ظهرت الدولة الأموية ، فأججوا نيران البدع الشنيعة ، وأظهروا الباطل والأحوال الفظيعة ، فزادوا على تلك القواعد وهلم جرا ، فشادوا ما أسس أولئك ، وزادوا في الطنبور نغمة أخرى فارتبك الأمر على الناس ، ولا برحوا مشتملين على هذا اللباس حتى انتهت الرياسة إلى أرجاس بني العباس ، أهل القيان والمزامر والكاس . وأكثر الفقهاء من العامة في أيامهم ، فرفعوا مكانهم ، وأمروا الناس بالأخذ بفتياهم ، وكان أشدّ الفقهاء إليهم أشدهم عداوة لآل الرسول ، وأظهرهم لهم خلافاً في الفروع والأصول ، كمالك وأبي حنيفة ، والشافعي وابن حنبل وممن حدا حدوهم في تلك المذاهب السخيفة . وكان في زمانهم من الفقهاء من هو أعلم ، ولكن اشتهر هؤلاء لأنهم لآل محمد أبغض وأظلم ، ولما فيه من التلبيس الذي حملهم عليه ابليس ، فاظهروا الزهد والبعد عن الملوك طلباً لدنيا لا تنال إلا بتركها ظاهراً ، ومرآة لهم في السلوك ، فمالت إليهم قلوب العامة ، ودانت لهم عقول من هم في الضلالة كالأنعام، وروّجت أسواقهم الكاسدة أقوام وأي أقوام ، فستروا ما أبدعوا في الدين بإصلاح مموه ، وتأويل غير مبين فمالت إليهم الحكام وقلدوهم أمر الحلال والحرام، وولوهم المدارس والمناصب وما هو بحالهم من القضاء والفتيا مناسب ، فكثرت عليهم القضايا والمسائل ، وضاق عليهم فسيح البراهين والدلائل ، فعدلوا إلى العمل بالإجماع ، والقياس والرأي والاستحسان ، وما يليق بحال الناس ، وغير ذلك من القواعد العقلية والسوفسطائية ، وما حضر لهم من القوانين الشيطانية ، فأسسوا تلك الطرق ، فأضافوا إليها ما يمكن النظر بها والإعتماد عليها من مسائل الكلام والمنطق والعربية ، وعلوم لم يأتِ مستندها عن الفرقة المعصومية ، ورتبوا ذلك فيما بينهم بعلم الأصول ، وجعلوا أقوى مباحثه الإجتهاد بعد ان خصوا مسائله بالفقهيات، والقادر على استنباط ذلك المجهول من ذلك المعلوم وان خالف ما جاء عن الرسول . وهناك اخذ كثيرهم جادة طريق التصويب ، فحكم بان كل مجتهد مصيب والقليل من ذلك الجليل وان خالفوهم في ذلك القيل ، لكن قالوا ان للمصيب أجرين، وللمخطئ واحد في البين ، ورووا حديثاً قد صاغوه من الكذب والمين ، وزعموا ان الصحابة كان طريقهم الاجتهاد وناهيك بها من طريقة ، وكانوا يعرفون ذلك فيما بينهم بأهل السليقة ، ولما تمادى الزمان وكثر المجتهدون فظهر التعصب ، وغار الإنصاف بالجور ، واشتد الإعتساف ، وتفرّقت الآراء ، وكثر الإختلاف ، راموا هنالك حسم مادة هذه الفتنة ، وإطفاء نائرة ما لحقهم من المحنة ، فاجمعوا هناك على قصر العمل على المذاهب الأربعة ، وبدعية ما سوها من المذاهب المتوزعة ، فاحلوا إراقة دم من سلك غيرها من المذاهب ، وإباحة مال من تعلق بأذيال غيرها في شيء من المطالب ، فهذه طريقة المخذولين من النواصب . وأما الفرقة المحقة : فهم في الصدر الأول لم يقولوا في أصول الدين ولا فروعه إلا بما جاء عن أئمتهم الأبرار ، كما دل عليه ما قدمنا من الكتاب والأخبار ، وكان فيهم جماعة من العلماء المدققين ، والفضلاء المحققين ، مثل الهاشميين ، ومؤمن الطاق، والطيار ، فأيدوا ما جاء عن أئمتهم الأبرار في أصول الدين بالبراهين القطعية العقلية ، والحجج الواضحة . وكان ذلك عن أمر أئمتهم في مقام الاحتجاج ، والقطع لشبه أهل الزيغ واللجاج ، وأما في مسائل الفروع ، فسلكوا طريق التسليم لأربابها ، واتوا البيوت من أبوابها ، من غير بحث عن عللها وأسبابها ،وكانوا في اغلب أحوالهم يتأتى لهم اللقاء بالإمام فيأخذون عنه في كل مسألة حكمها من الأحكام ، لعدم انتشارهم في البلاد والآفاق ، ولانحصار الشيعة زمن أمير المؤمنين> عليه السلام < في أطراف الحجاز والعراق ، فدام الأمر إلى زمن الصادق >عليه السّلام< فأدركت العناية من الملك الخالق أقواماً من العجم ، فاهتدوا إلى الطريق الأقوم ، وكان أكثرهم من أهل قم المشهورة ، وكانت بخواص شيعتهم معمورة، فما زالوا في هذه الأماكن العظام وكان النادر منهم قد انقلب إلى بلاد الشام ، ولكن سكن في زاوية التقية خوفاً من الدولة الأموية والعباسية . هذا هو السر في كون أصحاب الأئمة في الحجاز والعراق كثيرة الحجم، فلا زالوا >صلوات اللّه عليهم< يحدثونهم بما يحتاجون إليه من المسائل والأحكام ، ويوقفونهم على كل فرع من فروع الحلال والحرام ،ويسلكون بهم مسالك الطريقة النوراء إلى أن وقعت الصغرى والرزية الكبرى ، فحيل بينهم وبين النقل واللقاء الآخر القليل فخرجت لهم توقيعات على يد السفراء في القليل والجليل، وأمرت الشيعة بالرجوع إليهم والطاعة والانقياد ، ولما يلقونه خوفاً من الخفاء والإضاعة ، وقد اجتمعت لهم من الكتب والأصول المشتتة على المعقول والمنقول ما شاء اللّه ، فكانت مرجعهم في أحكامهم ، ومستمسكهم في حلالهم وحرامهم ، لإشتمالها على تلك القواعد المعتمدة والفروع المهذبة الممهدة ، واحتوائها على قواعد الجمع بين الأخبار عند اختلافها لأسباب كانت هناك جارية بين أسلافها. وأعظم تلك الأسباب التقية التي هي أوسع أبواب المحامل والتأويلات المعصومية ، وكانوا يسمون الحامل لتلك القواعد في الأصول الشرعية وما احتوت عليها تلك الكتب من أحوال الشيعة فقيهاً وعالماً ومحدثاً وراوياً، ولم يكن للإجتهاد ذكر ولا اثر ولا خبر بل كانوا يذمون الأخذ به ،وينزلونه من مرتبة الفتوى ، ويحكمون عليه بأنه لم يستمسك بالعروة الوثقى ،ويخلعونه من مرتبة أهل الصلاح والسداد ، ومن هنا خلت عن ذكره أخبار أئمتنا الأمجاد، فألفت جماعة كتباً في ذم أصحابه ، وبالغ جماعة في إطفاء نائرته وردم أبوابه . ألا ترى إلى أبي إسحاق ابن نوبخت كيف ألف مقالة في إبطاله ، والرد على من دان بمذهبه وأقواله ، وهو من أكابر الأمامية ودام الأمر هناك على ذلك ، إلى أن وقعت الغيبة الكبرى ، وتراكمت ظلم الحيرة النكراء ، فهناك ارتفع معظم التقية ، بإعراض الخلفاء عن الشيعة بالكلية حيث لم يكن لهم إمام ظاهر ، فيخافون على ملكهم منه الإجتراء ، وانضم إلى ذلك أقوام من ملوك الشيعة ، فإنتهت الدولة إليهم ، فأقاموا أود تلك الشيعة كما جرى لأمراء بني حمدان وآل بويه من الرؤساء والأعيان ، فظهر دين الأمامية في نواحي الحجاز والعراق غاية الظهور لأمنهم هنالك من وقوع الضرر بهم ، فنشأ فيهم علماء في المعقول والمنقول وفضلاء حرروا مسائل الفروع والأصول ، مثل العلامة السديد الشيخ المفيد وشيخ الطائفة والسيد المرتضى وغيرهم ممن فاز بأقداح التوفيق والرضا ، فنظروا في كتب العامة ،وبحثوا معهم في المسائل عامة ، وحيث أن مدار أولئك المخذولين على الإعتبارات العقلية من الاجتهاد والتخمين والرأي والقياسات الوهمية ، والظواهر الظنية ، وكانوا يسمون الملكة القادرة على ذلك (بالإجتهاد) وصاحبها (مجتهد البلاد) واستمرت الشيعة على البحث معهم لهدم تلك القواعد ، والمجاراة معهم في تلك الفروع والزوائد ، فسموا تلك الأبحاث والنقض عليهم (اجتهاداً) في مقابلتهم . والغرض من ذلك إطفاء نائرتهم، وهم مع ذلك لا يتجاوزون تلك الطريقة القديمة ، ولم يتنكبوا جادة الصدر الأول المستقيمة ، فإن عثر لهم على استدلال في فرع من الفروع بغير نص الإمام ، فذلك على سبيل الإلزام في مقام الاحتجاج والاختصام ، بل قد صرحوا >قدس اللّه أرواحهم< في مؤلفاتهم ، وأعلنوا في صفحتهم بعدم جواز تعلق المفتي بأهداب الإجتهاد ، وأعلنوا بتخطئة من سلك تلك الطريقة من أرباب السداد، فلا زالت تلك الطريقة جارية فيهم من أعصار أئمتهم >عليهم السلام< ، إلى أن مضى من هجرته >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< خمسمائة عام . وممن صرح بذلك أبو المكارم ابن زهرة في أصول كتاب الغنية نقل عن بعض العامة أنه قد بسط لسان التشنيع على الإمامية بأنهم لا معرفة لهم بشيء من القواعد الأصولية بل اعتمادهم على نقل الأخبار المعصومية فكلامكم في الأصول عبث لا فائدة فيه بالكلية ، فأجاب >قدس اللّه سره< : بأنا معاشر الشيعة لم نعمل إلا بأصول الشريعة التي هي الأحاديث ، وإنما كلامنا في الأصول لأمرين: أحدهما: لتفيهم ما في كلام الأئمة >عليهم السلام< من معنى الأمر والنهي وغير ذلك مما يتعلق باللغة. والثاني : إن الأحكام الشرعية ثابتة عندنا من طريق النقل ، ونريد أن نؤيدها بطريق العقل . فهذه هي العلة في إطلاق المجتهد على العالم الإمامي في تلك الأعصار ومع ذلك لم يكونوا يذكرونه في مقام المدح والجلالة بل يمدحون بالوثاقة والعلم، وكثرة الرواية والعدالة ونحو ذلك مما في فهرست الشيخ وكتاب الكشي والنجاشي وغيرهما من كتب الرجال ، ولا زال الأمة على هذا حتى تمادى الزمان ، ولم يسمح بعد الشيخين والمرتضى في العلم والعمل لهم باقران ، وذلك في أواخر الستمائة من الهجرة . فهناك لم يبقَ للإمامية في أواخرها كثرة ولا شهرة ،ولانقراض دولة آل بويه وآل حمدان ، واستيلاء آل عثمان على ذلك المكان ، حتى ظهر الناصب العباسي ، وكان الميل إلى الشيعة فإنكشف هناك جماعة من حملة الشريعة يقاربون القدماء في العمل والفضل فشاع هناك أمرهم ، وكان في بغداد مستقرهم ، إذ هي كانت مجمع الفضلاء من العامة ، إذ الدولة دولتهم . فالمدارس مملوءة بدرسهم ، ومتصدر التدريس منهم ، والكتب الشائعة بينهم كتبهم ، فلم يكن لأصحابنا بدّ من مخالطتهم ، فمالت طباعهم للنظر إلى ما في مؤلفاتهم ، والتدارس لمصنفاتهم لما فيها من الدقة . وقد نظروا إلى من تقدمهم من الأمامية كالشيخين والمرتضى، ربما سلكوا في الاستدلال على بعض المسائل مسالكهم ، وذكروا في مقام الاحتجاج مداركهم ، وقد عرفت أنه ليس الغرض من ذلك إلا هدم ما قعّدوه من القواعد والمسالك ، فظن هؤلاء أنه منهم على سبيل الإعتقاد غفلةً من طريقتهم التي كان عليها الإعتماد ، فحصل بهذه الغفلة والإختلاط التام لأولئك العوام اعتقاد بعض الأصول ، كما هو مشاهد في هذا الزمان ، من العكوف على قراءة شرح العضدي لتحصيل القواعد الأصولية ، وأنه لا يكون العالم أصولياً حتى يمعن نظره في تلك العبارات ، ولا يكون حكيماً حتى يشتغل بحاشية القديم والشفاء و الإشارات . فما زال الأمر كذلك حتى انتهت النوبة إلى العلامة الحلي ، وكان له بين الشيعة المقام العالي ، وكان عليه مدارهم في أحكام الشريعة ، فاخلد إلى العلوم العامية الشنيعة ، واشتغل بقواعدهم الأصولية ، وباحثهم في المسائل الخفية والجلية ، وكان ذكي الفهم ، شديد الحفظ ، واسع الدائرة في العلوم العقلية ، فصار طبعه مشغوفاً بالنظر إلى مؤلفاتهم الأصولية ، فألف في تلك القواعد وصنف وقرظ مسامع من أخذ عنه وشنف ، فمالت نفوسهم إلى تلك الطريقة ، بل قد جعل طريقتهم هي الحقيقة حتى أن كتابه الموسوم بقواعد الأحكام الفقهية ملخص من كتاب العزيزي للرافعي من الشافعية، وربما علق عليه بعض العامة حواشي وقيوداً كما وقع للبيضاوي، وقد شاهدته في كثير من نسخها موجوداً، وكل من جاء من العامة بعده تبعه في هذه السجيّة، وذلك لحصول تلك العلة الباعثة للعلامة على ذلك السلوك، حتى أنك إذا تأملت كتاب تمهيد القواعد للشهيد الثاني رأيته قد سلك فيها مسلك عبد الرحيم الأسنوي الشافعي في كتابه الكوكب الدري، وكتابه في علم الدراية قد سلك فيه طريقة ابن الصلاح من العامة في درايته، وكذا إذا تأملت زبدة الأصول لشيخنا البهائي، رأيت مباحثها كمختصر الحاجبي، وما هذا إلا لما سرى في نفوسهم من الغفلة عن الطريقة الأولى. وما زال الأمر كذلك حتى انتهت النوبة إلى المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، فاطلع على رسالة المحقق في علم الأصول، وعرف مذهب المتقدمين في أخبار الرسول. واستبان له أنه الصواب، وقال :إنه الطريق الذي ينبغي أن يسلك في كل باب، فتكلم مع والده في تلك المدارك، ومال إلى العمل بالأخبار في أكثر المسالك حتى أنه اعتمد مراسيل الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه اعتماداً على شهادة مؤلفه الفاضل النبيه، ولكنه لم يجسر على المخالفة كمال الجسور لصيرورة طريقته هذه غريبة الصدور في تلك الأزمنة والدهور، فقارنه جماعة في ذلك كشيخه الأردبيلي، ومعاصره سيد المدارك، وهما كانا في الدرس كفرسي رهان، وما زال ذلك الأمر شايعاً في تلك الأزمان حتى صغى إليهم من بعدهم جماعة من الفضلاء الذين تعلقوا بأهداب الأخبار، ونشروا علم الأحاديث في الأصقاع والديار، كمولانا الأمين محمد أمين الإسترابادي، والفاضل ملا خليل القزويني، والفاضل ملا محسن الكاشاني والشيخ محمد الخرفوشي، والمحقق الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي وأمثالهم، فصرحوا بما لوّح به غيرهم من الأعاظم، ولم تأخذهم في اللّه لومة لائم، لأنهم عرفوا الحق فلم يسعهم إلا القبول والتسليم بما جاء عن آل الرسول | . وحيث قد حققوا ذينك المُسَلَّمَيْن، وانكشف لهم حال الفريقين، فهناك تنكبوا طريقة الاجتهاد بالمرّة، وطعنوا هناك فيما يتعلقون به من إجماع أو شهرة، فصغت قلوبهم إلى قواعد الأخبار، وفرشوا حجورهم إلى ما جاء فيها من الأسرار. والذي أظهر لهم ذلك الحق المبين، وأبعدهم عن ساحة أولئك المجتهدين تكثر الأوامر القرآنية، وتواتر الأخبار المعصومية بسلوك الطريقة القديمة، والذم لارتكاب الأهواء الذميمة قال تعالى :( ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون)وفي أخرى( فأولئك هم الظالمون)وفي أخرى (فأولئك هم الكافرون) وقال تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) وقال جلّ من قائل:( أرأيتم ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً، قل ء اللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون). وقال جل من قائل( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على اللّه الكذب). ..الآية. وقال جل شأنه: ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً وهو عند اللّه عظيم) ، وقال تعالى :(وما لهم بذلك من علم إن هم ألا يظنون) . والآيات في هذا المعنى كثيرة في الكتاب. وأما أخبار أئمتنا الأنجاب فهي مستفيضة في هذا الباب. ففي كتاب الأمالي للصدوق، بإسناده إلى إسحق بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه >عليهم السلام< قال: إن اللّه تبارك وتعالى عيّر عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، وأن لا يرووا ما لم يعلموا، قال اللّه تعالى: ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلا الحق) وقال تعالى( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولّما يأتهم تأويله) . ورواه العياشي في تفسيره بطريقتين: أحداهما: عن إسحق بن عبد العزيز عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام<، والأخرى عن أبي التفانج عنه >عليه السّلام<. وفي الخصال بإسناده عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال: قال: أنهاك عن خصلتين، فيهما هلك الرجال أن تدين اللّه بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم . وفي الأمالي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال: قال لي إياك وخصلتين، فيهما هلك، إياك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم . وفي الكافي بسنده الصحيح في الظاهر إلى اسحق النحر عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< في حديث قال: واللّه لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين اللّه عز وجل ما جعل اللّه لأحد خيراً في خلاف أمرنا. وبإسناده عن حسان بن علي عن أبي عبدا لله >عليه السّلام<: حسبكم أن تقولوا ما نقول، وتصمتوا عما نصمت، إنكم قد رأيتم أن اللّه عزّ وجلّ لم يجعل لأحد في خلافنا عمراً . وبإسناده إلى المفضل ابن عمر قال: قال أبو عبدا لله >عليه السّلام<: من دان اللّه بغير سماع عن صادق ألزمه اللّه البتة إلى الفناء، ومن ادعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه فهو مشرك، وذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون . وفي كتاب عيون أخبار الرضا بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا >عليه السّلام< قال أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللّه قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن اللّه فقد عبدا لله، وان كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس...إلى أن قال: يا ابن أبي محمود وإذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا، فإنه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه، فإن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين اللّه بذلك ويبرأ ممن خالفه، يا ابن أبي محمود ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة . وفي الخصال بإسناده عن أبي سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين >عليه السّلام< يقول: احذروا على دينكم ثلاثة: رجل قرّاء للقرآن حتى إذا رأيت عليه بهجته اخترط سيفه على جاره، ورماه بالشرك.فقلت:يا أمير المؤمنين، أيهما أولى بالشرك؟ قال: الرامي. ورجل استخفته الأكاذيب، كلما أحدث أحدوثة كذب مدها بأطول منها. ورجل آتاه اللّه سلطاناً، فزعم أن طاعته طاعة اللّه، ومعصيته معصية اللّه...وساق الحديث إلى أن قال:إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر ، وإنما أمر اللّه بطاعة الرسول، لأنه معصوم مطهر، لا يأمر بمعصية، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية . وفي كتاب بصائر الدرجات: عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر >عليه السّلام< يقول:كلما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل . وبإسناده عن الحجاج من الصباح قال: قلت لأبي جعفر، إنا نحدث عنك بالحديث فيقول بعضنا قولنا قولهم. قال:فماذا تريد؟ أتريد أن تكون إماماً يقتدى بك، من رد القول إلينا فقد سلم . محمد بن أحمد بن علي في روضة الواعظين، في قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه ). قال روي عنهم >عليهم السلام<: من أخذ دينه من أفواه الرجال، أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة زالت الجبال ولم يزل. قال: وهذا الخبر مروي عن الصادق عن أمير المؤمنين > عليه السلام < . وفي تفسير القمي عند قوله تعالى:( والشعراء يتبعهم الغاوون) ، قال : قال أبو عبدا لله >عليه السّلام<:نزلت في الذين غيروا دين اللّه، وتركوا ما أمر اللّه، ولكن هل رأيتم شاعراً قط تبعه أحد. إنما عني بهم الذين وضعوا ديناً بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك...إلى أن قال:( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وهم أمير المؤمنين وولده >عليهم السلام< . وعن الفضل ابن الحسن الطبرسي في مجمع البيان قال: روى العياشي بإسناده عن أبي عبدا لله >عليه السّلام< انه قال في الشعراء: هم قوم تعلموا أو تفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا . وفي العياشي بإسناده عن جابر عن أبي عبدا لله >عليه السّلام<: قال سألته عن قول اللّه تعالى: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه) قال: أما واللّه لم يتخذوهم آلهة إلا أنهم أحلوا لهم حلالاً فأخذوا به، وحرموا عليهم حراماً فأخذوا به، فكانوا أربابهم من دون اللّه. وعن حذيفة: قال اللّه عز وجل :( اتخذوا أحبارهم، ورهبانهم أرباباً من دون اللّه) . فقال: لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم أشياء استحلوها، وإذا حرموا عليهم أشياء حرموها . وعن محمد بن الحسين الرضي: من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين >عليه السّلام<: في خطبته قال: خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، ودان المؤمنون، ونطق الضالون والمكذبون ، نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من الأبواب، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقاً . إلى أن قال:وان العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فلا يزيد ه بعده عن الطريق الواضح إلا بعداً عن حاجته وان العامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع ؟ . وعن علي >عليه السّلام< في خطبة له: وإنما الناس رجلان، متتبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنة ولا ضياء حجة . وعن محمد بن أبي القاسم الطبري في كتاب بشارة المصطفى، بإسناده عن الكابلي عن الأصبغ بن نبانة عن أمير المؤمنين >عليه السّلام< في حديث انه سئل عن اختلاف الشيعة فقال: إن دين اللّه لا يعرف بالرجال، بل بابه الحق، فأعرف الحق تعرف أهله، إن الحق أحسن الحديث، والصادع به مجاهد معهم >عليهم السلام< في الأحكام وتفسير القرآن . وفي حديث، انه سئل جعفر بن محمد >عليه السلام < عن قوله:( أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم ) قال: أولى العقل والعلم، قلنا أخاص أم عام، قال: خاص لنا . وفي الكافي بإسناده عن محمد بن أبي عبيدة قال: قال لي أبو الحسن >عليه السّلام<:يا محمد أنت أشد تقليدًا أم المرجئة؟ قال: قلت: قلدنا وقلدوا.قال: لم أسالك عن هذه. فلم يكن عندي جواباً أكثر من الجواب الأول. فقال أبو الحسن: إن المرجئة نصبوا رجلاً لم تفرض طاعته، وقلدوه ، وإنكم نصبتم رجلاً فرضتم طاعته ثم لم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليداً. وبإسناده عن ضريس عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< في قوله اللّه عز وجل (وما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون )قال:شرك طاعة، وشرك ليس عبادة . وعن قوله عز وجل: ( ومن الناس من يعبد اللّه على حرف ) قال: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون في إتباعه. قال: قلت كل من نصب دونكم فهو يعبد اللّه على حرف؟قال نعم . وفي كتاب من لا يحضره الفقيه قال: قال الصادق >عليه السّلام<:الحكم حكمان، حكم اللّه وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم اللّه عز وجل حكم بحكم الجاهلية، ومن حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عز وجل فقد كفر بما أنزل اللّه عز وجل . وفي كتاب الكافي، في باب طلب الرياسة: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه >عليه السّلام<:إياك والرياسة،وإياك أن تطأ أعقاب الرجال،قال: قلت جعلت فداك أما الرياسة فقد عرفتها، وأما أن نطأ أعقاب الرجال فما نلنا ما في أيدينا إلا مما وطأت أعقاب الرجال. قال: ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه فيما قال . وعن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد اللّه >عليه السّلام< يقول: أترى لا أعرف أخياركم من أشراركم، بلى واللّه وان أشراركم من أحب أن يواطي عقبة ، أنه لا بد من كذب أو عاجز الرأي . وفيه أيضاً في باب أصناف القضاة في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال: الحكم حكمان، حكم لقوم يوقنون ، وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية . وفي الموثق أيضاً عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه >عليه السّلام< يقول: من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عز وجل فهو كافر باللّه العظيم . وبإسناده عن معاوية بن وهب قال:سمعت أبا عبد اللّه >عليه السّلام< يقول:أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء. وفيه في الحسن،عن عبد الرحمن بن الحجاج،قال:كان أبو عبد اللّه قاعداً في حلقة ربيعة الرأي،فجاء إعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الإعرابي: هي في عنقك،فسكت ربيعة،فلم يرد شيئاً،فأعاد عليه المسألة فأجابه بمثل ذلك،فقال له الإعرابي أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة فقال أبو عبداللّه عليه هو في عنقه.قال:أولم يقل وكل مفت ضامن . وفيه في الصحيح عن عبيدة الحذا قال: قال أبو جعفر >عليه السّلام<:من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه . وفيه في الحسن أو الموثق،عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا في سنة نبيه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< فننظر فيها فقال:أما انك إن أصبت لم تؤجر،وان أخطأت كذبت على اللّه عز وجل . وهي في هذا المعنى بالغة حد التواتر، فلا يمكن الإتيان على آخرها ولا كلام في صراحتها في عدم الاجتهادات التي أسستها العامة >خذلهم اللّه< وأخذ ببعض طرقها من علمائنا كما قدمنا إمّا إلزاما للمخالفين من مقام الاحتجاج عليهم، أو غفلة عن تلك الأخبار التي مرّ ذكرها، ولشدّة مخالطتهم. وقد أيدت تلك الأدلة بوجوه مأخذها نصوصهم >عليهم السلام<: أحدها: عدم دلالتها دلالة قطعية على جواز الاعتماد على الظن الذي مأخذه الاجتهاد في أحكامه تعالى، والتمسك فيه بالظن كما هو مؤدى منه من الآيات الصريحة في النهي عن العمل بالظن والروايات المعلنة بذلك. وقياسه على الظن في الأمور العادية الوجدانية وما ليس يعد من أحكامه تعالى كقيم المتلفات،وأرش الجنايات،وإضرار الصوم بالمريض،وتعيين جهة القبلة،غير معقول مع ظهور الفارق للزوم الحرج في هذه لو تم اعتباره فيها،ولو اعتبرناه في أحكامه تعالى لأدى إلى الحروب والفتن، كما وقع بين الصحابة العدول، وتوضيح ذلك أن يقال: كل من دان بهذه الإستنباطات الظنية في أحكامه تعالى من محققي العامة، وجمع من أولئك المتأخرين من الخاصة اعترف بانحصار دليل الدعوة في الإجماع، وأنه لولاه لما جاز للآيات والروايات مع أن ثبوت الإجماع غير مفيد القطع بعد حصوله لما عرفت أن علمائنا القدماء ورؤساء الصحابة في الصدر الأول على نفي هذه الطريقة على أنه قد ورد عن الصادقين >سلام اللّه عليهم< أن حجية الإجماع من مخترعات العامة. وتواتر الأخبار عن الأئمة الأطهار بانحصار طريق أخذ العلم في السماع عنهم >عليهم السلام< بواسطة أو بدونها ، واستفاضة الآثار عنهم بأنه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي بالكسب والنظر لأنه مما يؤدي إلى اختلاف الآراء في الأصول والفروع مما يدافع ذلك الإجماع. وأيضاً لو كان مقتضى ذلك الدليل الاجماعي وغيره على ذلك الاستنباط ثابتاً لا نتفت فائدة بعثة الرسل وإنزال الكتب، وأيضاً كلما يؤدي إلى اشتداد الإختلاف كالإجتهاد يؤدي إلى الخطأ فكيف يمكن جعله لطفاً أو طريقاً إلى اللطف؟ قال محقق المعتبر في هذا المقام:انك مخبر في حال فتواك عن ربك، وناطق بلسان شرعه، فما أسعدك إن أخذت بالجزم، وما أخيبك إن بنيت على الوهم،فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:(ولا تقولوا على اللّه ما لا تعلمون) وانظر إلى قوله تعالى (أرأيتم ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً.قل ءاللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون ) وتفطّن كيف قسم مستند الأحكام إلى القسمين، وما لم يتحقق الإذن أنت مفتر. وثانيها: ما قدمنا من الآيات كآية(ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلا الحق) وقوله:(ولا تقف ما ليس لك به علم) ،وقوله: (إن هم إلا يظنون) ودعوى تخصيص هذه الآيات المعلنة بذم أتباع الظن بأصول الدين، كما وقع لأولئك الأصوليين بناءآً على أن الضرورة ألجأت إلى التمسك في الفروع بالظن، إمّا مطلقاً بعد النبي >صلى اللّه عليه وآله وسلّم < ولمن بعد عنه في زمانه كما زعمه أكثر العامة ، أو مخصوصاً بزمن الغيبة ـ كما هو زعم أولئك المتأخرين من مجتهدي اصحابنا ـ أو لمن بَعُدَ عن الإمام في زمن حضوره أيضاً ـ كما زعمه آخرون ـ خيال ضعيف وتخصيص الكتاب بالتشهي والاختيار. وثالثها: إن خلاصة ما استدل به الإمامية على وجوب عصمة الإمام أنه لولا ذلك لزم أمره تعالى بإتباع من يجوز خطؤه، وذلك قبيح عقلاً مع أن هذا الدليل جار في إتباع ظن المجتهد سواء قلنا بوجوب إتباعه أو جوازه. بل في كتاب محاسن البرقي رسالة منقولة عن الصادق >عليه السّلام< قد أمر أصحابه بمدارستها وحفظها وفيها قد استدل بهذا الدليل على امتناع العمل بظن المجتهد. ورابعها: إن المسلك الاجتهادي مداركه غير منضبطة فروعاً ، وكثيراًً ما يقع التعارض فيها واضطراب النفس ورجوع كثير من فحول العلماء عما به أفتى، فلا يصلح أن يجعل مناط أحكامه تعالى. وخامسها: أن المسلك الذي يختلف باختلاف الأذهان ما تختلف والذهن واحدٌ كيف يصلح لأن يجعل مناط الأحكام في الأمة إلى يوم القيامة. وسادسها: أن الشريعة السمحة السهلة بشهادة الأخبار بل الكتاب كيف تكون مؤسسة على استنباطات ظنية مضطربة الوجه. وسابعها: أن مفاسد أبتناء تلك الأحكام على تلك الإستنباطات أكثر من أن تعد وتحصى، ومن أعظمها أنه يفضي إلى جواز الفتن والحروب بين المسلمين ، وسد هذا مما يؤدي إلى رفعها والتوقف والتثبت في الأمور الشرعية إلى ظهور الحق اليقين. وثامنها: أنه إذا وقعت خصومة دنيوية مبنية على اختلاف المجتهدين المخاصمين في مال أو فرج أو دم لزم أن لا يجوز لأحدهما أن يأخذ قهراً من الآخر ما يستحقه في حكم اللّه. وتاسعها: عدم انضباط الملكة المخصوصة التي سموها اجتهاداً. وعاشرها: إن الظن من باب الشبهات التي يجب التوقف عندها بالروايات الكثيرة الصريحة- كما في نهج البلاغة : ( إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأولياء اللّه تعالى فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء اللّه فدعواهم الضلال ، ودليلهم العمى فما ينجو من الموت من خاف، ولا يعطي البقاء من أحبه ) ولغيره من الروايات. وحادي عشرها: الخطب والوصايا المنقولة من المعصومين الصريحة في أن كل طريق يؤدي إلى اختلاف الفتاوى من غير ضرورة التقية مردود غير مقبول عند اللّه ، وأنه لا يجوز الإفتاء والقضاء إلا لرجل يعض على العلم بضرس قاطع،وان حكم اللّه على كل واقعة واحد،وأن من حكم بغير ما حكم اللّه يحكم حكم الجاهلية وآثم،وأن المفتي ضامن،ولحقه وزر من عمل بفتياه،وهذا حاصل ما ذكرناه . وهذه الوجوه وان أمكن الخدش في أكثرها إلا أنها شواهد ومؤيدات سيما دعوى مشاركة الأخبار لقواعد الاجتهاد في الظن،بل كلها قطعية على ما يظهر من الفاضل المحقق محمد أمين الاسترابادي في الفوائد المدنية،والفاضل الكاشاني في مواضع من كتابه الموسوم بالأصول الأصيلة،وربما ظهر ذلك من الفاضل الحر العاملي في أواخر الوسائل وأيدوا تلك الدعوى إن ما ادعاه من أن أكثر أحاديثنا صارت دلالتها قطعية إلى آخره فيه أن القرائن التي ذكرها لا تكاد يشم منها رائحة ما ادعاه. نعم لاريب أن الدلالة بالنسبة إلى من خوطب بتلك الأحكام في تلك الأزمان كانت قطعية لظهور القرائن الحالية والمقالية لهم، إلا أنها قد خفيت علينا في هذه الأزمان بأمور عديدة أوجبت لنا الإشكال والوقوع في الداء العضال، وقصارى ما تحصل لنا بسبب تلك القرائن ـ إن وُجِدَتْ ـ هو ظهور الدلالة ومراتبه متفاوتة شدة وضعفاً بسبب تلك القرائن ظهوراً وخفاءاً، وقرباً وبعداً. فمن تلك الأمور التي أوجبت لنا ما قلنا ما عليه الأخبار في أكثر الأحكام من التناقض والتدافع ،وتعسر الجمع بينها غالباً إلا على وجه ظني غايته الغلبة على بعض الأفهام ،والإعتماد على المرجحات المروية في دفع ذلك لا يخفى ما فيه،على أنه وان حصل الترجيح بأحدها فإنه لا يخرج عن غلبة الظن ولا يوصل إلى حد الجزم والقطع . ولهذا إن شيخنا ثقة الإسلام >قدس اللّه سره< في أول كتابه الكافي بعد ذكره جملة من المرجحات تخطى عنها إلى القول بالتخيير في العمل.انتهى. ومن تلك الأدلة أن دلالة الألفاظ الظنية، وقيام الاحتمالات وشيوع المجازات، بل غلبتها على الحقا يق مما لا ينكره الممارس الحاذق، وكذلك ورد عنهم >عليهم السلام< كانوا يكلمون الناس على قدر عقولهم، وإنهم يجيبون عن الأسئلة على قدر الزيادة والنقصان. وأما دعوى التواتر في جميعها فمما يكذبه اختلافها في نفسها، وان منها المتناقض، والمتخالف، والمحكم والمتشابه، والمردود والمقبول، وكيف مثل هذا يجامع التواتر.ولهذا قال المفيد في رسالة الأهلة إن التضاد لا يجامع ومثل ذلك كلام الشيخ الطوسي في أوائل الاستبصار، والظاهر أنهما أرادا بذلك الاختلاف الراجع إلى نفس الروايات، مع قطع النظر عن التقية، وألا قد يحصل الإختلاف حتى في المتواتر بالنظر إليها على ما حققه المحقق الشيخ سليمان في تعليقاته على الاستبصار، وغيره في غيرها. نعم يمكن أن يراد بالتواتر المدعى في أخبارنا غير التواتر المشهور، بل هو أعم مما دلت القرائن على ثبوته،وان كان في نفسه من أخبار الآحاد،فإنهم كثيراًً ما يطلقون التواتر على مثله، لمساواة هذا الفرد المتواتر الاصطلاحي في وجوب العمل على ما يظهر من كلام الشيخ في العدة،ومقدمات الاستبصار وأن تلك الأصول التي ادعى تواترها هي غير ما وصلت إلينا فلا ينفعنا ذلك فيما بين أيدينا. وأما الاستدلال على تلك الدعوى، فإنه لولا قطعية دلالتها للزم أن الحكم في مقام البيان والتفهيم يرد من خطاب غير ظاهر، بأن يتكلم بكلام يريد غير ظاهره لا سيما من اجتمعت فيه بلوغ نهاية الحكمة مع الحكمة، فمما لا ينفعهم،إذ من الجائز أنه ربما اقتضت الحكمة ذلك- كما اقتضت في مواضع ترك الجواب بالمرة- كما استفاض في الأخبار عنهم >عليهم السلام<،انه قد فرض عليهم السؤال ولم يفرض علينا الجواب،بل ذلك إلينا إن شئنا أجبنا وإلا فلا. بل جاء في بعض الأخبار انه قد وردت عنهم خطابات تنصرف على وجوه عديدة في كل منها المخرج. ففي المعاني:بإسناده إلى داود بن فرقد قال:أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إن الكلمة منا لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء،ولا يكذب. وفيه بإسناده إلى زيد بن الزراد عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال:قال أبو جعفر >عليه السّلام<:يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر رواياتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية، وبالدرايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ،إني نظرت في كتاب علي >عليه السّلام< فوجدت في الكتاب أن قيمة كل امرئ وقدره معرفته، إن اللّه يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول. وفيه:عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< انه قال:حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه،ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا،وان الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من الجميع المخرج. والأخبار معلنة بذلك. وحيث قد ظهر من هذه الأدلة التي قد أوجبت رجوع أولئك الفضلاء عن طريقة العلامة وأضرابه هذه القواعد الاجتهادية، وان مشاركة الأخبار لها في الظن مما لا يضرنا في الأخذ بها، لأنه وجوب العمل بما جاء عنهم >عليهم السلام< في السنة متواتر ثبت على جهة القطع للآيات والروايات البالغة حد التواتر، بل الإجماع المدعى من الفريقين على ذلك، وقد اعترف جماعة من أولئك المجتهدين كالعلامة في كتاب منهاج الكرامة وغيره من كتبه، كنهاية الأصول بذلك حيث قال في كتابه المذكور أولاً: (إن الامامية أخذوا أحكامهم الفروعية عن الأئمة المعصومين...إلى أن قال: ولم يلتفتوا إلى القول بالرأي، والاجتهاد، وحرموا الأخذ بالقياس والاستحسان). وقال في أوائل التذكرة ما معناه:إني صنفت هذا الكتاب في فقه الامامية الذين أخذوا فروعهم عن الأئمة المعصومين، لا بالرأي والقياس، ولا باجتهاد الناس. وبمثل ذلك قد صرح الشيخ الطوسي في أوائل العدة حيث قال: وأما الاجتهاد فليس عندنا بدليلين، بل محظور استعمالهما، ونحن نبين ذلك فيما يأتي.انتهى. وقد تقدم كلام المحقق في معتبره،ويؤيد هذه الدعوى. وبالجملة إن الأدلة كلها منطبقة على فساد تلك القواعد الاجتهادية وعدم الاعتداد بها في زماننا بالكلية وقد مرّ سابقاً على أن دخولهم فيها وأخذهم بها لأحد الأمرين. أما إلزاماً للمخالفين خذلهم اللّه تعالى في مقام الاحتجاج، أو غفلة عن تلك المسقطة لها عن رتبة الاعتبار.وربما حاول جماعة من علمائنا الإعتذار عمن سلك هذه الطريقة، ورام بذلك إدخالها في الطرق الشرعية، فأول من تصدى لذلك المحقق في كتابه الأصول، فاحتج على عدم خطئهم، وتماثلهم في ذلك الاستنباط بوجوه لا تخلو من شائبة الأغلاط:- أحدها: أنه مع استفراغ المجتهد الوسع يتحقق العذر. الثاني: إن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح، فجاز أن تختلف بالنسبة إلى المجتهدين كاستقبال القبلة، فإنه يلزم كل من صلى وقد غلب على ظنه أن القبلة على جهة أن يستقبل تلك الجهة، إذا لم يكن له طريق إلى العلم، ويمكن أن يكون فرض المكلف بالحق أمر، ومع عدمه أمر آخر. الثالث: إنا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الأحكام الشرعية اختلافاً شديدا ًحتى أن الواحد منهم يفتي بشيء ويرجع عنه إلى غيره، فلو لم يرتفع الإثم لعمهم الفسق وشملهم الإثم. وفيه أنّه يرد على الأولين من أدلته إنما هو إنما يجريان لو تما في العلميات ومتعلقات الحكم لا في نفس الحكم وفرق ما بينهما، وقياس أحدهما على الآخر مما لا يجوز مع عدم الفارق فكيف معه، على أنه قد جاء في الأخبار على أن هذا الاحتجاج سيّما الثاني منهما قد صدر من العامة المخذولين في مقام الالزام لأئمتنا >عليهم السلام<، حيث نفوا ذلك الاجتهاد رأساً، وهدموا بنيانه أساساً. ففي التهذيب بإسناده إلى حراش عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال:جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون:إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم تعرف السماء كنا وأنتم سواء في الإجتهاد،فقال:ليس كما يقولون إذا كان كذلك فليصل إلى أربع وجوه. وأما ما أورده بعض أصحابنا على هذه الرواية من أنها متروكة، الظاهر من حيث نضمّنها سقوط الاجتهاد بالكلية فكلام في غاية السقوط، لأن الأئمة >صلوات اللّه عليهم< إنما نفوا في هذا المقام في مقابلة الرد على العامة لأنهم قاسوا جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية على ما جاء من جواز الاجتهاد في القبلة التي هي عمل محض أو شرط ينبغي الاجتهاد في تحصيلة لأنهم >عليهم السلام< في ذلك فحاول >عليه السّلام< رد مستمسكهم فكأنه >عليه السّلام< قال:إن الجاهل بحكم اللّه في مسألة الأطباق ليس فرضه الاجتهاد بل له مندوحة عن ذلك، وهي سلوك طريق التوقف و الاحتياط بالصلاة إلى أربع الجهات . فما تواترت به الأخبار عنهم >عليهم السلام< في كل مسألة لم يكن فيها حكم اللّه على التعيين واضحاً، فهناك لا سبيل له سوى التوقف والأخذ بزمام الاحتياط، ومن استشعر هذه الرواية، وما لا حظه >عليه السّلام< من الفائدة والغاية، عرف أنها مما سيقت لهدم بنيان تلك القواعد الاجتهادية لا لبيان طريق إلى القبلة الشرعية، ومثل ذلك في أخبارهم كثير جداً. وأنت إذا أحطت نظراً بأطراف هذه الأدلة، مع ما يعضدها من الظواهر المؤيدة، والقرائن المسددة ظهر لك أن التخطئة لمن تخطى الأخذ بمقتضى تلك الأدلة الهادمة لقواعد الاجتهاد ظاهر واضح، والتشنيع والمؤاخذة الجاريان في كلام بعض الأخبار يين من علمائنا مأخذهما لائح، لما عرفت من أن بعض تلك الأدلة مما شهدت بالكفر والشرك فضلا ًعن الفسوق والعصيان في التجافي عما جاء عنهم، والترك، ولكن أولئك العلماء الأخبار يين حيث قد بلغهم عدالة أولئك العلماء المجتهدين، وإنهم كما وصفت في سؤالك، بل بلغوا زيادة في ذلك أوجب لهم ذلك حسن الظن، والتجافي عن القول فيهم، والطعن عليهم، لأن مقتضى عدالتهم، و وثاقهم أن يكون حاجزاً عن الدخول فيما لم يأت عن أئمتهم، وانه لم يصدر ذلك إلا على وجه الغفلة والمجاراة معهم خذلهم اللّه . ويدلك على ذلك ما قدمنا من العبارات المنقولة عن العلامة، وأصحابه،والا لوجب الشهادة بكفرهم وشركهم، لإعلان الآيات والروايات التي قدمناها بذلك ،وحينئذ فلا يجوز التعرض لأكثر من بيان خطئهم وفساد ما تعلقوا به من القواعد الاجتهادية،لئلا يقتفي أثرهم من كان بعدهم، لضعف قريحته عن نقض شبههم ، وما تعلقوا به في التجشم لتلك القواعد العامية وامتثالاً لما استفاض عنهم >عليهم السلام< مسنداً عن النبي>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< ، أنّه قال:إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة اللّه. وقد صّرح بما قلناه جماعة مثل أولئك في كتبهم، مثل الفاضل حسين بن شهاب الدين العاملي والكاشي في الأصول الأصيلة، والشيخ محمد الحرفوشي، والسيد نعمة اللّه الجزائري وغيرهم من الأعلام. نعم:ربما وقع الطعن من جماعة من علمائنا الأخبار يين على أولئك الذين أشرنا إليهم، كما وقع للفاضل الكاشي في كتابه سفينة النجاة ، وفي مواضع من الوافي تلويحاً،والمحقق محمد أمين الاسترابادي في فوائد المدنية. والظاهر أن الحامل لهم على ذلك أحد أمرين، أما عدم ظهور معذور يتهم في التعلق بتلك القواعد لتعدد تلك الآيات وتكرر تلك الروايات في الأصول التي هي بين أيديهم مع اشتمالها على الوعيد، وكمال التهديد، كما هو غير خفي على من ألقى السمع وهو شهيد. فعدولهم عنها لا يتأتى إلا عن عمد، أو أن ذلك الطعن الصادر منهم إنما توجه للمخالفين الذين أسسوا تلك القواعد،وأحبوا إدخال الشبهة على هؤلاء في هذه المقاصد،كما أن الحق أن تلك الأخبار الصادرة عنهم في هذا المقام متوجهة إلى أولئك المخالفين لا غير،وحينئذ توجه المعذورية لأصحابنا في ذلك الخطأ،فتكون الأحاديث المستفيضة الدالة على رفعه كالحديث النبوي المستفيض المروي بعده طرق المومأ إليه في السؤال وغيره من الأخبار مما جاءت في شأن أصحابنا الذين قصروا أنظارهم على استنباط الأحكام من مواضعها التي أمرت الأئمة عليهم الصلاة والسلام بالأخذ عنها،وان وقع لهم غير ذلك فغفلة. أما ما جاء في الأخبار التي قدمناها من عدم معذورية المخطى وأن وزر من عمل بفتياه في عنقه إلى يوم القيامة، و أنّه مشرك وفاسق إلى غير ذلك من المطاعن، فقد عرفت أنها متوجهة إلى علماء العامة الآخذين بالرأي والاستنباطات الظنية الاجتهادية، ومن تأمل مضامين تلك الأحاديث ظهر له من كثير منها ما قلناه، و إن كان في بعضها ظهور التعميم، وهو الحامل لمن طعن من أصحابنا على من تقدمه كما أشرنا إليه، وليس ذلك مخصوصاً بالمتأخرين، فقد وقع مثل ذلك بين قدمائنا الأخبار يين مع عكوفهم على العمل بأخبار المعصومين. ألا ترى إلى المحدث الصدوق القمي في كتاب من لا يحضره الفقيه حيث قد طعن على ما نظن بالأخبار التي جاءت في أن شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة والنقصان حتى أنه جعله مرتبة العامة وقال أنّه تجب التقية من هؤلاء كما يجب في العامة . ومثله وقع للمفيد >رضوان اللّه عليه< في كثير من كتبه، لا سيما كتابه في شرح الاعتقادات الصدوقية فإنه قد سلك طريق التشنيع والتخطئة على المصنف مع علمه بأنه لا يتجاوز الأخبار، بل أنّه ربما طعن عليه وعلى الأخبار التي تمسك بها وليس ذلك في موضع واحد منها بل فيما ينوف على أربعين موضعاً من ذلك الكتاب. ومثل ذلك أيضا وقع لابن ادر يس في سرائره في مقام الرد على الشيخ الطوسي رضوان اللّه عليه . وأغرب من هذا كله ما وقع لابن داود في كتابه الرجال حيث أدخل ابن الجنيد من علمائنا القدماء في القسم الثاني من كتابه المذكور الذي أفرده للضعفاء، وطعن عليه مطاعن كثيرة منها:أنه كان يعمل بالقياس الذي كفّرت الأئمة الأخذ به وأطبقت الأمامية على رده. فإذا كان مثل ذلك جارياً من القدماء في من تقدمهم،وأخذ بخلاف ما هو عليه،فما أدراك بالمتأخرين الذين ظهر منهم التعلق في كثير من المسائل بقواعد الاجتهاد،بل ربما طرحوا بعض الصحاح والحسان في مقابلة تلك القواعد،وهو الذي حمل من اجتري عليهم على سلوك الوقوع فيهم،ونسبتهم إلى مراتب العامة. ولكن ينبغي الأعراض عن هؤلاء لما ثبت من عدالتهم و ورعهم الحاجزين عن مثل ارتكاب طريق الأهواء والآراء بل الذي يليق بمقامهم وشأنهم هو الاقتصار على بيان خطئهم والاستدلال على ذلك في مقام بيانه لحجز من يأتي بعدهم عن الدخول فيه.وأما القدح فيهم والكلام بما لا يناسب مقامهم فمما لا ينبغي سلوكه حيث أنّهم ممن شيدوا دين الأمامية،ولظهور الفضل منهم في ذلك لما سمعت من العبارات التي نقلناها عنهم من أن الوقوع فيهم والطعن عليهم مما يوجب الطعن لمن سلك هذا المسلك فيهم كما وقع للفاضل الكاشي في كتابه سفينة النجاة على ما مر تصريحه بمشاركة أصحابنا المجتهدين للعامة في تلك المطاعن المشار إليها في الأخبار المتقدمة. فقد اقتفى أثره في هذا المسلك وطعن عليه الفاضل الشيخ علي بن الشيخ محمد العاملي في كتابه الدرر المنثورة، وتجاوز في ذلك الطعن الحد، حتى نسبه تارة إلى الجهل بالعلوم ومسائل الاجتهاد بل بأصل الاجتهاد، وتارة رماه بما لا يليق بسائر الناس من الفسوق والفجور نعود باللّه من ذلك، ومن تقحم هذه المسالك.وليس الحامل لمثل هذا الفاضل على الدخول في الوقوع، والطعن على مثل الكاشي الذي بلغ في العمل الغاية، وتجاوز في العلم النهاية إلا ما عزيناه له من الوقوع في من تقدمه من الأفاضل كما ذكر السيد المحدث الجزائري في شرح غوالي اللآلى- بل ظهر منه معذورية هذا الطاعن فيما نال من ذلك المحقق وعده جزاءاً لطعنه وأنشد:- كما يدين الفتى يوما يدان به فزارع الثوم لا يجنيه ريحانا وكذا قد أكثر التشنيع على الفاضل محمد أمين الاسترابادي فيما وقع له من التعريض والطعن على مثل العلامة، حتى نسبه في مواضع كثيرة من الفوائد المدينة لما لا يليق بشأنه كالفاضل ملا عبد اللّه البشروي في رسالته التي ألفها في الأصول، والسيد المحقق نور الدين بن أبي الحسين الموسوي في الفوائد المكية، وغيرهما، حتى أن الفاضل في الفوائد المذكورة في الفوائد المدنية لما نقل عن العلامة في مقام الطعن عليه أنه قال على ما نقله عنه الشهيد الثاني في شرح الشرايع من قوله في مسألة الروشن من التذكرة:أفتيت بهذا بمجرد رأيي، ولم أجد فيه نصاً من الخاصة ولا من العامة، وإنما صرت إلى ذلك عن اجتهاد انتهى. وبالجملة إن الإعراض كما قلنا هو الطريق المأمون العثار، فيكون نسبتهم إلى الفسق مما لا يجوز فضلا ًعن الكفر والشرك. فما ذكره سلمه اللّه في سؤاله إن جماعة ينسبونهم إلى النصب مما لا ينبغي الإصغاء إليه ولا التعريج عليه. وأما جواز الاختلاف في الفروع عندنا فمما لا كلام فيه ولا يقدح فيه ما ثبت عنهم >عليهم السلام< من أن لكل مسألة حكماً معيناً، وأنهم جعلوا لكل شيء حداً، وجعلوا على من تعدى ذلك الحد حداً، وان حكم اللّه في كل مسألة واحد لا اختلاف فيه كما يؤذن به كثير من تلك الأدلة، لأنهم >عليهم السلام< صرحوا في كثير من أحاديثهم، وقد تقدم بعض منها، أن الكلمة من كلامهم لتنصرف على وجوه، فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء، وأن اللّه يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا. وفي كتاب بصائر الدرجات بسنده عن عبد الأعلى قال:دخلت أنا وعلي بن حنظلة على أبي عبد اللّه >عليه السّلام< فسأله علي بن حنطلة عن مسائله فأجاب فيها قال علي: فإن كان كذا وكذا؟فإجابه بوجه آخر،حتى أجابه منها بأربعة وجوه. فالتفت على بن حنظلة وقال يا أبا محمد قد احكمنا فسمعه أبو عبد اللّه >عليه السّلام< فقال لا تقل هكذا يا أبا الحسن، فإنك رجل ورع، إن من الأشياء وأشياء ضيقة، وليس تجري الأعلى وجه واحد منها وقت الجمعة ليس إلا واحدا ً حين تزول الشمس. ومن الأشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة وهذه منها، إن له عندي سبعين وجهاً. وروى الكليني قربيا منه في الكافي، وفي البصائر بسنده عن الأصول عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا أن كلامنا لينصرف على سبعين وجها. وروى في الكتاب المذكور بسنده إلى علي بن أبي حمزة قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد اللّه >عليه السّلام< فبينما نحن قعود إذ تكلم أبو عبد اللّه بحرف. فقلت في نفسي هذا مما أحمله إلى الشيعة، هذا واللّه حديث لم أسمع مثله قط. قال: فنظر في وجهي ثم قال إني أتكلم بالحرف الواحد ولي فيه سبعون إن شئت أخذت كذا. ألا ترى إلى حديث علي بن أبي حمزة حيث أسر في نفسه أنه يحمل ما فهمه من كلام إلى الشيعة فنظر >عليه السّلام< إليه، وقال له ما عرفت. وحديث عبد الأعلى وما تضمنه من قول علي بن حنظلة، أنّه قد أحكم المسألة باعتبار ما فهمه من الأجوبة، وقوله بما قال. وحينئذ فالتحقيق في هذا المقام إن الاختلاف إن كان بسبب اختلاف الأخبار عن الأئمة >عليهم السلام<، ولإختلاف رد الفروع إلى الأصول فذاك موضوع عنهم ، وإن كان لغير ذلك من الأصول والاعتبارات الظنية التي وضعوها وأخذوها من غيرهم فذلك هو المؤاخذ عليه، ولا نظنه بقدماء أصحابنا إلا أنهم ما كانوا أصحاب ظن ولا اجتهاد. وأما المتأخرون فلعل اللّه يعذرهم في ذلك إن كانوا غير مقصرين في تتبع مثل هذه الأخبار التي مرت آنفاً ،فكل ما غلب اللّه على العبد فاللّه أولى بالعذر بل ربما أعلنت الأحاديث بأنهم >عليهم السلام< هم الذين فتحوا باب الإختلاف بين شيعتهم لأسباب ومصالح ومن أقواها التقية على أنفسهم وعليهم. ففي العلل في الصحيح عن حريز عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال:قلت له:إنه ليس شيء أشد عليّ من اختلاف أصحابنا ،قال:ذلك من قبلي . أي بما أخبرتهم به من جهة التقية، وأمرتهم به لمصلحة من المصالح. وفي الكتاب المذكور بسند معتبر عن الخزان عمن حدثه عن أبي الحسن >عليه السّلام< قال: اختلاف أصحابي لكم رحمة.وقال:إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد. وسئل عن اختلاف أصحابنا فقال >عليه السّلام< : أنا فعلت ذلك بكم ، ولو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم. والظاهر انه >عليه السّلام< أراد بقوله إذا كان ذلك الإشارة إلى ظهور الحق وقيام القائم >عليه السّلام<. وفي الكتاب المذكور أيضاً في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر >عليه السّلام< قال:سألته عن مسألة فأجابني ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان، قلت يا بن رسول اللّه رجلان من أهل العراق من شيعتك قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير الظن، وإلا فالجميع مشتركون في سببه وأصله، ولا مشاحة في التسمية، فليس الغلط على تقدير تسليمه إلا في التسمية، وهو لا يوجب قدحاً ولا تشنيعاً. نعم لو كان ذلك الاستنباط من غير أدلة الكتاب والسنة اتجه ما ذكره إلا أن كلامه >قدس اللّه سره< فيما هو أعم من ذلك. و أما استناده إلى أخبار أن المفتي ضامن، وأنه يلحقه وزر من عمل بفتياه فمما لا ينفعه، إذ الظاهر منه إرادة ذلك الفرد، وهو المتجاوز للأوامر الشرعية، والمتعدي للحدود المقررة المرعية، إما لعدم إعطاء الوسع حقه من التتبع لعدم مراعاته التخصيص والإطلاق والتقييد والنسخ وعدمه، أو بأخذه الأحكام بالرأي والقياس المنهي عنهما. وبالجملة إن الاختلاف لأسباب كثيرة مما وقع في أحكامنا وأن الاستنباط المأذون فيه عنه >عليه السّلام< على ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن ليث ألمرادي عن الباقر والصادق عليهما السلام من أنهما > عليهما السلام< قالا: إنما علينا إن نلقي أليكم الأصول ، وعليكم أن تفرعوا عليها . من أقواها فظهر المقصود من هذه المسألة بحذافيرها وفروعها وأن ما ذكرناه شعبة من تحقيقاتها، وإلا ففي هذا الكلام كلام، ومناقشات يضيق المقام عن الإتيان على آخرها، وفيما ذكرناه إن شاء اللّه تعالى غنية لمن اخذ بزمام الإنصاف وتنكب طريق الاعتساف، واللّه العالم.ما أجبت به الآخر.قال:فقال:يا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لقصدكم الناس، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم قال:فقلت لأبي عبد اللّه > عليه السلام < شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال:فسكت فأعدت عليه ثلاث مرات فأجابني بمثل جواب أبيه. وفي البصائر، بإسناده إلى موسى بن أشيم ،قال: دخلت على أبي عبد اللّه>عليه السلام<فسألته عن مسألة فأجابني بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي ففزعت من ذلك وعظم علي،فلما خرج القوم نظر إليّ وقال: يا بن أشيم كأنك جزعت؟ قلت : جعلني اللّه فداك إنما جزعت من ثلاثة أقاويل في مسألة واحدة. فقال: يا بن أشيم إن اللّه فوّض إلى داود أمر ملكه فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، وفوض إلى محمد >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< أمر دينه فقال:ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فإنتهوا، وان اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى الأئمة منا والينا ما فوّض إلى محمد >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<فلا تجزع. إلى غير ذلك من الأخبار التي لا يأتي الإملاء على حصرها ، وهي كما ترى شاهدة بوقوع الاختلاف وتحققه انه يقع لأسباب كثيرة ،وان كان من أوسعها وأجلها فائدة ومصلحة التقية. وأما ما ادعاه الفاضل الاسترابادي في الفوائد المذكورة من أن الاختلافات الواقعة بين الأخبار يين منحصرة في العمل بالأخبار الواردة مورد التقية، بأن يكون أحد المتخالفين عمل على خبر، والآخر عمل على خبر آخر ولكن أحد الخبرين قد خرج مخرج التقية،وان إختلاف مجتهدي أصحابنا إنما نشأ من الاستنباطات الظنية فلا يخفي ما فيه إذ الوجدان والعيان متصادقان على إبطال هذه الدعوى،فإن من تتبع كلام الأخبار يين من المتقدمين والمتأخرين ظهر له إن ما وقع لهم من الإختلاف والتشاجر ليس منشأه إلا اختلاف أفهامهم وتشعّب أنظارهم في مبادئ الأهم لتلك الأحكام، وتفاوت الإفهام المفاضة من الملك العلام،فإن منها ما هو كالبرق الخاطف، ومنها ما هو كالساكن الواقف ، وبينهما مراتب لا تخفى على الفطن العارف،ولا بأس بأن نشير إلى جملة منها وفيّة بالشهادة على ما قلناه. فمنها اختلافهم في أخبار التثنية الواردة في الوضوء فثقة الإسلام حملها على من لم تقنعه المرّة لغسله، والصدوق حملها تارة على التجديد وأخرى على الغسلتين، وشيخ الطائفة على استحباب التثنية كما هو المشهور والكاشاني في الوافي حمل أخبار الوحدة على الغسلة، والتثنية على الغرفة ، والمحقق الشيخ حسن وجماعة من مشايخنا كشيخنا في الإحياء حمل أخبار المرّة غسلاً وغرفاً على أنها الحكم الشرعي، والتثنية رخصة وتوسعه على الضعفة من العباد. وثانيها: ما وقع للصدوق في مسألة اجتماع ولد الولد مع الأبوين في الميراث حيث ذهب إلى حجب الأبوين لولد الولد الذي تقرب، إخلاداً إلى صحيحة ابن الحجاج وسعد ابن أبي خلف لقوله>عليه السلام<: بنات الإبنة، وبنات الابن يقمن مقام الإبنة إذا لم يكن للميت ولد ولا وارث غيرهن على الولد الذي تقرّب به. وبهذا صرّح الشيخ في التهذيبين وردّ على الصدوق > رحمه اللّه <فيما ذكره وغلّطه، والصدوق قد بالغ في الرد على الفضل بن شادان، وغلّطه ونسبه إلى القياس، حيث قال بعد نقل ذلك:وهذا مما زلت به قدمه عن الطريقة المستقيمة، وهذا سبيل من يقيس مع أن جملة الأصحاب قد ذهبوا إليه ، وهو ظاهر ثقة الإسلام في الكافي اعتماده حيث نقل كلام الفضل ولم ينكره. وثالثها:ما وقع للصدوق أيضاً في مسألة الرد على الزوجة لو مات الزوج ولم يخلف وارثاً سواها، فإنه فصّل بحضور الإمام وغيبته فحمل الأخبار الدالة على كون ما زاد على فريضتها للإمام على حال حضوره. والأخبار الدالة على كون الميراث كملاً لها على حال الغيبة ، واعترضه الكاشي في الوافي بأن ما دلّ على كون الميراث لها كاملاً وقع في حال حضوره الحكم به، والشيخ حملها على ما إذا كانت المرأة قريبة للميت، ولا وارث له أقرب منها فتأخذ الربع ميراثاً، والباقي بالقرابة ،والأخرى على انتفائها فليس لها سوى حقها. ورابعها: ما وقع له في مسألة جواز القنوات بالفارسية فإنه قد خالفه فيه جماعة من الأخبار يين ، وتفصيل مذاهبهم في أمثال ذلك، واختلافاتهم مما لا يليق به هذا الإملاء. وبالجملة إن اختلافاتهم لاختلاف الإفهام لا ينكره محصل،وأما ما ذكره ذلك المحقق من قسمي الإختلاف في الفتاوى من أن سبيله الاستنباطات المشار إليه ناشي من الأدلة العقلية والقواعد الأصولية والخارجة عن الكتاب العزيز والسنة النبوية ، فما ذكره مسلّم و إلا فهو ممنوع كيف لا وقد عرفت مما قدمنا إن التكليفات الإلهية إنما وقعت منه سبحانه على قدر ما رزقهم من العقول والأفهام، وان الناس مختلفون بالزيادة والنقصان. وهذه الاستنباطات الظنية التي يكررها في مقام التشنيع بها عليهم ليست إلا عبارة عما ذكرناه من النظر في الدلايل، بل ما رزقوه من العقول والأحلام بما فهموه من ذلك الدليل، من نقض أو إبرام. نعم هو يدعي أن الذي فهمه هو ومن يحذو حذوه يسمى علماً لا ظناً، وسائر المجتهدين يطلقون عليه



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 6412  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 تذوق الأكل دون ابتلاعه

 الدعوة الى انشاء قناة شيعية مستقلة

 هل تشترط المماثلة في تولي اجراءات الميت في المستشفى بعد الوفاة

 تخمس حساب مودع في البنك

 قراءة كتب الفقه لغير المقلد

 التردد على محلات الحلاقة لغير المسلمات

 سؤال عن وثيقة ارهابية منسوبة للمجلس الأعلى الاسلامي

 رهن الذهب

 استعمال الحناء اثناء فترة الحيض

 امرأة مستحاضة تحج وتشتبه عليها أحكام الاستحاضة

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 12371695

 • التاريخ : 22/09/2020 - 01:39

[ إتصل بنا ] || [ سجل الزوار ]

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net