في الرجوع لتقليد الأعلم عند العلامة الشيخ حسين قدس سره 

( القسم : مسائل التقليد في فروع الدين )

السؤال :

ماهو نظر العلامة الشيخ حسين آل عصفور طاب ثراه في وجوب تقليد الأعلم


الجواب :

مما جاء في كتاب المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخرسانية
تأليف
شهيد الإسلام وحامي شرع سيد الأنام العلامة
الشيخ حسين ابن الشيخ محمد آل عصفور
الدرازي البحراني
أعلى الله مقامه
( المسألة الثانية ) في الرجوع لتقليد الأعلم ثم قال >سلمه اللّه تعالى< : سؤال بطريق الأجمال: يجب على المكلف الرجوع إلى الأعلم، وللمتوسط والمنتهي معرفته سهل هين، وللعامي والمبتدئ أمر مشكل غبي للعجز ينتهي، لإختلاف العلماء، وتفرق الأهواء، وقلة الإئتلاف، وكثرة الإختلاف ، والوقوع في الأعراض الناشئة عن أغراض، وفقد الإخلاص المثمر للخلاص ، حيث صار الزمان معكوساً والعلم مدروساً، وأهل الفضل والسعود متروك منبوذ، والذي يعرف طريق النقض والإبرام، ومن له قوة الترجيح والاستدلال في الأحكام بعضهم يجهد في ذلك غاية الجهد والإهتمام، حتى انتشر بسببه علم الهداية، وخمدت نيران البدع والغواية، كمولانا شيخ الإسلام، وعلامة الأنام الشيخ محمد يوسف >سلمه اللّه تعالى<، وبعضهم وان كان له تلك القوة قصر عن تلك الطريقة، وتقاعد عن محصل تلك الحقيقة ، واكتفى بالتقليد لعلماء السلف، وأفتى بالمشهور من أقوال الخلف، مع أن المتوسط من العوام بل أكثر بلاد الإسلام، رجعوا في كل مسألة إلى إمام الجمعة الجماعة سواء كان مجتهداً أو مقلداً أو عالماً أو متعلماً، ويسألونهم عن المسائل،و بين من رجع إلى كتب العلماء الماضين سيما المتأخرين منهم ككتب الفاضل المجلسي، والمحدث العاملي، والفقيه الكاشي >برد اللّه مضاجعهم< واعتمدوا على ما فهموا من تراجمهم ، واكتفوا بذلك عن الرجوع إلى العالم الحي، وأستتروا عن الشمس بالفي، فكيف الخلاص من هذه الحيرة؟فارتقوا مداريج الأحاديث الساطعة، وافرشوا قلوبنا بالدلائل القاطعة، وانزحوا من آبار الحكمة مياه المعرفة بدلايل غزيرة ، واغسلوا بها درن الشك والتلويح عنا والحيرة، وأرشدونا إلى واضح السبيل وبينوا الجواب بالتفصيل ، لتفوز وا بالثوب الجزيل.


( الجواب )

ومنه سبحانه استفاضة الصواب. الكلام في أن ظاهر هذا السؤال مبني على دعوى وجوب رجوع المكلفين إلى الأعلم بمسائل الدين كما عليه جماعة من الأصوليين ، ولم نقف لهم على دليل، سوى الظن والتخمين. وأما الإحتجاج عليه بقوله تعالى:( هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون) وأمثالها، وبما روي في التهذيب مسنداً والفقيه مرسلاً عن النبي>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< انه قال: (من أمّ قوماً، وفيهم من هو اعلم منه لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة) بحمل الإمامة فيه على ما يشمل هذه الفرد لصدقها عليه . ففيه :إن الآية لا دلالة فيها على ما ادعى بوجه من الوجوه، لأن قصارى دلالتها تقديم من هو عالم على من ليس بعالم لعدم تساويهما لا الأعلم على العالم، على أن الذي جاء في تفسيرها عن أهل الذكر >عليهم السلام<، أنّها سيقت لبيان من له مرتبة الإمامة، وللرد على العامة >خذلهم اللّه< حيث قدموا من لا سابقة له في العلم الذي هو عماد الإمامة، وأخروا من له السابقة فيه باعترافهم لإجماعهم واتفاق رواياتهم على أن علياً >عليه السّلام< أعلم الأمة بعد الرسول اللّه>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< فجاءت الآية في تقريعهم والرد عليهم، فلا تكون مما نحن فيه. وأما الخبر المذكور فالظاهر منه إرادة الرياسة العامة التي هي ألإمامة بدليل قوله >عليه السّلام< في أخر الخبر( لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة) فإن المناسب لهذه المؤاخذة والتقريع هو هذا المعنى ، وإن كان قد احتمل فيه جماعة من علمائنا كالشيخ الطوسي والصدوق، ومن حدا حدوهما أنّه مما سيق لبيان إمامة الجماعة عند حصول التشاح كما يدل عليه صحيح أبي عبيدة الحداء. وعلى كل تقدير فلا دلالة فيه على شيء من تلك الدعوى مع أن التزامها مما يضيق على الناس به فسيح التفقه، وأخذ الأحكام الشرعية، فإن مقتضى آية النفر، وآية (فاسئلوا أهل الذكر)، والتعميم فيهما ـ كما اعترف به غير واحد من محققي الأخباريين والمجتهدين. وأما مقبولة عمر بن حنظلة المروية بعد طرق أقواها الموثق حيث قال: ( الحكم ما حكم به أعدلها وأفقههما وأصدقهما في الحديث و أورعهما ، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر) فليست من هذا الباب، لأن صدور هما مؤذن بأن ذلك الترجيح بهذه الأوصاف إنما يصار إليه عند تعارض الفتوى والقضاء. قال المحقق المحدث ملا محمد صالح المازندا ني >قدس اللّه روحه وتابع فتوحه< في شرح أصول الكافي، بعد قوله>عليه السلام<( الحكم ما حكم بع أعدلهما وأفقههما) ما صورته:لا بد للحاكم أن يتصف بالعدالة والفقاهة والصدق والورع، فمن اتصف بهذه الصفات الأربع فهو أهل للحكومة،ومنصوب من قبلهم >عليهم السلام< ، ومن لم يتصف بشيء منها أو ببعضها لا يجوز له الحكم بين الناس،وإن تعدد المتصف بها ،و وقع الخلاف بينهما في الحكم والمستند فظاهر هذا الحديث يفيد تقديم من اتصف بالزيادة في جميعها،وتقديم من اتصف بالزيادة في بعضها على من اتصف بذلك بالنقصان في ذلك البعض بعينه مع تساويهما في الباقي لان مناط الحكم هو غلبة الظن به ، وهي في المتصف بالزيادة أقوى. و أما إذا اتصف أحدهما بالزيادة في بعض ، والآخر بالزيادة في بعض آخر ففيه إشكال لتعارض الرجحان، وتقابل الزيادة والنقصان، ولا دلالة فيه على تقديم أحدهما على الآخر، واعتبار الترتيب الذكرى بناءاً على أولية المتقدم على المتأخر لا يفيد لعدم ثبوت الأولوية. وقال بعض الأصحاب:الأفقه يقدم على الأعدل لتشاركهما في أصل العدالة المانعة من التهجم على المحارم، وتبقى زيادة الفقاهة الموجبة لزيادة غلبة الظن خالية عن المعارض، ومع تساويهما في الفقاهة يقدم الأعدل لثبوت الرجحان له. ثم الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب أن الزيادة بهذه الصفات تقتضي رجحان المتصف بها،وأما أنها هل توجب تقديمه بحيث لا يجوز تقديم المتصف بالنقصان عليه ففيه قولان: أحدهما:أنه لا يجوز تقديمه لاشتراك الجميع في الأهلية، وردّ ذلك بأن اشتراكهم في أصل الأهلية بالنظر إلى أنفسهم لا يقتضي تساويهم بالنظر إلى الغير، وهل ذلك إلا عين المتنازع؟ و الثاني:وهو الأشهر أنّه يجب تقديمه لأن الظن بقوله أقوى ولدلالة ظاهر هذا الحديث ونظيرة عليه.انتهى كلامه. وإنما نقلناه بطوله لكثرة فؤائده في هذا المقام ومحصوله، و إلا فصدره ينادي بما حققناه في هذه المقبولة. ومثل هذا الكلام جاء في مرفوعة زرارة المروية في كتاب غوالي اللآلي، فلا تعلق لها بما نحن فيه بوجه. إذ تقرر هذا فالمستفاد من السنة والكتاب كآية النفر وسؤال أهل الذكر، وأخبار النيابة، وسيرة خواص أصحابه أنّه لا يشترط في تحقق الإمتثال في أخذ الأحكام مشافهة الإمام>عليه السلام<بل يكفي الأخذ عنه، ولو بواسطة في حضوره وغيبته إلى يوم القيامة. وقد تلحظ أيضاً أن أفراد الرعية صنفان: ناقل، ومنقول إليه، ومقلد وفقيه معتمد عليه، ويشترط في الفقية أن يكون مقتصراً في الحكم على السنة والكتاب، متعرفاً ذلك عن الأئمة الأطياب بأن يكون ناقلاً لأحكامهم ورواياتهم، منتظماً في سلك أصحابهم ورواتهم، عارفاً بمقصدها ومغزاها، واقفاً على مرادها ومعناها، مرتادا ًفي دياراتها، كاشفاً عن رموزها وإشاراتها، عارفاً بحدودها وطرا ئقها، فارقاً بين مجازاتها وحقا ئقها، مميزاً بين خاصها وعامها، واقفاً على متشابهها ومحكمها، مبيناً لمجملها بمفصلها ، مقدماً لموضحها على مشكلها، كما نادت بذلك الأخبار، ونطقت به عنهم الآثار. ففي مقبولة ابن حنظلة التي مرت (وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم اللّه استخف ،وعلينا رد ،والراد علبنا الراد على اللّه،وهو على حد الشرك باللّه). وروى الكليني والكشي والصدوق والشيخ بأسانيد مختلفة معتبرة عن الأئمة >عليهم السلام< أنّهم قالوا:اعرفوا منازل الرجال على قدر رواياتهم عنا. وفي بعضها: اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدثا.فقيل:أو يكون المؤمن محدثاً؟ فقال:يكون مفهماً، والمفهم المحدث. وروى الصدوق في المعاني، وكذا الصفواني في كتابه والنعماني في غيبته عن الصادق >عليه السّلام< أنّه قال: خبر تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً، لنا من الجميع المخرج. وقد قدمنا روايات منقولة من كتاب المعاني في الجواب عن المسألة الأولى في هذا المعنى فراجعها. وروى الكليني بإسناده الصحيح عن أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن >عليه السّلام< قال: سألته قلت:من أعامل وعمن آخذ؟وقول من أقبل؟فقال:العمري ثقة فيما أدى إليك عني، فعني يؤدي،وما قال لك عني فعني يقول،فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون. قال:وسألت أبا محمد >عليه السّلام< عن مثل ذلك فقال: العمر ي وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك عني فعني يقولان،فاسمع لهما وأطع فإنهما الثقتان المأمونان الحديث. وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن أبي خديجة قال:بعثني أبو عبد اللّه إلى أصحابنا فقال:قل لهم إنكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق،اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر. وروى الصدوق مرسلاً قال:قال علي >عليه السّلام<:قال رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<: اللّهم ارحم خلفائي ( ثلاثاً )، قيل: يا رسول اللّه:ومن خلفاؤك؟قال: الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنتي. وفي كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة قال:سألت محمد بن عثمان العمر ي أنّه يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان >عليه السّلام<:أمّا ما سألت عنه > أرشدك اللّه وثبتك< ...إلى أن قال:وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا،فإنهم حجتي عليكم،وأنا حجة اللّه عليهم. وأما محمد بن عثمان العمر ي >رضي اللّه عنه وعن أبيه من قبل< فإنه ثقتي،وكتابه كتابي. وفي معاني الأخبار والعلل بإسناده إلى عبد اللّه المؤمن الأنصاري قال:قلت لأبي عبد اللّه >عليه السّلام<: إن أقوى ما يروون أن أقواماً يروون أن رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<قال: اختلاف أمتي رحمة!!فقال >عليه السّلام< :صدقوا، فقلت:إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب. فقال:ليس حيث تذهب ويذهبون، وإنما أراد قول اللّه عز وجل :( فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فأمرهم أن ينفروا إلى رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم< فيتعلموا ثم يرجعوا إلى قومهم، فيعلمونهم إنما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافهم في دين اللّه إنما الدين واحد. وفي العلل بإسناده عن حمزة بن حمران قال:سمعت أبا عبد اللّه >عليه السّلام< يقول:من استأ كل بعلمه اقتصر.قلت:إن في شيعتكم قوماً يتحملون علومكم،ويبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر والصلة والإكرام، فقال:ليس أولئك بمستأكلين، إنما ذلك الذي يفتي من غير علم ولا هدى من اللّه ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا. محمد بن عمر الكشي في كتاب الرجال بإسناده الصحيح إلى جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد اللّه >عليه السّلام< يقول: بشر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي، وأبي بصير ليث بن البختري المرادي،ومحمد بن مسلم ،وزرارة بن أعين ، اربعة نجباء امناء اللّه على حلاله وحرامه،لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست. وفي الصحيح عن شعيب القرقوفي،قال: قلت لأبي عبد اللّه >عليه السّلام<:ربما احتجنا أن نسال عن الشيء،فمن نسأل؟ قال:عليك بالأسدي ـ يعني أبا بصير ـ. وفيه باسناده الى علي بن المسيب الهمداني،قال:قلت للرضا> عليه السلام <:شقتي بعيدة،ولست اصل اليك في كل وقت،فمن اخذ معالم ديني منه؟قال:من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا. وفيه عن الكناسي قال:قال لي ابو عبد اللّه >عليه السّلام<:اي شيء بلغني عنكم؟قلت:ماهو؟قال:بلغني انكم قعدتم قاضياً بالكناسة،قال:قلت: نعم جعلت فداك،يقال له عروة القنا.وهو رجل له حظ من العقل نجتمع عنده فنتكلم ونتساءل،ثم يرد ذلك اليكم،قال:لابأس. محمد بن الحسن في كتاب الغيبة،بإسناده الصحيح الى محمد بن صالح الهمداني،قال:كتبت الى صاحب الزمان >عليه السّلام< : إن اهل بيتي يقرعوني با الحديث الذي روي عن آبائك >عليهم السلام<،انهم قالوا:خدامنا وقوامنا شرار خلق اللّه. فكتب >عليه السّلام< : ويحكم ماتقرؤ ون ماقال اللّه:(وجعلنابينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة)،فنحن واللّه القرى التي بارك فيها،وأنتم القرى الظاهرة. احمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن أبي حمزة عن أبي جعفر >عليه السّلام< في حديث انه قال للحسن البصري:اخبرني عن القرى التي بارك اللّه فيها،وذلك قول اللّه عز وجل لمن اقرّ بفضلنا،حيث امراللّه ان يأتونا فقال:(وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة)، والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا الى شيعتنا،وشيعتنا الى شيعتنا، قوله :(وقدرنا فيها السير)،فالسير مثل العلم يسير به ليال وايام مثلا لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا اليهم في الحلال والحرام والفرائض آمنين فيها اذا أخذوا من معدنها الذي أمروا ان يأخذوا عنه آمنين من الشك والضلال..الحديث. فظهر لك من هذه الروايات وأمثالها ، وهي بالغة حد الإستفاضه،وان اقتصرنا على ذكر التعليل منها لا الإستغناءبه فيما يأتي من الدعوى انه متى تحقق الفقيه،واتصف بالأمور المشترطة فيه،واقتصر على محكم السنة والكتاب،وحبس نفسه على احاديثهم في جميع الأبواب وجب على الرعية قبول مايلقيه من الأحكام،لأنه الخليفة بعد الإمام. ومن هنا وجب الرجوع اليهم،وان الراد عليهم لافرق بين حياته ولامماته لما عرفت انه من جملة نقلة حديثهم ورواته. فقوله كسائر الروايات المودعة في سائر الأصول بل في الكتب الأربعة،ولذلك كانت الأصحاب ترجع الى فتاوى الفقيه علي بن بابويه عند أعواز النصوص،وإن لم يرد هناك في تلك المسـألة حكم بالخصوص. وأما من انحط عن هذه الطريقة،وجاوز أصحاب هذه السليقة بأن لايكون معتمدا ًعلى هذا المدار بل يتعدى الى الأصول المخترعة والأنظار،فهو غير جائز التقليد حتى في الحياة فضلاً عن الممات،لإعلان الروايات بالمنع عن الأخذ عنه فضلا ًعن الروايات. وبهذا يظهر أن ما اشتهر بين متأخري الأصوليين من الأصحاب من المنع من تقليد الميت مطلقاً من الأقوال المخترعة، والآراء المبتدعة،وحيث أن حججهم عليها موكولة الى الأوهام، أو اجماع غير تام أعرضنا عن ذكرها في هذا المقام. نعم إن تحقيق شرائط ذلك الفقيه بمقتضى الروايات يتوقف على مقامات من التحقيق: المقام الأول:أنّه هل يشترط في الفقيه المذكور معرفته لكل الأحكام أم يكفي التجزي؟ فلا تجب معرفته اغلبها فضلاً عن جميعها،ولاوقوفه على أدلة المسائل فروعها وأصولها؟ فالمشهور على الأول،وعمدتهم في ذلك مقبولة عمر بن حنظلة،وصحيحة خديجة اللتان مرّ ذكرهما في الأخبار التي أسلفناها،حيث قال في الأولى : (روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا،وعرف أحكامنا)؛ وفي الثانية: ( اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا)، ومقتضى ذلك هو العموم لقضية الإضافة في الجميع،فيقتضي ان النائب عنهم >عليهم السلام< يجب أن يكون مطلعاً على جميع أخبارهم،عارفاً بجميع أحكامهم. قال الفاضل الخراساني في كفايته:وظن بعض المتأخرين أنه يستفاد من رواية عمر بن حنظلة المذكورة أن من روى حديث أهل البيت >عليهم السلام< ونظر في حلالهم وحرامهم وعرفهما حاكم،وإن لم يكن مجتهداً في الكل.وفيه نظر،لأن ظاهر قوله >عليه السّلام< (وعرف أحكامنا) العموم،فلا يكفي معرفته بعض الأحكام .انتهى.والظاهر انه أشار بذلك البعض الى المولى المحقق الأردبيلي >طيب اللّه مرقده< فإنه قد صرح في شرحه بذلك،وما أورده >رحمه اللّه< من الإحتجاج عليه من إفادة الإضافة العموم مسلم،رواية جميع أحكامهم والإحاطة بها مما يتعذر غالباً،ولاسيما في مثل هذه الأوقات التي اضمحلت فيها أكثر الأصول، والاكتفاء في ذلك براوية الكتب الأربعة المشهورة غلط محض وتحكم صرف،لأن كثيراً من مدارك الأحكام الشرعية التي ظن جملة من المتأخرين عدم وجودها،وطعنوا على من قال بها بعدم وجود مستندها موجود في غير الكتب الأربعة من كتب الصدوق. ومن هنا تصدى غائص البحار،ومحدث الوسائل وأضرابهما لتدوين ما اشتملت عليه الأصول الزائدة على الأربعة، على أن الإحاطة بما في الكتب الأربعة مما قصرت عنه انظار جملة من فحول فقهائنا حتى طعنوا في بعض المسائل بعدم وجود المستند مع وجوده فيها كمسألة وضع التربة الحسينية على مشرفها السلام مع الميت في القبر،ومسألة استحباب الغسل عند لقاء كل إمام،ومسألة استحباب الأذان على الخلاء،وأمثال ذلك فظهر ان الإحاطة بأكثر أحكامهم فضلاً عن جميعها مما يتعذر؛ فحينئذ الواجب إلغاء العموم في ذينك الخبرين بأن يراد من تلك الصيغة ماتيسر بحسب الإمكان أو القدر الوافر منها أو مايتعلق بتلك الواقعة. ويؤيد هذا ما مر من اطلاق الأدلة،فالإعتماد على القول الثاني ، وهو القول بالتجزي،وان لم يكن مشهوراً كما اعتمده الشيخان الاعظمان من مشايخنا في كتابيهما الدرر النجفية واحياء العلوم الشرعية. ويؤيد هذا على اليقين أن ما وصل الينا من ذلك على تقدير إحاطة تظرنا به لايفي بجميع المدارك، وقد سمعت في المسألة السابقة أن من الأحكام ماهو غير معلوم، بل هو واجب الرد الى المعصوم كما تنادي به أخبار الإرجاء والتأخير، ولاينبئك مثل خبير. ألا ترى الى قوله في تلك المقبولة:إنما الأمور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع،وأمر بيّن غيّه فيجتنب،وأمر مشكل يرد حكمه الى اللّه والرسول؛ومعتبر ابن الطيار المروي في المحاسن، قال:قال لي أبو جعفر >عليه السّلام<:تخاصم الناس؟قلت: نعم.قال : ولايسألونك عن شيء إلا قلت فيه!؟قلت:نعم، قال:فأين باب الرد إذن؟ وأصرح منها في الدلالة ما رواه شيخنا الصدوق >رحمه اللّه< في الصحيح عن احمد بن عائذ عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< انه قال له: انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم،فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه. والمناقشة في هذا الحديث بجعل (من) بيانية فلا يدل على التجزي،بل مادلت عليه تلك المقبولة غير مقبولة لصراحتها في التبعيض المؤذن به أفراد لفظ شيء وتنكيره فلا يناسبه البيان بصيغة قضايانا المؤذنة بالتعميم فحملها على البيان تكلّف لايحتاج الى بيان،سيما مع استفاضة الأخبار عنهم >عليهم السّلام< من أنهم قالوا:ان جاءكم ما تعلمون فقولوا به،واذا جاءكم ما لاتعلمون فها هو وما علمتم فقولوا،ومالم تعلموا فقولوا:اللّه أعلم. وإن حق اللّه على عباده أن يقولوا مايعلمون ،ويقفوا عند مالا يعلمون. الى غير ذلك من الأخبار المؤذنة بالفتوى،والقول لكل مايعلمه قليلاً كان أو كثيراً. فإنكار التجزي اخلاداَ الى تلك المقبولة مما يوجب طرح هذه ، على أن من المعلوم أن مدار معاصري الأئمة،ودأب أكابر الأمة سيما بعيد الشقة،وشديد المشقة كان على تحصيل حكم احتاجوا إليه،ثم العمل من سائرالرعية عليه من غير تعرض لاستعلام غيره من الأحكام كما يشهد به متتبع طريقة أولئك الأعلام واللّه ولي الإعتصام. المقام الثاني: أنّه هل يراعى في ذلك النائب كونه فقيهاً جامعاً لشرائط الفتوى المقررة في موضعها،ولو في ذلك البعض الذي بلغه حيث انه لابد من معرفته لأحكامهم، ومعرفة مايتوقف عليها من العرض على كتاب اللّه العزيز ومعرفة مذاهب العامة،والقواعد المقررة في وجوه الجمع،ومعرفة العلوم المعتبرة في الإجتهاد،أم يكفي مجرد الرواية؟ المحققون من أصحابنا على الأول اخلاداً الى تلك المقبولة وأمثالها المؤذنة باشتراط المعرفة المتوقفة على هذه الشرائط كلها. والمولى الفاضل الأردبيلي على الثاني لما تقدم في الأخبار من قولهم >عليهم السلام<:اعرفوا منازل الرجال على قدر رواياتهم عنا. وفي التوقيع اليعقوبي الذي مرّ:( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا) ،وأمثالها من الأخبار المؤذنة بحصول تلك المرتبة بمجرد الرواية. وكان القاتلون بالأول قد ادعوا الإجماع على تلك الدعوى، وهو في غير محله والتحقيق في هذا المقام ماحققه شيخانا الفاضلان من التفصيل،والفرق بين وقتهما صلوات اللّه عليهما وبين وقتنا. ففي الأول: يكتفي بمجرد سماع الرواية مشافهة،أو بواسطة،وعلى هذا كان على أصحابهم في زمانهم كما لا يخفى على المتتبع. وأما في مثل زماننا حيث اختلفت الأخبار الواصلة الينا،واشتبهت الدلالات لقيام الاحتمالات علينا،وفقدت قرائن المقامات،فلا بد من معرفة فهم مايتوقف عليه فهم المعنى من العموم ، ومعرفة ما يتوقف عليه من الكتاب العزيز،ومعرفة القواعد المقررة،والضوابط المعتبرة،سيما وجوه الجمع في مختلفات الأخبار كما لايخفى على من جاس خلال تلك الديار ، ولا بد مع جميع ذلك مع القوة القدسية التي يتمكن بها من استنباط الأحكام،وهي المعبر عنها بالملكة بين علمائنا الأعلام،وهي العمدة في الباب،وإلا فما عداها مما ذكرنا صار سهل المأخذ بما حققه الأصحاب،وتلك بيده سبحانه يؤتيها من يشاء من عباده،ولابد مع ذلك من الرياضة،بالملازمة على فعل الطاعات والعبادات واجتناب المنهيات،وأعظمها عندنا الورع في الدين. (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)،(وان اللّه لمع المحسنين) ، وقال مولانا أبو جعفر >عليه السّلام<:إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا،الراغب في الآخره،المتمسّك بسنة النبي >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<. وفي مصباح الشريعة عن مولانا الصادق >عليه السّلام<:لا تحل الفتيا ممن لايستغني من اللّه عز وجل بصفاء سرّه،وإخلاص عمله وعلانيته،وبرهان من ربّه في كل حال،ألا فمن أفتى فقد حكم،والحكم لايصح إلا بإذن من اللّه وبرهانه. وفي الاحتجاج وتفسير مولانا العسكري >عليه السّلام<:فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه،حافظاً لدينه،مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه. وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لاجميعهم،فإن من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامة فلاتقبلوا منهم عنّا شيئاً ولا كرامة. قيل: ومنها أيضاً معرفة تفسير الآيات الأحكامية التي تقرب من خمسمائة آية،وفيه نظر، لأن ماذكرناه سابقا من معرفة الأخبار كاف في البيان،لأن ماجاء في القرآن من الأحكام لا يجوز الاعتماد فيه على أقوال المفسرين،بل مرجعه الى أخبار الأئمة المعصومين،تفسيراً أو تأويلاً كما تواتر عنهم >عليهم السلام<. وفي التهذيب بسند صحيح عن عاصم بن حميد قال:حدثني مولى لسلمان قال:سمعت علياً >عليه السّلام< يقول : أيها الناس اتقوا اللّه،ولا تفتوا الناس بما لاتعلمون،فإن رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<قد قال قولاً آل منه إلى غيره،وقد قال قولا ًوضعه غير موضعه ، فقام عبيدة وعلقمة والأسود وأناس منهم فقالوا:يا أمير المؤمنين فما تصنع بما قد أخبرنا به في المصحف ؟ قال:سئل عن ذلك علماء آل محمد . ولا يخفى صراحته في ذلك. وأمّا ماذكره جماعة من المتأخرين زيادة على ذلك من اشتراط مراعاة العلوم المنطقية وأمثالها من العلوم التي لم تخرج من هذا البيت فهو من الإختراعات العامية،فليس المدار إلا على ماشرطناه،وتلك الدعوى يكذبها مراجعة شرائط الأخبار واللّه العالم. المقام الثالث:إنه مع وجود ذلك الفقيه المستجمع لتلك الشرائط،لايجوز لغيره ممن انحط عن رتبته تولي شيء من الأمور الحسبية،فضلاً عن الحكم والفتوى،وإن تلبس بلباس العدالة والتقوى،وأمّا مع فقده فقد صرح جملة بجواز توليته لبعض الأمور الحسبية. أمّا الحكم والفتوى فقد نقل جماعة منهم الإجماع على أنه لايجوز تولي ذلك إلا لمن بلغ تلك الرتبة القصوى. وممن نقل هذا الإجماع المذكور المحدث ملا محسن الكاشا ني في كتاب المفاتيح في بحث القضاء. والفاضل المحقق ملا محمد صالح المازندراني في شرح الأصول حيث قال في شرح قوله : (نظر في حلالنا،وحرامنا:) وهذا هو المعبر عنه بالجامع لشرائط الفتوى،والحكومة بين الناس،ولايجوز لمن نزل عن مرتبته تصدي الحكومة،وان أطلع على فتوى الفقهاء بلا خلاف عند أصحابنا. ومثلهما الشهيد >نور اللّه مرقده< في قواعده حيث قال :يجوز للآحاد مع تعذر الحكام تولية آحاد التصرفات الحكمية على الأصح،وساق الكلام الى ان قال:غير ما يتعلق بالدعاوى.انتهى. وقال المحقق المدقق الشيخ علي بن عبد العالي >نور اللّه مقامه العالي< في حاشية الشرايع:لا كلام في ان غير المتصف بالأوصاف المذكورة التي من جملتها الاجتهاد،لايجوز له الفتوى بحيث يسند الفتوى الى نفسه. وممن بالغ في ذلك غاية المبالغة حتى حكم بضمان من يتولى الحكم من هؤلاء القاصرين عن تلك الرتبة للأموال والدماء الفاضل المحقق محمد بن علي بن أبي جمهور الاحسائي >قدس اللّه سره < في كتاب قبس الإهتداء في آداب الافتاء،ونقله عن شيخيه الجليلين الشيخ عبد الكريم الغتَّال النجفي والشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري،ومثل هؤلاء قد سلك شيخنا الشهيد الثاني كما في رسالته التي وضعها في المنع من تقليد الميت. وبالجملة إن كثيراً من فقهائنا المتأخرين قد نقلوا ذلك الإجماع،فظهر ان اتفاق هؤلاء الأجلاء كالبرهان على ذلك. إلا أني قد وقفت على كلام لجملة من الفحول يشعر بالخلاف في ذلك،وجواز تولية غير الفقيه عند فقد الفقيه لمثل القضاء والفتوى. فقد نقل جدي العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني >طيب اللّه مضجعه< في كتاب الفوائد النجفية عن الشيخ الصالح حسين بن الشيخ مفلح الصيمري اختيار الجواز في رسالة عملها في المسألة،وقد نقل فيها ذلك عن الشيخ حسين بن منصور صاحب الحاوي فإنه قال:لو لم يوجد جامع الشرائط،جاز نصب فاقد بعضها مع عدالته للحاجه اليه.انتهى. ونقل ايضاً في الرسالة المذكورة عن محرر العامة من كتب الشافعية. ونقل بعض مشايخنا انه وجد على ظهر بعض الكتب بخط بعض الفضلاء ماهذه صورته: صورة مانقل من خط الشيخ علي بن هلال جواب الشيخ علي بن قاسم هكذا:(إنه هل للعدل الإمامي،وان لم يكن متصفاً بشرائط الإجتهاد الحكم بين الناس،ويجب العمل بما يقوله من صحة وأبطال في حال الغيبة،وعدم المجتهد أم لا؟ الجواب:نعم الأمر كذلك له تنفيذ الأحكام،وقد نسب هذا المذهب للشيخ أحمد بن فهد وقد نقله عنه أيضاً المولى المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد). وآنت خبير بأن المنقول عن الشيخ علي بن هلال فيما تقدم من كلام ابن أبي جمهور الاحسائي ،فإن الشيخ المذكور من مشايخه مع احتمال فتواه بالقولين بإعتبار وقتين. وكيف كان فالظاهر ماعليه المعظم من الأصحاب،فإنه هو المعتمد في هذا الباب، وليس الإخلاد في ذلك الى الإجماع بل الى السنة والكتاب. فمن تلك الأخبار تلك المقبولة،وروايتا أبي خديجة،ومرسلة الفقيه التي فيها:اللّهم ارحم خلفائي،والتوقيع اليعقوبي المروي في الإكمال،وما ورد في الكافي عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال:قال أمير المؤمنين علي لشريح:يا شريح قد جلست مجلساً لايجلسه إلا نبي أو وصي نبي،أوشقي. وخبر سليمان بن خالد المروي فيه،وفي التهذيب عن أبي عبد اللّه >عليه السّلام< قال:اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي. وهي كما ترى نص فيما ذهب اليه المعظم لقضية الحصر في ذلك،ولايلزم منه قصرها على المعصوم بمقتضى الحصر،لدخول الفقيه المستجمع لشرائط تلك الرتبة في الصنف الثاني من المحصور فيه ـ أعني وصي نبي لما تقدم في مرسلة النهاية الشاهدة باثبات الخلافة لهم حيث سئل: من خلفاؤك ؟ قال:الذين ياتون بعدي يروون حديثي وسنتي،ولما رواه ابن أبي جمهور الاحسائي في كتابه غوالي اللآليء عنه>صلى اللّه عليه وآله وسلّم< قال:إذا رأيتم العالم العامل بعلمه فقولوا له:مرحباً بوصي رسول اللّه>صلى اللّه عليه وآله وسلّم<. وهي كما ترى نص في إثبات الوصاية له،ويؤيده ماثبت في تلك المقبولة من ان الراد عليهم كالراد على الأئمه المعصومين. وفي صحيحة أبي بصير المروية في المحاسن قال:قلت لأبي عبد اللّه >عليه السّلام<:أرأيت الراد على هذا الأمر كالراد عليكم؟ فقال:يا أبا محمد من ردّ عليك هذا فهو كالراد على رسول اللّه >صلى اللّه عليه وآله وسلّم<. وبالجملة أن ثبوت الوصاية والنيابة لذلك الفقيه مما لايحوم حوله شك ولا ارتياب فثبت وجه الحصر فيه. إذا تقرر هذا كله ظهر لك أن هذا المنصب الجليل والدخول في زمرة (علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل) قد سهل في هذه الأوقات والأحيان،حتى أنه صار أيسر مما تقدمه من الأزمان كأوائل الغيبة الكبرى،وزمان انقطاع السفراء. فالفقيه في هذه الأعصار متمكن من الإطلاع على أضعاف ماكان مطلعاً عليه كل واحد من المحدثين في تلك الأزمان. وكفاك شاهداً ماقيل أن الكليني لم يتفق له تأليف جامعه الكافي إلا في مدة عشرين سنة،فإن علماءنا المتقدمين وفضلاءنا المتأخرين قد كفونا مؤونة أكثر المقدمات،فجمعوا لنا الأخبار من كل الجهات، وألفوها بعد تفرق وشتات ،وبذلوا جهدهم في تحقيق أحوالها،وصرفوا كدهم في البحث عن رجالها ورواتها،وشعبوا طرق الإستدلال في إنتاجها،وبينوا وجوه الجمع في استخراجها،فلم يبقَ لنا على ماقيل إلا الإطلاع على ماقرروه ،والفكر فيما ألفوه وحرروه،ومع هذا تقاعد الناس عن هذا الشأن،وعكفوا على خراب ذلك البيان،وعزفت نفوسهم عن تلك المراتب،وتقاعدوا عن الظفر بتلك المناصب،فإنتهى الأمر الى انسداد باب الصراط المصطفوي وقطع ذلك الطريق المرتضوي،فأنت إذا فتشت عن الفقيه في هذه الأعصار رأيته مقلداً لا لمّ له بالأخبار،فلا تسمع منه إلا قال فلان وقال فلان،من غير استمساك بحجة ولا برهان. قال شيخنا الشهيد الثاني >قدس اللّه روحه وتابع فتوحه< في رسالة المنع من تقليد الميت بعد أن بالغ في تسهيل امر الاجتهاد،مشنعاً على من قال بجواز تقليد الموتى من علماء العباد : أن الذي أوجب لمعتقدي جواز ذلك هذه الحيرة،ونزول هذه البلية ، وهو تقاعدهم عن تحصيل الحق وفتور عزيمتهم وانحطاط نفوسهم عن الغيرة على أصول الدين،وتحصيل مدارك اليقين،حتى آل الحال الى ان انتقض هذا البناء المبني،وانسد هذا الطريق النبوي،واندرست معالم هذا الشأن بين أهل الإيمان،وصار كل من قرأ الشرايع،أو بعضها،أو مازاد عليها في زماننا يتصدر ويفتي الناس في الأحكام والأموال والفروج والمواريث والدماء،ولايعلم أن ذلك غير معروف في مذهبنا،ولايذهب إليه أحد من علمائنا. ثم قال بعد كلام طويناه:وما أقعدهم عن ذلك إلا ضعفهم واعتقادهم أنه لا يتحقق المجتهد إلا إذا كان مثل العلامة والشيخ نجم الدين والشهيد >رحمهم اللّه تعالى< ومن ضارعهم،ولم يدروا أنه على مراتب لاتتناهى. ثم قال:أين القلوب المستنطقة والألباب المتهيئة ،والنفوس المتوجهة؟لتنوح على هذه المصيبة،وتكثر العويل على هذه الرواية التي لايلحظها إلا المتقون،فإنا لله وإنا اليه راجعون. فمن هنا اندرست الشريعة وإن ما أوجب هذه البلوى قلة التقوى،فكيف لا تتوجه المؤاخذة،ونستحق نزول هذه البلية إن لم يتداركنا اللّه بفضله ورحمته. وأعظم من هذا محنة مايتداوله كثير من أهل العلم حيث يصرفون عمرهم ويقضون دهرهم على تحصيل علوم الحكمة والمنطق والفلسفة وغيرها مما يحرم لذاته،أو لمنافاته الواجب على وجه لو صرفوا منه جزءاً على تحصيل العلم الذي يسألهم اللّه عنه سؤالاً حثيثاً لحصول مايجب عليهم من علم الدين،وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً،وقد عظم الخطب جماعة على الضد مما اعتبرناه،فجعلوه في هذه الأزمان كالصعود الى السماء،أو كنقط المصحف للأعمى، وهو وهم فاسد،وخيال كاسد منشؤه عدم المعاشرة لأهل الكمال والتقاعد عن المراجعة لطرق الاستدلال،وقلة الممارسة لمدارك الأحكام ، وعدم الوقوف على ماقرر في شرايع الإسلام،وعدم الظفر الوافي من الوسائل الشرعية،وعدم استخراج تلك الدرر من بحار علومهم الإلهية. قال شيخنا العلامة أبو الحسن سليمان بن عبد اللّه البحراني في كتاب العشرة الكاملة بعد نقل القولين المذكورين : والإنصاف أن القولين على طرفي نقيض في الإفراط والتفريط،وإن الاجتهاد المطلق نادر الوقوع قليل التحقق يحتاج تحصيله الى استغراق أكثر العمر غالباً في الطلب،وليس هو من السهولة التي ذكرها الشهيد الثاني في شيء،والتعليق بأن السلف كفونا مؤنته ضعيف فإنهم مختلفون في الفتوى جداً بحسب اختلاف أفهامهم وأنظارهم. ومع هذا فهم غير منكوري الفضل على من تأخر عنهم،فقد قربوا البعيد ويسروا القريب وجمعوا الشتات وألفوا الروايات>شكر اللّه سعيهم،ووالى من حياض شراب الكوثر سقيهم<. وأمّا التجزي فهو كثير الأفراد منتشرالأعداد،وهو على مراتب غير متناهية ـ كما أشار إليه شيخنا الشهيد الثاني ـ متفاوت في القرب من المطلق والبعد منه على قدر تفاوت القوى الإستدلالية شدّة وضعفاً وزيادة انتهى كلامه علت في الفردوس أقدامه. وعندي أن كلام هذا الفاضل الجليل،وماجنح إليه من التفصيل متجه بالنسبة الى ماقرروه من الاجتهاد،وخليق فيما اعتبروه من القواعد الخارجة عن كلام ائمتنا الأمجاد إخلاداً الى شبهات العامة،وغفلة عما يترتب عليهامن المفاسد والطاعة. وإلا فعلى ماحققنا فيما تقدّم من حال ذلك الفقيه،وماذكرنا من الشرائط،الذي يدركها من الأخبار العالم النبيه،وهو أن النائب عنهم >عليهم السّلام< من روى أخبارهم،واقتص آثارهم،ورجّع الآيات القرآنيه تفسيراً وتأويلاً الى تلك الأخبار، ولم يصغ سمعه الى قول مفسر أخذ بالإعتبار،ورد المتشابه الى المحكم،والمجمل الى المبين،والعام الى الخاص،والناسخ الى المنسوخ،ونحو ذلك من الإحاطة بطرق الجمع. وبالجملة أنّه هو الذي لاتعلق لنظره بسوى مايتعلق بالأخبار،حيث جعلها العماد في أحكامه والمدار. وعلى هذا فالأمر سهل بعد وجود تلك الأصول التي عليها مدارهم في هذه الأعصار كالكافي ومن لايحضره الفقيه،والتهذيب،والاستبصار،والوافي،والوسائل العاملية،والبحار. فإنهم >شكر اللّه سعيهم< فيما جمعوا وألفوا وقرّظوا مسامع من كان بعدهم ، وشنفوا قد سهلت بهم الطريق،وبهم خرجوا من ذلك المضيق. وبالجملة فالتفقه في زماننا لمن أدركته العناية الإلهية وانبجست عليه تلك الأنوار القدسية سهل المأخذ والتفاؤل إلا لمن حجبته ذنوبه وغالته دون ذلك الغوائل،فكم رجل له ربط بالأخبار جيد الفهم فيها وإن لم يكن له ذلك الفضل،ولاقوة مجادلة تلك الأفاضل،بل كثيراً مايفهم الانسان حكم المسألة من أدلتها،وإن لم يتمكن من إثباته لو جادله خصمه،وذلك باهتدائه الى الحق من ربه حيث توجه الى تحصيله بقصد القربة إليه سبحانه لالغرض من الاغراض الباطلة،ولغاية من تلك الغايات العاطلة. وفي المستفيض عنهم >عليهم السلام<،ليس العلم بكثرة التعلم،وإنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يريد،وعند تنشق تلك الملكة المشار إليها وهي العمدة في تلك الرتبة التي اعتمدنا عليها. وأما المجتهد المطلق الذي ذكروه فمن الظاهر عند ذوي الأذهان أنه لاوجود له في الأعيان، وذلك لما علم من السنة والقرآن،أنه ما من واقعة إلا وفيها خطاب شرعي،ولا قضية إلا وفيها حكم قطعي،وإن كثيراً من ذلك بقي في زوايا الخفاء عند أهل العباء،لسنا مكلفين به حتى ينتهي إلينا خطابها،وينفتح إلينا بابها. نسأل اللّه تعالى أن يسهل لنا تلك المطالب،وأن يزيل عنا ذلك المانع والحاجب. وأنت اذا لاحظت هذه المقامات الثلاثة انكشف لك المطلوب من السؤال،وتبين لك حقيقة الأمر والحال،وهو أن هذه الرتبة لاتجوز لمن أخذ علومه بطريق التقليد،ولم يسلك ذلك المنهج السديد،سواء كان تقليده للأخباريين أو المجتهدين،لانحطاطه عن تلك الرتبة،وحصول اليقين،واعتماده على الظنون والتخمين،ولاينفعه اعتماده على مؤلفات الأخبار،ككتب الكاشي،ومجموعات فاضل البحار بعد خلوه عن تلك الملكة التي عليها المدار في الإيراد والإصدار،فاعتمد ماقلناه في ذلك من التحقيق،وتجافَ عن سلوك ذلك الطريق،فليس للعوام سوى تقليد ذلك الإمام سواء كانت مشافهة أو بوسائط من الثقات والاعلام. بقي هنا شيء وهو أنه لما ثبت أن المرجع في الأحكام هو ذلك الفقيه لاغير فلا بد من طريق توصل الى استعلامه بحيث ترجع إليه أرباب التقليد فنقول: أن تلك الطريق أما المعاشرة التامة ممن كان مثله في العلم والعمل،أو بشهادة عدلية بذلك أو عرض فتاواه مع فتاوى من تكون له تلك القوة القدسية والملكة العلمية أو عمل أهل العلم بأقواله وفتاويه،وركون العارفين من أهل العدالة إلى أوامره ونواهيه. وأما ما ذكره بعض الأصحاب تبعاً لمجتهدي بعض النصاب من الإكتفاء برؤيته متصدراً ناصباً نفسه للفتوى أو الحكم وإقبال الناس عليه فلا يخفى مافيه من عظم المحنة،والأمر الأكبر والفتنة سيما في هذا الزمان الأغبر،الذي عزّ فيه الورع والتقوى،حتى صار كالكبريت الأحمر. قال بعض متأخري أصحابنا،ونعم ماقال،بعد أن ذكر ماذكرناه : ولاعبرة باجماع العوام عليه بسؤالهم له فإن مدارهم الاعتماد على الأمور الظاهرية،من ذلاقة اللسان،وعظم الجسمان،وإقبال السلطان،وكونه ابن فلان،وأخا فلان، وغير ذلك من الأسباب،والاعتبارات الدنيوية،وعسى لايعتقد عامي في عالم ورع ساكت غير متجر على الفتاوى كونه عالما اصلاً،ويجزم بكون رجل جاهل مدع للعلم مفت بكل مايسأل عنه أنّه أعلم أهل زمانه، خصوصاً إن انضم إليه رجحان من الجهات الدنيوية،وذلك ظاهر ومشاهد في كل الأزمنة وجميع الأمكنة.انتهى كلامه. وقال شيخنا الأعظم في كتاب الدرر النجفية:لقد تقاعدت الهمم في هذا الزمان عن نصرة الدين المبين،والسعي في إحياء سنة سيد المرسلين،وتحصيل الأحكام على الوجه الذي ذكرناه في هذا المقام أو ذكره من تقدمنا من الأعلام،وقنعوا بما قنعت به منهم الجهال في هذا المجال،فتصدوا لهذا المنصب النبوي،فاكثروا من الفتيا في الأحكام ،وخبطوا خبط عشواء في موارد الحلال والحرام،من غير معرفة لهم في ذلك بدليل،ولاوقوف على نهج السبيل،وتصدر للحكومة بين الناس من لم يبنِ في ذلك على أصل ولا أساس. (أفأمن الذين مكروا السيآت أن يخسف اللّه بهم الأرض،أو يأتيهم العذاب من حيث لايشعرون)،فصاروا إذا أوردت على أحدهم القضية،هيأ لها حشواً من المقال،واردف الجواب عاجلاً بالسؤال من غير معرفة بصواب او ضلال،والمتورع منهم الفاضل بزعمه بين العباد،إذا أوردت عليه مسألة هيأ لها شرح اللمعة،أو المسالك،أو أحد شروح الارشاد،واعتمد الجواب منها ، من غير علم بابتنائه على صحة أو فساد، (ءاللّه أذن لكم،أم على اللّه تفترون؟) هذا مع أن أصحاب تلك الكتب متفقون على المنع من تقليد الأموات كما صرحوا به في كتبهم الأصولية والفروعية من مختصرات ومطولات. ثم ذكر كلاماً طويلاً،ثم قال:ولاتجد ذلك أكثر منه في بلاد العجم التي قد آل أمرها الى الإضمحلال والعدم،ومن أعظم البلاء الذي أوجب لها الانعدام بناء شريعتهم،ودينهم على من نصبه حاكم الجور من قاض،وشيخ اسلام،وجعل بيده أزمة الحلال والحرام،جرياً على طريقة العوام مع ماشاع وملأ الأصقاع والأسماع من تكالب جلّهم على أخذ الرشاء في الأحكام مضافاً إليه من الجهل الذي لايخفى على سائر الأنام،والحامل لهم حب الرياسة الذي هو رأس كل خطيئة، ومفتاح كل رزية وبلية،والطمع في زخارف هذه الدنيا الدنية،وقد أصبحوا تضج منهم الأموال،والفروج،والدماء،وتشكو منهم الشريعة الى بارئ الأرض والسماء. ومع هذا ترى الجهال عاكفين عليهم عكوفاً،وواقفين حولهم وبين أيديهم صفوفاً،مع أنه لو عزل أحدهم عن هذا المنصب المشوم،بل كان قبل نصبه فيه كما هو ظاهر معلوم،لم ترَ له ذكرا ًبين الأنام،ولم تعثر بمن يقلده في أظهر الظواهر من الأحكام،فيا ويلهم كأنه لم تقرع أسماعهم تلك التقريعات القرآنية،والإنذارات المعصومية،ولم تعِ أفهامهم تلك التحذيرات القاصمة للظهور،بل أنّها لاتعمي الأبصار،ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.انتهى كلامه. وهو كلام في غاية الظهور،حقيق بأن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور،ولا بالحبر على اوراق السطور. ولعل السر في انتزاع ذلك اللطف من بين أظهرهم،وخفاء ذلك النور من بين ديجورهم هو شيوع المعاصي والفسوق،وتضييع الواجبات والحقوق،وتصديق لما وعد به الحكيم في بيان أوصافها،أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها. وقد روى ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن دواد بن فرقد قال:قال أبو عبد اللّه >عليه السّلام<:إن أبي كان يقول:إن اللّه لايقبض العلم بعدما يهبطه،ولكن يموت العلماء فتليهم الجفاة فيضُلُّون ويُضلّون. وروى العامة في أصحتهم بطرق مستفيضة،عن النبي>صلى اللّه عليه وآله وسلّم<أنّه قال:إن اللّه لايقبض العلم انتزاعاً،ولكن يقبض العلماء،حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً،فأفتوا الناس من غير علم فضلوا وأضلوا. فالحمد لله على ظهور الحق المبين والتباعد عن جوار أهل الظنون والتخمين،فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين،واعبد ربك حتى يأتيك اليقين،والحمدلله رب العالمين،والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.



طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 6341  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 شرب عصير العنب المعلب

 سؤال عن معنى الوقف وانواعه وموارد الغائه وبيعه

 بسيط الحقيقة كلّ الأشياء

 حكم اعتكاف افراد اللجنة المشرفة على المعتكفين

 قص الشعر عند غير المسلمة

 حدود غزل الزوج للزوجة

 تمكيج الشابة قبل الزواج

 مشكلة تقصير المسلمين في الايمان بمبدأ الامامة

 حكم الاستنساخ البشري

 نزول شيء الى جوف الصائم

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 11007595

 • التاريخ : 22/11/2019 - 15:32