ماورد عن تاريخ البحرين

 • الصفحة الرئيسية للقسم
 • ماورد من مقالات (3)
 • ماورد من دراسات (1)
 

تراجم علماء البحرين

 • الصفحة الرئيسية للقسم
 • - باب ما أوله الهمزة (1)
 • - باب ما أوله الباء (0)
 • - باب ما أوله التاء (0)
 • - باب ما أوله الثاء (0)
 • - باب ما أوله الجيم (0)
 • - باب ما أوله الحاء (2)
 • - باب ما أوله الخاء (0)
 • - باب ما أوله الدال (0)
 • - باب ما أوله الذال (0)
 • - باب ما أوله الراء (0)
 • - باب ما أوله الزاي (0)
 • - باب ما أوله السين (2)
 • - باب ما أوله الشين (0)
 • - باب ما أوله الصاد (1)
 • - باب ما أوله الضاد (0)
 • - باب ما أوله الطاء (0)
 • - باب ما أوله الظاء (0)
 • - باب ما أوله العين (1)
 • - باب ما أوله الغين (0)
 • - باب ما أوله الفاء (0)
 • - باب ما أوله القاف (0)
 • - باب ما أوله الكاف (0)
 • - باب ما أوله اللام (0)
 • - باب ما أوله الميم (4)
 • - باب ما أوله النون (0)
 • - باب ما أوله الهاء (1)
 • - باب ما أوله الواو (0)
 • - باب ما أوله الياء (1)
 

الجديد :



 الشيخ صالح بن عبد الكريم الكرزكاني البحراني(قدس سره)

 معلومات لبعض المناطق الاثريه في البحرين

  الشيخ ميثم البحراني ـ اعداد / حوزة الهدى للدراسات الإسلامية

  الشيخ يوسف آل عصفور البحراني

 الشيخ مفلح الصيمري البحراني

 الشيخ عبد الله السماهيجي (قدس سره)

  السيد هاشم البحراني (قدس سره)

 الشيخ سليمان الماحوزي المعروف بالمحقق البحراني (قدس سره)

 الشيخ حسين بن الشيخ مفلح الصيمري البحراني

 الشيخ حسين آل عصفور ( قدس سره)

 

ملفات عشوائية :



 الشيخ سليمان المدني

 الشيخ مفلح الصيمري البحراني

  السيد هاشم البحراني (قدس سره)

 قراءة معاصرة في تاريخ البحرين

 الشيخ حسين بن الشيخ مفلح الصيمري البحراني

 الشيخ عبد الله السماهيجي (قدس سره)

  الشيخ ميثم البحراني ـ اعداد / حوزة الهدى للدراسات الإسلامية

 الشيخ ميثم البحراني ـ إعداد: الشيخ عمار تيسير.

  السيد ماجد بن السيد هاشم الجدحفصي

 الشيخ سليمان الماحوزي المعروف بالمحقق البحراني (قدس سره)

 

أرشيف المواضيع

 

إحصاءات الأقسام النصية :

 • الأقسام الرئيسية : 37

 • الأقسام الفرعية : 282

 • عدد المواضيع : 608

 • التصفحات : 4599412

 • التاريخ : 26/06/2017 - 11:46

 
  • القسم الرئيسي : ماورد عن تاريخ البحرين .

        • القسم الفرعي : ماورد من دراسات .

              • الموضوع : قراءة معاصرة في تاريخ البحرين .

قراءة معاصرة في تاريخ البحرين

 

 

قراءة معاصرة في تاريخ البحرين


المحاضر: د. منصور الجمري
المكان والتاريخ: الحسينية الاثنيعشرية، بني جمرة، 10 يناير 2002

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

البحرين اسم اطلق في الماضي على جغرافية غير الجغرافية الحالية. البحرين كانت تحتوي على أوال و الإحساء و القطيف و الساحل الممتد من عمان إلى البصرة. والبحرين على مر العصور كانت ممتدة من جزيرة قيس الواقعة على ساحل إيران حتى البصرة. و قيس (الموجود في اسم جزيرة قيس) هم قبيلة بني عبد القيس التي يرجع اليه نسب عدد غير قليل من أهل البحرين.

دعونا نفهم بعض التعقيدات الموجودة أيضا ما قبل فترة البحرين وهي فترة دلمون. ثم هناك فترة اختف فيها ذكر دلمون و هي مجهولة لنا للآن ثم ظهر اسم اقليم البحرين (الاقليم الممتد من ساحل عمان حتى البصرة والذي استمر كذلك حتى الغزو البرتغالي لجزيرة اوال في العام 1521م).

فترة دلمون هي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد يعني قبل خمسة آلاف سنة، و دلمون هي كانت جزء من أول حضارة عرفها الإنسان وهي الحضارة للسومرية.

السومريون في العراق(حضارة ما بين النهرين) هم أول من اخترع الكتابة(الكتابة المسمارية) و هم أول من بنى و أول من زرع و أول من نظم الحياة المدنية و أول حضارة يسجلها التاريخ لنا. و هذه الحضارة كانت من ضمن ملكهم منطقة تسمى أرض الخلود (دلمون) وكانوا يعتقدون بأنهم إذا ماتوا و دفنوا فيها فأنهم يعيشون إلى الأبد … تلك هي دلمون هي البحرين. فلذلك فنحن أيضا كنا في يوم من الأيام أساسا مقبرة وجنة على الارض تابعة إلى ملوك السومريين الذين كانوا يحكمون بلاد مابين النهلرين (العراق حاليا) .. أول حضارة عرفها الإنسان. فدلمون في حد ذاتها هي كلمة إله الخلود، أرض الخلود ، أرض الديمومة عندما يموت. فلذلك عندما تذهب إلى القبور في عالي و غيرها ترى أن بقايا هذه الأسطورة.

البحرين والعرب: العرب بدءوا بالنزول إلى منطقة البحرين الكبرى (ربما) في 1200 قبل الميلاد. بدأت القبائل العربية تأتي إلى البحرين و تستوطن البحرين، وسبب نزولها إلى البحرين هو حدوث الانهيار في سد مأرب باليمن (انهار عدة مرات).

وهذه – على الاقوى - كانت البداية . كانت هناك ثلاث قبائل نزحت إلى منطقة البحرين: قبيلة بكر بن وائل واستوطنت أوال وكان لها صنم اسمه أوال. وقبيلة تميم وقبيلة عبد القيس. وأكثر الحكام الذين حكموا البحرين كانوا ينتمون لقبيلة عبد القيس (ومن هؤلاء العيونيون وال عصفور و آل جبر).

عبد القيس هي القبيلة الأكبر وأكثر الحكام الذين حكموا البحرين الكبرى كلهم كانوا منها . فكانت قبيلة كبرى بحيث ان جزيرة قيس – لحد الآن- مستمد اسمها من هذه القبيلة وكانت تخضع لحكمهم .

وهذه القبائل وغيرها ممن لحق بها هم من كان يطلق عليهم "البحارنة". لكن البحارنة الموجودين حاليا ليس كلهم ينتمون إلى هذه الثلاث القبائل فمثلا اليوم لدينا السادة المنتمون لاهل البيت (ع) ويطلق عليهم ايضا بحارنة مع انهم جاءوا إلى البحرين بعد الرسالة الإسلامية بعد ان اضطهدوا في المدينة ومكة ولجأوا إلى البحرين واندمجوا فيها واصبحوا جنس متداخل مع البحارنة . و البحارنة أصلا هم قحطانيين بينما بني هاشم عدنانيين . فهناك عدد من الاندماجات التي دخلت تحت مسمى واحد. شعب البحرين كان دائما متنوع ومتداخل ويندمج مع بعضه الاخر، وكثرة اللهجات واختلاف الاشكال والالوان دليل على التنوع. وحتى لو رجعنا الى الفترة غير المعروفة بين انتهاء دلمون وظهور البحرين. فحكام الحضارة السومرية اصلا جاءو من وادى الاندوس، ومعنى ذلك انهم كانوا من المنطقة الواقعة في غرب الهند، اي باكستان حاليا. فلابد انهم ايضا اندمجوا مع العرب لاحقا.

قبل مجيء الإسلام كانت البحرين تحت سيطرة الدولة الايرانية الساسانية. و كانت الدولة الساسانية انتصرت على الدولة البيزنطية الرومانية و امتد نفوذها إلى فلسطين و اليمن و مصر (في اوج انتصاراتها). و البحرين كانت جزءاً من هذه الدولة الساسانية حتى مجيء الرسالة الإسلامية و قرار أهل البحرين بإعتناق الإسلام و هم أول من أسلم استجابة للرسول (ص) بطلب يتقدم به الاهالي انفسهم.

تدخل البحرين تحت حكم الرسول (ص) و ينتهي الحكم الساساني الإيراني من البحرين في العام 627م. الا ان الحكم الإيراني عاد إلى البحرين سنة 1602م حيث غاب الحكم الإيراني عن البحرين قرابة 1000 سنة تقريباً و من ثم عاد الحكم الايراني بشكل متقطع ومباشر احيانا وغير مباشر احيانا اخرى حتى العام 1783. و فترة الحكم الإيراني تستحق دراسة و بحثا خاصاً.

في حكم الدولة الأموية انحاز أهل البحرين للإمام علي (ع) و كانت البحرين تمثل مقراً و ملجأ للمعارضة و الثوار. و كان الثوار و الذين ينفصلون عن الدولة الأموية يأتون إلى البحرين كمقر لهم. و البحرين كانت تمثل أحد الاقاليم الواقعة على أطراف الدولة الإسلامية و هي لذلك بعيدة عن عاصمة الدولة الإسلامية حيث كانت في المدينة و من ثم في دمشق و من ثم في بغداد. والدولة المركزية لم تستطع دائما السيطرة على الاقاليم الواقعة على الاطراف، و لذلك كان الثوار دائماً يلجأون إليها. فالبحرين تعتبر من الدول التي لم تخضع دائماً للحكم المركزي في بغداد أو في دمشق، والحادثة التي يذكرها الشيخ يوسف البحراني أن عبد الملك بن مروان أراد أن يعاقب أهل البحرين لأنه كان يلجأ لديهم الثوار، فأعطى رشوة للفسّاق منهم ليخذلوا أهلهم و يعينوه، فاستولى على البحرين و دفن عين أم السجور بعد قمع اهل البحرين والثوار. فالقتال البحري صغب في تلك الفترة.

في ايام الدولة العباسية أصبحت البحرين معقل كثير من الثوار مثل الزنج و هم عبيد من أفريقيا جيء بهم إلى البصرة و كان الحكام يسيئون لهم كثيراً فأعلنوا الثورة على الحكم العباسي و دمروا و حرقوا و طاردوا ولاة الدولة العباسية و وصلوا إلى البحرين و حكموا البحرين الكبيرة لمدة 20 سنة (مابين عام 863 و 883 م). و منطقة الزنج هي بقايا تلك الفترة.

و من ثم جاء القرامطة و هم حركة اسماعيلية سرية ادعت التشيع وحكمت البحرين الكبرى 180 سنة (من عام 899م حتى عام 1080م) و انتهى حكم القرامطة عندما غزوا الكعبة و انتزعوا الحجر السود منها و أحضروه إلى منطقة الإحساء لنقل الكعبة إليها. و الثورة على القرامطة بدأت من جزيرة أوال فكانت هناك قبيلة تسمى الزجاج (الثائر ضدهم كان اسمه أبو البهلول وهو من هذه القبيلة). و لا بد من الانتباه إلى أن حكم القرامطة كان يدين بالولاء إلى الدولة الفاطمية في مصر حيث كانت دولة شيعية اسماعيلية. و القرامطة فرع من فروع الاسماعيلية فكانت الصلاة تقرأ و المساجد تفتح باسم الخليفة الفاطمي. في فترة الثورة على القرامطة، سيطرت عائلة عسكرية شيعية على الدولة العباسية و هم البويهيون. وعائلة آل بويه سيطرت على بغداد والدولة العباسية لمدة 120 سنة. ففي هذه الفترة أيضا قام أهل البحرين قام اهل الحرين بالانقلاب على الدولة القرمطية (التابعة من حيث الاسم للدولة الفاطمية بمصر) و أعلنوا الولاء إلى بغداد على أساس أن بغداد أيضاً كانت شيعية في تلك الفترة و رفعوا اسم الخليفة العباسي (الخليفة العباسي كان خاتم في يد أمير الأمراء من آل بويه)، ولذا بقت البحرين على الولاء السياسي لأهل البيت (ع). (ملاحظة: القرمطة هم الذين اسسوا مدينة الاحساء لتصبح عاصمتهم وذلك بعد ان دمروا العاصمة القديمة للبحرين الكبرى وتلك العاصمة كانت تسمى هجر).

في الفترة 1058م - 1238م أي لمدة 120 سنة حكمت البحرين الكبيرة عائلة من آل عبد القيس اسمهم "العيونيون" و كان مقرهم في الاحساء.

و جاء بعدهم من 1238م – 1453م (لمدة 215 سنة) عائلة آل عصفور. و هي عائلة كبيرة جداً و تسمى عائلة البحراني في العراق و حكموا البحرين الكبرى لمدة 215 سنة.

و البحرين الصغيرة اوال تعرضت لبعض الهجمات ثناء حكم ال عصفور في فترات متقطعة و هذه المعلومة التاريخية تحتاج إلى مراجعة و تدقيق.

في 1453م انقلب آل جبر – و لهم وجود حالياً في دار كليب – على آل عصفور ( و هم أبناء عمومتهم ) و حكموا البحرين الكبرى لمدة 68 سنة حتى مجيء البرتغاليين سنة 1521م.

عندما جاء البرتغاليون و سيطروا على البحرين قتلوا الحاكم (مقرن آل جبر) و تم قطع رأسه و أرسل هدية إلى ملكة البرتغال – و لا زالت صورة الرأس المقطوع موجودة في متاحف البرتغال حتى الآن. و كانت تلك الفترة هي بداية التوسع الأوروبي للمنطقة الخليجية. وقد فضلوا احتلال جزيرة البحرين الصغيرة على باقي المناطق لأنها كانت غنية بصيد اللؤلؤ و كانت أغنى بلد في الخليج..

و منذ تلك الفترة بدأ انفصال هذه الجزيرة عن البحرين الكبرى و اقتصر اسم البحرين على الجز الصغيرة المحيطة بجزيرة اوال.

في عام 1602م حدثت انتفاضة كبرى ادت لانهاء الاحتلال البرتغالي. البرتغاليون عينوا على البحرين رجلاً ايرانياً سنياً من منطقة هرمز ( على أساس أنه ايراني لا يعرف العربية و سني ختلف عن الشيعة ) حتى لا يتعاطف مع الناس. وحادثة أبو رمانة معروفة ومدونة وملخصها ان الحاكم اراد اقناع الاخرين بان شيعة البحرين غير مسلمين لاستحلال التصرف بممتلكاتهم، و كان ظالماً جداً و يستولي على ممتلكات كثيرة يحكم في كرباباد لأن القلعة هناك. حدثت الانتفاضة ضد الحام في الوقت الذي كان البرتغاليون مشغولين بالهولنديين و اتصل أهل البحرين بشاه ايران أنذاك (اعتقد انه كان الشاه عباس الثاني) وهو الذي وفر الحماية لاهل البحرين وبدأ الحكم الإيراني مرة ثانية في البحرين سنة 1602م.

و استمر الحكم الايراني حتى سنة 1700م تحت حكم الدولة الصفوية و كان هناك انقطاع مدة 15 سنة عن الحكم الايراني. في سنة 1615م قام شخص من آل جبر و انقلب على الحكم و حكم البحرين لوحده و هو الذي بنى قلعة الرفاع و نقل حكمه إلى قلعة لتكون بعيدة و بدأ يحكم و كان ظالماً جداً و يعرف عنه الفساد و الانحلال الخلقي و قرر في أحد الأيام أخذ زوجة وزيره الخاص و بدأت القلاقل و الفوضى و انتهى حكمه و عاد حكم ايران للبحرين مرة أخرى إلى سنة 1700م وثم من 1737 حت 1783.

الحكم الإيراني كان على نمطين: كان هناك الحاكم العام و لا يعينه الا الحاكم في شيراز حيث كانت إيران مقسمة إلى شاهات (شاه يتبع شاه...) و البحرين في فترة من الفترات تتبع شيراز و الحاكم العام يتفق مع أهل البحرين على تعيين شيخ الإسلام و هو الحاكم الديني – قاضي القضاة – المتصرف في الأموال الشرعية مثل الزكاة و الخمس.

اذا بعد تعيين الحاكم يتم تعيين شيخ الإسلام من أبناء البلد بالاتفاق مع علماء الدين و وجهاء البلد باستثناء سنة 1700م كان الحكم الصفوي على نهايته (أفغانستان احتلت ايران سنة 1722م). انتهى الحكم الايراني الصفوي و استقل الحكم في البحرين عام 1700.

الحكم الايرني كان متقطع. ففي قرابة منتصف القرن السابع عشر استولى احد افراد ال جبر على الحكم (وهو من الجبور الذين حكموا البحرين قبل الاحتلال البرتغالي) لمدة 15 سنة، وكان ظالما مما ادى للانتفاض ضده وعودة الحكم الايراني الصفوي. وايضا في العام 1722 سيطر الشيخ جبارة الهولي وحكم البحرين لمدة 15 سنة حتى عودة الحكم الايراني الافشاري (نادر شاه).

و في بداية 1700م بدأ هجوم من العتوب ( و هو تحالف ثلاث قبائل : أسرة ال خليفة الحاكمة مع آل الصباح و الجلاهمة ). و يذكر هذه الرواية الشيخ يوسف البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين. و كان شيخ الإسلام في تلك الفترة محمد بن عبد الله آل ماجد. استعان الشيخ ال ماجد بجيش من الهولة الذين جاءوا إلى البحرين بطلب من حاكمه انذاك لصد الهجوم المذكور. ما بين 1700-1735 هتكت البحرين 3 مرات من قبل حكام مسقط ، و سمي هذا العهد بعهد "خراب البحرين". و ذكر الشيخ يوسف البحراني ان القرى تم احراقها و فرض عليها الحصار ثلاث مرات من قبل حكام مسقط و حدثت مجاعة و لأول مرة في تاريخ البحرين حتى استسلم أهل البحرين و هرب كثير منهم للخارج. (حدث ايضا الامر ذاته في 1799 واستولى حكام مسقط على البحرين لمدة 3 سنوات بعد حرب مع ال خليفة واهل البحرين وهي الحادثة التي استشهد فيها العلامة الشيخ حسين العصفور الذي لازال يقلده الكثير من شيعة البحرين).

في سنة 1735م نادر شاه أعاد توحيد ايران فعاد الحكم الايراني إلى البحرين في سنة 1737م و بنى القلعة الحالية (قلعة المنامة) و أسس الحكم الايراني مرة أخرى و الحكام الذين حكموا البحرين من سنة 1737م لغاية 1783م كانوا من آل مذكور و هم يمثلون الحكم السياسي الايراني. أما شيخ الإسلام (الحاكم الديني) فقد كان من أبناء البلد.

في هذه الفترة كانت البحرين معرضة للاضطراب لانها هي البلد الغني في الخليج و يشاركها في هذا الامر البصرة. أما البلدان الأخرى فتكثر فيها المجاعة و تموت من الجوع كما حدث في نجدفي العشرينات من القرن الثامن عشر. ولذلك فإن الكثير من سكان الجزيرة العربية يقتربون من البصرة للحصول على بعض من التجارة العامرة هناك ولذلك تكونت الكويت في تلك الفترة.

ساد المنطقة الجفاف و القحط أما البحرين فكانت محط الأنظار لكثرة العيون فيها و كثافة الزراعة و فيها اللؤلؤ و أغنى الناس كانوا هم أهل البحرين. حدثت خلال هذه الفترة حرب أهلية داخل البحرين بين العوائل المتنفذة فيها مثل عائلة البلادي (حاليا تسمى الجشي) و آل مدن و ال ماجد و غيرهم. و حدث التصادم بين المدينتين الرئيسيتين المتمركزة فيها هذه العوائل و هما جدحفص و بلاد القديم – العاصمة أنذاك. و كانت البلاد القديم دائماً في حالة تنافس مع جد حفص، فحدث القتال فيما بينهما و انتهت بانتصار جدحفص على البلاد القديم. فاستعانت الأخيرة بآل خليفة الموجودين في الزبارة سنة 1783م. حدثت الحرب الاهلية بعد فشل حملة قادها أل مذكور ضد ال خليفة الذين اتهموا بقتل عدد من اهالي سترة اثناء شجار حدث في العام 1782 بين عدد من اتباع ال خليفة الذين جاءا للتجارة وعدد من اهالي سترة. انتهت المعركة البحرية ضد ال خليفة بالزبارة بفشل ذريع مما ادى لنشوب الحرب الاهلية بين جدحفص والبلاد.

في فترة ما بين 1783-1799م استقر الحكم إلى الحاكم الأول و هو أحمد ال خليفة. ما بين 1799-1802م حاكم مسقط اصبح حاكم البحرين و عين شخصاً من آل عصفور نائباً عنه لمدة 3 سنوات. ثم تعاون آل خليفة مع الوهابيين و كانت بداية ظهورهم في الجزيرة العربية ولذا حكم الوهابيون البحرين لمدة 9 سنوات (1802-1811م). بعد ذلك تعاون آل خليفة مع حكام مسقط ضد الوهابيين و طردوهم من البحرين.

فترة 1811-1869م هي فترة تحارب أجنحة آل خليفة مع بعضهم البعض فهرب الكثير من اهالي البحرين إلى مناطق عديدة مثل القصبة و البصرة و الأهواز.

في عام 1869م كان هناك عزم من بريطانيا على إنهاء كل هذه المشاكل فتدخلت في البحرين بصورة مباشرة و طردت فرعاً من العائلة الحاكمة وهجرت بعضهم إلى الخارج و هو الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ( و حفيدته الشيخة مي آل خليفة و هي خبيرة في كتابة تاريخ البحرين). و الشيخ محمد بن خليفة طرد من البحرين لأنه قتل أخاه الشيخ علي بن خليفة. ولذا أحضر البريطانيون الشيخ عيسى بن علي آل خليفة من قطر و كان عمره 21 سنة و استمر في حكم البحرين 54 سنة. و هذه هي الفترة التي استقر فيها الحكم و هي الفترة التي تم التعامل مع الذين يطلق عليهم ب"البحارنة" معاملة قاسية حيث فرض عليهم نظام السخرة ( و هو نظام اقطاعي حيث يستلم شيخ من العائلة الحاكمة قرية أو قريتين و يعين شخصاً من هذه المنطقة يسمى "وزير") . و مهمة هذا الوزير اخبار لشيخ عن عدد أفراد العوائل الموجودة في القرية و حصر ممتلكاتهم و مزارعهم و ثرواتهم لدفع الضرائب للشيخ. و هذا النظام الإقطاعي الظالم طبق فقط على فئة البحارنة مما ترتب عليه هجر المزارعين لمزارعهم حيث تحولوا من ملاك للأراضي إلى مستأجر ثم إلى عامل في المزرعة مقابل أجر زهيد. و بدأت مرحلة معاناة الكبيرة جداً لهذه الفئة مما ترتب عليه توحد هذه الفئة و لأول مرة لرفع المعاناة سنة 1922م.

ما قبل سنة 1922م كان هناك محاولة انقلابية من شخص اسمه السيد شبر الستري حيث قام بإحضار أسلحة و رجالاً من الب الإحساء و أراد القيام بانتفاضة مسلحة في سنة 1895م و لكن فشلت محاولته لعدم تعاون علماء الشيعة معه. الانتفاضة السلمية كانت في سنة 1922م عندما اندلعت احداث اعتداءات هنا وهناك و غلقت الأسواق و طالب البحارنة بإلغاء نظام السخرة و إلغاء الضرائب والرقبية ( و هو دفع ضريبة للشيخ عن كل شخص بلغ من العمر 15 سنة ). و تدخل الانجليز و وعدوا الشيعة بإلغاء نظام الإقطاع، و تبدأ بذلك مرحلة الإصلاحات الإدارية.

بدأت مرحلة البحرين الحديثة بالفعل بتأسيس بلدية المنامة سنة 1919م و تم تأسيس دوائر أخرى لاحقا مثل دائرة الطابو من أجل تسجيل الأراضي و هو مطلب تحقق. و انتهى نظام الضريبة الرقابية و انتهت السخرة و بدأت المرحلة الحديثة بمجيء المستشار البريطاني تشارلز بلجريف و هو مستشار الحاكم و هو المؤسس لمؤسسات البحرين الحديثة فهو المؤسس للمالية و الشرطة وكل الدوائر الاخرى... و أقام هذا المستشار البريطاني في البحرين لمدة 30 سنة (1926م-1956م).

و انتهى في هذه الفترة صيد اللؤلؤ و بدأت صناعة النفط و بدأت مرحلة التعليم و بدأت لأول مرة في مجتمع البحرين المتنوع يتحرك بصور غير طائفية و بدأ المثقفون السنة بقيادة الحركة الوطنية لأنهم السباقين في التعليم و لأن الشيعة كانوا يرفضون التعلم في مدرسة الهداية الخليفية ولذا أسسوا لاحقا المدرسة الجعفرية و المدرسة العلوية لأنهم كانوا يشعرون دائماً أنهم مستنقص منهم فتأخروا بذلك عن قيادة ركب الحركة الوطنية قليلا.

فالناس الذين تعلموا اولا في العصر الحديث هم من الطائفة السنية و هم أيضاً. مع ذلك نلاحظ أن تجار الشيعة و تجار السنة كان لهم دور مشرّف كبير و تحالفوا مع بعضهم البعض في العام 1938 لقيادة اول حركة وطنية تطالب بنقابات وهيئة وظنية تشريعية منتخبة.

اذا مع مجيء النفط و مجيء التعليم حدثت أول حركة وطنية قادها الشيعة و السنة. و تاريخ النضال الوطني الحديث بدأ في سنة 1938م عندما تحرك تجار الشيعة و تجار السنة و الوجهاء و طالبوا بمجلس تشريعي منتخب و طالبوا بنقابات و طالبوا بقانون مكتوب و طالبوا بنفس المطالب التي طالب بها الشعب في التسعينات. و في تلك الفترة عندما هجم تشارلز بلجريف على الحركة لم يهجم على الشيعة بينما هجم فقط على السنة و ظلم السنة كثيرا و حاكمهم محاكمة عشوائية و صورية و كان من بينهم بناء من عوائل الفاضل والشملان وغيرهم و نفى ثلاثة من قادة الحركة الوطنية السنة. أما الشيعة فأعطاهم مصالح عديدة لتسكيتهم. وبهذا يشهد االتاريخ أن الظلم لم يقع فقط على الشيعة – كما يتصور البعض – و إنما السنة هم أيضاً تعرضوا لظلم كبير من سنة 1938م لأنهم تحركوا مع الشيعة و طالبوا بمطالب وطنية و تم نفي القادة من السنة بعد محاكمتهم خلال يوم واحد.. و نفوهم إلى الهند و هي نفس الممارسة التي مورست ضد آخرين في فترة لاحقة.

في الخمسينات عادت الطائفية مرة أخرى في البحرين فبدأت في سنة 1953م. حدثت حادثة خطيرة جداً حيث قامت مجموعة و كان من بينهم شخص من الأسرة الحاكمة و هو الشيخ عبد الرحمن وهجموا على موكب العزاء في المنامة و حدثت مواجهة و جرح الكثير من الناس. و بدأت الفتنة الطائفية و حدثت حركة بابكو. و في سترة خرج الشيعة و هجموا على الباصات التي تقل السنةة و في المحرق هجم السنة على الشيعة. فحدثت مشكلة الطائفية .. السني يضرب الشيعي و الشيعي يضرب السني .. و بدأت الطبقة المثقفة عملها و تحركت لتوحيد الصف.. تحركت الطبقة المثقفة من السنة و الشيعة لحل المشكلة ، مثل عبد الرحمن الباكر و عبد العزيز الشملان و عبد علي العليوات و محسن التاجر.. و هؤلاء كلهم تجمعوا و حشدوا معهم المثقفين و المصلحين فبدأوا بحل المشاكل.

حدثت تعقيدات كثيرة في البحرين انذاك. مثلا فرضت الحكومة التأمين على أصحاب التكسي فشعر أصحاب التكسي أن المستشار يريد أن يسرقهم فعطلوا البلد بالاضطراب و التوقف عن العمل.

تدخل عبد الرحمن الباكر و أسس صندوق التعويضات و التأمين الاجتماعي و خاطبهم أن هذا العمل أهلي و لخدمتكم و أنتم مشتركون فيه و الصندوق لكم. و كان عبد الرحمن الباكر أذكى القادة الوطنيين حيث أسس صندوق التعويضات و التأمين الاجتماعي و حل المشكلة. ففي الوقت الذي كان مع الآخرين يحل مشكلة الطائفية قام أيضاً بحل مشكلة التكسية و تم تعيينه رئيساً لذلك الصندوق.

قام بتحويل الصندوق إلى مقر للنشاط السياسي بدل النشاط التجاري فبدأت اجتماعاته كلها في الصندوق فانزعج المستشار تشارلز بلجريف و سحب جنسية عبد الرحمن الباكر متذرعاً بأن عائلة الباكر أصلهم من قطر. و رداً على ذلك تجمع الناس في الخميس و كان تجمعاً كبيراً جداً احتجاجاً على سحب جنسية عبد الرحمن الباكر بعد اسبوع واحد قرروا التجمع في السنابس و أسسوا في السنابس الهيئة التنفيذية العليا من ثمانية أشخاص ( أربعة شيعة و أربعة سنة ) و تتبعهم جمعية عمومية تضم 120 عضواً من وجهاء البلد نصفهم من الشيعة و النصف الآخر من السنة.

وهكذا بدأ أول حزب سياسي في الخليج يتشكل و يقود الساحة و أصبح الآمر و الناهي لمدة سنتين في الساحة البحرينية. و فازوا بانتخابات مجلس الصحة و مجلس التعليم واي انتخابات أخرى. وكان لديهم كشافة تتصرف مثل الشرطة فهي التي تنظم السير و وصل الأمر إلى أن الانجليز قرروا الاعتراف بالهيئة التنفيذية العليا و تدخلوا عند الحاكم و أقنعوه بذلك. و طلبوا منهم تغيير الاسم إلى هيئة الاتحاد الوطني و تم الاعتراف الاوي بأول حزب سياسي في الخليج.

بعد ذلك تسارعت الأحداث خارج إطار هيئة الاتحاد الوطني حيث ما عادت تسيطر على الشارع فكانت أحداث تمر عليها و تفرض نفسها. فمثلاً نزول وزير خارجية بريطانيا (سلوين لويد) إلى البحرين كمحطة ترانزيت في سنة 1956م و بعد خروجه من المطار تزامن مروره باستاد المحرق و كانت هناك مباراة فخرجت الجماهير معترضة على موكبه و قذفوه بالحجارة و كاد يقتل.

بعد هذا الحادث جاء العدوان الثلاثي على مصر من قبل اسرائيل و فرنسا و بريطانيا وخرجتالجماهير لتنتقم من بريطانيا. فتدخل الجيش البريطاني و قمع الحركة و اعتقل قادة الهيئة و حاكمهم في البديع و نفاهم إلى سانت هيلانا و أعلنت حالة الطوارئ في ديسمبر 1956م و لم ترفع حالة الطوارئ هذه إلا في فبراير 2001م.

و قام الانجليز بتأسيس القسم الخاص سنة 1957م و بدأ حكم الطوارئ في البحرين و في سنة 1965م استبدل قانون الطوارئ بقانون الأمن العام في 1965 وهو الذي قنن قانون الطوارئ و في سنة 1974م استبدل بقانون أمن الدولة و ألغي قانون أمن الدولة في فبراير 2001م. و انشاء الله لايرجع الى الابد.

هذا ملخص وأنا أردت أن أمر بسرعة. فهناك أحداث و كل حدث ممكن أن يأخذ محاضرة و يستدعي توسعة كبيرة جداً.

الفكرة هي أن نبدأ بأن نفكر بصورة كيف نعيد قراءة التاريخ و هي النقطة التي أريد أن أركّز عليها لمدة بسيطة الآن قبل أن نفتح الأسئلة و الأجوبة.

هل نفتح التاريخ لكي نقع في مأزق؟
هل نفتح التاريخ لكي نخلق بلبلة في المجتمع؟
هل نفتح التاريخ لكي نفتح الجروح؟
أم نكون عقلانيين و نفتح التاريخ لكي نستفيد من أخطاء الماضي و أجدادنا و أجداد غيرنا… و إذا كان لهم ذنب لا ينعكس على الأبناء.

لدي كتاب فيه أسماء الوزراء من أبناء القرى الذين تعاونوا مع الشيوخ و أبناؤهم موجودون فيما بيننا فهم أبناء القرى أساساً و لكن ليس لهم ذنب فالأولاد و الأحفاد ليس لهم ذنب. لقد كان هناك من شيوخ ال خليفة من وقف ضد الظلم، مثل الشيخ محمد بن عبد الرحمن الذي توفي قبل سنوات وكان عمره 104 سنوات، واهل المرخ جميعهم يشهدون له بالصفات الحميدة.


هل آن الأوان لكي نستطيع أن نفتح هذا التاريخ أيضاً؟

سمو الأمير الشيخ حمد قال في كلمته في ديسمبر الماضي انه ان الاوان للتصالح مع التاريخ.. وهو ليس له ذنب إذا أراد أن يفتح حكماً عادلاً. فإذا أمكن أن نفتح قراءة عصرية و إجراء مصالحة مع التاريخ فهذا امر عظيم. و يجب الأخذ بعين الاعتبار أن كثيراً من الذي قيل هو أوهام و كثير من الأخطاء و المشاكل حدثت من جميع الأطراف و أن الظلم لم يقع على البحارنة فقط و إنما أصاب آخرين أيضاً و أن هناك أناساً كثيرين دافعوا عن حقوق الشعب و كانوا بعضهم ايضا من الأسرة الحاكمة.

و توجد حوادث تتطلب الإنصاف؛ فمثلاً عائلة الدواسر عندما هجموا على باربار و عالي فهناك كثير من الدواسر لم يرتكبوا هذه الأخطاء. و يوجد هناك من البحارنة ارتكبوا من الأخطاء ربما ما هو أعظم.

آن الأوان أن نتصالح أنفسنا نحن أيضاً مع التاريخ.
أن نفتح التاريخ لا لكي نثير الحماس.
أن نفتح التاريخ لا لكي ننتقم من عائلة فلان أو علان.
نفتح التاريخ لكي نفهمه بصورة أكبر.
نفتح التاريخ لكي نتصالح مع بعضنا الآخر.
نفتح التاريخ لكي نفتح به مستقبلاً مشرّفاً.

الآن السود .. كانوا عبيداً في أمريكا.. اليوم لا يجرؤ أحد أن يسمّيهم عبيداً. و الآن أصبحوا وزراء و أصبحوا في الحكم و أصبحوا مليارديرية .. جاءوا من قبل 500 سنة جاءوا بصفتهم عبيداً.. الآن الأبيض لا يستعبد الأسود و الأسود ليس له الحق في الانتقام من الأبيض في أمريكا. و الأسود له الحق أن يدرس تاريخه بأسلوب نزعت منه العبارات النابية و أيضاً الأبيض ينزع العبارات التحقيرية مثلاً عبارة (النيكا) كلمة تحقيرية للأسود الآن ممنوعة و يعاقب عليها القانون. إذاً نحن أيضاً في حاجة لحذف بعض العبارات.. آن الأوان أن نخلّص و ننظّف مصطلحاتنا و نغيّر الشكل السياسي السابق السيء لكي نستفيد و نخلق بحريننا الجديدة.

توجد كتب كثيرة مريضة تحتاج إلى معالجة مثل كتاب خرج قبل سنتين تقريباً من إعداد رئيس تحرير جريدة الوطن الكويتية مع الأخت سوسن الشاعر و هو سيء جداً و غير واقعي و يوجه الاتهامات و يثير الأحقاد و الطائفية حيث يتهم الشيعة بأنهم تحالفوا مع الانجليز و أنهم كانوا عملاءً للانجليز في العشرينات من القرن العشرين و هذا كلام سافل وخطير و خاطئ لأن الشيعة كانوا مساكين و كانوا مظلومين. عندما يلجأ تاجر اللؤلؤ أحمد بن خميس (مؤسس مأتم بن خميس) إلى البريطانيين (بيت الباليوز وهو نفسه مبنى السفارة البريطانية الحالية) فأنه ليس عميلا بل انه أول لاجئ سياسي في تاريخ البحرين.. فقد اشترى لؤلؤة غير مفصولة من القطيف و جلبها معه إلى البحرين حيث اشتراها رخيصة و تباع بسعر مرتفع بعد فصلها اذا نجح في فصلها. فسمع عن أمرها شيخ منطقة السنابس فطلب منه الضريبة بسعر اللؤلؤ المفصول فرفض أحمد بن خميس لأنه لم يخرجها من سواحل البحرين بل انه اشتراها من القطيف (حيث المتعارف عليه أنه تدفع الضرائب على اللؤلؤ المستخرج من سواحل االبحرين) بالإضافة إلى أنه لم يقرر بعد هل يبيعها قبل فصلها أو بعد فصلها؛ فبعث له الشيخ رجاله (الفداوية) لقتله لامتناعه عن دفع الضريبة المطلوبة فلجأ أحمد بن خميس إلى بيت الباليوز. فهل يسمى يسمى لجوء أحمد بن خميس هذا إلى بيت الباليوز عمالة!!! هذا لجوء مثله الى الحماية البريطانية عمالة في الوقت الذي كان يحصل فيه الاخرون على حماية شاهات ايران وعلى حماية ابن سعود انذاك بينما يتفرد الشيخ بفئة وادة يفرض عليها مايشاء فالى اين يذهبون؟

وملاحظة هنا ايضا ان الشيعة الاحسائيين لم يقعوا في الظلم ذاته لانهم كانوا يأتون البحرين لحاجة السوق لمهارات معينة (حياكة، حدادة، الخ) وكانوا ايضا يستطيعون اللجوء الى ابن سعود لو وقع عليهم ظلم. …هذا كلام سخيف ان يتحدث شخص ويقول ان البحارنة عملاء لانهم طالبوا بحماية من الظلم في الوقت الذي لم توجد فيه مؤسسات دولة ولا نظام سياسي واضح المعالم…و نحن لا نريد الرد عليهما فنثير الطائفية و لكن نريد أن نثير المواضيع التي تذكر أن هناك ظلماً و انتهى هذا الظلم و لا عودة إليه إن شاء الله.

إذا استطعنا أن نعي ذلك التاريخ و ندرسه و نستفيد منه لا لكي نثير الضغائن و المشاكل في أوساط المجتمع البحريني؛ فالبحرين لكل أهل البحرين سواءً كان سنياً أو شيعياً؛ سواءً كان بحرانياً، هولياً، عجمياً، حساوياً،...إلخ. و سوف ترى أنك لو رجعت إلى التاريخ فإنه ليس كل شيعي مظلوم و ليس كل سني لم يكون مظلوماً؛ فمن بيت الجودر كان هناك أناس مظلومين كثيراً بينما الاحسائيين لم يكونوا مظلومين؛

أحسن كتاب ربما كتب عن تلك الفترة هو إعداد رسالة الدكتوراه لطلال فرح و كتب باللغة الانجليزية و لم يترجم حتى الآن فهو كتاب قيم و عندما تقرأه يحترق قلبك. و قد التقيت بمؤلف هذا الكتاب قبل مجيئي للبحرين و هو بروفيسور في جامعة لندن و يمكننا دعوته مستقبلاً لنستفيد منه.

و الغريب في الأمر أنني اكتشفت أن أحسن الناس الذين كتبوا عن تاريخ البحرين هم من اللبنانيين مثل أميل نخلة (مستشار الإدارة الأمريكية لشئون الخليج و لا زال مستشاراً لديهم) و كتابه من أحسن الكتب التي كتبت عن البحرين بالإضافة إلى طلال فرح و هو مسيحي لبناني وهناك كتاب ثالث لاسحاق الخوري و هو كاتب مسيحي لبناني ايضا و كلهم حضروا إلى البحرين و مكثوا فيها سنة أو سنتين و كتبوا التاريخ.

عندنا مصادر قيّمة جداً يمكننا فتحها و لكن علينا أن نكون حذرين و متفهّمين لمشاكل الماضي لكي نفتح مستقبلاً أفضل و تلك هي القراءة المعاصرة لتاريخ البحرين التي أدعو الجميع لإحيائها بناءً على أن هناك على رأس الهرم السياسي من يريد المصالحة مع تاريخ البحرين.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


الرياض - واشنطن: نهاية »العلاقات الخاصة«
د. سعيد الشهابي (30 يناير 2002)

لم يعد خافيا وجود أزمة في العلاقات الامريكية - السعودية لأسباب رشح بعضها للعلن وبقي اغلبها مادة للتكهنات، وأصبح واضحا ان هذه العلاقات قد تكون واحدة من اهم ضحايا ما حدث في 11 سبتمبر الماضي. وليس هذا غريبا في ضوء التطورات التي حدثت في الاعوام الاخيرة والتي التزمت فيها السعودية بمواقف وسياسات تختلف عما كان مألوفا في السابق، ابتداء برفض التطبيع مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، مرورا بالتعاطف مع المطالبة برفع العقوبات المفروضة على العراق ووصولا الى تحسن العلاقات مع ايران. وكان من نتيجة ذلك بروز قضايا خلافية كان الطرفان يفضلان التعامل معها بعيدا عن الاضواء، ومنها وجود القوات الامريكية في الاراضي السعودية، وقضايا حقوق الانسان وحقوق المرأة والسياسة تجاه الاسلام والتعليم الديني. بعض الامريكيين يقول ان من الضروري عدم الا ستجابة لضغوط الظروف الطارئة التي دفعت هذه القضايا الى العلن، لان ذلك قد يؤدي الى التفريط في العلاقة مع السعودية. فهي تقدم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة، وتعمل لمحاصرة العناصر الارهابية في اراضيها، وتقدم المعلومات حولها، وقد احرزت تقدما تدريجيا في قطع تمويل »العناصر المتطرفة«. ويضيف هؤلاء انها تتعرض بذلك لعداء من تلك العناصر بالرغم من الغضب الشعبي السعودي ازاء العلاقات الامريكية - الاسرائيلية. ويرى آخرون ان الانسحاب الامريكي من السعودية سيكون انتصارا لأسامة بن لادن وأتباعه. بينما الوجود الامريكي، في نظرهم، يساعد السعودية على تحديث قواتها واحتوا ء العراق وحماية المنطقة التي تحتوي على ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي. ويدعو آخرون الى انهاء النزاع العلني بين الرياض وواشنطن، والتعاون في ثلاثة مجالات: دعم النظام في افغانستان بعد سقوط طالبان ومساعدته على التحول الى دولة حديثة، القضاء على تنظيم القاعدة ومن تعتبرهم واشنطن »مجموعات ارهابية« في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، وتطبيق استراتيجة واسعة لمحاصرة »الحركات المتطرفة« في الخليج والعالم. وترتفع اصوات امريكية اخرى تطالب بدعم الحكومة السعودية »لمواجهة التحدي من كل من العراق وايران« و »العمل على منع انتشار الاسلحة النووية في المنطقة«، وتقول ان اي انسحاب امريكي سريع من المملكة سوف يعطل القوات السعودية بحرمانها من المستشارين والدعم الفني لترسانة الاسلحة التي تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، وان امريكا ستخسر قواعد مهمة تحتاجها لردع كل من العراق وكايران، وسينجم عن ذلك فراع سياسي وعسكري. ويرى البعض ان هناك حاجة لاعادة ترتيب الاولويات في المنطقة ومعالجة اسباب الارهاب والتطرف. فغياب الاصلاح الاقتصادي وازدياد الكثافة السكانية ادى الى تضاؤل الدخل السنوي للفرد وتصاعد البطالة. ولدى المملكة رغبة في عضوية منظمة التجارة العالمية، واقامة حوار بين المصدّرين والمنتجين لكي تستقر اسعار النفط، وفتح اقتصادها للاستثمار الخارجي. ويرى كتّاب ومحلّلون مثل انتوني كوردسمان، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان الحل ليس بـ »محاولة تصدير نظامنا السياسي للمملكة« بل بمساعدة السعودية على تنفيذ برنامج اصلاح اقتصادي وخفض النمو السكاني باشكل الذي يساعد مواطنيها على تحديث مجتمعهم واقتصادهم، ويعد الطريق للتطور السياسي«.

بعض المفكرين الامريكيين ينظر الى الوجود الامريكي في السعودية من خلال التطورات التي مر بها ذلك الوجود خلال السنوات العشر الماضية، ويتساءل عما اذا كان من الحكمة الحفاظ على ذلك الوجود. ومن تلك التطورات تفجير أبراج الخبر في 1996 الذي أدى الى مقتل 19 من الجنود الامريكيين، وتفجير مركز التجارة العالمي الاول في 1993وتفجيرات سفارتي كينيا وتنزانيا. وهناك الآن حوالي 4700 من الجنود الامريكيين في السعودية يتمركزون في قواعد عديدة اهمها قاعدة الامير سلطان الجوية التي استثمرت الولايات المتحدة مبالغ كبيرة لتطويرها . وقد استعملت هذه القاعدة كمركز للقيادة والتحكم خلال حربي الخليج الثانية وافغانستان.ويرى البعض ان الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة بسبب وجودها في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الاخيرة تضاعفت بعد تفجيرات

سبتمبر، وبالتالي فهناك تساؤل عن الحكمة من ابقاء القوات الامريكية في السعودية، وهو سؤال يمثل تحديا كبيرا لادارة الرئيس بوش الابن.

السناتور الديمقراطي، كارل ليفين، أطلق بالونا كبيرا عندما أعلن قبل اسبوعين ان على الولايات المتحدة ان تفكر في البحث عن مكان آخر بمنطقة الخليج لنقل القوات الامريكية من السعودية اليه. وقال ليفين: »لقد اصبح لدي شعور مقلق باننا في مكان لا يريدنا فيه اهله«. وتداولت وسائل الاعلام الامريكية هذا التصريح بشكل متواصل، ونشرت تعليقات كثيرة ووجهات نظر متباينة حول ما يمكن عمله. وألمحت مصادر سعودية وغربية الى احتمال ان تطرح السعودية على واشنطن طلبا بالانسحاب بشكل اكثر جدية. يأتي ذلك في الوقت الذي كان هناك توقع بان يتوجه الرئيس بوش الى سياسات ذات بعد محلي بعيدة عن الاهتمام العالمي. لكن حوادث

سبتمبر و »الحرب ضد الارهاب« أملت عليه ضرورة اعادة التفكير في سياساته الانطوائية، وأصبح على ادارته ان تقرر مستقبل وجودها بمنطقة الخليج. ولا يستبعد ان تتوصل واشنطن الى قناعة بعدم جدوى هذا الوجود ما دامت قادرة على تعبئة ما تحتاجه من قوات وارسالها الى مناطق النزاع في وقت قصير كما حدث في العراق وافغانستان.

ليس معروفا بشكل قاطع ماذا يدور في اذهان الساسة الامريكيين والسعوديين في الوقت الحاضر نتيجة هذه التصريحات التي كان لها وقع كبير على النفوس والآذان. فقد تظاهر الطرفان بان مسألة بقاء القوات الامريكية او انسحابها موضوع لم يحسم بعد. وقال الجنرال ريتشارد مايرز، رئيس هيئات الاركان المشتركة الامريكية ان هذه القوات سوف تبقى »فترة من الزمن« لم يحددها، قائلا ان »وجود القوات الامريكية جاء لحماية مصالح المضيّفين ايضا، فمن غير المعقول ان نكون في مكان لا نشعر فيه بالترحيب«. بينما قال الفريق أول ركن صالح بن علي المحيا، رئيس هيئة الاركان العامة السعودية، ان التعاون العسكري بين السعودية وامريكا لم يتغير، وان مهمة القوات الا مريكية والبريطانية والفرنسية مراقبة منطقة الحظر الجوي في جنوب العراق.

المملكة من جانبها تواجه خيارات صعبة في الوقت نفسه. ولعل من أهمها الاوضاع الاقتصادية غير المستقرة منذ حرب الخليج الثانية، وهي من القضايا التي تستدعي اهتمام اكبيرا من الحكومة، وتدفع الولايات المتحدة للتساؤل عن مستقبل الاوضاع في الدولة الكبرى بمجلس التعاون الخليجي. ووفقا للموازنة العامة للبلاد للعام 2001 فهناك عجز قدره 6.4 مليار دولار. وينطوي هذا العجز على مخاطر سياسية غير قليلة للنظام. فقد أصبح مصدرا للانزعاج الشعبي من بطء وتيرة الاصلاحات الاقتصادية وغياب الشفافية والمحاسبة في الحكومة. ومن أسباب فتح الملف الاقتصادي مجددا التطورات التي اعقبت

سبتبمبر، والنقاشات التي طرحت منذ ذلك الوقت بان الفشل في اصلاح الاقتصاد السعودي وعدم توفير وظائف عمل للمواطنين يساهم في تطرف الشباب السعودي. وهناك اسئلة كثيرة تحيط بالميزانية العامة، وحجمها والايرادات والمصروفات. ولا يسمح لمجلس الشورى بمناقشة الميزانية، ولكن تصريحات صدرت عن الامير عبد الله في ا لسنوات الاخيرة تشير الى شفافية اوسع واصلاحات اكثر جدية، مثل السيطرة على المصروفات وفتح قطاع الغاز للاستثمار الاجنبي. ففي العام الماضي مثلا بلغ حجم الدخل العام 230 مليار ريال سعودي، بزيادة قدرها 7 بالمائة عن العام السابق، ولكن مشكلة الانفاق الذي زاد بنسبة 6.18 بالمائة أفشلت خطة الحكومة بجعل الموازنة متعادلة. ولم تنعكس زيادة الانفاق بشكل ملموس على الحياة اليومية للمواطنين، الامر الذي يدفع الى الاعتقاد بان الاموال الاضافية ربما وجدت طريقها الى الخارج. البعض يقول انها ذهبت لتمويل الحرب ضد افغانستان بعد ان مارست امريكا ضغوطا كبيرة على الرياض، او الى مشاريع عسكرية جديدة، ولكن من الصعب التأكد من ذلك، ولا يستبعد ان تكون قد أنفقت لخدمة الديون الداخلية المتراكمة. ويمكن القول ان التساؤلات حول اموال النفط هي الاكثر احراجا للسلطة، ليس في المملكة وحدها، بل في الخليج عموما، ونادرا ما تتوفر اجابات لتلك التساؤلات.

لم يعد خفيا ان الاقتصاد مرتبط بشكل وثيق بالسياسات الداخلية للحكومة. فقد استعملت اموال النفط لخلق مجتمع استهلاكي بعيد عن هموم السياسة والحكم. ولكن تضاؤل المدخولات النفطية دفع القطاعات الشبابية الى المزيد من الاهتمام بالشأن السياسي، وتزامن ذلك مع تكثف الوجود الامريكي في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية. واصبح المجتمع السعودي اكثر تسيسا مع تصاعد قطاعات المعارضة في التسعينات. وبعد حوادث

سبتمبر، اصبحت الحكومة السعودية معرضة للاضواء بشكل اكبر، خصوصا بعد بروز البعد السعودي في قيادة تنظيم القاعدة. وبرغم سقوط نظام طالبان الذي اعترفت به الحكومة السعودية، وضرب تنظيم القاعدة، ما يزال للقضية الافغانية بعد سعودي يتمثل بالعدد الكير من المعتقلين الذين يحملون الجنسية السعودية. وقد أكدت الرياض انها تتابع مع السلطات الامريكية موضوع الاسرى السعوديين في قاعدة جوانتنامو في كوبا، آملة »ان يكون هناك تعاون ما بين السلطات السعودية والامريكية بشأن هؤلاء الاسرى«.

السياسة الامريكية تجاه السعودية في هذه الفترة تتمثل بعدد من الابعاد. فمن جهة لا تريد واشنطن التفريط بما لديها من نفوذ في السعودية، ولذلك فهي لا تستعجل الامور وتسعى للتعامل مع التطورات بحذر شديد. فحتى عندما اطلقت التصريحات المتبادلة حول وجود القوات الامريكية في الاراضي السعودية، سعى الجانبان لاحتوائها لمنع تطورها الى خلاف حقيقي. ومن جهة اخرى تمارس واشنطن ضغوطا على الرياض لجرّها الى مشاريعها في المنطقة. ففي ما يتعلق بما تسميه »الحرب ضد الارهاب« طلب المسؤولون الامريكيون اكثر من مرة من السعودية المشاركة في تمويل الحرب بشكل علني، وتكتمت الرياض على الموضوع بشكل كامل.

وتسعى كذلك لفرض صفقات عسكرية مع الرياض للتعويض عن النفقات الكثيرة في الشهور الاخيرة. ويضغط الامريكيون على حكومة الرياض للتدخل في مناهج التعليم الديني زاعمين ان هذه المناهج تخلق المناخات الملائمة لتفريخ ظاهرة الارهاب. ومع ان التدخل المباشر من قبل الحكومة لتغيير المناهج او الحد من نشاطات المؤسسات التعليمية سوف يؤدي الى ردة فعل شديدة، فليس مستبعدا ان يتم التخطيط التدريجي لتغيير المناهج بالشكل الذي يتناسب مع المطالب الامريكية التي تشمل كذلك المطالبة بالتخلي عن كل ما هو معاد للاحتلال الاسرائيلي للاراضي المحتلة. وثمة مطالبة امريكية من الرياض بمراقبة موسم الحج الذي تعتبره واشنطن ملتقى للرموز الاسلامية في العالم يستفيد منه من تعتبرهم اعداء لسياساتها. وتضغط لوضع »ضوابط« اكثر لحرمان المسلمين مما يوفره الحج من اجواء للتقارب والتلاقي والتفاهم. ومع ان امريكا ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان فليس متوقعا ان تطرحهما بقوة في الوقت الحاضر الا بقدر ما يخدم سياساتها. وفي الوقت نفسه هناك شعور بان التطرف يتولد عادة في طروف الانغلاق والقمع، وبالتالي فمن الضروري القيام بدرجة من الانفتاح. وتضغط واشنطن كذلك في ما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية، مطالبة الرياض بلعب دور سياسي لتكريس التوجه نحو السلام مع قوات الاحتلال الاسرائيلية والضغط على الحركات الفلسطينية المعارضة لذلك الاحتلال. اما الجانب السعودي فقد بقي حتى الآن، حسب ما يبدو، مقاوما للضغوط الامريكية لاسباب داخلية وخارجية. فالرياض لا تريد تكريس الرأي العام الذي يتهمها بالانصياع للسياسات الامريكية في الوقت الذي اصبح هناك شبه اجماع عربي - اسلامي على اعتبار تلك السياسات معادية في اغلبها للمصالح العربية والاسلامية، خصوصا مع استمرار الارهاب الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. ولا يخفى على الرياض ازدواجية السياسة الامريكية ازاء كل من العراق و»اسرائيل«. وتعلم الرياض انها سوف تتعرض للمزيد من الضغوط الامريكية اذا رفضت الانسياق وراء سياسات و اشنطن، ولكنها في الوقت نفسه تعلم ان جانبا من الازمة يتعلق بالسياسات الامريكية تجاه العالمين العربي والاسلامي وخصوصا في ما يتعلق بقضية فلسطين. ولذلك فكثيرا ما نأت دول الخليج بنفسها عن تلك السياسات وحرصت على اظهار الرفض والمطالبة برفع العقوبات عن العراق. وكذلك الامر بالنسبة لفلسطين، حيث تكرر في الاجتماعات العربية والاسلامية الاشارة الى ضرورة التمييز بين الارهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال، وهو امر لا تقبله واشنطن ابدا.

ان من الصعب الحكم على مدى جدية السياسة السعودية تجاه الضغوط الامريكية، فمن المؤكد انها ستحظى بالكثير من الدعم الشعبي اذا كانت كذلك حقا، وسوف تكون اكثر قبولا اذا صاحبتها سياسة تعمل من اجل لم الشمل العربي والاسلامي، وبرامج اصلاح سياسي داخلي يوفر للشعب قدرا من المشاركة والتمثيل السياسي. فالقوة العسكرية الامريكية ليست العامل الوحيد في تحديد موقف العالم تجاه واشنطن، وعندما تجاوزت واشنطن حدود الاخلاق والقيم الانسانية في تعاملها مع معتقلي »القاعدة« ارتفعت الاصوات المنددة بتلك الاساليب، وحذّرت اصوات امريكية كثيرة من »خسارة السلام بعد كسب الحرب«. وبرغم قوة واشنطن العسكرية فهي معرّضة للاخطار الاقتصادية والسياسية، وهي ابعاد اساسية في معركة الصراع على النفوذ. فالتداعي الاقتصادي للاتحاد السوفياتي لعب دورا مهما في سقوطه النهائي. وادى النزاع العرقي الى تفكك يوغسلافيا. وان تكرر فضائح من النوع الذي ادى الى سقوط شركة »انرون« العملاقة، او تفجر المشاكل العرقية في الولايات الامريكية كما حدث قبل بضع سنوات، من شأنه ان يؤدي الى تداعي مقومات الدولة العملاقة. اما العرب والمسلمون فمطالبون بالاخذ بأسباب القوة التي تمكنهم من الاستفادة من فرص التغير حين تحدث. فكما قال احد المفكرين المسلمين قبل سبعة عقود: المشكلة ليست في قوة غيرنا، بل في ضعفنا«


مقابلة صحيفة القبس الكويتية مع الشيخ عبد الامير الجمري (27 يناير 2002)

الشيخ عبد الامير الجمري يتحدث ل"القبس":
اهل البحرين يؤمنون بالاتجاه الوسط

المنامة: جاسم عباس

بمناسبة الذكرى للميثاق الوطني البحريني زارت "القبس" المنامة وأعدت ملفا شاملا عن التحويلات الجارية في البحرين، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ويعتبر الميثاق حجر الزاوية فيها، حيث شكل نقلة نوعية متميزة في مسيرة البلد الشقيق.

وفي هذا الاطار التقت "القبس" عددا من الرموز الساسية حيث أجرت معهم حوارات مختلفة حول اخر التطورات على الصعيد البحريني الداخلي، وأبرز الملفات الساخنة التي لاتزال مفتوحة او تلك المرتقبة في المستقبل.

في حلقة الامس، استعرضنا ملامح التحولات على العد المختلفة، وكذلك حاورنا الداعية والمفكر د. عبد اللطيف المحمود. ونستعرض في الحلقة الثانية اليوم رؤية الشيخ عبد الامير الجمري لتلك التحولات. الشيخ عبد الامير الجمري من أعلام المعارضة البحرينية، ورمز رئيسي من رموزها وقد كانت عودته تلبية لدعوة امير البحرين خطوة اساسية في الانفراج السياسي الذي شهدته البلاد.
ويلعب الشيخ الجمري دورا بارزا في تجاوز الاجواء الطائفية البغيضة ويعمل على توحيد البناء الاسلامي وبخاصة السني والشيعي في الوقت الذي يدعو فيه للسير في خط الاعتدال السياسي. وفيما يلي نص الحوار:

س1: ما هي طبيعة الأجواء التي تعيشونها في البحرين؟كانت متوترة والآن هادئة؟

ج1: هدوء الوضع جاء بعد حدوث تغيير أساسي في النهج السياسي للنظام في البحرين ،فقد كان النظام ينظر إلى أبناء الشعب نظرة قائمة على سوء الظن، معتمدين في ذلك على مستشارين من خارج البحرين.

ولكن عندما فتح سمو الأمير باب الحوار مع شعبه وجد أن هذا الشعب الطيِّب لم يكن في يوم من الأيام إرهابياً أو تخريبياً كما كان يدَّعي جهاز الأمن،ولكنه شعب معطاء ووفي لا ينسى المعاملة الحسنة فيما لو توفَّرت تلك المعاملة. وهكذا انتقلنا من التوتر إلى الهدوء ومن القمع إلى الحوار، والحمد لله الذي وفَّر لهذا الشعب أميراً يفهم متطلَّبات العصر، ويستجيب لمتطلَّباته.

س2: انفتحت أجواء الحرية ،ولكن هل تعتقد أن هذه التغييرات ستؤثر على الوضع الخليجي؟

ج2:أعتقد أن أثر الإنفتاح في البحرين سيكون إيجابياً على المستوى الخليجي،فأملنا أن نقدِّم الأنموذج الحضاري الذي يستجيب لمتطلبات العصر ويقوم على القيم الإسلامية والوطنية،دون الإخلال بثوابت الدستور الذي يتَّفق عليه أبناء الشعب.

س3: ما رأيكم فيما حدث في الولايات المتَّحدة الأمريكية؟

ج3: لقد أدنتُ جميع الأعمال الإرهابية،سواء كانت تلك الأعمال باسم الإسلام ،أم تمتّ إلى أي مسمَّى آخر، فلا توجد عقيدة دينية صحيحة تؤمن بقتل الأبرياء، والإعتداء على الآخرين بالطريقة التي تمَّت في 11سبتمبر في الولايات المتحدة.

س4: كيف تقيِّمون ردة الفعل الأمريكية؟

ج4: إننا ضد الحرب على أفغانستان، لأننا لا نرى في ذلك إزالة لأسباب الإرهاب،إذ أن هناك أسباباً أخرى تتعلق بالوضع المتوتِّر في الشرق الأوسط لا سيما استمرار العنجهيَّة الإسرائيلية.

س5: كيف تنظر إلى حقوق الإنسان؟

ج5: حقوق الإنسان أساسها الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وتوفير الأجواء اللازمة لضمان حرية الإختيار والإرادة. وعلى هذا الأساس فإننا نرى أن القرآن الكريم قد أكَّد كرامة الإنسان: قال تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الاسراء:70). كما أن القرآن الكريم يتحدَّث بصورة أساسية عن حرية حقوق الإنسان في اختيار طريقه في الحياة وتقرير مصيره. إننا ندعو إلى منظومة حقوق الإنسان التي أقرها المجتمع الدولي، ووافق عليها مفكِّروا الإسلام المتنوِّرون. وأعتقد أن الأمور أو المناطق المتَّفق عليها تمثل الغالبية العظمى من الحقوق.

لدينا اختلافات حول القيم الأخلاقية ، وسنبقى مختلفين .فنحن –كمسلمين-لا نؤمن بالحرية الجنسية العبثية مثلاً، ولكننا مع الحرية السياسية والمدنية، ومع كافة الحقوق الإقتصادية والثقافية والإجتماعية.

س6: ما هي توقعاتكم للمجلس النيابي القادم في البحرين؟

ج6: أعتقد بأن تجربتنا ستكون أكثر تطور وقدرة على الإنتاج، خصوصاً إذا نُفِّدت جميع الوعود التي أطلقها سمو الأمير قبيل وبعد التصويت على الميثاق الوطني.
فسمو الأمير أكَّد بأنه سيترك السلطة التشريعية للمجلس النيابي، وإن مجلس الشورى المعيَّن لن تكون له سلطات تشريعية.ثم أن سموه أكد بأنه سيوافق على ما يتَّفق عليه نواب الشعب، وفتح المجال لظهور أحزاب برلمانية منظمة على أسس وطنية وغير طائفية، وهذا يعني أن النواب الذين سيدخلون المجلس على أساس انتمائهم لجمعيات سياسية سُمِحَ بها في الفترة الحالية، قد يسمح لها بتشكيل أحزابهم البرلمانية. وهذا يعتبر من أهم التطورات التي نتوقعها . كما نتوقع أن يمارس أعضاء المجلس المنتخب مسئولياتهم بحكمة، مراعين مصلحة الشعب من جانب ، ومصلحة المسيرة الإصلاحية من جانب آخر. فنحن لا نتوقع أن نحصل على كل ما نسعى إليه دفعة واحدة، فالتدرج في العملية الإصلاحية أمر ضروري.

س7: هل عاد جميع المبعدين للبحرين؟

ج7: تقريباً عاد معظم من يستطيع العودة.بقي هناك مجموعة من البحرين من الذين حُرِموا من الجنسية، وهؤلاء لا زالوا خارج البحرين، ونحن نسعى بجدية لأني يعود جميعهم إلى وطنهم مع كامل حقوقهم.

س8: هل لا زال هناك مفصولون عن العمل لأسباب سياسية؟

ج8: لقد عاد الأكثرية لأعمالهم. ولكن هناك أكثر من مائة شخص لم يعودوا بعد إلى أعمالهم.في وزارتي الدفاع والداخلية وشركة بتلكو،وكان سو الأمير قد أمر-بحضرتي- بإرجاعهم إلى وظائفهم لأنهم فُصِلوا لأسباب سياسية ، إلا أنهم لحد الآن لم يتم إرجاعهم ،وهؤلاء يعانون كثيراً بسبب ذلك،كما أن هناك أكثر من عشرين شخص لا زالوا لم يعودوا إلى أعمالهم في شركة الإتصالات.

ونأمل أن ينفِّذ جميع من يهمهم الأمر الأوامر الصادرة لهم من القيادة السياسية بإعادة جميع المواطنين إلى أعمالهم.

س9: بعض البحرينيين لا يسمح لهم بدخول الكويت ، ما هو السبب برأيكم؟

ج9: لقد قامت وزارة الداخلية في السنوات الماضية بتوزيع مئات من الأسماء على الدول العربية الأخرى ، وطلبت من تلك الدول التضييق عليهم . ونحن نعيش الآن انفتاحية ،وقد انتهى الملف الأمني في البحرين ، ونأمل من الشقيقة الكويت وغيرها من الدول أن يبادروا إلى إلغاء الملفَّات المنية التي فتحوها لملاحقة البحرينيين.

س10: أصدر عد من أعضاء مجلس الأمة الكويتي والشخصيات الكويتية بيانات تأييد لحركتكم قبل الإنفتاح السياسي، فهل كنتم تعتبرون تلك البيانات من العوامل التي ساعدت على تحقيق مطالبكم؟

ج10: بالفعل لقد كانت بيانات وعرائض التأييد الكويتية من أهم ما حصلنا عليه من تأييد،فلقد تعوَّدنا أن نحصل على تأييد المنظمات الحقوقية العالمية، ولكن مبادرة إخواننا وأحبَّتنا وأعزائنا في الكويت أثلجت صدورنا جميعاً، وأعطتنا الدافع للصمود والإستمرار ،فجزاهم الله خير الجزاء، ووفقنا للوقوف معهم، والتضامن معهم، ونصرتهم دائماً.

س11: سمعنا عن لجنة العريضة الشعبية، فأين هي الآن؟

ج11:لقد كانت لجنة العريضة الشعبية تمثِّل الإجماع الوطني البحريني حول الأهداف والوسائل، ومارست تلك اللجنة دورها الريادي خلال فترة المحنة بجدارة ، وقد استلمت مهمة جمع قرابة 25 ألف توقيع على العريضة الشعبية لعام 1994م لتسليمها للقيادة السياسية .والحمد لله فقد كان ثبات الرموز والعناصر الإيجابية في جمع التواقيع، من مختلف المستويات والإتجاهات حول تلك الأهداف العادلة قد ساعد على حفظ المسيرة من التشتت أو التطرُّف تحت ضغط المحنة.والآن وقد أنجزت لجنة العريضة الشعبية دورها يشارك أفرادها في العمل الوطني بجدارة ، والله سبحانه ولي التوفيق.

س12:ما رأيكم بمجلس الأمة الكويتي؟

ج12: أعتقد أن مجلس الأمة الكويتي قد أعطانا نحن الخليجيين الفكرة الأساسية للمشاركة في الحياة العامة.ولكن المجلس يبدو وأنه تعرقلت مسيرته خلال السنوات الأخيرة لأسباب مختلفة. كما أن ظاهرة ما يسمى بنواب الخدمات ظاهرة سيئة ، لأن النائب أصبح عاملاً للواسطة بدلاً من ممثِّل للشعب. مع ذلك يبقى مجلس الأمة الكويتي الرائد في الخليج، ونأمل أن نستطيع مساندته من خلال البرلمان البحريني المنتخب.

س13:ما رأيك بمجلس الشورى لمجلس التعاون الخليجي؟

هذا المجلس أقل من الطموح ، ونأمل أن يتم تطويره ليصبح منتخباً وممثلاً لأبناء الخليج على نفس الطريقة التي يتبعها البرلمان الأوربي بالنسبة لدوره في الإتحاد الأوربي.

س14:قلتم أن ملف حقوق الإنسان أُقفِلَ من الخارج تجاه البحرين، بمعنى أن الدولة لم يعد ينتقدها ،لكن يبقى ملف الإنتهاكات ماذا تقصد بذلك؟

ج14: نحمد الله أنه ومنذ إلغاء قانون أمن الدولة توقَّفت الإنتهاكات وأُفرغت السجون .ولكن البحرين أيضاً وقَّعت على اتفاقية مكافحة التعذيب .وهذه الإتفاقية نأمل أنه تدخل حيِّز التنفيذ في البحرين. بمعنى: أن بنود تلك الإتفاقية بحكم إدخالها في قوانين البحرين.تقتضي بنودُها إنشاء هيئة لتلقِّي شكاوى المواطنين بشأن موظفي الدولة لكي يحاسبوا لو اقتضى الأمر ذلك .إننا بحاجة لأن يتم تنفيذ جميع بنود إتفاقية مكافحة التعذيب، لكي تتخلَّص البحرين من تركة الماضي التي تدل المؤشرات على انتهائها ، ونحن على ثقة بأن سمو الأمير يريد ذلك.

س15: ذكرت الأنباء عن تصدّركم لصحيفة يومية ثالثة في البحرين، وإن أبنكم الدكتور منصور الجمري هو الذي سيرأس تحرير تلك الصحيفة، فما هي حقيقة الأمر؟

ج15: بالفعل لقد تحدثت مع سمو الأمير حول الحصول على رخصة سياسية لإصدار صحيفة يومية ، وقد رحَّب سموه بذلك ،واشترط أن يكون رأس المال بحرينياً بالكامل، وقد بدأ مشروع التأسيس بالإتصال بعدد من وجهاء البحرين ورجال الأعمال الكبار المعروفين بدورهم الوطني والإنساني، ونحمد الله فإن استقبال هؤلاء الوجهاء للمشروع وتبنيهم له قد دفع به (أي مشروع الإصدار) إلى الأمام.

وإصدار أي صحيفة يومية في البحرين يحتاج لأمرين، الأول:هو الحصول على الرخصة السياسية لإصدار صحيفة معيَّنة ،باسم محدَّد، ورئيس تحرير توافق عليه الحكومة.ثم بعد ذلك فإن المشروع بحاجة للشركة المالكة التي تدفع رأس المال وتدير المشروع مالياً، والتوجه الذي ستتبنَّاه الصحيفة هو الإتجاه الوسط.
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" (البقرة: 143) .والإتجاه الوسط يؤمن به أكثرية أهل البحرين من السنة والشيعة.

س16:تحدَّثتم كثيراً عن اتجاه وسطي ومعتدل، فهل لكم توضيح ما تقصدونه؟

ج16: الإتجاه الوسطي الذي نقصده هو ذلك التوجه العدل،الذي لا إفراط ولا تفريط، وهو ذلك التوجه الذي يؤمن بالعمل السياسي القائم على احترام حكم القانون الصادر من هيئة تشريعية منتخبة ،وعلى احترام حقوق المواطنين، والإلتزام بالقيم الإسلامية الداعية لبث روح التسامح والتعايش السلمي في المجتمع. وأعتقد جازماً أن هذا التوجّه المعتدل يؤمن به الغالبية العظمى من الشعب المسلم ، وأنه بسبب هذا الإعتدال استطاع الشعب الوصول إلى تفاهم إيجابي مع القيادة السياسية، وأن يفتح الطريق أمام المرحلة الإنفتاحية التي نعيشها حالياً.

س17: هل ستدخلون البرلمان أم ستقبلون بمنصب رسمي؟

ج17: لن أدخل البرلمان شخصياً ،ولكنِّي سأساند الإتجاه الإسلامي الذي سيدخل البرلمان. كما إنني لن أقبل بمنصب رسمي، فدوري الإجتماعي الحالي هو أفضل دور أستطيع من خلاله خدمة أمتي ووطني.والله ولي التوفيق.

س18:ما هي معلوماتكم عن قانون الإنتخابات الجديد وتوزيع الدوائر؟

ج18:ليس صحيحاً أن يتأخَّر الإعلان عن هذا القانون. فنحن نعيش في فترة انتقالية ، والبرلمان المنتخب لا زال معطّلاً، وهذا يتطلّب شفافية من الحكومة ولجانها التي تعمل بالفعل حالياً على قوانين كثيرة ، منها: قانون الإنتخاب وتحديد الدوائر.ونحن لا نعلم أيّ شيء عما يدور في هذه اللجان السريّة .ونأمل من الحكومة أن تطرح هذه الأمور بصورة أكثر شفافية، لكي يشاركها أبناء الشعب في هذه المرحلة الحساسة.
ولقد أثبت المواطنون أنهم يتحمَّلون المسئولية ويراعون كثيراً من القضايا الحساسة، ونحن نطلب من الحكومة أن تثق بالشعب كما وثق سمو الأمير بالشعب ، وحصل على ما لم يحصل عليه حاكم آخر من علاقة رصينة مع شعبه.
"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التوبة: 105).


تدوة معهد البحرين للتدريب بتاريخ 21/1/2002م حول الحس الوطني وبيئة العمل

المحاضر: د. منصور الجمري

لعل كثير من الناس أعتقد أنه في عصر المعلومات والكمبيوتر فان دور الانسان سيتضاءل ويتراجع إلى درجات خطيرة قد تؤدي لمشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية لايستطيع الانسان تحملها. الا أن من قالوا بهذا ثبت خطأ ما أعتقدوا .

ذلك لان التنوكلوجيا لا تضع الإنسان ، بل أن الإنسان هو الذي صنعها لتسهيل حياتها ، ولا يمكن لها بذلك أن تكون إلا أداة يستخدمها من أجل سعادته إن شاء أو شقاءه أن شاء ذلك ايضا.

لعل الكمبيوتر هو أفضل أداة تحليلية اخترعها الانسان وهو قمة ما توصل له الابداع الانساني في السنوات الماضية . فلقد أصر فلاسفة كثيرون أن أي "مفهوم" نافع لا بد وأن يتم تفسيره رياضياً ، أي يتم تحويله إلى معادلات راضية. ثم جاء الكمبيوتر ومعه تحليل المفاهيم الى أرقام (واحد وصفر) ، وهذا ما أعطانا الحياة الرقمية (اقتصاد رقمي، اتصالات رقمية، الخ.

نعم أن المعلومات يمكن تحويلها إلى واحد وصفر ، وبالتالي يمكن تحليلها ، وكل شيء يمكن تحليله فانه يعتمد على أجزاء ميكانيكية يمكن تفريقها وثم تجميعها ، وأن هذه الاجزاء (الرقمية او الميكانيكية) تساوي مجموعها (بمعنى ان الكل يتكون من الاجزاء التي يتمكن الانسان من فصلها عن بعضها الاخر). الا أن الانسان ليس مجموعة أرقام وليس مجموعة معلومات وليس مجموعة أحماض امينية او جينات.. الانسان أكبر من ذلك بكثير، فالامام علي (ع) يقول "أترعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر".

إن الحياة الانسانية ليست نتيجة جمع أجزاء جسدية وتركيبها ، أنها بالاضافة إلى النظام البيولوجي المادي ، هي أيضاً حياة ملؤها التفكير والاحساس ، العقل والوجدان .. لقد كان ديكارث ، الفيلسوف الفرنسي ، يقول: "أنا أفكر إذا أنا موجود" .. إن عنوان الحياة الانسانية هو التفكير هو العقل ، هو وجهة النظر التي ينتج عنها "حس" معين .

الجميع يتحدث هذه الأيام عن عصر المعلومات ، ولكن كثير منا يغفل اثر هذا العصر على نمط التفكير ونمط الاحساس والمشاعر لدى مختلف أنواع البشر .

إن توفر المعلومات عبر الحدود ودون حدود يعني أننا بحاجة لمن يسبح في محيط من المعلومات أننا بحاجة للانسان المتعلم ، العارف لعصره ومتطلبات عصره .

إننا نعيش في عصر تحركة المعرفة ، وهذه المعرفة ليست الكمبيوتر ، وإنما هي الانسان الذي يسيطر على الكمبيوتر ويخترق الأرقام والتحليلات التي يوفرها الكمبيوتر ، وهو الإنسان الذي يخلق لنفسه تصور معين حول الحياة وحول دوره في هذه الحياة .

الإنسان "المتعلم" هو الوحيد القادر على القيام بدور قيادي في عالم اليوم ، وهو الوحيد الذي يستطيع أن يوفر لنفسه وعياله لقمة العيش الكريمة . ولذا فان المؤسسة التعليمية مطالبة أن تقدم لنا المادة العلمية والعملية التي تخلق القيادات في المجتمع والمادة التي تمكن من يستلهمها في الحصول على رزقه بكرامة .. لا نريد التعليم الذي يعلمنا فقط كيف نحصل على الرزق ، فلربما كان الانسان همجياً ولكنه أيضا ذكيا في مجال تخصصه ، ولربما كان شريراً يضر الآخرين رغم خبرته وقدرته المهنية ، فمن هو الذي اخترع وسائل دمار الانسان غير الانسان نفسه ؟

ومن أجل ذلك فإننا بحاجة للقيم التي تخلق لنا الانسان النافع لغيره ، "فالخلق عيال الله وأحبكم لله أنفعكم لعياله" ، كما جاء في الحديث الشريف .. والانسان المخلص – بطبيعة الحال – يسعى لخدمة ذاته (ملعون من ألقى كلّه على الناس) ، ويسعى بعد ذلك لخدمة عائلته (الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله) "حديث شريف" .. (من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له).. فالاسلام هو الذي يحثنا على الاهتمام بالجار "الجار ثم الدار"..

وهكذا فان الانسان الصالح في ديننا هو النافع لنفسه ، لعياله ، لجيرانه .. للناس أجمعين.. وهذا هو منطلق احساسنا الوطني … اننا نخدم وطننا لاننا بذلك نكون قد خدمنا أنفسنا واهلنا وجيراننا وبقية الناس القريبين منا…

بيئة العمل المعاصر

إن عالمنا المعاصر هو عالم متعدد الجوانب ، متعدد في أفكاره ، في سياساته ، في مناهجه ، وفي مهنة أيضاً . وهذا التعدد ليس الا تأكيداً لطبيعة الانسان تلك الطبيعة التي أكدها القرآن الكريم .

"إن سعيكم لشتى" ، "قل كل يعمل على شاكلته…"

إذا كانت النعددية في عالم السياسة اليوم تعني تعدد الأحزاب المتنافسة في اللعبة السياسية ، فان التعددية في عالم المال والاقتصاد هي تعدد التخصصات .. هي تعدد الاهتمامات المهنية .

إننا نعيش في بيئة "متعددة" ، تتعدد فيها الاختصاصات والمهارات .. وفي المجتمع التعددي تستلم كل مؤسسة متخصصة مهمة محددة واحدة فقط تركز عليها وتسعى لزيادة فاعليتها تجاهها. فمعهد التدريب (مثلا) لديه مهمة واحدة فقط هي تخريج متدربين لتلبية حاجات سوق العمل …وهكذا كل مؤسسة داخل مجتمعنا المعاصر حالياً تهتم بعمل محدد.

ولذا فأن كل مؤسسة داخل مجتمعنا تختلف في بيئتها وثقافتها عن الاخرى. ولذا ترى أن هناك المؤسسة الناجحة كما نرى المؤسسة الفاشلة . ذلك لأن لكل مؤسسة بيئة معينة تحدد اسلوب عملها ، اسلوب تعاطيها مع موظفيها الخ…. بمعنى آخر لكل واحدة من هذه المؤسسات ثقافة معينة وهي الثقافة التي تحدد بيئة العمل في المؤسسة. ويمكن تشخيص الانواع التالية من الثقافات التي تؤطر بيئة العمل في كل مؤسسة كما يلي :-

البيئة السلطوية : وهذه البيئة تجدها في المؤسسات الصغيرة او المؤسسات الدكتاتورية والتي تقل فيها الضوابط وتعتمد على مركزية فرد ما أو مركزية قوة معينة. هذه البيئة تهتم بالتنافس الشديد مع الشركات الأخرى ، ويقوم المركز بتحديد الأهداف بدقة وبصورة حاسمة لا تقبل النقاش وذلك من أجل زيادة الانتاج وتقليل تكلفة ذلك الانتاج من أجل زيادة الربح التجاري. في هذه الحالة فأن المرونة قليلة والاهتمام بالوضع الخارجي للسوق يتغلب على الاهتمام بالعاملين داخل المؤسسة .

البيئة البروقراطية/الروتنية : تعتمد على هذه البيئة على الضوابط والاجراءات والمعاملات التي يتطلب تخليصها المرور على محطات العمل الروتيني. وهذه البيئة لا تهتم بطول وقت الانتاج او تخليص المعاملات، لان أهم ما لديها هو تنفيذ متطلبات الاجراءات الروتينية .

وفي هذه البيئة يتم التركيز على الاستقرار والتحكم في العمل بغض النظر عما قد يسببه الحصول على هذا التحكم والاستقرار . هذه البيئة هي التي تسيطر مثلاً على الوزارات الحكومية وعدد من المؤسسات المشابهة .

البيئة المرنة/ المتفتحة : وهذه البيئة تعتمد على اللا مركزية وعلى الذكاء الشخصي للأفراد العاملين داخل المؤسسة ، وتسعى هذه البيئة لتحقيق النمو في الموارد البشرية والأرباح من خلال النجاح في تنفيذ المهمات التي تحتاج لإبداع مستمر. ومثل هذه البيئة تلبي متطلبات تلك الشركات التي تحتاج لسرعة الاستجابة وتنفيذ ما تتطلبه الاسواق المتطورة ، وهذا يعني أن الضوابط قليلة والاشخاص يتصرفون بحرية أكبر ومرونة تتطلبها الحاجة للابداع المستمر .

البيئة الشعبية : وهذه قد لا تجدها في المؤسسات لان همها الأول هو إراحة العاملين أو الأفراد المنظمين في المؤسسة ، وهو ما قد نجده في النوادي والتجمعات الشعبية و المؤسسات الخيرية .

العوامل التي تحدد البيئة التي تتبعها مؤسسة معينة متعددة وربما أهمها:-

تاريخ المؤسسة .

أصاحب المؤسسة .

الحجم ، ونسبة ذلك الحجم داخل السوق .

التكنولوجيا المستخدمة .

أهداف المؤسسة .

الأجواء المحيطة بالمؤسسة .

الأشخاص داخل المؤسسة .

الوضع الساسي والقوانين الضابطة .

الحديث عن البيئة الأفضل ليس هو ما حاولنا التطرق اليه ، ذلك لأن البيئة الأفضل هي التي تناسب العوامل المذكورة أعلاه ، ولكن المشكلة عندما تفرض المؤسسة بيئة معينة غير مناسبة ، وهذا ما يسبب الاحباط والفشل.


التجربة الكردية: هل تصلح نموذجا لكل العراق؟
د. سعيد الشهابي (23 يناير 2002)

مضى عام واحد على تقلد جورج بوش الابن منصب الرئاسة الامريكية بعد فوزه المثير للجدل في الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2000. وخلال هذه الشهور الاثني عشر تغيّرت شخصية هذا الرئيس من سياسي ينحصر اهتمامه في الشأن المحلي الى قائد اكثر انشغالا بالوضع الدولي في اطار حرب كونية ضد ما أسماه الارهاب الدولي. وفيما كان هناك توقع في بداية عهده بانحسار الاهتمام الامريكي بقضايا العالم، أصبحت الولايات المتحدة اليوم تتعاطى مع تطورات الوضع العالمي بشكل يومي، وتفرض على العالم أجندتها الخاصة، وتمارس هيمنة سياسة وعسكرية تجاوزت التوقعات. ويخشى ناشطو معسكر الرئيس خسارته في الانتخابات المقبلة اذا استمر في اهتمامه الدولي وتجاهل الوضع الاقتصادي الداخلي، كما حدث لوالده الذي شن حربا شرسة ضد العراق ثم خسر الانتخابات. واذا كانت واشنطن في السابق تنظر الى علاقاتها مع الدول الاخرى من منطلقات وزوايا متعددة، أصبحت مقولة الرئيس التي قالها بعد حوادث سبتمبربان »من لا يقف معنا فهو يقف مع الارهاب«، مبدأ يوجه السياسة الامريكية الخارجية بوضوح. وفي إطار هذا المبدأ أصبحت قوانين الطواريء هي التي تحكم ا لقرارات والمواقف الامريكية. فما دام الروس يواجهون »الارهاب الشيشاني« فمن حقهم استعمال كل الادوات والاساليب حتى لو تناقضت مع القيم الانسانية والمواثيق الدولية. وما دامت قوات الاحتلال الاسرائيلية تكرر المقولات الامريكية وتدّعي انها تواجه »الارهاب« فان اساليب الاغتيال والتصفيات وتدمير المساكن على اهلها وممارسة أبشع أشكال ارهاب الدولة، امرا ليس مقبولا من قبل الولايات المتحدة فحسب بل يستحق الدعم واستعمال حق الفيتو ضد اي قرار دولي لمنعه. ومن المنطلق نفسه، لم يعد المسؤولون الامريكية يشعرون بغضاضة وهم يصفون امام عدسات التلفزيون اساليب التعذيب (كما وصفتها الصحف البريطانية) التي يمارسونها بحق المعتقلين من تنظيم »القاعدة«.

لقد شكلت الشهور الاربعة الماضية انقلابا في ثوابت العلاقات والقيم الدولية، وهو انقلاب ينطوي على الكثير من المخاطر للمفاهيم التي سادت خلال القرن الماضي. وهناك حالة رعب من الآلة العسكرية الامريكية التي أصبحت قادرة، في نظر الكثيرين، على حسم اي نزاع مسلح عن طريق التحكم البعيد بدون ان يتكبد الجانب الامريكي خسائر بشرية تذكر. هذه الآلة تجعل الساسة الامريكيين يتصر ف ون بمنطق القوة المطلقة ويسعون لفرض واقع يخلو من الحاجة لايجاد توازن في القوى بالنمط التقليدي، ويقوم على اساس وجود قوة مطلقة واحدة تتصرف كما تشاء. وقد ساعدت الحرب ضد افغانستان في تشكيل هذا الواقع، ودفعت الرئيس الامريكي وموظفيه للتصرف بمنطق القوة بعيدا عن منطق التوازن. ويلاحظ من الخطاب الرسمي الامريكي انطلاقه على اساس الشعور بالقوة المفرطة وعدم الحاجة للآخرين، ومحاولة حلفاء واشنطن اللحاق بها بدون قيد او شرط. وحتى عندما تقترف الولايات المتحدة ذنبا شنيعا كانتهاك اتفاقات جنيف تصدر بعض المواقف المعارضة بشكل خجول ولا تقوى على اتخاذ موقف جاد ضد واشنطن. والخشية اليوم ان تندفع واشنطن انطلاقا من مغريات الشعور بالعظمة، لتوسيع دائرة النزاع، واستهداف دول ومجموعات اخرى اغلبها في العالمين العربي والاسلامي. وفي الاسابيع الاخيرة، أطلقت تصريحات كثيرة باحتمال استهداف العراق في المرحلة التالية من الحرب الامريكية ضد »الارهاب«. ولم يعد خافيا دور اللوبي الصهيوني في واشنطن في توجيه السياسات الامريكية بما يخدم »اسرائيل« حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الامريكية. لقد أصبح العراق عنوانا لازمة ذ ات ابعاد ثلاثة: امريكية وعربية ومحلية.

فالولايات المتحدة، مدفوعة باللوبي الصهيوني، تسعى لتصفية الحساب مع نظام صدام حسين بعد ان فشلت الحرب ضده قبل احد عشر عاما في تحقيق ذلك. وهناك اختلاف في وجهات النظر حول ما اذا كانت الولايات المتحدة تستهدف اسقاط النظام فعلا، ام ابقاءه محاصرا وغير قادر على ممارسة دور يتناسب مع حجم العراق. الامر الذي لا يختلف عليه الاتجاهان ان واشنطن قلقة من الملف العراقي وان الابقاء على الوضع الحالي في العراق ليس خيارا امريكيا بعيد المدى. وخلال السنوات العشر الماضية تبنّت واشنطن خيار تغيير النظام من خلال مجموعات معارضة عراقية وفرت لها دعما سياسيا وماديا كبيرا. والهدف من ذلك تحقيق التغيير المطلوب بدون تدخل امريكي مباشر. ولكن لم يتحقق ذلك التغيير وبقي النظام محاصرا وغير قادر على القيام بدور سياسي على الصعيدين الاقليمي والدولي. اما على المستوى الداخلي، فلم يطرح النظام مشروعا جديا لاقناع العالم برغبته في التحول الى نظام تعددي يحترم حقوق الانسان ويمارس قدرا من الديمقراطية.

في ندوة عقدت نهاية الاسبوع الماضي بجامعة لندن حول الوضع الكردي في العراق، أعيد فتح ا لملف العراقي من قبل باحثين عرب وأجانب. ولخص الدكتور بول هيرست، الاستاذ بجامعة لندن الديمقراطية بثلاثة أبعاد: ان تكون الحكومة ممثلة للشعب، وممارساتها ليبرالية، ويتم التداول على السلطة في اطار تعددي. اما الدكتور سامي زبيدة فكانت مساهمته في شكل تساؤلات حول: كيف سينتهي النظام الحالي؟ وما هي القوى السياسية؟ وماذا عن موقف الدول المجاورة؟ وما هو تقييم التجربة الكردية في شمال العراق، وماذا عن المجتمع المدني ومؤسساته؟ وما قوة المؤسسات الدينية ونفوذها؟ وما موقع القبلية في المجتمع العراقي؟ بينما عرض الباحث فالح عبد الجبار اطروحته حول تلاشي مقومات الدولة في العراق في السنوات الاخيرة.

وتحدث آخرون من بينهم استاذ جامعي بريطاني مختص بالشؤون التركية، حول الموقف التركي مما يحدث في العراق. كانت الندوة في الاساس محاولة لتقييم التجربة الكردية في شمال العراق. في هذا الاطار طرحت تساؤلات عديدة حاول المشاركون مناقشتها. ومن ذلك هل السياسة الكردية استبدادية؟ ام انها استطاعت تقديم نموذج ديمقراطي يمكن تعميمه على بقية مناطق العراق؟ كيف تعامل الاكراد مع التركة الثقيلة في شمال العراق؟ هل تمكّن الناس م ن تكوين ادارات محلية بشكل مشجع؟ وفي جوهر ذلك النقاش، كان هناك سؤال محوري: ما هي آفاق التغيير السياسي في العراق؟ قال بعض الباحثين، ومنهم كارول أوليري، الاستاذة بالجامعة الامريكية في واشنطن ان الدولة العراقية لم تعط الاكراد حقوقهم، وان الحل يكمن في نظام فيدرالي يوفر للاقليات شيئا من الحقوق في إطار حكم ذاتي لكل منها، وان التجربة الكردية ايجابية. وتجدر الاشارة الى ان الادارة الكردية يتوفر لها حاليا دخل نفطي جيد (حوالي 20 بالمائة من الانتاج النفطي الحالي حسب الاتفاق مع وكالات الامم المتحدة المعنية بذلك)، وتتميز الاوضاع السياسية والامنية في شمال العراق بقدر من الاستقرار. اما مايكل ليزنبرغ، الاستاذ بجامعة امسترادم ، فكان ناقدا للتجربة الكردية مشيرا الى استبداد الاحزاب وعدم استتباب الامن، وحذر الاكراد من الافراط في وصف نجاحهم. ومع ذلك فقد اعترف بان العراقيين كانوا يتوقعون من التجربة الكردية ممارسة »أسوأ« مما تحقق. اما توبي دوج من المعهد الملكي للشؤو الخارجية البريطاني فقد تطرق الى الاقتصاد العراقي وعلاقته بالسلطة السياسية قائلا ان الحكومة الحالية أهملت ادارة ا ل بلد، وغضت الطرف عن سيادة النظام والقانون وتخلت عن نظام الرعاية الاجتماعية، وركزت على سيطرة السلطة وحمايتها، وهو بالتالي لا يرى أفقا لديمقراطية او مجتمع مدني من خلال مداخلات المشاركين في الندوة والتحدث مع الرموز السياسية العراقية يتضح وجود قناعة تزداد ترسخا بان التغيير لن يحدث من الداخل، وهناك شبه اجماع في قطاع واسع العراقيين، بمن فيهم الاكراد، بان الوضع الداخلي لن يؤدي الى التغيير، وان العامل الخارجي هو الذي سوف يجعل التغيير ممكنا. ولكن ما هو العامل الخارجي؟ المتابع للسياسة الامريكية يلاحظ وجود خلاف داخل المؤسسة الامريكية حول ما يمكن عمله في العراق في السابق، اما الآن فهناك شبه اجماع داخلها على ضرورة التخلي عن سياسة الاحتواء وتبنّي سياسة المواجهة مع نظام الرئيس صدام حسين. والسؤال يدور حول زمان المواجهة ومكانها وأدواتها.

وقد كانت الادارة الامريكية منذ بضع سنوات تسعى لبلورة مشروع سياسي يتصدره المؤتمر الوطني العراقي الذي يعتبر مظلة للجهات السياسية العراقية المتعددة. وقدمت واشنطن للمؤتمر دعما ماليا وسياسيا واعلاميا، ولكن لم يستطع هذا التجمع اقناع الامريكيين ب قدرته على تصدر العمل التغييري. وفي الاسابيع الاخيرة أعلنت الادارة الامريكية وقف الدعم المالي للمؤتمر حتى يتضح لها مصير مليوني دولار من أصل اربعة ملايين أعطيت من الخارجية الامريكية للمؤتمر. وبغض النظر عن نتائج ا لتحقيقيات فقد أوضحت ان الادارة الامريكية أصبحت أقل حماسا لدعم المؤتمر وأنها تنظر في الخيارات المتاحة امامها. ومع ان هناك من يقارن بين افغانستان والعراق للتعرف على ما يمكن ان تكون عليه السياسة الامريكية تجاه بغداد، فان هناك قناعة بان تحقيق التغيير السياسي في افغانستان أسهل كثيرا من العراق، وان تلك التجربة لا يمكن نقلها بسهولة الى ارض الرافدين. البعض يعتقد ان ندوة لندن كانت تهدف لاقناع الامريكيين وحلفائهم بنجاح التجربة الكردية وإمكان تعميمها للمناطق الاخرى كخيار ديمقراطي مستقبلي، وان من الضروري التقليل من الخشية بتمزق العراق على اساس قومية او مذهبية. لكن الاكراد انفسهم يعترفون بان خلافاتهم الداخلية التي بلغت حد الاقتتال في بعض الاحيا ن تقلل من بريق التجربة، وكذلك الامر بالنسبة لبقية فصائل المعارضة التي لم تستطع حتى الآن ابراز واجهة سياسية موحدة. بينما في افغا ن ستان كان التحالف الشمالي، برغم ضعفه وانهزامه امام قوات طالبان، وفر للامريكيين وسيلة للانطلاق باتجاه كابول لتشكيل حكومة وفاق وطنية. ومن المنطقي امعان القراءة في التجربة الكردية خصوصا في ما يتصل بالممارسة الانتخابية. فقد اجريت انتخابات محلية كانت بشكل عام ايجابية برغم الانتقادات التي وجهت ضدها. وكانت هناك انتخابات برلمانية على اساس 0_ - 50 للحزبين الوطني الاتحاد الوطني والوطني الديمقراطي، وما يزال يعمل حتى الآن تحت مظلة الحزب ا لثاني الذي يتزعمه مسعود البرزاني.

لقد بقي الملف العراقي مضطربا خصوصا في الاحد عشر عاما التي اعقبت ازمة الكويت، وما يزال أمره مستعصيا. فالاتجاهات السياسية العراقية فقدت الثقة في امكان التغيير من الداخل، بينما يواجه التدخل الخارجي اعتراضات عربية واقليمية واسعة. وقد عبّر عن هذا الاعتراض السيد عمرو موسى، الامين العام للجامعة العربية الذي قام قبل يومين بزيارة رسمية الى العراق هي الاولى منذ ازمة الاجتياح العراقي للاراضي الكويتية. وأكد موسى وجود »موقف عربي مشترك ضد توجيه اي ضربة ضد اي بلد عربي كان«. وجاءت تصريحاته بعد زيارته الى ملجأ العامرية الذ ي قتل فيه 400 مدني بقصف امريكي خلال الحرب. وجاءت تصريحات موسى في اثر التهديدات التي وجهها الرئيس الاامريكي بان »العراق سيواجه العواقب اذا لم يسمح لمفتشي الاسلحة الدوليين بالعودة الى البلاد«. واتضح في الوقت نفسه ان تركيا نفسها تعارض توجيه ضربة امريكية للعراق، كما جاء على لسان وزير دفاعها، صباح الدين شاكماك. وحذر رئيس الوزراء الاردني كذلك من العواقب التي ستحدث من جراء توجيه ضربة عسكرية ضد العراق. وجاءت التحذيرات الامريكية متزامنة مع مرور عام على استلام بوش الابن مقاليد الرئاسة، وكشفت توجه الادارة الامريكية للتصعيد مع بغداد لاسباب تتعلق بالوعود الامريكية بمواجهة الارهاب والضغوط الاسرائيلية المتواصلة على ادارة بوش للاستمرار في الحرب ضد العرب والمسلمين.

وفيما استمر التراشق الاعلامي بين الكويت والعراق بشأن المفقودين والاسرى ازداد الغموض حول امكان التقارب بين البلدين الجارين، الامر الذي يزيد من تعكير الاجواء العربية مع اقتراب موعد القمة العربية المزمع عقدها في بيروت. الامر المثير للاستغراب عزوف حكومة بغداد عن القيام بأية مبادرة جادة لتحقيق وفاق وطني واصلاح سياسي جدي وتغيير الص و رة السلبية للنظام السياسي التي ارتسمت في الاذهان. فالاستمرار في نمط الحكم التسلطي يوفر لمن يكيد للعراق المبرر للتآمر ضد بغداد والتخطيط لضربها. ومع انتشار مشاعر اليأس في إمكان التغيير من الداخل فان اي تغيير يحدث بتدخل أجنبي سوف يزيد الوضع تعقيدا ويسلب حربة من يتربع على كرسي الحكم في بغداد. ان تحول العراق الى نظام ديمقراطي سيكون بداية تغيرات ايجابية في المنطقة العربية ومن مصلحة الجميع ان يتم هذا التغيير من الداخل حتى لو تأخر، والمراهنة على تدخل امريكي لحسم الموقف خيار قد يحقق طموحات البعض ولكنه لن يكون لمصلحة العراق واستقلاله واستقراره وحريته


أسرى الحرب الذين لا حقوق لهم
د. سعيد الشهابي (17 يناير 2002)

قبل اكثر من ستة اعوام اعترف عسكريون اسرائيليون بارتكاب مجازر بحق اسرى الحرب المصريين في حربي 1956 و ،1967 وحتى اليوم لم يتخذ إجراء بحق اي منهم، ولم يفتح تحقيق دولي لمعرفة ما حدث وتوثيقه. وبسبب الثقة العالية لدى المؤسسة اليهودية بان »اسرائيل« لن تتعرض لضغوط حول هذه الجرائم، فقد نشرت صحيفة »معاريف« في 4 اغسطس 1995 بعض هذه الاعترافات. ومن جانبها قامت المنظمة المصرية لحقوق الانسان بجمع إفادات من 56 شخصا كانوا شهود عيان لتلك الجرائم التي ارتكبها اشخاص اصبحوا في مواقع متقدمة في الحكومة الاسرائيلية.

ومن هؤلاء اريل شارون الذي كان قائد اللوءالتاسع في ،1967 وأريل بيرو، الذي اعترف في 1995 بقتل 49 مصريا في حرب 56 لم يكونوا يحملون السلاح.

ان فتح ملف الجرائم التي ترتكب بحق اسرى الحرب ضرورة تقتضيها مسؤولية الحفاظ على ارواح البشر والتعامل معهم بانسانية في الحرب والسلم. وفي العقود الاخيرة تصدرت الدول الغربية مشاريع وضع القوانين والتشريعات الدولية التي تحمي حقوق الانسان في وقت السلم وحقوق اسرى الحرب في النزاعات المسلحة. وجاءت محاكمات نورومبرغ الشهيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لتؤكد وجود رغبة دولية في الاقتصاص من مرتكبي جرائم الحرب، ثم وضعت مواثيق جنيف حول أسرى الحرب.

ولذلك هناك استغراب شديد من اصرار الولايات المتحدة الامريكية على رفض المحكمة الجنائية الدولية المحكومة ببروتوكولات روما، بحجة عدم رغبتها في تعريض جنودها لخطر المقاضاة الدولية. هذا البعد يكشف حجم المخاطر التي يتعرض لها اسرى الحرب
والمعاناة السيئة التي يقاسونها خلال احتجازهم. وهناك من يقول ان من بين اهم الانجازات البشرية في القرن الماضي اقرار معاهدات جنيف التي تفرض على الدول التزامات محددة بشأنهم.

وبرغم وجود هذه القوانين والبروتوكولات فما تزال معاناة اسرى الحرب مستمرة في اغلب الحروب التي تجري في العالم. ومما يؤسف له ان تستمر نزعة السياسيين والعسكريين القائمة على اساس الانتقام وتجاهل القوانين الدولية من جهة وتلاشي الشعور بالمسؤولية والانسانية من نفوس من يحمل بندقية او رشاشا من جهة اخرى. ومنذ الحرب العالمية الثانية لم تفلح جهود نشطاء حقوق الانسان في منع الجرائم التي ترتكب بحق الاسرى، ولم تتكرر محاكم نورومبرغ الا على نطاق ضيق في حالات محدودة مثل رواندا ويوغوسلافيا.

ويمكن ان تكون المحكمة الجنائية الدولية وسيلة ردع جيدة تخفف من نوازع حملة السلاح للانتقام والقتل واساءة معاملة من بايديهم من الاسرى. قبل يومين تبادلت الكويت والعراق الاتهامات مجددا باساءة معاملة الاسرى وتعمد اخفائهم. ففي بغداد »طالبت عوائل المفقودين العراقيين في الكويت والسعودية الاتحادات والمنظمات المهنية والشعبية ومنظمات حقوق الانسان بالتدخل لدى المسؤولين في الكويت والسعودية من اجل معرفة مصير ابنائهم«. جاء ذلك في تظاهرة على هامش ندوة الاعلام العربي وانتفاضة الاقصى التي تنظمها نقابة الصحافيين العراقيين بالتعاون مع اتحاد الصحفيين العرب. وطالب المشاركون في التظاهرة بالكشف عن مصير 1137 مفقودا عراقيا في الكويت والسعودية.

وقال المنظمون »ان عائلات هؤلاء اعربت عن أملها في ان تستجيب السلطات الكويتية والسعودية لمبادرة العراق من اجل حل مسألة المفقودين في اطار الجامعة العربية بعيدا عن التدخلات الاجنبية«. جاء ذلك في الوقت الذي يقوم به وفد برلماني كويتي في الاردن بجهود حثيثة لكشف الغموض عن الاسرى والمفقودين الكويتيين الذين ما يزال مصيرهم مجهولا برغم مرور اكثر من 11 عاما على اختفاء اغلبهم. وقد أصبحت قضية الاسرى تحتل موقعا محوريا في السياسة الخارجية الكويتية في السنوات الاخيرة، برغم عدم احراز تقدم يذكر بشأنها. وقد شكلت لجان شعبية وحكومية لمتابعة القضية، واثيرت مع الجهات الدولية السياسية والحقوقية، وأقيمت المؤتمرات والندوات لمناقشتها.

وتشعر الكويت ان مجلس التعاون لم يبذل جهودا كبيرة للبحث في مصير هؤلاء، ويزداد الوضع تعقيدا عندما تطرح قضية الحصار المفروض على العراق وما يعانيه شعبها من جوع ومرض نتيجة ذلك. ولممارسة المزيد من الضغط على الرأي العام الخليجي، قام رحالان كويتيان بجولة لدول مجلس التعاون، حاملين شعار »لن ننساكم«، وانطلقا في 20 ديسمبر من ابراج الكويت الى السعودية ومنها الى البحرين ثم قطر والامارات، وسوف يواصلان جولتهما الى سلطنة عمان. ان قضية المفقودين الكويتيين امر محيّر حقا، وتمثل واحدة من الظواهر المحزنة في عالمنا المليء بالمشاكل ذات البعد الانساني المروّع.

وكان حريّآ بالعراق، وهو الذي يحظى بتعاطف عربي واسع بسبب الحصار الظالم المفروض عليه والتهديدات الامريكية المتواصلة ضده، ان يبادل لحل لغز هؤلاء قبل سنوات، وسد هذه الثغرة المؤذية في جسد الامة، ليكتمل التعاطف العربي والاسلامي مع قضاياه، وتمهيد الطريق لتلاحم عربي اوسع امام التحديات الخارجية.

مطلوب من الحكومات المعنية ان تعي ان المشاكل السياسية في ما بينها يجب ن تحل بشكل جدّي، وانه لا جدوى من استمرارها او اذكائها بمثل هذه الا ساليب. وفي الوقت الذي تطالب الشعوب الخليجية فيه بانهاء معاناة الشعب العراقي والحصار الجائر المفروض عليه، فانها تطالب كذلك بانهاء معاناة الاسرى الكويتيين وبقية المفقودين الخليجيين.

وعندما أعلن هذا الاسبوع عن زيارة وزير الخارجية العراقي، ناجي صبري الى العاصمة البحرينية، المنامة، اثيرت قضية المواطنين البحرينيين الثمانية الذين اختفوا خلال الانتفاضة الشعبية في ،1991 ولم يسمع خبر عنهم منذ ذلك الوقت. وشعب البحرين يتعاطف بدون حدود مع شعب العراق، ويطالب بالغاء العقوبات الظالمة ضده، في الوقت الذي يطالب حكومة بغداد بكشف الغموض الذي يلف مصير الثمانية المفقودين.

ان بغداد تدرك الآن اهمية تبريد نقاط التماس مع جيراتها خصوصا في هذه الفترة التي ما يزال التهديد الامريكي ضدها مستمرا. وتدرك كذلك ان شعب العراق بدأ يتعافى من آثار الحرب المدمرة مع الجمهورية الاسلامية الايرانية بعد ان أشرفت قضية اسرى الحرب بين البلدين لى الانتهاء. وبرغم وجود رغبة لدى كل من بغداد وطهران في غلق ملف اسرى الحرب، فما يزال هناك مفقودون لم تتحدد مصائرهم بعد، ويعتقد ان بينهم أسرى حرب يرزحون في السجون.

ان مما يبعث على الاشمئزاز والاسى ان تبقى اوضاع امتنا عرضة للمساومات السياسية، فلا يصبح المواطن الا رقما آخر يمكن الاستغناء عنه او الابقاء عليه. ويعلم الساسة في بلداننا ان استخفاف الآخرين بهم ينطلق من قناعة اولئك بهامشية المواطن في قاموسهم.

فما لم يكن الاحترام متبادلا بين الحاكم والمحكومين، فان حالة الضعف في العلاقة تنعكس سلبا على بقية الجوانب، وان تغييب المواثيق الدولية التي تنظم الحرب والسلام عن الواقع الذي تعيشه الامة يؤدي بشكل او آخر الى اضعاف الصف الوطني وتكريس حالة الشك المتبادل، ويكرس الضعف والتشرذم في اوساط ا لامة. ويعتقد بعض الحكام احيانا ان التنازل للقوى الكبرى على حساب المواطنين سوف يدفع تلك القوى لاحترامهم، ولكن الواقع عكس ذلك تماما.

فلا احترام لحاكم من قبل الآخرين الا بقدر ما يحترم مواطنيه، ولا حماية له الا بالسند الذي يوفره له اولئك المواطنون. فعندما قام الرئيس الباكستاني، برويز مشرّف، هذا الاسبوع بعدد من الاجراءات الامنية الهادفة لارضاء الساسة الامريكيين والهنود، كان عليه ان يدرك ان تصريحاته اولا وخطواته العملية ثانيا لن تحقق رضى الجهات التي يهدف لارضائها، بل ستؤدي الى خلخلة في الوضع ا لاجتماعي والسياسي الداخلي، وستكون نتيجة ذلك ضعف النسيج الاجتماعي وتفاقم النقمة ضد حكمه.

هذا مع الاقرار بضرورة اتخاذ اجراءات لمنع استمرار الاعمال الارهابية من قبل بعض المجموعات المتطرفة، وهي اعمال راح ضحيتها العام الماضي اكثر من 400 شخص. وتثار اليوم قضية نقل المعتقلين من اعضاء تنظيم القاعدة من افغانستان الى قاعدة كوانتنامو في كوبا، ومدى قانونيتها والالتزامات الامريكية تجاههم. لقد حاول المسؤولون الامريكيون التنصل من التزاماتهم الاخلاقية وذلك بادعاء انهم ليسوا اسرى حرب.

فقد وصفهم وزير الخارجية الامريكي بانهم »مقاتلون غير شرعيين«، ولكن منظمات حقوقية دولية منها »هيومن رايتس ووج« قالت في بيان صدر هذا الاسبوع ان الوزير يبدو »غير مطلع على القانون الانساني الدولي، وان الولايات المتحدة مطالبة بمعاملة كل اسير حرب بانسانية حتى لو كان مقاتلا غير شرعي«. وحسب بيان المنظمة فليس للولايات المتحدة حق الانتقاء والتمييز في المعاملة. وهذه ليست المرة الاولى التي ينقل السجناء فيها الى هذه القاعدة. ففي 1994 قامت الولايات المتحدة بنقل اللاجئين من هايتي وكوبا اليها.

وهناك استياء كبير من الطريقة التي عومل سجناء »القاعدة« بها، خصوصا تغطية رؤوسهم وربطهم بمقاعدهم خلال الرحلة التي استغرقت 27 ساعة من كابول الى القاعدة المذكورة، وعزم واشنطن احتجازهم في اقفاص لا تقيهم من الطقس، الامر الذي اعتبرته المنظمة »فضيحة«. وطبقا لمواثيق جنيف فمطلوب منها توفير مأوى مناسب لكل محتجز بالاضافة الى الملبس والمأكل والعناية الطبية. ووفقا لهذه المواثيق فان هذه حقوق اساسية يجب توفيرها لكل محتجز حتى لو اتهم بارتكاب جرائم حرب.

ولا يجوز تعذيبه او معاملته بما يحط من قيمته الانسانية. ووفقا لتلك المواثيق يجب ان يتوفر لأسرى الحرب مستوى لائق من المأوى لا يقل عن مستوى ما هو متوفر لسجانيهم، في هذه الحالة، القوات المسلحة الامريكية. وفي حالة محاكمتهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية، يجب ان يمثلوا امام المحاكم نفسها التي تحاكم افراد القوات المسلحة، ولا يجوز محاكمتهم من قبل الهيئات العسكرية المقترحة.

ونظرا لغياب الاهتمام الدولي او المحلي بهؤلاء الاسرى فمن غير المتوقع ان تحظى قضيتهم باهتمام واسع سواء من حكومات بلدانهم ام المنظمات الحقوقية ام الرأي العام. فمثلا عندما تمت تصفية مئات الاسرى بـ »قلعة الحرب« بالقرب من مزار شريف قبل شهرين، حدثت ضجة محدودة ما لبثت ان تلاشت. ورفضت الولايات المتحدة وبريطانيا تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في تلك المجزرة.

وبسبب بشاعة معاملة هؤلاء المعتقلين، وجد وزير الخارجية البريطاني، جاك سترو، نفسه مضطرا للتحدث مع نظيره الامريكي، كولين باول، معبّرا عن قلقه ومطالبا بتحسين ظروف الاعتقال والمعاملة. ليس جديدا القول ان البشر العاديين هم وقود الحروب التي تطحنهم بدون هوادة. فهم يجرحون او يقتلون بالمئات والآلاف، بينما يبقى القادة والمسؤولون والحكام في مواقعهم بعيدين عن الحرب واهوالها. وحتى في حرب افغانستان، فقد قتل آلاف الافغان بينما بقي حكامهم ومسؤولوهم بعيدين عن الخطر.

وعندما حطت قدما رئيس الوزراء البريطاني في قاعدة باغرام الافغانية، اعتبرت تلك الخطوة مخاطرة كبيرة من جانبه. طاحونة الموت تحصد الجنود والمقاتلين الذين ينفذون اوامر القادة بدون تردد او سؤال. فالعسكري معروف بتنفيذ الاوامر بحرفيتها، والانضباط يعني التنفيذ الصارم بدون مناقشة. في ضوء هذه الحقائق تصبح حياة الجندي محفوفة بالخطر الدائم، خصوصا في الحرب الحديثة التي تخاض بالطائرات المرتفعة جدا وتلقي حممها على الرؤوس وتدمر الاخضر واليابس. ويصبح النقاش حول أسرى الحرب وحقوقهم ثانويا اذا ما قورن بحق الحياة المنتهك في ساحات الحرب لتكنولوجية الحديثة.

ومع التطور الذي تحقق في مجال حماية حقوق اسرى الحرب فان ما حدث في افغانستان يبعث على القلق الشديد، خصوصا في ما يتعلق بحقوق الاسرى في ضوء التصريحات الرسمية. فقبل نقل سجناء تنظيم القاعدة الى قاعدة كوانتنامو، كان وزير الدفاع الامريكي يصرّح برغبته في قتلهم وانه لا يرغب في الاحتفاظ بهم كأسرى.

اما الان وقد اضطر لأسرهم فهو يبحث عن أسوأ الطرق لازالة البعد الانساني من القضية، لكي يتعامل معهم بعيدا عن الالتزامات التي تفرضها مواثيق جنيف. وانه لأمر مستغرب جدا ان تسعى الولايات المتحدة، وهي الدولة الاقوى عسكريا في العالم، ان تتعاطى مع القضية بعقلية التصفية والانتقام وتستغل قوتها للتخلي عن التزاماتها الدولية والانسانية.

المشكلة ان الامثلة التي ذكرت لا تحصر سوء معاملة اسرى الحرب بالامريكيين، بل اصبحت المعاملة السيئة ظاهرة في العالم تتجاوز الحدود والثقافات، لتفرض نفسها في بعدها اللاانساني بقوة. فما حدث في وادي المطلاع (على الحدود العراقية - الكويتية) للجنود العراقيين وما حدث لمسلمي البوسنة وكوسوفو والجزائر ورواندا، كل ذلك مؤشر للنزعة الشيطانية في نفس الانسان، وهي نزعة مضادة لما هو انساني وخيّر، وكل ما هو إلهيّ من التعليمات.

انها قصة طويلة من صراع الانسان مع نفسه، وهو صراع يجب ان يتوقف ويستبدل بتكامل الانسان مع ما حوله ومن حوله، وهي ثقافة تحتاج الى استيعاب ووعي حقيقيين. فالعالم ما يزال يعيش فصول الماضي بمرارتها برغم التباهي بحلل الحداثة والعصرنة التي تزيّن الجسد وتقتل الروح في الكثير من فصولها وأبعادها.


سكان البحرين 2001

بقلم: عبدالرحمن سلمان الزياني

1 ــ العاطلون ونسبتهم في دولة البحرين

أعلن رسميا نتائج تعداد سكان البحرين لعام 2001 في 4 ديسمبر 2001م. وتعتبر دولة البحرين رائدة بين دول الخليج وشبه الجزيرة العربية في ذلك إذ أجريت لها 8 تعدادات على مدى 60 عاما امتدت خلال السنوات من 1941 إلى .2001 وتهدف هذه الدراسة إلى عرض وتحليل للمعلومات الإحصائية الهامة والرئيسية وتسليط الضوء على بعض المؤشرات الديمغرافية الخاصة بسكان البحرين ومقارنتها بنظائرها في الدول الأخرى وذلك بصورة موجزة ومبسطة تكون ذات فائدة للقارىء العادي وذات حافز للباحث المتخصص للقيام بمزيد من دراسات تحليلية أكثر تفصيلا وعمقا.

ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها المؤسسات الحكومية والأهلية خلال السنوات الماضية لتوظيف المواطنين الباحثين عن عمل، فإن عدد العاطلين قد زاد من 13 ألفا عام 1991 إلى 16 ألف عاطل عام 2001م وارتفعت نسبة العاطلين من جملة القوة العاملة البحرينية من 15% إلى 18% خلال السنوات العشر الأخيرة، كما يظهر ذلك في جدول (1)، كما يبين الجدول أعدادا صغيرة من العاطلين الأجانب لا يزيد عددهم على ألف عاطل في كل تعداد وأغلبهم من أبناء أسر الجاليات العربية الذين دخلوا سن العمل. وإذا تم نسب عدد العاطلين إلى كل القوة العاملة في البلاد لغرض المقارنة مع دول العالم الأخرى، فإننا نجد أن نسبة البطالة تنخفض من 6,3% عام 1991 إلى 5,5% عام 2001، وهي نسبة تقارب النسبة السائدة في اليابان هذه الأيام. العاطلون ونسبتهم المئوية من القوة العاملة حسب الجنسية (بحريني/غير بحريني) 1991، 2001

ف(00) تشير إلى أن النسبة تقل عن 0,1% المصدر: النتائج الأساسية للتعداد العام للسكان ــ الجزء الأول (2001م) الجهاز المركزي للإحصاء. إن نسب البطالة في معظم دول العالم الثالث هي موضوع خلاف بين الحكومات ونقابات العمل، حيث تقدرها النقابات عادة بمستوى أكثر مما تراه الحكومات صحيحا، وبالرغم ــ حسب رأينا ــ من أهمية مستوى نسبة البطالة في حد ذاته لتقدير حجم المشكلة، فإن الأهم من ذلك هو التغير في تلك النسبة سواء بالانخفاض أو الارتفاع خلال فترات زمنية محدة قد تكون دورية أو نصف سنوية أو سنوية، فانخفاض نسبة البطالة دليل على ازدهار وانتعاش الاقتصاد الوطني، وارتفاع النسبة دليل على حدوث ركود اقتصادي وتقلص في فرص العمل والتشغيل في القطاعات الاقتصادية في البلاد. إننا نرى أنه من الأفضل لدولة البحرين عدم الاعتماد على نتائج تعدادات السكان التي تجرى مرة كل 10 سنوات لتقدير نسب البطالة، بل إن المنهج العلمي الأفضل والمتبع دوليا هو قياس مستوى البطالة عن طريق إجراء مسح ميداني متخصص وبالعينة للقوى العاملة مرة كل سنة. إن هذا المسح الميداني سوف يوفر معلومات أكثر دقة عن مجريات سوق العمل ولقياس التغير في أعداد العاطلين ونسب البطالة في كل سنة مما يتيح المجال لاتخاذ القرارات المناسبة لمعالجة هذه الظاهرة في الوقت المناسب. * المدير الأسبق للجهاز المركزي للإحصاء

2 - النمو السكاني في دولة البحرين

أعلنت رسميا نتائج تعداد سكان البحرين لعام 2001 في 4 ديسمبر 2001م. وتعتبر دولة البحرين رائدة بين دولة الخليج وشبه الجزيرة العربية في ذلك إذا أجريت لها 8 تعدادات على مدى 60 عاما امتدت خلال السنوات من 1941 الى .2001 وتهدف هذه الدراسة الى عرض وتحليل للمعلومات الإحصائية الهامة والرئيسية، وتسليط الضوء على بعض المؤشرات الديمغرافية الخاصة بسكان البحرين ومقارنتها بنظائرها في الدول الأخرى وذلك بصورة موجزة ومبسطة تكون ذات فائدة للقارئ العادي وذات حافز للباحث المتخصص للقيام بمزيد من دراسات تحليلية أكثر تفصيلا وعمقا.

لايزال المعدل السنوي لنمو السكان البحرينيين عاليا (2.5%) مقارنة بمعدل نمو سكان العالم (1.6%)، إلا أن ذلك المعدل أخذ في الهبوط البطيء خلال الــ 35 سنة الماضية؛ حيث نجده 3.5% فيما بين 1965 و1971 ليهبط الى 2.5% خلال العشرات السنوات الأخيرة، انظر جدول (1). جدول (2) هو لمعدلات النمو السكاني لدول مختارة لغرض المقارنة. وفي رأينا أنه قد آن الأوان، وأصبح الوقت مناسبا لتتبنى دولة البحرين تطبيق سياسة سكانية مناسبة تهدف الى التعجيل في تخفيض معدل المواليد في البلاد الأمر الذي يؤدي الى تخفيض معدل النمو السكاني إلى مستوى متوازن وفي حدود 1.5% خلال الــ 15 سنة القادمة كما تهدف إليه دول الجوار مثل الجمهورية العربية السورية (2.3) وجمهورية إيران الإسلامية (1.4%) وتركيا (1.3). إن انخفاض المعدل الى ذلك المستوى سوف يقلل من الضغوط على الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية وشبكات الطرق والكهرباء والمياه والمجاري وغيرها من الخدمات.

3 ــ العاملون ونسبتهم في دولة البحرين

أعلنت رسميا نتائج تعداد سكان البحرين لعام 2001 في 4 ديسمبر 2001، وتعتبر دولة البحرين رائدة بين دول الخليج وشبه الجزيرة العربية في ذلك إذ أجريت لها 8 تعدادات على مدى 60 عاما امتدت خلال السنوات من 1941 إلى 2001، وتهدف هذه الدراسة إلى عرض وتحليل للمعلومات الإحصائية المهمة والرئيسية، وتسليط الضوء على بعض المؤشرات الديمغرافية الخاصة بسكان البحرين ومقارنتها بنظائرها في الدول الأخرى وذلك بصورة موجزة ومبسطة تكون ذات فائدة للقارىء العادي وذات حافز للباحث المتخصص للقيام بمزيد من دراسات تحليلية أكثر تفصيلا وعمقا.

ويبين الجدول (1) جملة الوظائف والأعمال الجديدة التي استحدثت في البلاد خلال العشر السنوات الأخيرة والتي بلغت حوالي 79 ألف وظيفة أي (حوالي 7900 وظيفة سنويا) حصل البحرينيون منها على حوالي 34 ألف وظيفة أي (حوالي 3400 وظيفة سنويا) وذهب الباقي من الوظائف والأعمال والبالغة 46 ألف وظيفة إلى غير البحرينيين، وبمعنى آخر ان كل 12 وظيفة جديدة استحدثت خلال ذلك العقد ذهبت 7 وظائف منها إلى غير البحرينيين، مما لم يترك للبحرينيين عام 2001 سوى 38% من إجمالي الوظائف في البلاد، انظر جدول (1).

4 ــ نسبة الجنس في دولة البحرين

إن نسبة الجنس Sex ratio هي أكثر المقاييس شيوعا في الاستخدام لإظهار التوازن في الجنس (ذكور، إناث) لأي سكان، ونسبة الجنس هي عدد الذكور لكل مائة أنثى. وكلما اقتربت النسبة من 100 دل ذلك على توازن قوي بين الجنسين. وإذا كان الذكور أكثر من الإناث، فالنسبة تكون أكثر من 100 وإذا قلت عن 100 دل على أن الإناث أكثر من الذكور. نسب الجنس للسكان حسب الجنسية (بحريني، غير بحريني) من 1965 إلى 2001م المصدر: نتائج تعدادات السكان: 1965 ــ .2001 الجهاز المركزي للإحصاء - دولة البحرين ومقارنة نسب الجنس الخاصة بالبحرينيين في جدول (1) في سنوات التعداد الخمسة، نجد أنها تقريبا حول 1013 وهي النسبة المعتادة لدول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن نسب الجنس لغير البحرينيين فهي كبيرة جدا ويرجع ذلك بالطبع إلى أن غالبية الأجانب هم من العمال الذكور الذين اعتادوا القدوم إلى البلاد تاركين أسرهم في مواطنهم. وبالنسبة إلى السكان غير البحرينيين نجد نسبة الإناث فيما بينهم واللواتي قدرن بحوالي 31% من مجموع الأجانب عام 2001م مقارنة إلى نسبتهن بين البحرينيين، حيث تبلغ حوالي 50% وهي النسبة المعتادة لأي سكان مستقر كما ذكرنا آنفا.


موسكو - واشنطن: منافع مشتركة لكنها مؤقتة

د. سعيد الشهابي (8 يناير 2002)

في منتصف نوفمبر الماضي شوهد رجل نحيف يدخل مبنى مشيّدا على الطراز الروسي في واشنطن بعد ان نزل من سيارته الفخمة التي اصطحبتها الى المكان سيارات امن خاصة. تمبز المبنى بقباب بصلية الشكل شبيهة بمبنى الكرملين في موسكو، ولم يكن ذلك المبنى الا كاتدرائية سانت نيكولاس (الكنيسة الروسية) في نيويورك، اما الرجل النحيف فلم يكن سوى الرئيس فلاديمير بوتين الذي كان في زيارة رسمية للولايات المتحدة الامريكية. وللمرة الاولى اصبح مألوفا ان يتردد رئيس روسي على مكان للعبادة منذ القطيعة بين الكرملين والدين التي امتدت سبعة عقود. وللمرة الاولى كذلك تصبح زيارة الرئيس الروسي لواشنطن امرا عاديا لا يحتاج الى مناقشات حول خلافات ايديولوجية معقدة، ولا تسبقه توترات بين اجهزة الامن والاستخبارات، ولا اشارات لنزاع نووي او خلافات استراتيجية بين موسكو وواشنطن. وحتى الانسحاب الامريكي من معاهدة الحد من الاسلحة النووية Anti Ballistic Missile Treaty التي وقعها البلدان قبل ثلاثين عاما لم يعد قضية تنغص العلاقات بين الجانبين، بالرغم مما ابداه الرئيس الروسي من »أسف« للقرار الامريكى بالانسحاب. وبينما أصبحت مصافحة الرئيس الباكستاني لرئيس الوزراء الهندي في العاصمة النيبالية، كاتمندو، خبرا يحظى باهتمام الاذاعات ووكالات الانباء، لم تعد لقاءات بوش وبوتين بتلك الاهمية. فهي تعقد احيانا بشكل طاريء او على هامش اجتماعات الامم المتحدة او اجتماعات دول منظمة التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادي. وعندما اجرى وزراء خارجية الدول في »منظمة شنغهاي للتعاون الاقليمي« قبل يومين محادثات في بكين، كانت قضية افغانستان والحرب ضد الارهاب اهم القضايا التي تمت مناقشتها بحضور روسيا وتضم المنظمة خمس دول اخرى من بينها الصين وقازاخستان وقرقيزستان واوزبكستان. وقد جاءت حوادث 11 سبتمبر لتقوي العلاقات بين الجانبين نظرا لتقاطع مصالحهما عند مواجهة التيار الاسلامي عامة.

الولايات المتحدة الامريكية استفادت كثيرا من التعاون الروسي في حربها ضد افغانستان. فلم تضغط موسكو على واشنطن للحصول على تفويض دولي لتلك الحرب، ولم تطلق تصريحات ضدها. وعلى العكس من ذلك فقد اتسمت المواقف الروسية بدعم المجهودات الامريكية، وطلبت من حليفاتها دعم المجهود العسكري الا مريكي في افغانستان، ووفرت جمهورية طاجيكستان تسهيلات عسكرية للقوات الامريكية. وكان هناك توافق في الموقفين الروسي والامريكي من دعم قوات التحالف الشمالي الافغاني الذي كانت روسيا تدعمه عندما كانت الولايات المتحدة تدعم نظام طالبان، وضمنت عدم اعتراض واشنطن على ما تقوم به من عمليات عسكرية في الشيشان. وقد صعّدت القوات الروسية في الايام الاخيرة عملياتها العسكرية ضد المقاتلين الشيشان، وقامت طائراتها من طرازي سوخوي 24 و 25 بسلسلة من الغارات ضد مواقع المقاتلين الشيشانيين. كما شاركت مروحيات من طراز سي 8 في عمليات استطلاعية للمناطق التي يعتقد انها تجمعات للمقاتلين الشيشان، وتم تدمير قواعد عسكرية ومخازن اسلحة تابعة لهم. وعلى مدى بضعة ايام واصلت القوات الروسية عمليات تمشيط واسعة النطاق في مدينة ارغون الجبلية بحثا عن المقاتلين والاسلحة. وأعطت واشنطن مباركتها الضمنية لتلك العمليات في الوقت الذي اتهمت فيه منظمات حقوق الانسان الروسية السلطات العسكرية بانتهاك حقوق المواطنين الشيشان وا لاعتداء عليهم والقيام بممارسات غير مشروعة خلال عمليات التمشيط.

وخلال الشهور الاربعة الماضية تواصلت الجهود الامريكية لطرح استراتيجية طويلة الامد ضد ما تسميه »الارهاب الدولي«، وحققت بعض الانجازات في هذا الجانب. ولعل من اهم الانجازات قدرة الحكومة الامريكية على فرض رؤيتها ازاء ما تسميه »الارهاب« على دول العالم برغم ازدواجية المعايير التي تنتهجها وانتقائية موقفها السياسي. فبالاضافة للعمل العسكري المباشر ضد من تتهمهم بالارهاب، اصبحت دول العالم خصوصا العربية والاسلامية منها »مرعوبة« بتلك السياسات، وسارعت لمسايرتها برغم ما لذلك من انعكاسات سلبية على اوضاعها الداخلية. وطرح الرئيس بوش البعد الاقتصادي في حربه ضد المجموعات المناوئة للسياسة الامريكية، وقام بتجميد حسابات العديد منها، وأصبح العالم فجأة يحارب »غسيل الاموال« ويجمّد أرصدة الافراد والجماعات التي تقدم واشنطن لوائح باسمائهم الى تلك الدول. واستغلت الولايات المتحدة التناقضات في مجتمعات العالم الثالث وصعوباتها السياسية والمالية لتجبر حكوماتها على مسايرة المشروع الامريكي في جانب تجميد الاموال. وقد بدأت هذا الاسبوع في العاصمة البحرينية أعمال المؤتمر الدولي حول غسيل الاموال ومخاطرها بمشاركة مسؤولين من مؤسسات مالية ونقدية من العديد من دول العالم. ولا شك ان وضع نهاية لغسيل الاموال امر مطلوب خصوصا الاموال المرتبطة بالاتجار بالمخدرات وشبكات الدعارة وما يشبه تجارة الرقيق.

فهذه الممارسات غير الانسانية مرفوضة بسب ضررها للمجتمع البشري وتناقضها مع مستلزمات المواطنة الحسنة واشاعة قيم الاخلاق والفضيلة. غير ان توسيعها لتشمل ارصدة المجموعات والشخصيات الاسلامية بعناوين متباينة يلقي بالكثير من ظلال الشك على منطلقاتها ومبرراتها. وتجدر الاشارة الى ان عملية غسيل الاموال شهت انتشارا واسعا في السنوت الاخيرة حتى أصبحت مثل السرطان الذي يستشري في الابدان بسرعة تفوق سرعة محاولات علاجه. ويقصد بغسيل الاموال محاولات جهات اجرامية تبرير مصادر الاموال القذرة التي تجنيها من خلال عمليات غير قانونية أبرزها تهريب وتجارة المخدرات وأنشطة غير قانونية اخرى بحيث تأخذ تلك الاموال في النهاية الصفة القانونية من خلا تدويرها في عدة عمليات وتحويلات بعضها بأسماء شركات وهمية وأخرى حقيقية متعاونة مع الجهات الاجرامية. ويبلغ حجم عمليات غسيل الاموال وفقا لاحصاءات صندوق النقد الدولي ما بين 590 مليار دولار و 1500 مليار دولار سنويا اي ما يعادل 2 و 5 بالمائة من اجمالي الناتج المحلي العالمي. ويتطلب القضاء على جرائم غسيل الاموال تنسيق الجهود والاجراءات واصدار التشريعات التي تحقق لمختلف الدول مزايا تعقب الجريمة والمجرمين ومصادرة اموالهم داخل البلا دوخارجها واصدار قوانين خاصة بمكافحة غسيل الاموال غير المشروعة. وفي ضوء الضغوط الامريكية على دول الخليج تم تجميد ارصدة عدد من المواطنين والمؤسسات، وفتح التحقيق مع عدد منهم. وهناك مطالبة امريكية للحكومات الخليجية بوقف المساعدات الخيرية التي تذهب لمحتاجيها في البلدان العربية الاخرى، وكذلك المساعدات المالية للمؤسسات الاسلامية الناشطة في تلك البلدان.

ولضمان نجاح الحملة الامريكية ضد الارهاب، اصبحت دول العالم الاسلامي مستهدفة بشكل واضح من قبل السلطات الامريكية، اذ أصبحت مطالبة بـ »التعاون« الكامل مع تلك السلطات وتنفيذ مطالبها في كل الحالات. واذا لم تنفذ ذلك أصبحت معرضة للتحرش العسكري او الامني من جاراتها في اقل تقدير. فمثلا تطالب الولايات المتحدة باكستان بتسليم مواطنيها للسلطات الامريكية بحجة دعم الارهاب، وطرد الاسلاميين غير الباكستانيين من اراضيها والتصدي للظاهرة الاسلامية بما في ذلك المدارس الدينية والجمعيات الخيرية والاحزاب السياسية. الامر المؤذي في كل ذلك وجود ظاهرة التطرف في الفكر والممارسة لدى بعض القطاعات الاسلامية في باكستان، وهي ظاهرة ادت الى جرائم قتل واغتيال استهدفت رموزا اسلامية كثيرة وراح ضحيتها الآلاف في السنوات العشر الماضية. ووجدت واشنطن الارضية مناسبة للضغط على باكستان مستفيدة من التوتر الطائفي، لكبج جماح المجموعات الاسلامية، المتطرفة وغيرها. وهناك رأي يتبادله المحللون السياسيون بان الازمة مع الهند مفتعلة في الاساس وتهدف لافهام اسلام آباد انها لن تستطيع رفض اي طلب امريكي، والا واجهت احتمالات الحرب من جانب الهند الأقوى عسكريا. وقامت الحكومة الباكستانية بالامتثال لبعض المطالب الامريكية مثل اعتقال بعض الرموز السياسة وغلق بعض المدارس. ولم تكتف واشنطن بذلك بل طالبت بتسليم كل من تعتبره متعاطفا مع بن لادن ومنع اتباعه من اللجوء الى باكستان. وقامت المخابرات الباكستانية بتهيئة الارضية لتسليم سفير طالبان في اسلام آباد، الملا عبد السلام ظريف الذي كان صوت طالبان الوحيد في المرحلة الاولى من الحرب، وهو الآ معتقل لدى السلطات الامريكية في كابول. بينما تطالب الهند بتسليم الزعماء الكشميريين وغلق معسكرات تدريبهم. وقد استجابت حكومة الرئيس مشرّف للكثير من هذه المطالب ومن بينها اعتقال المئات من الناشطين الاسلاميين، ومئات العائلات العربية والكثير منها سعودي الجنسية. من جهتها ترى باكستان ان من حق الكشميريين مقاومة ما يعتبرونه احتلالا هنديا لبلادهم وفقا للقوانين الدولية.

واذا كانت باكستان تعتقد ان تعاونها مع الحرب الامريكية ضد افغانستان سوف يوفر لها حماية سياسية وعسكرية مستقبلية، فان تطورات الاسابيع الاخيرة تثبت عكس ذلك. اذ يصعب استيعاب الظروف التي أدت الى التعبئة الخطيرة بين البلدين على الحدود، الا بالنظر الى دوافع خفية لدى الجانب الامريكي. صحيح ان الاعتداء على البرلمان الهندي من قبل مجموعة كشميرية، حسب الرواية الهندية، وفّر المبرر الذي استندت اليه الهند لتصعيد الموقف مع باكستان، غير ان السرعة التي حدث بها التصعيد وشعور الهند بالاطمئنان الى الموقف الدولي أشعر الباكستانيين بفقدان الغطاء الدولي عنهم وسعوا لنزع فتيل الازمة لكي لا تندلع الحرب التي قد تصل الى المواجهة النووية. وثمة تساؤلات مهمة بهذا الشان تدفع للاعتقاد بان التصعيد ليس طبيعيا بل كان مفتعلا بهدف تحقيق اهداف اخرى: لماذا لم تتدخل واشنطن بقوة لدعم باكستان ومكافأتها على موقفها الداعم للحرب ضد افغانستان؟ ولماذا مارس رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، خلال زيارته المنطقة ضغوطا كبيرة على باكستان لاجبارها على التصدي للرموز الاسلامية على اراضيها؟ وما سر الزيارة التي قام بها اسرائيليون لدلهي في الايام الاخيرة؟ وما علاقتها بالتوتر مع اسلام آباد؟ وثمة قراءة للموقف تقول ان هناك تناغما وتعاونا بين الهند و»اسرائيل« بشأن القدرات النووية الباكستانية، وان »اسرائيل« اصبحت تستهدف بشكل واضح جميع الدول العربية والاسلامية التي تمتلك قدرات نووية مثل باكستان وايران والعراق. وجاء احتجاز السلطات الاسرائيلية قاربا في البحر المتوسط قالت انه يحمل اسلحة من ايران للسلطة الفلسطينية بهدف تأجيج الوضع وتحريك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لتوسيع دائرة الاهداف الامريكية. وتنظر الحكومة الامريكية الى القضايا العالقة مثل كشمير وفلسطين والشيشان من المنظور الامني فقط، وتحاكم ابناءها كارهابيين، وتتجاهل الجانب السياسي للقضية، ولا تطرح مشاريع تسوية قائمة على العدالة او احترام حقوق الانسان وحق تقرير المصير. وبالتالي فان مكافحة الارهاب من هذه الزاوية الضيقة لا يمكن ان يؤدي الى نتائج ملموسة، لان اسباب العنف ودوافعه ما تزال قائمة. ويمكن النظر الى قيام الحكومة الماليزية بتسليم نور مسواري، زعيم المنشقين في الفلبين، للسطات في مانيلا من الزاوية نفسها، ومنذ القاء القبض على مسواري في شهر نوفمبر الماضي بعد فراره من الفلبين اثر محاولته تنظيم انتفاضة للمطالبة بالمزيد من الحقوق للمسلمين، كان الغموض يلف قضيته خصوصا انه كان قد شغل منصب حاكم مقاطعة ميندناو الحاصلة على استقلال ذاتي بموجب اتفاق سلام توصلت اليه الجماعة مع الحكومة الفلبينية، ولكنه أزيح عن منصبه بعد انتخابات محلية العام الماضي.

السياسة الامريكية في الشرق الاوسط هي الاخرى مثار للجدل خصوصا في ضوء التهديدات المتواصلة بضرب العراق، والتلميح لاستهداف مجموعات اسلامية اخرى. وقال عضوان في وفد مجلس الشيوخ الامريكي يقوم بجولة في آسيا الوسطى ان الولايات المتحدة تبحث شن هجوم عسكري على العراق. وقال احدهما، جون ادورادز، وهو السناتور الديمقراطي وعضو وفد مجلس الشوخ: »مسألة كيف نفعل ذلك ومتى امران سوف يتم حسمهما عندما ننهي ما نقوم به الآن في افغانستان«. وقال العضو الآخر: »ما نفعله ومتى وكيف يجب ان يتم بالاتفاق مع حلفاء الولايات المتحدة الامريكية هنا«. هذه التأكيدات تعكس اصرارا على توسيع دائرة العمل العسكري ضد البلدان الاسلامية، وهو توجه خطير وسوف يؤدي الى المزيد من التوتر والاضطراب، ومن شأنه ان يدفع الجهات المستهدفة الى ممارسة العنف والارهاب خصوصا اذا شعرت بعجزها عن الدفاع عن نفسها بالطرق التقليدية. فالارهاب ظاهرة مقلقة للمجتمع الدولي يرفضها الجميع، فهي لا تميز بين المذنب والبريء بل تستهدف الجميع، ولكن القضاء عليه لا يتحقق بالطريقة الامريكية التي تتبنى اساليب الابتزاز والقوة وتكتفي بمواجهة الظواهر وتتجاهل الاسباب. ولم يعد خفيا امام العربي والمسلم انه هو المستهدف الاول من هذه الاجراءات التي تستبطن الدفاع عن الكيان الاسرائيلي بينما تتظاهر بالحرب ضد الارهاب. انها تتخذ اشكالا وعناوين شتى وتتفق جميعها على ابقاء العرب والمسلمين عاجزين عن العيش الآمن الكريم بمنأى عن التهديد والاحتلال والقمع. وسوف يكون توسيع الحرب واستهداف العراق بشكل خاص مؤشرا لمدى ثبات العلاقة بين واشنطن وموسكو، والامل ان يكون قد بقي لدى موسكو شيء من المباديء التي تمنعها من الموافقة على توسيع الحرب، فهي تعلم قبل غيرها ان القوة المتعاظمة للولايات المتحدة ستضر بمصالحها الاستراتيجية قبل غيرها.


قمة مسقط: قرارات متواضعة لكنها أقوى من المعتاد

د. سعيد الشهابي ( 2 يناير 2002)

من المؤكد ان يستمر اللغط والنقاش مجددا حول جدوى منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك بعد اختتام القمة الثانية والعشرين قبل يومين في مسقط. فهذا النقاش محتدم منذ تأسيس المجلس قبل اكثر من عشرين عاما، ويتكرر في مناسبة او بدونها، وذلك نتيجة الشعور بعجز المجلس عن التطور بالوتيرة المطلوبة شعبيا وعدم قدرته على استيعاب مستلزمات الوحدة الحقيقية او التكامل الفعلي بين دوله. لكن القمة الاخيرة في مسقط كانت متميزة عن القمم السابقة سواء من حيث ظروف انعقادها ام نتائجها ام دلالاتها السياسية. ولا يستطيع المراقب للمؤتمر الخليجي الاخير الا ان يعترف بوجود شعور جديد في اروقة قصر »البستان« الذي عقدت فيه القمة بضرورة العمل المشترك لمواجهة المخاطر الكبيرة التي اصبحت تواجه الجميع، حكومات وشعوبا، في ضوء التطورات الاخيرة على المسرح الدولي. فالحرب الامريكية ضد افغانستان والخطط العسكرية والامنية والاقتصادية الغربية ضد جهات وافراد في بلدان عربية عديدة أصبحت تفرض على الجميع قلقا غير قليل مما يخبئه المستقبل، وربما اصبح حكام دول الخليج اكثر قلقا من غيرهم بسبب ما يتعرضون له من ضغوط امريكية متعددة الوجوه والاشكال لمسايرتها في اجراءاتها الانتقائية التي تعالج الظواهر وتتجاهل الاسباب. ولم يعد خافيا على احد حالة البرود في العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية والمملكة العربية السعودية، الدولة الكبرى بمجلس التعاون، خصوصا منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر. وسبب ذلك ان واشنطن تتوقع من الرياض الدخول في حرب مع مواطنيها لصالح الولايات المتحدة وترفض اظهار اي تفهم للموقفين العربي والاسلامي، الرسمي والشعبي، في ما يتعلق بالاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية.

في مسقط كان واضحا ان الزمن قد أخذ مأخذه من حكام الخليج، وان العمر قد أتعب بعضهم الى حد العجز عن حضور القمة التي غاب عنها كل من الملك فهد بن عبد العزيز والشيخ صباح الاحمد الجابر والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وجميعهم لاسباب صحية مرتبطة بالشيخوخة. اما الثلاثة الحاضرون، وهم السلطان قابون بن سعيد والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، فهم في صحة موفورة وشباب نسبي. لكن غياب »الكبار« لم يمنع الحاضرين من قطع اشواط في ميدان السباق المحتدم بين الوجود او الفناء في عالم لم يعد يحترم الضعيف ولا مكان فيه للقوى الصغيرة المتنافرة او المتنافسة على الفتات. بل ربما ساعد هذا الغياب في اتخاذ القرارات التي تمخضت عنها.

اعتمدت القمة »الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس« لتحل محل »الاتفاقية الاقتصادية الموحدة« التي أقرها المجلس في نوفمبر 1981. وتقرر التعجيل بالاتحاد الجمركي ليبدأ العمل به من يناير 2003 بدلا من 2005 حسب ما كان مقررا في القمة السابقة، وخفض التعرفة الجمركية الموحدة التي حددت بواقع 5 بالمائة على جميع السلع الاجنبية المستوردة من خارج الاتحاد الجمركي . وفي خطوة لها دلالاتها السياسية الى جانب الاقتصاد تم اعتماد الدولار مثبتا مشتركا لعملات دول المجلس في موعد اقصاه 2002. وسوف تعزز هذه الاجراءات مكانة دول مجلس التعاون في مفاوضاتها مع دول الاتحاد الاوروبي التي كانت تعلق توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع دول المجلس حتى تتوصل تلك الدول الى اقامة اتحادها الجمركي. ويعتبر الاتحاد الاوروبي اهم شريك تجاري مع دول مجلس التعاون، وبالتالي فان هذه الاتفاقات سوف تسهل الامور العالقة منذ ثلاثة عشر عاما، اي منذ بدء المفاوضات بين اوروبا والخليج. ويرى السيد نجيب الرواس سفير مجلس التعاون الخليجي لدى الاتحاد الاوروبي انه »بمجرد التوقيع على هذه الاتفاقات سوف تفرض الصادرات الخليجية وجودها في الاسواق الاوروبية، وسوف يسهل وصول المنتجاب الخليجية الى الاسواق الاوروبية بدون رسوم جمركية، ولن يكون هناك مبررات لتأجيل التوقيع على اتفاق المنطقة الحرة بين الكتلتين«. غير ان خبراء اقتصاديين يرون ان التفكير الاوروبي ليس بهذه البساطة، وسوف يتلكأ الجانب الاوروبي في الالتزام بجانبه ما عدا في الجوانب التي لا تمثل منافسة حقيقية للمنتجات الاوروبية. يضاف الى ذلك ان هذه الاتفاقات ستكون انعكاساتها نفسية اكثر من واقعية، اذ ان دول الخليج لا تمتلك ما تستطيع تصديره للدول الاوروبية الا النفط والصناعات البتروكيماوية. بينما تستورد دول الخليج منتجات اوروبية كثيرة وسوف يبقى ميزان التبادل التجاري مائلا بجدارة للجانب الاوروبي. ومع ذلك فلا يمكن التقليل من شأن اي اتفاق بين حكام الخليج الذين عجزوا حتى الآن عن وضع اطر ملزمة لمنع تكرر الصناعة الواحدة في كل منها، الامر الذي يعكس غياب روح التكامل الاقتصادي او التنسيق الفعلي بين القوى الا قتصادية الفاعلة في كل من هذه البلدان.

الامير عبد الله بن عبد العزيز فاجأ الحضور بكلمته في الجلسة الافتتاحية بعد كلمتي كل من الشيخ جميل الحجيلان، الامين العام المستقيل لمجلس التعاون (الذي تنتهي فترة عمله بعد شهرين وعيّن خلفا له القطري عبد الرحمن بن حمد العطية)، والسلطان قابوس بن سعيد رئيس الدورة الحالية للقمة. فقد أكد على ضرورة »محاسبة النفس« اولا كشرط للنهوض، وبدا وكأنه مضطر للاعتراف بعدم فاعلية آليات التعاون في ما بين دول الخليج، وفقدان المبادرة المطلوبة في الاوقات الحرجة. ورأى ان الجد »يجب ان ينصب على اصلاح البيت العربي والاسلامي وجعله قادرا على مواجهة التحديات«، وطالب الحاضرين »بعدم استجداء الدول او المنظمات الدولية« لان ذلك في نظره »لا يجدي شيئا«. ورأى ان »الخطأ الكبير اننا سمحنا لعلاقاتنا العربية والاسلامية ان تقوم على الشك وسوء الظن بدلا من المفاتحة والمصارحة«. والمعروف ان قمم المجلس تسودها المجاملات وغياب الصراحة وافتقادها للشجاعة في طرح القضايا موضع الخلاف بروح ودية ورغبة في الحل. فقد اعتاد النظام السياسي الخليجي ممارسة دوره على نمط حكم الأباطرة والملوك العظام الذين لا يسمحون لاحد بمخاطبتهم الا بمنطق العبد امام السيد. وبسبب عدم طرح القضايا موضع الاهتمام بدرجة من الانفتاح والتجرد، لم يعد ممكنا لاي منهم ان يطرح ما يعتقد به امام الآخرين خصوصا اذا كان ذلك ينطوي على نقد سياسي صريح. ولذلك كان حديث الامير عبد الله موضع استغراب كبير بسبب صراحته وقوته في توضيح مناطق الضعف في العلاقات بين دول مجلس التعاون. والنتيجة المنطقية لهذا الوضع، في نظر الامير عبد الله »وجود حاجة لقمم للتأمل والتحليل تصدر عنها قرارات منطقية وواقعية« بدون ان يحدد ما يقصد بذلك. وسمة الطرح المتأمل والاستعداد للحوار المباشر كانت غائبة عن القمم السابقة وعن الاطر السياسية للحكومات الخليجية التي ترفض مبدأ الشراكة في الحكم والمشاركة والمحاسبة. وسواء علمت هذه الحكومات ام لم تعلم، فان مستقبلها رهن بمدى استعدادها للسماح بالرأي الآخر والاستماع له، وان استمرار رفضها لذلك سوف يزيد الوضع تعقيدا لغير صالح هذا النمط من الحكم.

كانت السعودية، وهي البلد الاقوى في التجمع الخليجي، المتحمس الاكبر للمشروع الخليجي، ولكن حماسها اصطدم بجمود الحكم في الرياض لاسباب عديدة من بينها مرض الملك فهد بن عبد العزيز وطبيعة تركيبة العائلة السعودية وتوازن القوى بين افرادها الكبار، وطريقة التوارث. هذا مع وجود مؤسسة دينية ارتبطت تاريخيا بقيام الدولة السعودية قبل اكثر من قرنين، وتوفر لها قدر من الحكم الذاتي الذي يتعب الحاكم احيانا. وجاءت احداث

سبتمبر لتسلط الضغط على الرياض بشكل لم تشهد له مثيلا من قبل، فهي اليوم امام مجهر الصحافة الامريكية التي اصبحت تستهدف الحكم السعودي بشكل مباشر برغم موقف الرياض من اسامة بن لادن وسحبها جواز السفر منه قبل اكثر من خمسة اعوام. ولربما كانت تصريحات الامير عبد الله انعكاسا للوضع الذي تعيشه المملكة في هذه الايام وهي تستلم الاشارات بضرورة احداث تغييرات سياسية في المؤسسة الحاكمة من جهة وفي المجتمع السعودي بشكل عام. وهي اليوم تواجه واحدة من اصعب الفترات التي مرت بها منذ قيامها قبل اكثر من ستين عاما. وتدرك حكومتها انها اصبحت مستهدفة من قبل أكثر من طرف، من بينها الولايات المتحدة الحليفة التاريخية للحكم في الرياض. غير ان هناك شعورا سعوديا وعربيا بالامتعاض من السياسة الامريكية خصوصا في ما يتعلق بموقف واشنطن الداعم بدون حدود لقوات الاحتلال الاسرائيلية، ورفضها اعتبار استمرار ذلك الاحتلال من بين الاسباب التي تشجع على الارهاب والتطرف. ومع ذلك فالأمير عبد الله لا يحسد على موقعه كولي عهد في الدولة الخليجية الكبرى بمجلس التعاون، بينما لا يملك حرية اتخاذ القرار ما دام يعيش في ظل حكم اخيه الملك واخوته الآخرين. وهو نفسه في عمر متقدم يتجاوز الخامسة والسبعين.

أما الشعور بالقلق من التحديات الخارجية ممثلة بالواقع العالمي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على العالم فيجد له أصداء في تحريك الوضع على الحدود الهندية - الباكستانية التي أصبحت طبول الحرب تقرع فيها بقوة، وهو مؤشر خطير للعالم الاسلامي الذي أصبح مستهدفا بشكل او آخر من قبل واشنطن وحلفائها. وتحت ضغط الشعور بهذه التحديات تحركت اعمال القمة. فتم إقرار تشكيل مجلس الدفاع المشترك عملا بالمادة التاسعة من اتفاقية الدفاع المشترك، وهو تطور مهم وان لم يؤد الى قيام قوة رادعة تتناسب مع الحجم الطبيعي لمجلس التعاون والمخاطر المتصوّرة. وتمت كذلك الموافقة على الاستراتيجية الأمنية »لمكافحة ظاهرة التطرف المصحوب بالارهاب وقانون غسل الاموال«، وهي عناوين جديدة - قديمة، طرحت في السابق ولكنها تطرح اليوم بشكل أقوى. وبرغم الوقائع الجديدة في المنطقة، خصوصا في فلسطين وافغانستان والاستهداف الامريكي للحركات الاسلامية، فقد استمر الخطاب الخليجي الذي يتناغم مع الطرح الامريكي في ما يتعلق بكل من العراق وايران. فقد طالب البيان الختامي لقمة مجلس التعاون العراق بـ »احترام امن واستقلال دولة الكويت وسيادتها وسلامتها الاقليمية وإعادة تعاونه مع الامم المتحدة لانهاء المسائل العالقة في ما يتعلق بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر واللجنة الثلاثية المعنية، والمنسق الدولي لشؤون الاسرى واعادة الممتلكات« ودعا البيان السفير يوري فورنتسوف (الروسي المكلف من قبل الامم المتحدة بملف الاسرى والمفقودين في الكويت) لايجاد حل سريع ونهائي لمشكلة الاسرى والمرتهنين الكويتيين وغيرهم من رعايا الدول الاخرى. ودعا كلا من العراق والامين العام للامم المتحدة الى اعادة الحوار بين الطرفين لاستئناف التعاون من جديد وفق اسس يتمكن بموجبها مجلس الامن من رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وانهاء معاناة الشعب العراقي الشقيق. كما دعا الى ضرورة احترام استقلال العراق ووحدة اراضيه وسلامته الاقليمية وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. واستعمل البيان لهجة قوية في ما يتعلق بالخلاف بين الامارات وايران حول الجزر الثلاث، الامر الذي شجبته ايران واعتبرته تصعيدا للموقف جاء في غير وقته. اما العراق فقد رفض بيان مجلس التعاون واعتبره تكرارا للمواقف السابقة وانصياعا للضغوط الامريكية.

في هذه الايام العصيبة كان على دول مجلس التعاون التعامل بحذر مع اية قضية غير مصيرية خصوصا في منطقة الخليج وعدم التطرق للقضايا الواضحة التي اصبحت مواقف المجلس تجاهها معروفة بوضوح. وكان يفترض في بيان المجلس ان يتسم بشيء من قوة الموقف في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ويؤكد مقاطعة الكيان الاسرائيلي سياسيا واقتصاديا، ويطالب بوقف اي اتصال مع حكومة شارون. فقد كانت الاشارات لقوات الاحتلال باهتة ولا تعكس موقفا سياسيا واضحا من الاحتلال وممارساته الارهابية ضد الشعب الفلسطيني. وفي الوقت الذي كانت فيه دعوة المجلس لـ »جعل الشرق الاوسط خاليا من اسلحة الدمار الشامل، بما فيها الاسلحة النووية، واخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي« دعوة مناسبة فقد اعتبر البيان بشكل عام ضعيفا ازاء المشكلة الفلسطينية برغم فداحة المأساة.

ولوحظ ان دول مجلس التعاون أصبحت اكثر مرونة تجاه اليمن واحتمال الموافقة على انضمامه للمجلس. فقد وافق حكام الخليج على عضوية اليمن في مجلس وزراء الصحة لدول المجلس ومكتب التربية العربي لدول الخليج ومجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية ودورة كأس الخليج العربي لكرة القدم، وهذه بدايات مشجعة تأتي في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة لتفتيت وحدة الصفين العربي والاسلامي. اما بشأن الارهاب فقد تباين موقف القمة بين القوة والضعف. فمن جهة دعا البيان الختامي الى »دعم التحالف الدولي للقضاء على الارهاب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ويؤكد استعداده الكامل للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهة هذه الظاهرة الهدامة«، ولكنه »دعا الى تضافر الجهود الدولية لعقد مؤتمر قمة عالمي لوضع اسس وقواعد دولية لمحاربة الارهاب ومسبباته«. ودعا »الى عدم تحميل الاسلام مسؤولية ما يقع من اعمال وممارسات بعيدة كل البعد عن روح الاسلام ومعتقداته السامية«. بعد هذا العرض يمكن القول ان قمة مسقط الاخيرة كانت ناجحة بمقياس المنطقة، سواء من حيث الحضور ام النتائج، خصوصا في ضوء تطورات المنطقة والضغوط التي تتعرض لها حكوماتها. وعلى أقل تقدير فقد عقدت في الوقت المحدد لها ولم تتأخر، وهو ما لا يتوفر للاجتماعات العربية الاخرى.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2007/09/23   ||   القرّاء : 6467