اشكالية قداسة النص 

( القسم : الثقافة العامة )

السؤال :

يقول الكاتب حسين أحمد البزبوز ضمن مقال له بعنوان "إشكالية قداسة النص ... رحلة بين ابن خلدون و الإمام الصادق" :
لبيان أثر التقديس الديني في جعل النص عصيا على النقد مطوعا لملكة
العقل لتمرير بعض المغالطات ، أورد هنا نصا دينيا مقدسا مقتبسا من كتاب (من أمالي الإمام الصادق -ع- ) والذي نسبت فيه نصوص علمية لشخص الإمام المعصوم (ع) ، أملاها على تلميذه المفضل بن عمر الجعفي كما هو مقتضى رواية الأمالي ، يقول النص محل النقد :" قال المفضل فقلت : أخبرني يا مولاي عن التنين و السحاب .
فقال (عليه
السلام) : إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه كما يختطف حجر المغناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب و لا يخرج إلا في القيظ مرة إذا صحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة .
قلت : فلم وكل السحاب بالتنين يرصده و
يختطفه إذا وجده .
قال : ليدفع عن الناس مضرته"(12
)
فهذا النص كفيل
بإرباك العقل الديني المعاصر و إيقاعه في المغالطات و التبريرات الواهية ، إذ هو نص مقدس بحكم نسبته الى الإمام ، فلامناص إذا من البحث عن تبريرات تسكت اضطرابات الروح و النفس المتلقية لهذا النص المناقض لأبسط الحقائق العلمية العصرية ، وهذا هو ما انتهى إليه الشيخ "محمد الخليلي" شارح كتاب الأمالي في رحلة قال في مطلعها عند تطرقه لشرح هذا المقطع من نص الأمالي : "أقول : أنا لم نشاهد و لم نقرأ ولم نسمع بان سحابا اختطف يوما ما تنينا أو حيوانا آخر غيره اختطاف المغناطيس للحديد ، و لكن الإمام عليه السلام قال ذلك وهو لا ينطق جزافا ولا يتكلم ( وحاشاه ) عبثا . على أننا نستشعر من قوله عليه السلام (كالموكل به ) ولم يقل ( موكل به ) انه قد شبهه ولم يكن الاختطاف حقيقة ، بل ان هذا الحيوان العظيم الضرر و الذي تخافه و تخشاه أكثر حيوانات البر و البحر بل و حتى الإنسان لما أراد الله تعالى رفع ضرره عن الإنسان و الحيوان ، أدخل في مخيلته أن السحاب يختطفه إذا خرج فهو لم يزل يخاف الغيم في السماء فلا يخرج إلا في القيظ عندما يأمن من وجود غيمة في السماء وذلك لتعود الحيوانات لطلب رزقها عند اختفائه بكل طمأنينة و هدو .فإذا عرفت خروجه تراجعت إلى مكانها آمنة من شره . هذا ما أمكننا توجيه هذه العبارة به ."(13) ، ثم بدأ الكاتب بعد ذلك رحلة بحث و تأمل طويلة كما يبدوا لا يتسع المجال هنا للإستفاضة فيها لكنني أوجزها بما يفي بالغرض.

يقول الشيخ محمد الخليلي : " وأخيرا وأنا اكتب
هذه الأسطر ... عثرت على كتاب فارسي باسم (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ) ... وإذا به يقول ما ترجمته : التنين حيوان هائل مهيب الشكل كبير الجسم ... ، ويكثر في الهند و النوبة ، وهو يبتلع كلما يصادف من الحيوانات ... وقيل أنه ظهر في سنة 724 هجرية تنين هائل عظيم في ( عسيران ) من أعمال حلب ... و أخيرا أرسل الله عليه سحابة حملته في الهواء ... وهذا من العجائب (انتهى). "(14)

ثم تستمر رحلة البحث
عند الخليلي عبر المعاجم حيث تجد الشيخ يقول "وقد ذكرته معاجم الحيوانات فقالوا : التنين حيوان من الزواحف و ضرب من الحيات البحرية كأكبر ما يكون من الأسماك ، وقيل انه طويل كالنخلة السحوق له يدان قصيرتان و رجلان طويلتان وعينان حمراوان كالدم براقتان ...." (15)، هكذا تستمر الرحلة الى أن تصل بالشيخ في النهاية الى نقطة يتم عندها كشف شيء من الحقيقة التي غابت عن الكاتب كثيرا لكن الحظ حالفه هذه المرة فأنقذه من التيه في بعض الممرات الضيقة في هذا النص المقدس و التي كان من الممكن أن تخنق تفكير الخليلي لأخر العمر ، يقول الشيخ : " وقد أكثر القدماء في وصفه وتهويله وتعظيمه . وأخيرا و أنا أتصفح دائرة المعارف للبستاني إذ عثرت على ( التنين ) في بحث الزوبعة البحرية إذ يقول : الزوبعة البحرية أو ( التنين ) تشغل من سطح الأرض مسافة مستديرة فتضطرب المياه و تغور كأن كتلة منها تحاول الارتفاع في الهواء على هيئة هرم مقطوع ، و يحصل على سطح البحر اضطراب مخصوص حينما يكون الجزء المقابل له من السماء ، غمامة شكلها مخروطي مقلوب و الغالب حصول الأمرين معا في وقت واحد ..."(16) ، ويستمر الخليلي في سرد المعلومات التي عثر عليها بخصوص الزوبعة البحرية أو التنين الى أن يختم شرحه بالمقطع التالي : " هكذا عثرت عليه في دائرة معارف البستاني فاطمأن خاطري إذ لم يكن فكري يهضم تلك الأقوال المتقدمة و انه حيوان يجري له الصفات المذكورة و إن الغيمة تجذبه ، و تحققت أيضا أن المفضل لم يسأل الإمام عليه السلام عن التنين باعتبار أنه حيوان و إنما سأله عن هذه الظاهرة العجيبة و لم يكن في جواب الإمام عليه السلام ما يدل على أنه حيوان و لو تأملنا الجواب لرأيناه دالا على نفس هذه الزوبعة البحرية ...."(17) ، و تنتهي رحلة المعاناة هنا بمحاولات مستميتة للتوفيق بين النص التراثي المقدس و حقائق العلوم العصرية ليكون ذلك شاهدا باقيا لنا في هذا العصر على مدى صعوبة دراسة ونقد النص و الموروث عندما تضاف إليه صفة القداسة.

إن محاولات تبرير النص المنسوب الى الإمام الصادق (ع) لا ترقى
عند الخليلي طبعا لمستوى الموضوعية حيث تجاهل الخليلي في خاتمة بحثه أن نص الأمالي يشير الى الزوبعة بالقول "فهو لا يطلع رأسه خوفا من السحاب"(18) ومعلوم أن الخوف لا يكون إلا في الكائن الحي ... إلا أن تذهب بنا محاولات التبرير و التأويل مذهبا بعيدا عن المنطقية و الواقعية.

ومن الطريف أيضا أنك عندما تعود لمقدمة كتاب
الأمالي تجدها تنتهي عند العنوان التالي "أتوحيد المفضل أم توحيد الجاحظ ..؟"(19) ، ثم يقول الكاتب : "هذا عنوان مقال لأحد الأساتذة الشهيرين نشر في مجلة الوحدة الإسلامية النجفية يستبعد فيه نسبة كتاب توحيد المفضل الى الإمام الصادق (ع) إملاء على المفضل ثم يقر بنسبته الى الجاحظ ، مستدلا على ذلك بأمور لم نكن لنتصور صدورها عن مثل هذا المحقق البحاثة الذي كنا نعرفه بالتتبع و التدقيق ، و لكن (الجواد) قد يكبوا ، و إليك ملخص أدلته : ... "(20) ثم يستمر الخليلي مدافعا عن نسبة الكتاب الى الإمام الصادق (ع) ، وليته لم يفعل أو ليته عدل عن رأيه هذا عندما وقع في نفسه الاضطراب بسبب نسبته هذا النص (التنين و السحاب) الى الإمام المعصوم رغم ما في النص من خطأ علمي واضح.

إن وقوفنا على ما سبق و دراستنا للعوامل السالفة المحيطة
بالنص و المؤثرة فيه نقلا و استيعابا يدفعنا باتجاه التنبيه لخطر مهم يسهم في تزييف الوعي و ترويج الخرافة و حجب كثير من الحقائق المتوارية خلف النص ، ذلك الخطر هو النظرة القداسية للنص التي تجعلنا مجبرين على الوقوع في خندق الدفاع المستميت عن بعض النصوص الدينية المخالفة للعقل ، حتى عندما تكون هويتها الدينية زائفة أو مطعون فيها .
إن النظرة القداسية للنص تسهم في تحجيم دور العقل و تقمع النقد وتفرز
نتائج سلبية عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر :
-
القراءة السطحية للنص
و محاولة تفسيره بعبارات لا تتجاوز في كثير من الأحيان شكل النص و ظواهره و لا تعدوا كونها تكرارا للنص لكن في قوالب لغوية جديدة.
-
عدم الإحاطة الكلية
بجملة من الآراء المخالفة التي قد تنبثق من قراءة الأخر المخالف التي تنجم من طبيعة النص و قابليته لتعدد القراءات ، وهذا القصور في الإحاطة يمكن أن ينجم عنه اصطدام مع الأخر و عدم قدرة على فهم تفسيراته و آرائه.
-
خلق هالة من التقديس
الوهمي و الزائف حول بعض النصوص التراثية المنسوبة للدين ، بحيث تتعاظم هذه الهالة الدينية مع الوقت بفعل الإضافة المستمرة لمزيد من الشروح و الإيضاحات و التعليقات المؤكدة لعظمة النص و قوته و إعجازه ، ثم ينجم عنها في النهاية ، عند كشف الحقيقة ، انهيار مدوي لتلك الهالة المتضخمة و قد ينجم عن ذلك الانهيار زلزلة المعتقد من جذوره بمبرر أو بدون مبرر.
-
ترويج و ترسيخ عقائد و أفكار و مبادئ باطلة و
هدامة تعمل على شل عقل الأمة و تفكيرها وتسهم في خلق ممارسات عملية خاطئة تسهم في تدمير كيان الأمة و تبعدها عن الوصول الى صناعة كيان حضاري إنساني يرقى لمستوى التقدير و الاحترام .


الجواب : بسمه تعالى
غاب عن محرر اسطر هذا المقال ان تأويل النص خير من اطراحه والاعراض عنه مع توفر قراائن على الصدور والوثاقة والاعتماد
كما ان التأويل الصحيح الذي تندفع به الشبهة ويلتأم به شمل النص يعد شهادة على دور العقل الايجابي في حفظ قداسة النص الشرعي اوالدفاع عن النص المأثور عن قادة الفكر الاسلامي وائمة الهدى من اهل البيت عليهم السلام
يضاف الى ذلك احتمال التصحيف بسبب وعورة النص وتفوق معانيه على مدارك عقول لرواة والنساخ فيقع


طباعة   ||   أخبر صديقك عن الإستفتاء   ||   القرّاء : 6011  

ركن مسائل التقليد

 

ركن مسائل العقائد

 

ركن الاستفتاءات الفقهية

 

ركن مسائل الأخلاق والسلوك

 

ركن الاستخارة وتفسير الأحلام

 

ركن مسائل شؤون الحوزة العلمية

 

ركن مسائل الثقافة و الفكر

 

ركن المسائل الطبية الفقهية

 

ركن مسائل العلوم والتاريخ

 

ركن مسائل الحكومة والدولة في الإسلام

 

ركن مسائل التفسير

 

ركن المسائل السياسية

 

ركن مسائل علوم القرآن

 

ركن مسائل علوم الحديث

 

ركن مسائل الفلك والاسلام

 

ركن مسائل ليلة القدر

 

ركن المدرسة الأخبارية

 

جديد الإستفتاءات :



 كيفية تحقق الجنابة للمرأة

 زيارة الائمة عن بعد

 تبادل المشاعر بين الأقرباء والأصدقاء

 الغسل الترتيبي في بركة يقع فيها ماء الغسل

 الاستحمام قبل غسل الحيض

 تفسير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي

 تكليف المرأة بعد الولادة

 شرب حلب ثدي الزوجة عند المداعبة

 زواج رجل بامرأة بدون علم أهله

 استثمار اموال الشعائر في اكتتابات

 

إستفتاءات منوعة :



 ما هي النيات الخاصة بالمعتكفين

 اهمال الفتاة للصلاة بعد سن التكليف

 وجوب كفارة تأخير القضاءعن عام الفوات

 اخذ الأعضاء من الميت وزراعتها في الحي

 استخدام الطاس في المواكب العزائية

 اشتراط اذن الزوج لصوم الزوجة

 اثر الخطاب الديني في النهضة الحضارية

 مواضع حف الشهر الجائزة في وجه المرأة

 رؤية ابي الفضل العباس في اليقضة

 اسباب انتشار ظاهرة عبدة الشيطان بين الشباب

 

أرشيف الإستفتاءات

 

أرسل إستفتاء

 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام الرئيسية : 17

 • عدد الأقسام الفرعية : 92

 • عدد الإستفتاءات : 1465

 • تصفحات الإستفتاءات : 11006533

 • التاريخ : 22/11/2019 - 09:11