• الموقع : موقع سماحة الشيخ محسن آل عصفور / مكتبتنا الإلكترونية .
              • الكتاب : القول الشـــارح ، تأليف : الشيخ حسين آل عصفور .
                    • الموضوع : فصل في معاني الحدوث والقِدم .

فصل في معاني الحدوث والقِدم

فصل

 في معاني الحدوث والقِدم

 

فصل عقدناه خاتمة لهذه الفصول المشتمل عليها هذا الكتاب والجزء الاول من كتابنا الذي هو الحجة والقول الشارح في بيان معاني الحدوث والقدم، لنفرع عليه ان لا قديم سوى الله، والمشهور ان للحدوث معنيين: الذاتي والزماني، والمستفاد من كلام الشيخ ابن سينا  ان معنى الحدوث هو المسبوقية بالعدم اما بالذات وهو الحدوث الذاتي، واما بالزمان وهو الحدوث الزماني وهو المتبادر من لفظ الحدوث، اذ المتبادر منه انه لم يكن موجوداً فوجد. واورد عليه ان تقدم العدم على الوجود بالذات لا معنى له، اذ التقدم بالذات مخصوص عندهم بالتقدم بالعلية، والتقدم بالعلية على الوجود يستلزم اجتماع النقيضين، وقال المحقق الطوسي(رحمه الله) : الحدوث هو المسبوقية بالغير وذلك الغير ان كان هو العلة فهو الحدوث الذاتي، وان كان عدماً فهو الحدوث الزماني. ويرد عليه ايضاً بما يرد على الاول، لان ذات المعلول يصدق عليها انها ليست موجودة في مرتبة ذات العلة ثم وجد المعلول بعد وجود ذلك السلب لوجوب تقدم وجود العلة ثم وجود المعلول بعد وجود ذلك السبب لوجوب تقدم وجود العلة على وجود المعلول، ولا يتصور في تقديم سلب وجود المعلول على وجوده الا التقدم الذاتي المنحصر في التقدم بالعلية، فيعود الاشكال، وللعلماء في هذا المقام ايرادات واعتراضات لا يناسب مقصودنا من هذا الكتاب لانه يطول المقام بذكرها ولا ترجع الى حاصل الا بردها الى اهلها وولي امرها، واكثرها مذكورة في حواشي المحقق الدواني وغيره على الشرح الجديد للتجريد.

وبالجملة اطلاق الحدوث عليه وجه اصطلاح عليه لا يساعده لغة ولا عرفا، وانما مرجعه الى الاحقية اذ العقل يحكم بانه وجد فوجد، واثبت السيد الداماد (رحمه الله)قسماً ثالثاً، وهو الحديث الدهري حيث قال: انّ العدم للممكن ثلاثة:

الاول العدم الذي هو الليس المطلق في مرتبة الذات، وهو لكل ممكن موجود حين وجوده.

الثاني: العدم المتكمم، وهو لكل حادث زماني قبل زمان وجوده.

الثالث: العدم الصريح الدهري قبل الوجود فسلبه غير مكمم، وليس شيء من المعنيين الاوليين هو العدم المقابل للوجود، اما الاول فلانه يجامع الوجود في الواقع ويسبقه بحسب الذات سبقاً ذاتياً، واما الثاني فلانه ممايز لزمان الوجود، ومن شرائط التناقض في الزمانيات وحدة الزمان، فاذاً انما المقابل للوجود العدم الصريح الذي لا يتصور فيه حد ثم تحقق في ذلك طويلاً، وحاصل كلامه انه اثبت للموجودات وعائين اخرين سوى الزمان، وهما الدهر والسرمد، وقال: نسبة المتغير الى المتغير ظرفها للزمان، ونسبة الثابت الى المتغير ظرفها الدهر، ونسبة الثابت الى الثابت ظرفها السرمد ونقل على ذلك شواهد كثيرة من كلام الحكماء واتى بعباراتهم التي سطروها في مؤلفاتهم وجعل من ذلك قول الشيخ في التعليقات وفي كتاب الشفاء قد استحسن ذلك المحقق الطوسي والسيد الشريف وغيرهما، واعلم انما نحن بصدد اثباته لا يتوقف على تحقيق هذه الامور، فان الذي ثبت باجماع اهل الملل والنصوص المتواترة ان جميع ما سوى الحق ازمنة وجوده في جانب الازل متناهية ولوجوده ابتداء والازلية وعدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب سبحانه سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم او دهر، واما تحقيق الاقوال في ذلك، فاعلم انه لا خلاف بين المسلمين بل جميع ارباب الملل في ان ما سواء الرب سبحانه وصفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا ولوجوده ابتداء بل عدّ من ضروريات الدين قال السيد الداماد في القبسات عليه اجماع جميع الانبياء والاوصياء وقال صاحب الملل والنحل في كتاب نهاية الاقدام وصححه المحقق الطوسي طاب ثراه مذهب اهل الحق من الملل كلها ان العالم محدث مخلوق له اول احدثه الباري وابدعه بعد ان لم يكن كان  الله ولم يكن معه شيء، ووافقهم على ذلك جمع من اساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل تاليس غورث وانكسيمايس من اهل ملطية، ومثل فيثاغورس وانبادوكس واسقراط وافلاطون من اهل اثينيّة ويونان، وجماعة من الشعراء والاوائل والنساك، وانما القول بقدم العالم وازلية الحركات بعد اثبات الصانع والقول بالعلة الاولى انما ظهر بعد ارسطاطاليس لانه خالف القدماء صريحاً وابدع هذه المقالات على قياسات ظنها حجة وبرهاناً، وصرح بالقول فيه من كان من تلامذته مثل اسكندر الافرود وسي وثنا سطيوس وفرفوريوس وصنف برقلس المنتسب الى افلاطون في هذه المسألة كتاباً اورد فيه هذه الشبه وقال السيد الداماد روح الله روحه من النقل الذائع الصحيح المتواتر ان افلاطون والستة الباقين من الاساطين وغيرهم من القدماء على حدوث عالمي الامر والخلق بجميع اجزائه وارسطوا وتلامذته على قدمه انتهى قيل لكن الظاهر انه مذهب افلاطون حدوث الزمانيات فقط لاشتهار القول بقدم النفوس والمجردات عنه، ونسب السيد في القبسات القول بالقدم الى الشرك والالحاد، وقال الصدوق في كتاب العقائد: الدليل على ان الله عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة هي غيره انه لو كان عالماً بعلم لم يخلو علمه من احد امرين: اما ان يكون قديماً او حادثاً ـ الى ان قال: ـ وان كان قديماً فهذا كفر باجماع فقد نسب القائل بالقدم لغير الله الى الكفر، وجعله اجماعياً، ومراده اجماع المسلمين من المليين، وقال في سياق ابطال المذاهب الثنوية: فاما ما ذهب اليه العماني وابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج، ودانت به المجوس من حماقاتها في اهرمن مفاسد لما به يفسد قوام الاجسام، وقد عقد باباً لاثبات الحدوث، ونقل السيد المرتضى عن المفيد ان القول بالقدم يخرجه قائله عن التوحيد ويكون القائل به اسوء حالاً من اصحاب الصفات يعني الاشاعرة قال ذلك في معرض الرد على القائلين بالاحوال حتى انه جعل القول بالهيولى وقدم الطينة اعذر من هؤلاء القوم المثبتين للاحوال لاستلزامه القدم وقال: ولا عذر للجميع فيما ارتكبوه من الضلال، وذكر الشيخ في كتاب الاقتصاد في فصل عقده في ان الله واحد لا ثاني له في القدم، واقام الدلائل على ذلك قال: فاذا ثبت ذلك بطل اثبات قديمين، واذا بطل اثبات قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة والمجوس القائلين بالله والشيطان والنصارى القائلين بالتثليث وهو المسيح والصانع الحقيقي على ان قول الثنوية يبطل من حيث انا دللنا على حدوث الاجسام بالدلائل المشهورة عند المتكلمين، واورد السيد في كتاب الغرر والدرر دلائل على ابطال القول بالهيولى القديمة المترتب عليه قدم الاجسام، وذكر تلميذه الكراجكي في كتاب كنز الفوائد ان من الملحدة فريقاً يثبتون الحوادث ومحدثها ويقولون: انه لا اول لوجودها ولا ابتداء لها، ويزعمون ان الله لم يزل يفعل ولم يزل كذلك، وان افعاله لا اول لها ولا اخر، وقد خالفونا في قولهم: ان الافعال لا اول لها اذ كنا نعتقد ان الله ابتدأها وانه موجود قبلها، ووافقونا بقولهم: انها لا اخر لها، وان ذهبوا في ذلك الى بقاء الدنيا الى ما هي عليه، واستمرار الافعال فيها وانها لا اخر لها، وانا نذهب في دوام الافعال الى وجه اخر وهو تقضي امر الدنيا وانتقال الحكم الى الاخر او استمرار افعال الله فيها من نعيم اهل الجنة وعذاب اهل النار، فافعال الله على هذا الوجه لا اخر لها ولا انقضاء قال: وهؤلاء هم الدهرية القائلون ان الدهر سرمدي لا اول ولا اخر، وهؤلاء يرون ان القدماء خمسة: الباريء تعالى، والخلا، والدهر، والنفس، والهيولى واعتذروا عن الحركة العارضة للافلاك بانها قديمة نوعاً بمعنى ان كل حركة قبلها حركة، وهكذا الى غير النهاية ولا حركة الا بعدها حركة كذلك، وكلامهم في اجزاء الزمان كذلك لا يوم الا وكان قبله ليلة ولا ليلة الا وهي مسبوقة بيوم بل عندهم المركبات ايضاً قديمة نوعا فلا انسان الا قبله نطفة، ولا نطفة الا تكونت من انسان، ولا بيضة الا من طائر، ولا طائر الا من بيضة، والشجرة مسبوقة بالحبة، والحبة مسبوقة بالشجرة، وهكذا وان الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك ليس للماضي منها بداية ولا للمستقبل نهاية، ومع هذا قالوا: بانها صنعة صانع لم يتقدمها يعني تقدماً زمانياً، وان الصنعة والصانع قديمان لم يزالا ثم قال تعالى الذي لا قديم سواه وله الحمد على ما اسداه من معرفة الحق واولاه وها انا بعون الله اورد لك طرفاً من الادلة على بطلان ما ادعاه الملحدون، وفساد ما انتحله الدهريون، ثم اورد ادلة شافية واجوبة وافية قال السيد المرتضى في جواب سؤال وارد عليه في آية التطهير قال السائل: واذا كانت اشباحهم قديمة وهم في الاصل طاهرون فاي رجس اذهب عنهم، فقال السيد: واما القول بان اشباحهم قديمة فهو منكر والقديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل، وكل ما سواه محدث مصنوع مبدأ له اول الى اخر ما قال(قدس سره) ثم قال: مسألة اعترض فلسفي فقال: اذا قلتم ان الله وحده لا شيء معه فالاشياء المحدثة من اي شيء كانت، فقلنا: لهم مبتدعة لا من شيء، فقال: احدثها معاً او في زمان بعد زمان، فقال: وان قلتم معاً اوجدناكم اناً لم تكن معاً وان قلتم: احدثها في زمان بعد زمان فقد صار له شريك .

والجواب: عن ذلك ان الله تعالى لم يزل واحداً لا شيء معه، ولا ثاني له وابتداء ما احدثه من غير زمان وليس يجب اذا احدث بعد الاول حوادث ان يحدثها في زمان، ولو جعل لها زمان لما وجب بذلك قدم الزمان، اذ الزمان حركات الفلك وما يقوم مقامها مما هو مقدارها في التوقيت فمن اين يجب عند هذا الفيلسوف ان يكون الزمان قديماً، اذ لم يوجد الاشياء ضربة واحدة لولا انه لا يعقل معنى الزمان الى اخر ما افاد (قدس سره) في هذا المقام وقال المحقق الفردوسي محمد نصير الدين الطوسي طيب الله روحه القدوسي في التجريد ولا قديم سوى الله تعالى، وقال فيه ايضاً وجود العالم بعد عدمه ينفي الايجاب  وقال في كتاب الفصول قد ثبت ان وجود الممكن من غيره محال ايجاده لاستحالة ايجاد الموجود فيكون ممكناً معدوماً فوجود الممكن مسبوق بعدمه، وهذا الوجه يسمى حدوثاً، والموجود محدثاً، فكلما سوى الواجب من الموجودات محدث واستحالة الحوادث لا الى اول كما يقول الفلسفي لا يحتاج الى بيان طائل بعد ثبوت امكانها المقتضي لحدوثها، ثم قال مقدمة كل مؤثر اما ان يكون اثره تابعاً للقدرة والداعي او لا يكون بل يكون مقتضى ذاته والاول يسمى قادراً، والثاني موجباً، واثر القادر مسبوق بالعدم لان الداعي لا يدعو الا الى المعدوم، واثر الموجب يقارنه في الزمان اذ لو تاخر عنه لكان وجوده في زمان اخر، فان لم يتوقف على امر غير ما فرض مؤثراً تاماً كان ترجيحاً من غير مرجح، وان توقف لم يكن المؤثر تاماً وقد فرض تاماً هذا اخلف، ثم قال: نتيجه الواجب المؤثر في الممكنات يكون قادراً اذ لو كان موجباً لكانت الموجبات قديمة، واللازم باطل لما تقدم فالملزوم مثله، وسال السيد هاهنا ابن سنان العلامة الحلي طهر الله رمسه في جملة مسائله ما يقول سيدنا في المثبتين الذين قالوا: ان الجوهر والاعراض ليس بفعل الفاعل، وان الجوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود، فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد موجباً لتكفيرهم وعدم ايمانهم وافعالهم الصالحة وقبول شهادتهم ومناكحتهم ام لا يكون موجباً لشيء من ذلك؟ واي شيء ويكون حكمهم في الدنيا؟ فاجاب (رحمه الله) بانه لا شك في رداءة هذه المقالة، وبطلان جميعها لكن لا توجب تكفيرهم، ولا عدم قبول ايمانهم وافعالهم الصالحة، ولا رد شهادتهم ولا تحريم مناكحتهم وحكمهم في الدنيا والاخرة حكم المؤمنين، لان الموجب للتكفير هو اعتقاد قدم الجوهر، وهم لا يقولون بذلك لان القديم يشترط فيه الوجود وهم لا يقولون بوجوده في الازل لكن حصلت لهم شبهة في الفرق بين الوجود والثبوت وجعلوا الثبوت اعم من الوجود، واكثر مشائخ المتكلمين من المعتزلة والاشاعرة مثبتون فكيف يجوز تكفيرهم، قال السيد (رحمه الله): ما يقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد والعدل ولكنه يقول بقدم العالم ما يكون حكمه في الدنيا والاخرة، فاجاب(قدس سره) من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف، لان الفارق بين المسلم والكافر ذلك وحكمه في الاخرة حكم باقي الكفار بالاجماع، والشيخ الجليل ابو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف صرح بالحدوث واقام الدلائل عليه، وكذا السيد الكبير ابن زهرة في كتاب الغنية اورد الدلائل على ذلك، وقال النوبختي في كتاب الياقوت: الاجسام حادثة لانها اذا اختصت بجهة فهي اما للنفس، ويلزم منه عدم الانتقال او لغيره وهو موجب او مختار والمختار قولنا، والموجب يبطل ببطلان التسلسل، ولانها لا تخلو من الاعراض الحادثة لضعفها المعلوم والقديم لا يعدم، لانه واجب الوجود اذ لو كان وجوده جائزاً لكان اما بالمختار وقد فرضناه قديماً او بالموجب ويلزم منه استمرار الوجود فالمقصود ايضاً حاصل، وقال العلامة برّد الله مضجعه في شرحه هذه المسالة من اعظم المسائل في هذا العلم ومدار مسائله كلها عليها، وهي المعركة العظيمة بين المسلمين وخصومهم، واعلم ان الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيماً وضبط اقوالهم ان العالم اما محدث الذات والصفات وهو قول المسلمين كافة والنصارى واليهود والمجوس، واما ان يكون قديم الذات وهو قول ارسطو وثافروطيس وطالميطوس وابي نصر وابي علي بن سينا فانهم جعلوا السموات قديمة بذاتها وصفاتها الا الحركات والاوضاع فانه قديمة بنوعها بمعنى ان كل حادث مسبوق بمثله ما لا يتناهى، واما ان يكون الذات محدث الصفات وهو مذهب انكساغورس وفيثاغورس والسقراط والتنويه، ولهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر، واما ان يكون محدث الذات وقديم الصفات وذلك مما لم يقل به احد لاستحالته وتوقف جالينوس في الجميع ثم ساق (رحمه الله) الكلام في الدلائل المذكورة وقال في شرح التجريد مثل ذلك ونسب القول في الحدوث الى جميع ارباب الملل وقال (رحمه الله) في كتاب نهاية المرام في علم الكلام: قد اتفق المسلمون كافة على نفي قديم غير الله تعالى وغير صفاته، وذهب الامامية الى ان القديم هو الله تعالى لا غير، وقال فيه ايضاً القسمة العقلية منحصرة في أقسام اربعة:

القسم الاول: ان يكون العالم محدث الذات والصفات وهو مذهب المسلمين وغيرهم من ارباب الملل، وهو بعض قدماء الحكماء.

القسم الثاني: ان يكون قديم الذات والصفات، وهو قول ارسطو وجماعة من القدماء ومن المتأخرين قول ابي نصر الفارابي والرئيس قالوا: السموات قديمة بذواتها وصفاتها الا الحركة والاوضاع فانها قديمة بنوعها لا بشخصها، والعناصر الهيولى منها قديمة بشخصها وصورها الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها .

القسم الثالث: ان يكون قديم الذات محدث الصفات وهو قول من تقدم ارسطو بالزمان كتاليس الملطي وانكساغورس وفيثاغورس وسقراط وجميع الثنوية كالمانوية والديصانية والمرقوبية والمهاينة، ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فذهب بعضهم الى ان تلك الذات القديمة كانت جسماً، ثم اختلف هؤلاء فزعم تاليس انه الماء لانه قابل لكل الصور وزعم انه اذا جمد كان ارضاً واذا الطف كان هواء ومن صفوة الماء تكون النار، ومن النار يكون الدخان، ومن الدخان تكونت السماء ، ويقال له: انه اخذه من التوراة لانه جاء في السفر الاول منه ان الله تعالى خلق جوهراً فنظر اليه نظر الهيبة فذابت اجزاءه فصارت ماء ثم ارتفعا بخاراً كالدخان فخلق منه السموات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق الله الارض ثم ارساها بالجبال، واما انكبسها ليس فانه زعم ان ذلك الجزء هو الهواء والنار تكونت من لطافته والماء، والارض من كثافته، وتكونت الاشياء عنها بالتلطيف، وقال اخرون: انه البخار وتكون الماء والنار عنه بالتلطيف، والماء والارض بالتكثيف، وذهب افوفليطيس انه النار وكونت الاشياء عنها بالتكثيف وحكي ايضاً انه زعم ان الاشياء انما انتظمت بالجوهر البحت، والجوهر البحت هو نظر عقلي ينفذ في الجوهر الكلي، واما انكساغورس فانه قال: ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له وهو اجسام غير متناهية وفيه من كل نوع اجزاء مغيرة مثلاً فيه اجزاء على طبيعة الجزء، واجزاء على طبيعة اللحم، فاذا اجتمع من تلك الاجزاء شيء كثير فصار بحيث يحس ويرى ظن انه حدث، وهذا القائل بنى مدعيه على انكار المزاج والاستحالة، وقال بالكمون: والظهور، وزعم بعض هؤلاء ان ذلك الخليط كان ساكناً في الازل ثم ان الله تعالى حركه فتكون هذا العالم، وذهب ذيمقراطيس الى ان اصل العالم اجزاء كثيرة كرية الشكل قابلة للقسمة الوهمية دون القسمة الانفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة ثم اتفق في تلك الاخر لان تصادمت على وجه خاص فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل فحدثت السموات والعناصر ثم حدثت من الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر ومنها هذه المركبات، ونقل الشيخ في الشفاء عنه انه قال: ان هذه الاجزاء انما تتخالف بالشكل وان جوهرها جوهر واحد بالطبع، وانما تصدر عنها افعال مختلفة لاجل الاشكال المختلفة، وقال الثنوية: اصل العالم هو النور والظلمة، والفرقة الثانية الذين قالوا: اصل العالم ليس بجسم وهم فريقان:

الفريق الاول: الجرمانية وهم الذين اثبتوا القدماء الخمسة الباريء تعالى والنفس والهيولى والدهور والخلا قالوا: الباري تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة، ويفيض عنه العقل كفيض النور عن القرص، وهو يعلم الاشياء علماً تاماً، واما النفس فانها تفيض عنها الحياة فيض النور عن القرص لكنها جاهل لا تعلم الاشياء ما لم تمارسها، وكان الباري تعالى عالماً بان النفس تستميل الى التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللذة الجسمية وتكره مفارقة الاجساد وتنسى نفسها ولما كان من شأن الباري تعالى الحكمة التامة عهد الى الهيولى بعد تعلق النفس بها تركها ضروباً من التركيب مثل السموات والعناصر وركب اجسام الحيوانات على الوجه الاكمل، والذي بقي من الضاد(غير ممكن الزوال، ثم ان الله تعالى افاض على النفس عقلاً وادراكاً وصار ذلك سبباً لتذكرها  ولعلمها بانها لا تنفك عن الالام مادامت في العالم الهيولاني، واذا عرفت النفس هذا وعرفت ان لها في عالمها اللذات الخالية عن الالام اشتاقت الى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة، وبقيت هناك ابد الاباد في نهاية البهجة والسعادة قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم وبين المتكلمين القائلين بالحدوث .

الفريق الثاني: اصحاب فيثاغورس وهم الذين قالوا المباديء هي الاعداد المتولد من الوحدات لان قوام المركبات بالبسائط، وهي امور كل واحد منها واحد في نفسه، ثم تلك الامور المختلفة اما ان تكون لها جهات وراء كونها وحدات او لا يكون، فان كان الاول كانت مركبة لان هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة، وكلامنا ليس في المركبات بل في مباديها، وان كان الثاني كان مجرد وحدات، وهي لابد ان تكون مستقلة بانفسها والا كانت مفتقرة الى الغير  اقدم منها، وكلا منها في المباديء المطلقة هذا خلف، فاذا الوحدات امور قائمة بأنفسها فان عرض الوضح للوحدة صارت نقطة، وان اجتمعت نقطتان حصل الخط، فاذا اجتمع خطان حصل السطح فان اجتمع سطحان حصل الجسم، فظهر ان مبدأ الاجسام وحدات، ونقل عنه ايضاً ان الوحدة تنقسم: الى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير وهي التي لا تقابلها كثرة، وهو المبدأ الاول، والى وحدة مستفادة من الغير، وهو مبدأ الكثرة وليست بداخلة فيها بل تقابلها الكثرة ثم يتألف منها الاعداد، وهي مباديء الموجودات، وانما اختلفت الموجودات في طابعها الاختلاف الاعداد بخواصها.

القسم  الرابع: ان يكون العالم قديم الصفات محدث الذات، وهو محال لم يقل به أحد لقضاء الضرورة ببطلانه، واما جالينوس فانه كان متوقعاً في الكل انتهى .

وانما تعرضنا لهذه المذاهب السخيفة ليعلم ان اساطين الحكماء تمسكوا بهذه الخرافات وتفوهو بها وتبعهم اصحابهم فيعلمونهم، واذا سمعوا من اصحاب الشريعة شيئاً منها اخذوه من كتاب الله وكلام سيد المرسلين والائمة الراشدين صلوات الله عليهم اجمعين ينكرونه ويستهزؤون به، قاتلهم الله انى يؤفكون .

وقال المحقق الدواني في انموذجه قد خالف في الحدوث الفلاسفة اهل الملل الثلاث فان اهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشد من الحكم بحدوثه من اهل الملل مطلقاً الا بعض المجوس، واما الفلاسفة فالمشهور انهم مجمعون على قدمه على التفصيل الاتي، ونقل عن افلاطون القول بحدوثه، وقد اوّله بعضهم بالحدوث الذاتي ثم قال نقول: ذهب اهل الملل الثلاث الى ان العالم ما سوى الله وصفاته من الجواهر والاعراض حادث اي كائن بعد ان لم يكن بعديه حقيقية لا بالذات فقط بمعنى انها في حد ذاتها لا تستحق الوجود فوجودها متأخر عن عدمها بحسب الذات كما تقول الفلاسفة ويسمونه الحدوث الذاتي على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخر الوجود عن العدم من بحث دقيق اوردناه في حاشية شرح التجريد، وذهب جمهور الفلاسفة ان العقول والاجرام الفلكية ونفوسها قديمة ومطلق حركاتها واوضاعها وتخيلاتها ايضاً قديمة، فانها لا تخلو قط عن حركة ووضع وتخيل لجزئيات الحركات، وبعضهم مثبتون لها سبب استخراج الاوضاع الممكنة من القوة الى الفعل وحدوث مناسبة لها لمبدءها الكامل من جميع الوجوه كمالات تفيض على نفوسها من المنادى لكن تحقيقهم على ما نقله ابو نصر وابو علي في تعليقاتهما عن ارسطاطاليس انهم ذهبوا الى ان المطلوب لها نفس الحركة وبها يتم التشبه بمبادئها فانها بالفعل من حيث الذات والصفات عدى متعلق الحركة من اوضاعها الجزئية فانها لعدم احتمالها الثبات من حيث اشخاصها حفظ نوعها في الاشخاص ليتم التشبيه في المبادي التي هي بالفعل من جميع الوجوه، ويعنون بها عالم العقول ولمّا كان التشبه لازماً للحركة جعلها ارسطوا الغاية المطلوبة باعتبار اللازم والعنصريات قديمة عندهم بموادها ومطلق صورها جسمية ونوعية حتى الاعراض القائمة بها قديمة عندهم ويعنون بها الاعراض اللازمة لان مذاهبهم انها بالانفصال تنعدم الصورة الواحدة وتحدث اثنتان او ثلاث او غير ذلك وبالعكس في الاتصال تنعدم الاثنتان وتحصل الواحدة كما لو اتيت لمائين منفصلين في انائين واوصلتهما وجمعتهما، والاشراقيون منهم ذهبوا الى بقاء الصورة الجسمية وان طرأ الانفصال والاتصال، واما النفوس الناطقة فبعضهم قائل بقدمها، وربما نسب الى افلاطون وقد تقدم من نقل السيد الداماد  ان افلاطون يذهب الى حدوث عالمي الامر والخلق وقد قدمنا ان هذا الاطلاق مقيد بما عدى النفس فانه يرى فيها القدم والمشأون منهم ومعظم من عداهم على حدوثها وقال في كتاب شرح العقائد العضدية المتبادر من الحدوث الوجود بعد ان لم يكن بعدية زمانية والحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من المصنفة، وقال: والمخالف في هذا الحكم الفلاسفة وان ارسطاطاليس واتباعه ذهبوا الى قدم النفوس والعقول الفلكية واجسامها ومادتها وصورتها الجسمية والنوعية واشكالها واضرائها والعنصريات بموادها وصورها الجسمية والنوعية، ونقل عن جالينوس التوقف ولهذا نفي من الفلاسفة لانه خالف اصلهم الذي عليه يعولون وبه يصولون وبعض مشايخنا جعل الدليل على حدوث العالم النقل المستفيض عن صاحب الشرع والاجماع ممن يعتمد عليه من المسلمين وعندهم ان من ذهب الى القدم فهو داخل في جملة الكفار والملحدين لانه خالف ضرورياً من ضروري الدين، وهذا النقل عن صاحب الشريعة الصادق الامين بما يحصل لنا به الجزم واليقين، وانت اذا امعنت النظر لما تقدم وجانبت الاعتساف والتعنت وتدبرت الايات المتظافرة والاخبار المتواترة الصادرة باساليب مختلفة وعبارات متفننة مع اشتمالها على ادلة وافية وبيانات شافية في الحدوث بالمعنى الذي اسلفناه وهو الوجود بعد العدم والايجاد والاحداث والخلق والابداع والصنع والفطر والاختراع والابداء لا يفهم منها لغة الا الايجاد بعد العدم كما قاله الدواني فلا يردان الاستدلال بالايات الدالة على الخلق والفطر والابداء، وكذلك الاخبار المشتملة على الاحداث والاختراع والابداع والايجاد لاتدل على ما ذكرتموه لاحتمال مجامعتها القدم الزماني لما عرفت من المعنى اللغوي وقد نقل الطوسي في شرح الاشارات  عن اهل اللغة تفسير الفعل باحداث شيء ما والصنع احداث شيء مسبوق بالعدم والا بداع و الاحداث والخلق شيء بلا مثال سابق، وكتب الحكمة غير خالية عن تفسير هذه الالفاظ بهذه المعاني، فقد نص ابن سينا في رسالة الحدود ان للابداع معنيين: معنى  احدهما: حدوث تأسيس شيء لا عن شيء ولا بواسطة شيء، وعن تاليس الملطي على ما نقله الشهرستاني  انه قال: الابداع هو تأسيس ما ليس باسيس، وهو يرجع الى ما ذكرناه على انه قد وقع التصرف بالحدوث بالمعنى الممهود في كثير من النصوص بحيث لا تقبل هذا التأويل، بانضمام الجميع يحصل القطع بالمقصود، وكذا ورد اكثر المطالب الاصولية بعبارات مختلفة وأساليب شتى ليحصل الجزم بالمراد من جميعها مع انها اشتملت على ادلة مجملة من تأمل فيها يحصل له القطع بالمقصود على انهم(عليهم السلام) قد نبّهوا على المراد في مقام نفي القدم كما في قولهم لو كان الكلام قديماً لكان الهاً ثانياً، وقالوا: كيف يكون خالقاً لمن لم يكن معه، وقد اشاروا بهذا ان الخلق لا يتصور في القديم لان تأثير العلة منحصر في امرين: اما افاضة الوجود والبقاء بناء على ان الممكن محتاج في بقائه الى المؤثر، والاول هو العلة الموجدة، والثاني هي المبقية، ومن كان وجوده دائماً فمحال استناده الى الغير سواء كان بالاختيار او بالايجاب، ومما ينبه عليه ان في الحوادث المشاهدة في الان الاول تأثير العلة هو افاضة اصل الوجود، وفي الان الثاني وما بعده هو ابقاء الوجود فكل آن يفرض من انآت زمان وجود الغير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء لا آن افاضة الوجوه، ولا يتحقق آن الان للايجاد اصلاً، وحينئذ نقول: معنى الحديث الاول «لو كان الكلام قديماً لزم ان لا يحتاج الى علة» اما الموجدة فلاستحالتها لكونه دائمي الوجود، فكل آن يفرض في الماضي فهو آن البقاء، وامّا المعية التي هي علة البقاء فلانه فرع الوجود المترتب على الايجاد فلما انتفى الاول انتفى الثاني، وبهذا يلزم ان يكون واجب الذات فتتعدد القدماء وتثبت له الالهية الثانية، وهو خلاف المفروض اذ المفروض انه كلام الواجب، ومثل هذا التقرير يجري في الخبر الثاني، ويؤيده حديث المروي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) لما قال للزنديق «ثم يلزمك ان ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكون اثنين»  الى اخر الخبر حيث حكم على الفرجة بكونها الهاً ثالثاً اللازم للقدم لما عرفت من ان القديم لا يتصور فيه الايجاد بل ولا استناده الى الغير مطلقاً فتثبت له خاصية واجب الوجود فيستلزم القدم الذاتي، وقد نفاه عما سوى الله كل من له ادنى فطنة حتى من القائلين بقدم العالم، واذا تقرر هذا. فاعلم ان علة الحاجة الى المؤثر حينئذ يمكن ان يكون هي الامكان لان مصداق مفهوم الامكان حينئذ منحصر في الحوادث والفرد المفروض انه قديم لا يصدق عليه الامكان في نفس الامر بل من افراد الممتنع لاستلزم التسلسل المستحيل مطلقاً كما سيجيء بيانه وبرهانه، والممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين والنقيضين، ويمكن ان يكون علة الحاجة الى المؤثر هو الحدوث او الامكان بشرط الحدوث، وقد ذهب الى كل منها جماعة واحد الاخيرين هو الظاهر من اكثر الاخبار، ومن تلك الاخبار حديث الرضا(عليه السلام) المروي في العلل في علة خلق السموات والارض في ستة ايام  ويدل عليه ما روي عن الرضا(عليه السلام) ايضاً كما في الاحتجاج والتوحيد انه دخل عليه رجل فقال: «يا ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما الدليل على حدوث العالم؟ قال: كنت انت لم تكن ثم كنت، وقد علمت انك لم تكوّن نفسك ولا كونك من هو مثلك»  فان الظاهر منها له ان مراد السائل من حدوث العالم والدلالة عليه اثبات الصانع بناء على تلازم بينهما بقرينة الجواب، واستدل (عليه السلام)بوجود المخاطب بعد عدمه اي حدوثه الزماني على الصانع تعالى، ومن الدلائل على الحدوث ما يدل على اوليته تعالى فان الاولية مفسرة كما تقدم في الاخبار في بيان صفة القدم، وفي الاسماء الحسنى بانه تعالى قبل كل شيء، ومنها الايات والاخبار الدالة على فناء جميع الموجودات، لان ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وفي الاحتجاج وفي حديث الزنديق الطويل الذي سأل الصادق (عليه السلام) فيه عن مسائل وكان فيها ان قال له «فتلاشاً الروح بعد خروجها عن قابلها ام هو باق؟ فقال (عليه السلام): بل هو باق الى يوم ينفخ في الصور فعند، ذلك تبطل الاشياء، وتفنى فلا حس يبقى، ولا محسوس ثم اعيدت الاشياء كما بدءها يدبرها، وذلك اربعمائة سنة يسبت فيها الخلق، وذلك بين النفختين»  ويدل على حدوث السموات بعد الايات الشاهدة بذلك الاخبار الصحيحة الصريحة الدالة على انشقاقها وانقطارها وطيها وانتشار الكواكب منها، وكذلك الايات والاخبار الدالة على خلق السموات والارض في ستة ايام، لان الحادث في اليوم الاخير منها مسبوق بخمسة ايام فيكون منقطع الوجود في الماضي والموجود في اليوم الاول زمان وجوده يزيد على زمن الاخير بقدر متناه، فالجميع متناهي الوجود حادث فيكون الزمان الموجود الذي يثبتونه متناهياً لانه عندهم مقدار حركة الفلك، وان كان تأويل الايام وكيفية تقديرها في تفسير الايام واجب، وهل يحس من ذي عقل سليم وطبع مستقيم ان ينبذ هذه الايات والاخبار المتواترة والروايات وراء ظهره تقليداً للفلاسفة الذين كفروا بالله جهرة اتكالاً على شبهاتهم الكامدة واراءهم الفاسدة، وقد عرفت انها اوهن من بيت العنكبوت بفضل الحي الذي لا يموت، وما احسن ما قاله المحقق الدواني في هذا المقام في انموذجه بعد ان تكلم في شبهاتهم: لا يذهب عليك انه اذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم وثبتت بتواتر أخبار الانبياء الذين هم اصول البرايا، واجماع اهل الملل على ذلك، وقد نطق به الوحي الالهي على وجه لا يقبل التأويل الا بوجه تنفر عنه الطبائع السليمة والاذهان المستقيمة فلا محيص عن اتباع الانبياء في ذلك الاخذ بقولهم كيف، واساطين الفلاسفة ينسبون انفسهم اليهم ويبنون اصول مقالاتهم على ما يزعمون انهم مأخوذة منهم، فان تقليد هؤلاء الاعاظم الذين اصطفاهم الله تعالى وبعثهم لتكميل العباد والارشاد الى صلاح المعاش والمعاد، وقد اذعن لكلامهم الفلاسفة اولى واخرى من تقليد الفلاسفة الذين هم يعترفون برجحان الانبياء عليهم، ويتبركون بالانتساب اليهم، ومن اعجب العجاب ان بعض المتفلسفة يتمادون في غيهم، ويقولون: ان كلام الانبياء مؤل ولم يريدوا به ظاهره، مع انا نعلم انه قد نطق القران المجيد في اكثر المطالب الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل اصلاً كما قال الامام الرازي: لا يمكن الجمع بين الايمان بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وانكار الحشر الجسماني فانه قد ورد في مواضع من القران المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل اصلاً، ونحن نقول: ايضاً لا يمكن الجمع بين قدم العالم والحشر الجسماني ايضاً، لان النفوس الناطقة لو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القول بقدم العالم امتنع الحشر الجسماني لانه لابد في حشرهم جميعاً من ابدان غير متناهية وامكنة غير متناهية، وقد ثبت ان الابدان التي تعاد متناهية ثم التأويلات التي يحتملونها في كلام الانبياء (عليهم السلام) لا يتأتى مثلها لكلام الفلاسفة بل اكثر تلك التأولات من قبيل المكابرات السوفسطائية فانا لا نعلم علماً قطعياً ان المراد من هذه الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة هي معانيها المتعارفة عند اهل اللسان فانا كما لا نشك في ان من يخاطبنا بالاستفسار عن مسالة الجزء الذي لا يتجزأ ما يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلاً في قيامه وتعوده فكذلك لا نشك في ان المراد بقوله تعالى (ان يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم)هو هذه المعاني الظاهرة لا معنى اخر من احوال المعاد الروحاني الذي تقول به الفلاسفة.

وبالجملة فنصوص الكتاب يجب حملها على ظاهرها والتجاوز عن هذا النهج غيّ وضلال والتزام طريق اهل الكمال انتهى  .

ولقد احسن واجاد الا في قوله ان النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد، فان الامر ليس كذلك بل ان كان بعضها قابلاً فالمجموع مقيد للقطع بالمقصود ولعله انما قال ذلك بالنسبة الى اخبارهم لعدم اطلاعهم على نصوص ائمتنا(عليهم السلام)المتواترة او لعدم اعتقاده لها كما هو ظاهر حاله وان اشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع، واما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فانما يتم لو ذهبوا الى عدم تناهي عدد النفوس ووجوب تعلق كل واحدة بالابدان لا على سبيل التناسخ كما ذهب اليه ارسطوا ومن تاخر عنه، اما لو قيل: بقدمها وحدوث تعلقها بالابدان كما هو مختار افلاطون ومن تبعه لذهابهم الى قدم النفس وحدها وحدوث سائر العالم وتناهي الابدان او قيل: بجواز تعلق نفس واحدة بابدان كثيرة غير متناهية على سبيل التناسخ، وان في المعاد ترجع النفس مع بدن واحد، فلا يتم اصلاً القول بقدم النفوس البشرية بالنوع وحدوثها بحدوث الابدان على سبيل التعاقب وعدم تناهيها كما ذهب اليه المشاؤن على ما نقله عنهم المتأخرون مما لا يجتمع مع التصديق من النبي (صلى الله عليه وآله) بل الانبياء (عليهم السلام) من وجوه اخر ايضاً الاول التصديق بوجود آدم وحواء على ما نطق به القرآن والسنّة المتواترة مشروحاً.

معنى  الثاني: انهم ذهبوا الى قدم هيولى العناصر بالشخص وتعاقب صور غير متناهية عليها، فلابد لهم من القول بتكون ابدان غير متناهية لكل حصة من حصص تلك الهيولى وتعلق صور نفس غير متناهية لكل حصة منها، وعندهم ايضاً انه لا يمكن اجتماع صورتين في حصة من تلك الهيولى دفعة، فيلزمه اجتماع نفوس غير متناهية في بدن واحد ان اعترفوا بالمعاد الجسماني، وغير ذلك من المفاسد المطوية روماً للاختصار مع ان اسباب الفساد اظهر من الشمس في رابعة النهار، ومن الاخبار التي اشرنا اليها فيما سبق ما رواه الصدوق وفي العيون عن الحسن بن محمد النوفلي في خبر طويل يذكر فيه مناظرة الرضا (عليه السلام) لسليمان المروزي قال سليمان «لم يزل مريداً قال: يا سليمان فارادته غيره قال: نعم، فقال: فقد اثبت معه شيئاً غيره لم يزل... قال سليمان: ما اثبت فقال (عليه السلام) هل محدثة... يا سليمان فان الشيء اذا لم يكن ازلياً كان محدثا، واذا لم يكن محدثاً كان ازلياً» وجرت المناظرة الى ان قال: «يا سليمان الا تخبرني عن الارادة، فعل هي ام غير فعل، قال: بل هي فعل، قال: فهي محدثة لان الفعل كله محدث، قال: ليست بفعل؟ قال: فمعه غيره لم يزل، قال سليمان: انها مصنوعة؟ قال فهي محدثة» وساق الكلام الى ان قال: «قال سليمان: انها عنيت انها فعل من الله عزوجل لم يزل، قال: الم تعلم انما لم يزل لا يكون مفعولاً وقديماً حديثاً في حالة واحدة فلم يجد جواباً، ثم اعاد الكلام الى ان قال: انما لم يزل لا يكون مفعولاً، قال سليمان: ليس الاشياء ارادة ولم يرد شيئاً؟ قال (عليه السلام)(عليهم السلام)وسوست يا سليمان فقد فعل، وخلق ما لم يزل خلقه وفعله، وهذه صفة من لا يدري ما فعل، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً» ثم اعاد الكلام الى ان قال «فالارادة محدثة، والا فمعه غيره»  وفي كتاب التوحيد باسناده عن جابر الجعفي قال: «جاء رجل من علماء اهل الشام الى ابي جعفر (عليه السلام)فقال: جئتك أسألك عن مسألة لم أجد احداً يفسرها لي، وقد سألت ثلاثة اصناف من الناس، فقال صنف غير ما قال الاخر، فقال ابو جعفر(عليه السلام) وما ذلك، فقال: أسألك ما اوّل ما خلق الله من خلقه، فان بعض من سألته قال: القدرة، وقال بعضهم: العلم، وقال بعضهم: الروح فقال ابو جعفر (عليه السلام): ما قالوا شيئاً اخبرك ان شاء الله كان الله تعالى ولا شيء غيره، وكان عزيزاً ولا عز، لانه كان قبل عزه، وذلك قوله (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) وكان خالقاً ولا مخلوق، فأول شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الاشياء منه وهو الماء، فقال السائل: فالشيء خلقه من شيء او من لا شيء، فقال: خلق الشيء لا من شيء كان قبله، ولو خلق الشيء من شيء اذا لم يكن انقطاع ابداً، ولم يزل الله اذاً ومعه شيء، ولكن كان الله ولا شيء معه فخلق الشيء الذي جميع الاشياء منه وهو الماء»  قوله «فان بعض من سألته قال: القدرة» لعل هذا القائل زعم ان صفاته تعالى زائدة على ذاته مخلوقة له كما ذهب اليه جماعة من العامة .

وفي رواية الكليني  «القدر» بدل «القدرة» فلعله توهم ان تقديره جوهر او يكون مراده بالقدر اللوح الذي اثبت الله فيه تقديرات الامور، وكذا القول بان اول المخلوقات العلم مبني على القول بمخلوقية الصفات، وفي رواية الكليني مكانه «القلم» وهو موافق لبعض الاخبار ووجه الجمع بينهما وبين غيرها في الاولية مشكل الا ان تحمل الاولية على النوعية والاضافية، فتتعدد افرادها قوله (عليه السلام) «لانه كان قبل عزه» لعل المراد انه كان عالياً وعزيزاً قبل ان يظهر عزه وغلبته على الاشياء بخلقها ولذا قال: (رب العزة) اذ فعليته العزة وظهورها مسبب عنه او المعنى ولا عزّ لغيره، فالمراد بالعزة في الاية عزة المخلوقات .

وفي الكافي «ولا احد كان قبل عزه»، وذلك قوله «اي لم يكن احد قبل عزه» يكون عزه به، واستدل عليه بقوله (رب العزة) اذ هو يدل على انه سبحانه سبب كل عزة فلو كان عزة بغيره كان ذلك الغير رب العزة، وهذا الخبر نص صريح في الحدوث لا يقبل التأويل بوجه، وفي تفسير الامام(عليه السلام) عن ابائه(عليهم السلام) «قال: احتج رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الدهرية، فقال: الذي دعاكم الى القول بان الاشياء لابدء لها، وهي دائمة لم تزل ولا تزال، فقالوا: لانا لا نحكم الا بماشاهدنا، ولم نجد للاشياء حدثاً فحكمنا بانها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بانها لا تزال، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فوجدتم لها قدماً او وجدتم لها بقاء ابداً، فان قلتم انكم وجدتم ذلك انهضتم لانفسكم انكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون الذين يشاهدونكم، قالوا: بل لم نشاهد لها قدماً ولا بقاء ابداً لابدين، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلم صرتم بان تحكموا بالبقاء والقدم دائماً لانكم لم تشاهدوا حدوثها، وانقضاءها اولى من تارك التميز لها مثلكم فحكم لها بالحدوث والانقطاع لانه لم يشاهد لها قدماً ولا انقطاعاً ابد الابد، اولستم تشاهدون الليل والنهار، واحدهما بعد الاخر، فقالوا: نعم، فقال: اترونهما يزالا ولا يزالان، فقالوا: نعم، قال: افيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار، فقالوا: لا، فقال (عليه السلام): فاذا ينقطع احدهما عن الاخر فيسبق احدهما، ويكون الثاني جارياً بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار ولم نشاهدوهما، فلا تنكروا لله قدرته، ثم قال (عليه السلام): تقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه ام غير متناه، فان قلتم غير متناه، فقد وصل اليكم اخر بلا نهاية لاوله، وان قلتم انه متناه، فقد كان ولا شيء منهما، قالوا: نعم، قال لهم: الستم قلتم ان العالم قديم غير محدث، وانتم عارفون بمعنى ما اقررتم به، وبمعنى ما جحدتموه، قالوا: نعم، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)(عليهم السلام) فهذا الذي نشاهده من الاشياء بعضها الى بعض مفتقر، لانه لا قوام للبعض الا بما يتصل به كما ترى البناء محتاجاً بعض اجزائه الى بعض، والا لم يتسق ولم يستحكم، وكذا سائر ما نرى، قال: فاذا كان هذا المحتاج بعضه الى البعض بقوته وتمامه هو القديم فاخبروني ان لو كان محدثاً كيف يكون؟ وماذا كانت تكون صفته؟ قال: فصمتوا وعلموا انه لا يجدون للمحدث صفة يصفون بها الا وهي موجدة في هذا الذي زعموا انه قديم فوجموا، وقالوا: سننظر في أمرنا» الحديث .

وهذا الخبر كما ترى قد احاط بأطراف البرهان الساطع والدليل اللامع، وكان الدهرية قد ذهبت الى ان العالم قديم زماني، وان الاشياء دائمة الوجود لم تزل ولا تزال، بل بعضهم قد انكر الحوادث اليومية ايضاً وذهبوا الى الكمون والبروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية، وانكروا وجود ما لم تدرك الحواس الخمس، ولذا انكروا وجود الصانع لعدم ادراك الحواس له تعالى وقالوا: وجود الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا الى نهاية، واذا تقرر هذا. فاعلم ان الظاهر ان المطلوب اولاً من هذا الاحتجاج النبوي اثبات الحدوث الزماني، فان الظاهر من البدء بدء الزماني، ويؤيده قوله «وهي دائمة لم تزل ولا تزال» وقوله «افوجدتم» الى قوله «تقولون ما قبلكم من الليل والنهار» ابطال لانكارهم وجود ما لا تدركه الحواس، واثبات لوجود الايمان بالغيب عند قيام البرهان، وذلك لانهم يحكمون بالقدم ولتقدم الليل والنهار في الازمنة الماضية وعدم اجتماعهما مع انهم لم يشاهدوا شيئاً من ذلك فيلزمهم ان يعترفوا بوجود ما يغيب عن حواسهم. ويحتمل ان يكون الى قوله «اولستم تشاهدون الليل والنهار» اثباتاً للحدوث الزماني بدلاً لانهم كما يحكمون بالقدم لعدم مشاهدة الحدوث يلزمهم ان يحكمو بالحدوث لانهم لم يشاهدو القدم، والبقية لاثبات الايمان بالغيب او البقية لاثبات الحدوث بالدليل المشهور عند المتكلمين من عدم الانفكاك من الحوادث او ان الحكم بحدوث كل ليل ونهار يكفي لاحتياجها الى الصانع، ولا ينفع قدم الطبيعة، ومن قوله «اتقولون ما قبلكم» الى قوله «اقلتم اثبات لانقطاع الليل والنهار» من جهة الماضيين لاستحالة ما لا نهاية له وهو انقطاع الزمان، ويلزم منه انقطاع الحركة، وحدوث الاجسام والاعراض القائمة بها، ومن قوله «اقلتم اثبات لا مكان العالم المستلزم لوجود الصانع تعالى شأنه» ويحتمل ان يكون(صلى الله عليه وآله) تدرج في الاحتجاج فنزلهم اولاً عن مرتبة الانكار الى الشك ثم اخذ في الاحتجاج، فقوله «اتقولون» الى اخره هذا الكلام يحتمل ان يكون دليلاً واحداً، وحاصله: ان لا يخلو من ان يكون الزمان متناهياً او غير متناه، وعلى الاول لابد للاشياء لحدوثها من صانع، فقوله «فقد كان ولا شيء منهما» اي كان الصانع قبل وجود شيء منهما ثم ابطل الثاني لانكم انما حكمتم بقدمها لئلا يحتاج الى صانع، والعقل يحكم بانما يوجب الحكم في الحادث بالحاجة الى الصانع يحكم في القديم ايضاً، وفي الحديث احتمالات اخر الا انها لا تخلو من وصمة التكلف فلا حاجة الى ذكرها، وسيما بعد ظهور المراد منه .

وفي العيون والتوحيد باسناده عن ابي الصلت الهروي قال: «سأل المأمون أبا الحسن علي ابن موسى الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيّام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) فقال: ان اللّه تبارك وتعالى خلق الماء والعرش  والملائكة قبل خلق السموات والارض، وكانت الملائكة تستدل بانفسها وبالعرش والماء على اللّه عزوجل، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر ذلك قدرته للملائكة، فتعلم انّه على كل شيء قدير، ثم رفع العرش» ثم ساق الحديث الى ان قال: «ثم خلق السموات والارض في ستة ايام وهو مستولي على عرشه، وكان قادراً على ان يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة ايام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء، فيستدل بحدوث ما يحدث على الله مرة بعد مرة، ولم يخلق الله العرش لحاجة به اليه، لانه غني عن العرش، وعن جميع ما خلق» الحديث .


وفي التوحيد والعلل عن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي اسحاق الليثي قال: «قال لي ابو جعفر (عليه السلام): يا ابراهيم ان الله تعالى لم يزال عالماً خلق الاشياء لا من شيء، ومن زعم ان الله تعالى خلق الاشياء من شيء فقد كفر، لانه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الاشياء قديماً معه في ازليته وهويته كان ذلك ازلياً، بل خلق الله عزوجل الاشياء كلها لا من شيء، فكان مما خلق الله تعالى ارضاً طيبة»  الحديث، وفيه وفي الاحتجاج ايضاً عن هشام بن الحكم سال الزنديق ابا عبدالله (عليه السلام)فقال «اي شيء خلق الله الاشياء؟ قال: من لا شيء قال: فكيف يحيي من لا شيء شيء؟ فقال (عليه السلام): ان الاشياء لا تخلو اما ان تكون خلقت من شيء او من غير شيء، فان كان خلقت من شيء كان معه، فان ذلك الشيء قديم والقديم لا يكون حادثاً ولا يفنى ولا يتغير ولا يخلو ذلك الشيء من ان يكون جوهراً واحداً او لوناً واحداً، فمن اين جاءت هذه الالوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى، ومن اين جاء الموت ان كان الشيء الذي انشأت منه الاشياء حياً، ومن اين جاءت الحياة ان كان ذلك الشيء ميتاً، ولا يجوز ان يكون من حي وميت قديمين لم يزالا لان الحي لا يحيى منه ميت، وهو لم يزل حياً، ولا يجوز ايضاً ان يكون الميت قديماً لم يزل بما نسبوا من الموت، لان الميت لا قدرة له فلا بقاء، قال: فمن اين قالوا: ان الاشياء ازلية؟ قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الاشياء، فكذبوا الرسل ومقالتهم والانبياء، وما انبأؤا عنه، وسموا كتبهم اساطير الاولين، ووضعوا لانفسهم دينا برأيهم، واستحسانهم ان الاشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه، وهي سبعة افلاك وتحرك الارض ومن عليها، وانقلاب الازمنة واختلاف الوقت، والحوادث التي تحدث في العالم من زيادة ونقصان وموت وبلاء، واضطرار النفس الى الاقرار بازلها صانعاً ومدبراً، اما ترى الحلو يصير حامضاً، والعذب مراً والجديد بالياً، وكل الى تغير وفناء» وساق الحديث الى ان قال: «قال الزنديق: ومن زعم ان الله لم يزل معه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها الا بامتزاجه بها ودخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الاشياء، قال (عليه السلام)(عليهم السلام)سبحان الله ما اعجز الهاً يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ان كانت الطينة حية ازلية فكانا الهين قديمين، فامتزجا ودبرا العالم من انفسهما، فان كان كذلك فمن اين جاء الموت والفناء، وان كانت الطينة ميتة فلا يقال للميت مع الازلي القديم، والميت لا يحيي منه حي هذه مقالة الديصانية اشد الزنادقة قولاً» ثم قال (عليه السلام)في مواضع من هذا الخبر: «لو كانت قديمة ازلية لم تتغير من حال الى حال، وان الازلي لا تغيره الايام، ولا يأتي عليه الفناء» . قوله (عليه السلام)«والقديم لا يكون حديثاً» اي ما يكون وجوده ازلياً لا يكون محدثاً مغلوباً فيكون واجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغير والفناء، قد نسب الى بعض الحكماء انه قال: المبدع الاول هو مبدع الصور فقط دون الهيولى فانها لم تزل مع المبدع فانكر عليه سائر الحكماء، قالوا: ان الهيولى لو كانت ازلية قديمة لما قبلت الصور، ولما تغيرت من حال الى حال، ولما قبلت فعل غيرها اذ الازلي لا يتغير، وقوله (عليه السلام) «فمن اين جاءت هذه الالوان المختلفة» لعله مبني على ما زعموا من ان كل حادث لابد له من مبدأ ومنشأ يناسبه ويشاكله في الذات والصفات، فالزمه (عليه السلام)بحسب معتقده او المراد ان الاحتياج الى المادة ان كانت لعجز الصانع عن احداث شيء لم يكن، فلابد من وجود الاشياء بصفاتها في المادة حتى يخرجها منها، وهذا محال لاستلزامه كون المادة ذات حقائق متباينة واتصافها بصفات متضادة، وان قلتم: انها مشتملة على بعضها، فقد حكمتم باحداث بعضها بغير مادة، فليكن الجميع كذلك، فان قلتم: ان جوهر المادة تتبدل جوهراً اخر او اعراضها اعراضاً اخرى، فقد حكمتم بفناء ما هو ازلي، وهذا محال، وبحدوث شيء اخر من غير شيء هو مستلزم للمطلوب، واما ما ذكره في الحياة والموت فيرجع الى ما ذكرناه وملخصه: انه اما ان تكون مادة الكل حية بذاته او ميّة بذاته او تكون الاشياء من اصلين: احدهما حي بذاته، والاخر ميت، وهذا ايضاً يحتمل وجهين: احدهما ان يكون كل شيء مأخوذاً من كل من الحي والميت، والثاني ان يكون الحي مأخوذاً من الحي والميت من الميت، فابطل(عليه السلام) الاول بانه لو حصل الميت بذاته عن الحي بذاته يلزم زوال الحياة الازلية من هذا الجزء من المادة، وقدر امتناعه او تتبدل الحقيقة الذي يحكم العقل ضرورة بامتناعه، ولو قيل: باعدام الحي وانشاء الميت، فيلزم المفسدة الاولى مع الاقرار بالمدعى، وهو حدوث الشيء لا من شيء، وبهذا يبطل الثاني، وكذا الثالث، لان الجزء الحي من المادة يجري فيه ما سبق اذا حصل منه ميت، واشار اليه بقوله «لان الحي لا يحيى منه ميت»، وأشار الى الرابع بقوله «ولا يجوز ان يكون الميت قديماً»، وبه يبطل الثاني والثالث ايضاً.

وتقريره ان الازلي لابد ان يكون واجب الوجود بذاته كاملاً بذاته بشهادة العقول، لان الاحتياج والنقص من شواهد الامكان المحرج الى الماثر والموجب فلا يكون الازلي ميتاً، وربما يحمل الحي في هذا الخبر على الموجود والميت على الاعتباري المعدوم، والظاهر ان اكثر الكلام مبني على مقدمات موضوعة مسلمة عند الخصم .

وفي العيون والعلل بسند صحيح عن ابن ابي عميرة «قال موسى بن جعفر (عليه السلام): هو الاول الذي لا شيء قبله والاخر الذي لا شيء بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيراً»  .

وفي التوحيد مرفوعاً قال «سال ابن ابي العوجاء ابا عبدالله (عليه السلام) فقال: ما الدليل على حدوث الاجسام؟ فقال: اني ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً الا واذا ضم اليه مثله كان اكبر وفي ذلك زوال وانتقال من الحالة الاولى، ولو كان قديماً ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز ان يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الاولى دخوله في العدم، ولن تجتمع صفة الازل والعدم في شيء واحد»  الخبر .

وفي التوحيد بسند صحيح عن حماد بن عثمان عن عبدالرحيم «قال كتبت على يدي عبدالملك بن اعين الى ابي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك اختلف الناس في القران فزعم قوم ان القران كلام الله غير مخلوق، وقال الاخرون: كلام الله مخلوق، وقال: فكتب (عليه السلام) القران كلام الله محدث غير مخلوق، وغير ازلي مع الله تعالى ذكره عن ذلك علواً كبيراً، كان الله ولا شيء غير الله معروف ولا مجهول، كان الله عزوجل ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل جل وعز ربنا، فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه جل وعز ربنا، والقران كلام الله غير مخلوق فيه خبر من كان قبلكم، وخبر ما يكون بعدكم»  الحديث.

والاخبار بهذا المعنى متواترة لفظاً ومعنى، وكذلك الخطب المعصومية مع كونها واضحة اللفظ والمبنى، واما ما يلزم من القدم من التسلسل التي اشارت اليه جملة من الاخبار المتقدمة، وما ذلك الا ثبوت بطلانه، ولهم في ابطاله والبرهان عليه طرق:

فمنها: ما ذكره السيد الداماد (قدس سره) في القبسات وهو: ان الحكم المستوعب لشمول لكل واحد اذا صح على جميع تقادير الوجود لكل من الاحاد منفرداً كان عن غيره او ملحوظاً على الاجتماع كان سحب ذيله على المجموع الحملي ايضاً من غير امتراء، وان اختص بكل واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الاحاد فانه اذا كان سلسلة كل خبر منها ابيض فالجملة ايضاً ابيض، واذا كان لكل جزء مقدار فالكل ايضاً كذلك، الى غير ذلك من الامثلة المنبهة على المطلب، واذا كان فرد متناهياً لم يلزم ان يكون المجموع متناهياً، واذا كان كل جزء من الاجزاء لا يتجزأ غير منقسم لا يكون الكل غير منقسم، واذا كان كل جزء من اجزاء السلسلة واجباً بالذات لا يلزم ان يكون الجملة واجباً بالذات، لان في ذلك الانفراد مدخلاً وتأثيراً  .

ومنها: ما اشار اليه المحقق الدواني وغيره وهو: ان العقل قد يحكم على الاجمال حكماً كلياً بالبديهة أو الحدس على كل فرد وعلى كل جملة سواء كانت متناهية او غير متناهية، وان كان لو لاحظ التفصيل ابتداء توقف في بعض الافراد، والجمل قد يحكم العقل مجملاً بان كل موجود يوجب ان يتقدم على الموجد من غير تفصيل بين موجد نفسه وموجد غيره ثم يثبت به ان الهيئة الماهية لا يجوز ان تكون علة لوجودها، وهذا كله جار في كبريات الشكل الاول بالنسبة الى الاصغر انتهى.

وبهذه يمكن تميم البرهان السلمي بان كل بعد من الابعاد المفروض فيه يجب ان يوجد فيما فوقه، فكذا لكل الغير المتناهي.

ومنها: اعلم ان من النسب والاضافات ما هي فرع العقل وانتزاعه حتى لو لم يعتبرها العقل لم يتحقق في نفس الامر اصلاً، وذلك انما يكون اذا كان الموصوف او الاتصاف والنسبة والاضافة اعتبارياً محضاً يتوقف تحققه على اعتبار العقل وفرضه، ومنه العدد اذا كان فرضه غير موجود، فان العدد عرض لا يتحقق الا بتحقق مفروضه وهو المعدود، ومنه وجود الوجود ولزوم اللزوم، وهكذا لان الموصوف والمنتزع عنه فيهما لا يتحقق الا بعد الانتزاع وتوجه العقل اليه قصداً وبالذات فان الموصوف لا يتحقق الا بهذا، ومنه النسب الاعتبارية المحضة والانطباقات الحاصلة بين احاد السلسلتين اذا كانتا باعتبار هذه الوجوه كانت اعتبارية محضة تنقطع بانقطاع الاعتبار، ومن الاتصافات والنسب ما ليست كذلك ولا تتوقف على اعتبار وفرض  بل هي متحققه في الواقع بدون من فرض فارض مثل لوازم الماهية والاتصافات الخارجية والنفس الامرية، فانا نجزم بديهة ان العدد موصوف بالزوجية او الفردية، والسماء موصوفة بالفوقية بالنسبة الى الارض، والاب بالابوّة، والابن بالبنوّة وان لم يفرض العقل بل انتزاع العقل تابع وفرع للواقع وليس لفرض العقل مدخل في صحة هذه الامور وتحققها، وهذا القدر كاف في دفع الاعتراضات الواردة على البراهين الاتية، ولنشرع فراد البراهين ولو على وجه الاختصار، وان كانت مذكورة في كتب القوم ليستغني، فكتابنا هذا عن مراجعة غيره من الكتب فنقول :

 

« البرهان الاول: برهان التطبيق

وهو امّ البراهين وله تقديرات :

الاول: لو تسلسلت امور مترتبة الى غير النهاية لاي وجه من وجوه الترتيب اتفق كالترتيب الوضعي او الطبعي او بالعلية او بالزمان، وسواء كانت عدداً او زمان او كماً قاراً او معدوداً او حركة او حوادث متعاقبة، فتفرض من حد معين منها على سبيل التصاعد مثلاً سلسلة غير متناهية، ومن الذي فوق الاخير ايضاً سلسلة اخرى، ولا شك في انه يتحقق هناك جملتان احدهما جزء الاخرى، ولا خفاء في ان الاول من احديهما منطبق على الاول من الاخرى، والثاني على الثاني في نفس الامر، وهكذا حتى يستغرق التطبيق كل فرد فرد بحيث لا يشذ فرد، فان كان بازاء كل واحد من الناقصة واحد من الزائدة، لزم تساوي الكل ولجزء وهو محال اولا يكون فقد وجد في الزائدة جزء لا يكون بازائه من الناقصة شيء، فتناهي الناقصة اولاً، ويلزم تناهي الزائدة ايضاً لان زيادتها يقدر متناهية وهو مابين المبدئين، وقد فرضناهما غير متناهيين هذا خلف، واعلم انه لا حاجة في التطبيق الى جذب السلسلة الناقصة او رفع التامة وتحريكهما عن موضعيهما حتى تحصل نسبة المحاذاة بين احاد السلسلتين، ويحصل التطبيق باعتبار هذه النسبة، بل النسب الكثيرة في الواقع متحققة بين كل واحدة من احاد تلك السلسلتين مع احاد السلسلة الاخرى بلا تأمل من العقل فانه للاول من السلسلة الثانية نسبة من الاول الى الناقصة، والخامس من السلسلة الاولى بقطع اسقاط اربعة من اولها، والثاني من الاولى الى السادس من الثانية، وللثالث من الاولى الى السابع من الثانية تلك النسبة بعينها، وهكذا في جميع احاد السلسلتين على التوالي حتى يستغرق، وكذا الاول من السلسلتين موصوف بالاولية، والثاني بالثانوية، والثالث بالثالثية، وهكذا وباعتبار كل من تلك النسب والمعاني تنطبق السلسلتان في الواقع كل جزء على نظيره على التوالي، ولما كان اول الناقصة منطبقاً على اول الزائدة وتاليها على تاليها وهكذا على التوالي كل من نظيره حتى يستغرق الكل، ولا يمكن فوات جزء من البيّن لترتيب الجملتين واتصافهما، فلابد ان يتحقق في الزائدة جزء ولا يوجد في الناقصة نظيره، والا لتساوى الجزء والكل فيلزم انقطاع الناقصة وزيادة الزائدة بقدر متناه، واعترض على هذا الدليل بالنقض بمراتب العدد وكل متناه بمعنى لا يقف كاجزاء الجسم ومثل اللزوم ولزوم اللزوم وهكذا والامكان نظائرهما، فان الدليل يجري فيها.

والجواب: ان غير المتناهي اللايقفي ليستحيل وجود جميع افراده بالفعل لا لاستحالة وجود غير المتناهي، بل لان حقيقة اللايقفية تقتضي ذلك فانه لو خرج جميع افرادها الى الفعل ولو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا انه لا يقف، ويلزم في اجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزأ، وفي المراتب العددية ان لا يتصور فوقه عدد اخر وهو خلاف البديهة بل مفهوم الجميع ومفهوم اللايقف متنافيان كما قرروه في موضعه اذا تقرر هذا، فنقول: لعله يكون وجود جميع الافراد خارجاً وذهناً مستحيلاً، نعم يمكن ملاحظتهما اجمالاً في ضمن الوصف العنواني فلا يجري فيه البرهان، وانما يتم النقض لو ثبت ان جميع مراتب الاعداد المستحيلة للخروج الى الفعل موجودة مفصلاً مرتباً في الواقع، وان اورد النقض تحققها في علمه سبحانه .

فالجواب: ان علمه سبحانه مجهول الكيفية لا تمكن الاحاطة به، وانه مخالف بالنوع لعلومنا، وانما يتم النقض لو ثبت تحقق جميع شرائط البرهان في علمه تعالى في المعلومات باعتبار تحققه في هذا النحو من العلم، وهو ممنوع، وفي خبر سليمان المروزي في البداء ايماء الى حلّ هذه الشبهة لمن فهمه.

وقد مر الثاني لو كانت الامور الغير المتناهية ممكنة لامكن وقوع كل واحد من احدى السلسلتين بازاء واحد من الاخرى على سبيل الاستغراق الى اخر الدليل، وهذا التقرير جار في غير المرتبة ايضاً لكنه في المرتبة المتسعة اظهر، ومنع الامكان الذاتي مكابرة، وكيف يتوقف الذكي في ان القادر الذي هو اوحد اولاً ممكنة ان يوجد مرة اخرى مرتباً منطبقاً وان يرتب الغير المرتبة، وانكاره تحكم، ومنعه مكابرة.

الثالث: ما قدره المحقق الطوسي، وهذه به الفاضل الدواني، ولا يرد عليه شيء من الايرادات المشهورة، ويكون الانطباق فيه انطباقاً برهانياً لا مجال لتشكيك الوهم فيه وتقع فيه الزيادة والنقصان في الجملة التي فرض فيها عدم التناهي.

وهو ان يقال: تلك السلسلة المرتبة علل ومعلولات بالنهاية في جانب التصاعد مثلاً، وما خلا المعلول الاخير علل غير متناهية باعبتار ومعلولات غير متناهية باعتبار، فالمعلول الاخير مبدء السلسلة المعلولية، والذي فوقه مبدأ السلسلة العلية، فاذا فرضنا تطبيقهما بحيث ينطبق كل معلول على عليته وجب ان تزيد سلسلة المعلولية على سلسلة العلية بواحد من جانب التصاعد ضرورة ان كل علة فرضت لها معلولية، وهي بهذا الاعتبار داخلة في سلسلة المطول والمعلول الاخير داخل في جانب المبدء في سلسلة المعلول دون العلة فلما لم تكن تلك الزائدة بعد التطبيق من جانب المبدأ كانت في الجانب الاخر لا محالة لامتناع كونها في الوسط لاتساق النظام، فيلزم الانقطاع وان يوجد معلول بدون علة سابقة علية تاماً فانه دقيق، ويجري هذا الدليل في غير سلسلة العلل والمعلولية من الجمل المترتبة، فان كل جملة فان احادها موصوفة في الواقع بالسابقية المسبوقية باي نوع كان من السبق وبغير ما من النسب الواقعية المتضايفة.

 

« البرهان الثاني: برهان التضايف

وتقريره لو تسلسلت العلل الى غير النهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العلية، والتالي باطل، بيان الملازمة ان احاد السلسلة اذا اقتطع منها المعلول الاخير يثبت لها وصف المعلولية والعلية ويتكافىء عددهما، لان كل واحد من السلسلة فهو علة لما بعده معلول لما قبله، فالمعلول الاخير لم يثبت له وصف العلية، وقد ثبت له وصف المعلولية فزيد وصف احدهما على الاخر بواحد والتضايف يشترط فيه التساوي، وهذا الدليل جار في كل سلسلة تتحقق فيه الاضافة في كل فرد منها في الواقع لا من حيث اختراع العقل ولكن بشكل جريانه في المقادير المتصلة، فان اثبات الاضافة في كل فرد فرد من الحدود التي فرضت فيه بالنظر الى الواقع مشكل، اللهم الا ان يقال: كل جزء من تلك الاجزاء متصف في الواقع بالتقدم والتأخر، وهما متضايفان حقيقيان، وبه يتم المطلوب اذ يستلزم زيادة وصف المتأخر على مضايفة، ويؤيد ذلك بتصريحهم بان اجزاء الجسم موجودة في الواقع بوجود الكل، وليست القسمة ايجاداً للجزئين من كتم العدم بل تميز وتعيين حد بين الجزئين الموجودين فيه لكنه مبني على الجزء الذي لا يتجزأ، اذ في القسمة يلزم انتهاء الجسم اليه، وفيه ما فيه، ثم ان هذا البرهان جريانه في التسلسل في احد الطرفين ظاهر اما لو كان التسلسل باعتبار المبدأ والمنتهى معاً فجريانه فيه باعتبار اقتطاع معلول من المعلولات المتوسطة بجعله اخراً لما قبله او مبدأ لما بعده، ويجب ان يكون المتضايفان الواقعان في تلك السلسلة متساويين، وحينئذ يتم الدليل ضرورة ان مضايف العلية الواقعة في تلك القطعة هو المعلولية الواقعة فيها لا ما تحت القطعية من الافراد مثلاً، اذا كان زيد علة لعمرو، وعمرو لبكر، فمعلولية عمرو مضايفة هو علية زيد لا غير بل الاثنان منها على التوالي متضايفان، فالمضايف للمعول الاخير المأخوذ في تلك السلسلة هو علية ما قبله اما القريبة فليقابل .

 

« الثالث: برهان العدد والمعدود

وقد ذكره بعض الاذكياء من متأخري المتأخرين، وهو برهان متين، وتقريره انه: لو تحققت امور غير متناهية سواء كانت مجتمعة في الوجود ام لا، وسواء كانت مترتبة ام لا، تحقق لها عدد ام لا، لان حقيقة العدد  هي مجموع الوحدات، ولا ريب في تحقق الوحدات وتحقق مجموعها في السلسلة، فيعرض العدد للجملة لا محالة اذ لا حقيقة للعدد الا مبلغ تكرار الوحدات، ويظهر في التأمل في المقدمات ذلك المطلوب ايضاً كما لا يخفى، وكل مرتبة يمكن فرضها من مراتب الاعداد على سبيل الاستغراق الشمولي فهي متناهية لا يمكن فرض مرتبة اخرى فوقها، والا لزم ان يقف مراتب العدد بل هي محصورة بين حاصرين: احدهما الوحدة والاخرى تلك المرتبة المفروضة اخيراً فالمعدود ايضاً، وهو مجموع السلسلة الغير المتناهية ايضاً متناه لانه لا يمكن ان يفرض المجموع بحيث لا يشذ منه فرد الا مرتبة واحدة من مراتب العدد من جهة واحدة، وكل مرتبة يمكن فرضها فهي متناهية كما مرّ، نعم لو امكن فرض جميع المراتب الا يقفيه للعدد، وامكن تصور خروج جميع المراتب الا يقفيه الى الفعل، وامكن عروض اكثر من مرتبة واحدة للعدد للجملة الواحدة من جهة واحدة، امكن عروض العدد الغير المتناهي لهذه الجملة، لكنه محال، لانه لا يمكن اخذ المجموع من الامور الايقفية، ولا يتصور خروج الجميع الى الفعل ولو على سبيل المتعاقب، والا لزم ان يقف، وهذا خلف، وقد التزمه النظام في اجزاء الجسم بل نقول: مفهوم اللايقفية ومفهوم المجموع متنافيان كما قرره في محله، وهذا البرهان واضح المقدمات يجري في المجتمعة والمتعاقبة والمترتبة  وغير المترتبة بلا تأمل، وكذا جريان برهان التطبيق والتضايف ظاهر بعد الرجوع في المقدمات الممهدة النظر الجميل في التقريرات السابقة، وذهب المحقق الطوسي (رحمه الله) في التجريد  الى جريان التطبيق والتضايف فيها، وقال في نقد المحصل بعد تزئيف ادلة المتكلمين على ابطال التسلسل في المتعاقبة، فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع.

وانا اقول: ان كل حادث موصوف بكونه سابقاً على ما بعده ولاحقاً بما قبله، والاعتباران مختلفان، فاذا اعتبرنا الحوادث الماضية المتبدأة من الان تارة من حيث كل واحد منهما سابق، وتارة بحيث هو من عينه لاحق كانت السوابق واللواحق المتباينان بالاعتبار متطابقتين في الوجود لا نحتاج في تطابقهما الى توهم تطبيق، ومع ذلك يجب كون السابق اكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه، فاذا اللواحق متناهية في الماضيين لوجوب انقطاعهما قبل انقطاع السوابق، والسوابق زائدة عليها بمقدار متناه، فتكون متناهية ايضاً انتهى .

واعترض عليه: بان في التطبيق لابد من وجود الاحاد على نحو التعدد والامتياز اما في الخارج فليس، واما في الذهن فكذلك لعجز الذهن عن ذلك، وكذا لا يمكن للعقل تحصيل الامتياز، ووجود كل واحد في الاوقات السابقة على زمان التطبيق لا يقيد لانه يرجع الى تطبيق المعدوم، فان الوجود ضروري عند التطبيق، وايضاً لابد في الانطباق من وجود مجموع الاحاد، وذلك المجموع لا يمكن وجودها لان ذلك المجموع لم يكن موجوداً قبل الحادث الاخير وبعده لم يبق شيء منه وجوداً، والقول بوجودها في مجموع الاوقات على سبيل التدريج كالحركة القطعية، يدفعه ان وجود الكل في جميع الاوقات على هذا النحو يستلزم وجود الكل بدون شيء من اجزائه، وفيه بحث اذ يكفي لوجود هذا الكل وجود اجزائه في اجزاء زمان الكل انتهى .

والتحقيق: ان الموجود قد يوجد في طرف الزمان وهو الدفعيات، وقد يوجد في نفس الزمان وهو التدريجات، والامور التدريجية مجموعها موجودة في مجموع زمان وجودها على سبيل الانطباق، وليس المجموع موجداً في ابعاض الزمان، ولا في آن من الانات، فان سئل الحركة في اليوم، هل هي موجودة في آن من آنات اليوم المفروض او شيء من ساعاته؟ فالجواب: انها ليست بموجودة اصلاً بل في مجموع اليومين، وقد بيّن ذلك بوجه شاق، وانطباق الحوادث المتعاقبة الزمانية بعضها على بعض من قبيل الثاني، فالتطبيق موجود في كل الزمان لا في آن، وآن والانطباق حكمه حكم المنطبقين كانطباق الحركة على الزمان، وانطباق الحركة على المسافة، وهذا ظاهر الا ترى ان الكرة المدحرجة على خط مستو تنطبق دائرة من محيط الكرة على المسافة جزماً، وانطباقها لا يمكن ان يكون في آن، لانه لا يمكن ان يكون التماس بين المستدير والمستوي، فظهر ان انطباقها تدريجي في كل الزمان او لا تعلم ان الحركة والزمان متطابقان تدريجاً في كل زمان حركة، ولو لم ينطبق الزمان على الحركة لم يكن مقداراً لها سواء كانا موجودين في الخارج ام لا، ويمكن الجواب ايضاً على القول بعدم وجود الزمانيات بانه لا شك ان الاحاد المتعاقبة من احدى السلسلتين منطبقة في الواقع على احاد السلسلة الاخرى التي كانتا هما معاً في الوجود في ازمنة وجودهما، وان لم يكونا موجودين حال حكمنا، ووجودهما حال الحكم غير لازم في جريان البرهان بل وجودهما حال الانطباق، وليس من قبيل تطبيق المعدوم على المعدوم بل من قبيل الحكم على انطباق المعدوم في حال الحكم على المعدوم الموجودين معاً في حال الانطباق، وذلك مثل سائر الاحكام الصادقة على سائر الاحكام الصادقة على الامور الماضية، وقيل ايضاً: ان التطبيق يتوقف على الترتيب وهو يتوقف على تحقق اوصاف ونسب واضافات يسلكها في سلك الترتيب وفي المتعاقبة لا يوجد ذلك، فان فيما عدى الحادث الاخير لا يوجد شيء من طرفي النسبة وفي الحادث الاخير لا يوجد الا طرف واحد، فلا تتحقق النسبة ايضاً ضرورة انها فرع المنتسبين.

فان قلت: لعل الاتصاف في الذهن كما قالوا في اتصاف الزمان بالتقدم والتأخر. قلت: لما كانت الحوادث لا نهاية لها فلا يمكن التفصيل في الاذهان والمباديء العالية والموجود والاجمالي غير كاف لعدم الامتياز فيه انتهى.

والجواب: انه يجزم العقل بان حوادث زمان الطوفان في الخارج قبل حوادث زمان البعثة وقبل الحادث اليومي بلا ريب، ولا يتفرع على اعتبار العقل، كيف وهم معترفون بانّ الحادث المتقدم علّة معدة للحادث المتأخر للعلية والمعلولية والخارجية، فان العلة ما لم توجد في الخارج من حيث انها علة لم يوجد المعلول في الخارج وهما متضايفان، فظهر ان النسبة بين العلية والمعلولية متحققة بين المعلول والعلل المعدة ووجودها السابق وعدمها علة فتحققت النسبة بين الموجود والمعدوم، والحق ان طرفي النسبة لا يمكن ان يكونا معدومين بالعدم المطلق، واذا تحققا نوع تحقق، وان لم يجتمعا في الوجود، فان العقل يجوز تحقق النسبة بينهما ولم ينقبض عنه، ومن تصور حقيقة وجود الاعراض التدريجية تصور كبقية النسبة بين اجزائهما المتعاقبة وقل استبعاده واذعن بها، ثم ان النسبة في التقدم والتأخر بين اجزاء الزمان في الواقع من غير فرعية ولا اعتبار العقل وتصوره واتصافها بالصفات الثبوتية، والحكم بالاحكام على النفس الامرية بل الخارجة المستلزمة لثبوت المثبت له في الواقع مما لايشك فيه احد، وليس من الاحكام المتفرعة على اعتبار العقل الحاصلة بعد فرضه، وليس بحاصل بالفعل الا بعد الفرض فانه لو كان كذلك لكان حكم العقل بان هذا الجسم متقدم وذاك متأخر في الخارج من الاحكام الكاذبة لانه في الخارج ليس كذلك في الحقيقة الا ترى انه يصح الحكم على الذوات  بغير المتناهية من الحركة والزمان بالتقدم والتأخر والقسمة والاسراع الاجمالي غير كاف لاتصاف كل جزء بالتقدم والتأخر والتفصيل يعجز عنه العقل عندهم، فكيف تكون هذه الاتصافات بعد فرض الاشياء كما ذهبوا اليه، وقد ذهبوا اليه، وقد ذهب بعض المحققين في جواب شك من قال لما اتصف هذا الجزء من الزمان بالتأخر، وذاك بالتقدم الى ان هذه الاتصافات مستندة الى هويات الاجزاء وتشخصاتها الحاصلة لها فكما انه لا يصح السؤال بان زيداً لم صار زيداً وعمرواً عمرواً، لا يصح السؤال لم صار أمس أمس واليوم اليوم، وذهبوا ايضاً الى ان اختلاف اجزاء الفلك بالقطب والمنطقة مستند الى هوية الاجزاء ليس بفرض الفارض بل موجودة فيه حقيقة لكن الاجزاء وهوياتها موجودة بوجود الكل بوجود واحد، وكما ان اجزاء الجسم وتشخصاتها موجودة بوجد الجسم بوجود قار، كذلك اجزاء الزمان والحركة موجودة بوجود الكل بوجود تدريجي بلا تفاوت، والمناقشة في هذه ناشئة من عدم تصور الوجود التدريجي كما ينبغي، فلا ينافي اتصال الزمان والحركة اذا كانت موجودة بوجود واحد، فان هذا النوع من الاختلافات لا يستلزم القسمة بالفعل والانفصال بعد الاتحاد بوجود الكل، ثم انهم صرحوا قاطبة بان الصفة لا يجب تحققها في طرف الاتصاف والمحكوم به لا يجب وجوده في الحكم مع انه نسبة، وذهبوا ايضاً الى تساوي نسبة الممكن الى طرفي الوجود والعدم والى صحة الاتصاف بنحو العمى من الامور العدمية في الخارج، الى غير ذلك من النظائر، ولا يخفى انه يمكن اجراء جميع ما ذكرناه في جريان هذا الدليل في المتعاقبة في جريان سائر البراهين فيها فلا نطول زمام الكلام بالتعرض لخصوص كل منها .

 

« البرهان الرابع

اورده الشيخ الكراجكي في كتابه كنز الفوائد بعض ما اورد برهان التطبيق بوجه مختصر انيق سهل المأخذ، والطريق مشتمل على طريق التدقيق، قال: دليل اخر على تناهي  ماض وهو انه قد مضت ايام وليال وقفنا اليوم عند اخرها، فلا يخلو من ان تكون الايام اكثر عدداً من الليالي او الليالي من الايام او يكونا في العدد سواء، فان كانت الايام اكثر من الليالي تناهت الليالي، لانها اقل منها، واقتضى ذلك تناهي الايام ايضاً لبطلان اتصالهما قبل الليالي بغير ليال بينهما، فوجب على هذا الوجه تناهيهما معاً، وان كانت الليالي اكثر من الايام كان الحكم فيهما نظير ما قدمنا من تناهي الاول، فتناهي الايام لزيادة الليالي عليها، ويقتضي ذلك تناهي الليالي كما مر، فيلزم تناهيهما معاً، وان كانت الايام والليالي في العدد سواء كانا بمجموعهما اكثر عدداً من احدهما بانفراده، وهذا يشهد تناهيهما اذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عدداً اكثر منه، وقد علمنا ان الايام مع الليالي جميعاً اكثر عدداً من احدهما، وهذا موضح عن تناهيهما، وبهذا الدليل نعلم ايضاً تناهي جميع ما مضى من الحركات والسكنات ومن الاجتماعات والافتراقات ومن الطيور والبيض والشجر والحب وما يجري مجرى ذلك انتهى .

ثم اعلم انه يمكن ابطال ما ادعوه من التسلسل في الامور المتعاقبة بل في غير المترتبة بوجوه اخرى لابأس بذكر بعضها:

الوجه  الاول: منها انهم قالوا: بالحوادث الغير المتناهية التي كل سابق منها عدة معدة للاحق على سبيل الاستغراق وان ايجاد الواجب تعالى لكل منها مشروط بالسابق تحقيقاً للاعداد وتصحيحاً لارتباط الحادث بالقديم، وانه تعالى ليس بموجب تام لواحد منها، اذا تقرر هذا، فنقول: لو تسلسلت المعدات على ما ذهبوا اليه لا الى نهاية لزم ان يكون وجوب كل واحد منها وجوباً شرطياً بمعنى انه لم يجب كل منها بشرط وجوب سابقه ولا ينتهي الى الوجوب القطعي البت الذي يكون تعالى موجباً له لذاته بدون شرط، لانه عندهم انه تعالى ليس بموجب تام لكل واحد من المعدات بل الحوادث مطلقاً، وتأثيره تعالى في كل منها موقوف على تأثيره في معد سابق عليه لا الى نهاية، فوجوب كل منها وجوب شرطي لا يجب حتى يجب سابقه، والوجوب الشرطي غير كاف لتحقق واحد منها، فانه بمنزلة قضايا شرطية غير متناهية مقدم كل لاحق تال لسابقه، فان ما لم يتناهي الى وضع مقدم لم ينتج شيئاً ولو توقف تأثير الواجب في كل حادث وايجاده اياه على ايجاد حادث اخر او لم تجب لذاتها تلك الايجادات لكن لا يجوز للواجب ترك ايجاد الحوادث بالكلية، كما لم يمتنع هذا الاحتمال في نفس الامر لم يجب واحد منها في الواقع، لان وجوب كل حادث انما هو بشرط ايجاد حادث اخر، وهكذا والكلام في ترك الايجاد رأساً وما لم يمتنع جميع انحاء ارتفاعاته وعدماته في الواقع لم يجب وجوده، وتوهم بعضهم انه لا يمكن ارتفاع جملة الحوادث لاستلزامه ارتفاع الطبيعة القديمة المشددة بلا شرط الى الواجب تعالى شأنه، وهو مردود بانا لا نسلم استناد الطبيعة بلا شرط الى الواجب جل شأنه، لان الطبيعة عندهم اذا كانت ذاتية لما تحتها فانما هي مجعولة يجعل ما هي ذاتية له جعلاً واحداً، ولا يمكن تعلق جعل على حدة للطبيعة الكلية قطعاً، وجعل كل فرد من افراد الطبيعة عندهم انما هو بشرط سبق معد، نعم لو تحقق تأثيره منفرد في الطبيعة ولا تأثير في الافراد لوجب ان يكون التأثير من الواجب فيها اما ابتداء او بواسطة قديمة، وتاثير الواجب في القديم بلا واسطة او شرط او بواسطة قديمة، انما هو منشأ استحالة انعدام القديم عندهم، فظهر ان سلسلة الحوادث تجب ان تنتهي الى حادث يجب وجوده عن الواجب بلا شرط معه فتنقطع سلسلة الحوادث به، لانه لا يجوز تقدم شرط ومعد للحوادث عليه، وكذا يمكن اجراء كثير من براهين اثبات الواجب التي لا تتوقف على ابطال الدور والتسلسل هنا بادنى تصرف لا يخفى على الفطن اللبيب، فان تاثير الواجب تعالى عندهم في كل حادث يتوقف على معدّ ووجود الواجب مع عدم المعدي في حكم قوة فرض عدمه تعالى والعياذ بالله في عدم التأثير، والعلة التامة عندهم هو الواجب مع المعدي ومجموع المركب من الواجب والممكن ممكن، فالعلل التامة لجميع الحوادث الغير المتناهية ممكنات، فكما لا ينفع التزام التسلسل في مسألة اثبات الواجب ما ينفع التزامه هنا ايضاً، اذ الادلة الدالة على اثبات الواجب بدون التمسك لابطال التسلسل تجري هنا ايضاً بادنى تفاوت .

الوجه  الثاني: ان نقول: على تقدير تسلسل الحوادث على سبيل التعاقب يلزم ان يتقدم على كل حادث من الحادث على سبيل الاستغراق عدم ازلي بحادث حادث، فالحادث الاول والثاني يجتمعان في العدم اذ لو وجد في الواقع مرتبة من المراتب كانا معدومين فيها واجتمع معهما عدم الحادث الثالث، ضرورة ان عدم كل حادث ازلي، وان عدم الحادث المتأخر وان كان اطول امداداً من الحادث المتقدم، الا ان الكل متحقق من طرف الزمان اذ طبيعة الزمان ازلية عندهم، والاعدام كلها ازلية فلابد من اجتماعهما قطعاً في زمان ما ويجتمع مع هذه الاعدام الثلث عدم الحادث الرابع فهكذا على ترتيب الاحاد على التوالي فاما ان يستغرق هذا الاجتماع اعدام جميع الاحاد فيكون جميع الحوادث معدوماً في مرتبة ما من المراتب الواقعية فتأخر جميع الحوادث عن تلك المرتبة ويكون الجميع معدوماً في تلك المرتبة فيكون لها مبدأ وانقطاع، وهو المطلوب وان لم يستغرق فينتهي الى حادث معين لا يجتمع عدمه مع عدم ما قبله من الحوادث، اما لان هذا الحادث لا يسبقه عدمه فيكون قديماً بالشخص، واما لان الحادث الذي قبله لا يسبقه عدم ازلي فيكون ذلك قديما، ضرورة انه لو تقدمهما عدم ازلي يجب اجتماعهما مع ما تأخر عنهما فتنقطع سلسلة الحوادث على اي تقدير، لا يقال: كل جملة متناهية تجتمع في العدم ويتحقق عدم سابق على الجميع، واما جملة الحوادث الغير المتناهية، فلانا نقول: قد بيّنا ان هذا الحكم مستغرق لجميع الاحاد على التوالي، وقد مر في المقدمات الممهدة ان امثال هذه الاحكام على كل فرد تسري الى الجملة، فلا مجال لهذا التوهم، ولك ان تقول: هاهنا سلسلتان احديهما سلسلة وجدان الحوادث والاخرى سلسلة عدماتها، فاذا اخذنا مجموع الوجودات يجب لا يشذ عنها فرد فكذا العدمات فلا شك ان جملة العدمات بحيث لا يشذ فرد متقدمه على جميع الوجودات لتقدم كل فرد منها على نظيره وعديله، ومثل هذا الحكم يسري من الاحاد الى الجملة، ولان جملة العدمات لما كان كل فرد منها ازلياً فالجملة ازلية، وجملة الحوادث حادثة وتقدم الازلي الحادث ضروري ولا شبهة في امكان اخذ المجموع بحيث لا يشذ عنه فرد فانه ليس من قبيل الجعلة الايقافية الذي لا يمكن فيها اخذ المجموع بحيث لا يشذ، وقد اخذوا جملة الممكنات في دليل اثبات الواجب فيكون ممكناً، فلا يكون في تلك المرتبة شيء من الحوادث وهي الانقطاع، ولنا ايضاً ان نقول: يتقدم على كل حادث عدم ازلي هو عدم لهذا الحادث، وينعدم معه جميع ما بعده من الحوادث التي هو معد لها، وسبق هذا العدم يستوعب جميع احاد سلسلة الحوادث، وحكم الاحاد يسري الى الجملة فيلزم عدم مجموع الحوادث رأساً وانقطاعها أو نقول: مجموع الحوادث واحد شخصي لان كل جزء منه واحد شخصي وحادث ايضاً، لان جميع اجزائه حادث، فيلزم الانقطاع او نقول ايضاً: السلسلة المذكورة معدات عندهم، والمعد يعتبر وجوده وعدمه في المعلول المتأخر، وكلاهما سابق عليه فنأخذ سلسلات العدمات اللاحقة السابقة على وجود المعلولات، ونقول: اما ان يستغرق سبق كل احد من العدمات لكل فرد من وجود الحوادث النظير على النظير، فيلزم تقدم جملة العدمات اذا اخذت بحيث لا يشذ منها شيء على سلسلة وجودات الحوادث، وهو يستلزم الانقطاع وتقدم عدم اللاحق على الموجود، هذا خلف، وان لم يستغرق فينتهي الى فرد لا يسبقه عدم المعد فتنقطع سلسلة المعدات، وعلى هذه التقديرات لا يتوجه ما قيل: ان الاول ليس وقتاً محدوداً تجتمع فيه العدمات بغيرها بل مرجعه الى ان قبل كل حادث حادث الى غير النهاية، وهكذا عدم الحوادث ولا محذور فيه، لان اجتماع العدم الازلي الغير المتناهي في الماضين في زمان مع عدم تناهي الزمان عندهم مع مثله بالغاً ما بلغ سوى كانت الاعداد متناهية ام لا بديهي، ولا يلزمنا تعيين زمان معين للازل، وكذا ما قيل: ان تحقق في الازل عدم الحوادث لكن عدم كل حادث مقرون بوجود حادث تقدم على ذلك الحادث ابداً فلا يتحقق وقت ينتفى فيه جميع الوجودات، ويبقى صرف العدم، وهذا مع انه مدفوع بما قررنا وهو فساد اخر نشأ من عدم تناهي الحوادث اذ جميع المفاسد التي ذكرنا انما نشأت من الحوادث الى غير النهاية، ويمكن ان يقال ايضاً: ان الحادث اليومي سبق بعدم معده، وبعدم معد معده وهكذا الى غير النهاية، وعدم المعد البعيد بواسطة اطول امتدادا من عدم المعد القريب، والمعد البعيد بواسطتين اطول منهما، والمعدّ الابعد بثلاث وسائط اطول من الثلاثة، وكل ما تمتد سلسلة المعدات يتزايد امتداد الاعداد اللاحقة للمعدات، فلو ذهبت السلسلة الى غير النهاية لزم ان يمتد العدم اللاحق لا الى نهاية مع ان عدم اللاحق مسبوق بوجود المعد، واستحالته ظاهرة، وهذا برهان لطيف قوي لا يرد عليه ما يرد على برهان السلم لانه جميع الاعدام الغير المتناهية جزء العلة التامة للحادث اليومي متحققة في الواقع مجتمعة ووجودات المعدات متحققة في الواقع متمايزة بخلاف برهان السلمي لان ازدياد الانفراد هنا على سبيل اللايقف وموقوف على فرض التقاط في الساقين، وقال بعض المحققين: ان الامور المتناهية مطلقاً تستلزم الامور الغير المتناهية المترتبة، ويلزم منه تناهي النفوس وحدوثها على بعض الوجوه كما سلف بيانه، وهو ان المجموع متوقف على المجموع، واذا اسقط منه واحد، وذلك المجموع على مجموع اقل منه واحد وهكذا الى غير النهاية فيجري التطبيق والتضايف بين المجموعات الغير المتناهية، وهي امور موجودة مترتبة.

حسن بن الشيخ حسين ولي الاحكام، وجرى ذلك بسلخ شهر شعبان المعظم تمام

السنة الرابعة بعد الخمسين والمائتين والالف من الهجرة النبوية(صلى الله عليه وآله)

وحرر بقلم العبد المذنب الحقير محمد بن ابراهيم، بلغ المقابلة

والتصحيح بقدر الطاقة والاطلاع في جملة ايام عددها ستة

وثلاثون يوماً وكان اخر ذلك ساعة الخامسة من ليلة

الحادي عشر بشهر ذي الحجة سنة 1254 هـ ق .

 


  • المصدر : http://www.al-asfoor.org/books/index.php?id=1523
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 22