• الموقع : موقع سماحة الشيخ محسن آل عصفور / مكتبتنا الإلكترونية .
              • الكتاب : القول الشـــارح ، تأليف : الشيخ حسين آل عصفور .
                    • الموضوع : فصل في أنه تعالى لا يتّحد بغيره .

فصل في أنه تعالى لا يتّحد بغيره

فصل

 

في أنه تعالى لا يتّحد بغيره

 

لمّا ثبت من امتناع اتحاد الاثنين مطلقاً، وخالف في ذلك جماعة من الصوفية فحكموا بانه تعالى يتحد بابدان العارفين حتى تمادى بعضهم،

وقال: انه تعالى نفس الوجود، فكل موجود فهو الله، لكن كلامهم في هذا المقام متشابه في غاية الابهام، ومن هذا احتمل فيه جماعة من علمائنا المحققين ومن علمائهم ايضاً الصحة وصرف الاتحاد عن معناه الظاهر الى ما سنذكره ان شاء الله، وقد افصح عن ذلك القول وانه واقع لبعضهم صاحب المواقف وشارحه حيث قال: المخالف في هذين الاصلين يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول طوائف ثلاث:

الاولى: النصارى وضبط مذهبهم ـ الى ان قال:ـ الثالثة: بعض المتصوفة، وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد والضبط ما ذكرناه في قول النصارى، والكل باطل، ثم قال: ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره، ويقول لا حلول ولا اتحاد اذ كل ذلك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول: بها، بل نقول: ليس في الدار غيره ديار، وهذا العذر أشد قبحاً وبطلاناً من ذلك الجرم، اذ يلزم من تلك المخالطة التي لا يجتري على القول بها عاقل ولا مميز ادنى تميز انتهى( )، والعجب هنا من الكنجي من التعصب في شرحه على كتاب العلامة ونقضه عليه حيث انكر وجود القائل من المتصوفة بذلك حيث نسب العلامة لهم ما نسبناه فقال في عبارته: واما ما نسبه الى الصوفية من القول بالاتحاد فان اراد بهم محققي الصوفية كأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبدالله التستري وابي القاسم الجنيد البغدادي والشيخ السهروردي، فهذا النسبة باطلة وافتراء محض وحاشاهم عن ذلك، بل صرّحوا كلهم في عقائدهم ببطلان الاتحاد فانه مناف للعقل والشرع، بل هم اهل محض التوحيد، ثم ساق كلاماً طويلاً مبرءً لساحتهم عن التلوث بقذورات دعوى الاتحاد ومشنعاً على العلامة بأن فهمه يقصر عن معرفة المقصد من كلامهم والمراد، والذي حمله على هذا العصبية والعناد والا فكلام كثير منهم مصرح بذلك كما هو ظاهر عبارة العضدي وشارحه( ) من غير اشكال ولا ايراد إلا انّ جماعة من علماء الفريقين قد بالغوا في تصحيح كلامهم صوناً لعقائدهم عن الفساد والضلالة والالحاد، فما نقله العلامة عنهم في محله وتأويله بما ذكروه اولئك الاعلام، وان قبلته عبارات بعضهم الا ان اكثرها مما تأبى ذلك التأويل والتشديد، وسيما ما ذكره ذلك الكنجي من تحقيق وحدة الوجود حيث قال: واما ما نقل عنهم انهم يقولون انه تعالى نفس الوجود، فهذه مسألة دقيقة لا تصل جرم فهمها اذهان مثل هذا الرجل وجملتها انهم يقولون لا موجود الا الله ويريدون به ان الوجود الحقيقي لله تعالى لانه من ذاته لا من غيره فهو الموجود في الحقيقة، وكل ما كان موجوداً غيره فموجوده من الله تعالى وهو في حد ذاته لا موجود ولا معدوم لانه ممكن، وكل ممكن فان نسبة الوجود والعدم اليه على السواء، فوجوده من الله تعالى بوجود ظلي ومن ظلال الوجود الحقيقي، فالموجود حقيقة هو الله تعالى، فهذا عين التوحيد لان هذا عين ما يقوله الظاهريون من المتكلمين ايضاً، ولا يلزم من ذلك ما فرعه عليه من انه لا يكون للممكن وجود حقيقي والا لزم ان يكون فساد كل امر استفاد من غيره غير متصف حقيقة بذلك الشيء، فيلزم ان لا يكون النارية الحاصلة في الاجزاء الدخانية الشهابية الصاعدة الى كرة النار ناراً حقيقة لاستواء تلك لاجزاء الى النارية وعدمها، ثم ان الذي يهدم القول بالاتحاد هي الضرورة والوجدان واستحالته مما لا يحتاج الى دليل ولا برهان، ولان الاتحاد مشتق من الوحدة وهو صيرورة الاثنين واحداً كما سمعت، ولابد من اعتبار عدم الزيادة والنقصان فيهما وهو بهذا المعنى مستحيل، اما اولاً فلانه غير معقول اذ الفرض هو هو باعتبار فرض المساواة من كل وجه وهو غير مدرك للعقل لاستلزامه عدم الاثنينية الا ان يوخذ باحتمال الحمل في الخبرية ولا يجدي نفعاً .

وأما ثانياً: فلان الاتحاد مع الغير ان كان مع واجب تعدد، وان كان مع ممكن، فالحاصل اما واجب أو ممكن، ويلزم الانقلاب، وقد نقل عن جماعة اثباته فان كان بهذا المعنى فقد عرفت بطلانه، وان كان بمعنى ما ادَّله به من اتحاد السالك الذي هو رفع انيته بانيّة غيره، فذلك لا يحيله العقل على تقدير وصول السالك الى ذلك المقام لكن في تحققه غاية الاشكال، وان كان غير ذلك فهل جهل محض. وتحقيق ذلك وتقريره فيما وقع للفاضل المحقق المتأله الرباني محمد بن ابي جمهور الاحسائي البحراني في كتاب المجلى حيث قال: ذهب جماعة من الحكماء والقدماء كفرفوريوس واتباعه الى ان ادراك ما من شأنه ان يدرك ان يصير المدرك نفسه نفس المدرك عند ادراكه له، فهو حنيئذ اتحاد المدرك بالصورة المدركة، وقوم اخرون منهم قالوا: انّ النفس الناطقة اذا ادركت شيئاً فادراكها انما هو اتحادها بالعقل الفعال بحيث تصير النفس المدركة نفس حقيقة العقل الفعال عند الادراك كما قاله بعض المتأخرين، ثم قال: وانا اقول: ان هاتين الطائفتين كانوا من الحكماء المتألهين وافاضل( ) الفهماء المجردين السالكين، وهم يقولون ببقاء النفوس بعد المفارقة فيكون كل واحد منها قائماً بذاته وله شعور بذاته وبغيره ولكل منهما ابتهاجات مخصوصة، ومن يقول بهذا كيف يحكم بان كل واحد من النفوس يتحد بالصور المدركة او بالعقل الفعال حتى تصير الصور المدركة نفس العقل الفعال عند الادراك، فيبطل التعدد والامتياز الذي بينها وهم لا يقولون بذلك كما قرره الجماعة بل الاتحاد هو الذي يشير اليه ارباب التجريد ومشايخ الصوفية فما ورد عليهم انما يتوجه على ظاهر اقاويلهم ولا يتوجه على مقاصدهم ولطائف كلماتهم، بل الحق ان مرادهم باتحاد النفس بالصور العقلية او بالعقل الفعال الاتحاد الذي يشير اليه المشايخ من اهل الذوق والتصوف، وهو ان النفس اذا اتصلت ببعض الانوار المجردة في بعض الخلسات والانخلاع عن البدن فقوة( ) ما يلحقها من الابتهاجات العقلية والالتذاذات الروحانية وشدة الاشراقات النورية تغيب عن ذاتها وعن شعورها بذاتها ويستولي عليها سلطان الانوار المجردة العقلية فيفنى حينئذ عن ذاتها، ويعبرون عن هذه الحالة بالاتحاد، فاذا وصل السالك الى هذا المقام وتلاشى نوره الاضعف في النور الاشد الاقوى وسكر بلذات الانوار القاهرة وصارت تلك الانوار المجردة مظاهر تلك النفوس الناطقة المتصلة بها فلا يرى النفس التي هذا حالها الا المظهر فينطق بلسان ذلك المظهر حتى ان الحسين الحلاج لما وصل الى هذا المقام دعا الله تعالى فقال: يا الله انيتي وانيتك اني تباعدني فارفع بانيتك انيتي فاستجاب الله دعاءه فقال: انا الحق، وقال اخر سبحاني: ما اعظم شأني، وآخر يقول: ليس في جبتي سوى الله وقال اخر: انا من اهوى، ومن اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا، فاذا ابصرتني ابصرته واذا( ) ابصرته ابصرتنا، وقد جاء في الخبر النبوي(صلى الله عليه وآله) انه «لا يزال العبد يتقرب الي بالنوافل والعبادات حتى احببته، فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ومن هذا قوله تعالى (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى)وقوله (صلى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) «ما انتجبته، ولكن الله انتجبه» وقول الشجرة لموسى (اني انا الله رب العالمين)كله من هذا الباب.

واما في العقل الفعال فلان النفس لا تتمكن من الادراكات العقلية حتى يشرف نور العقل على تلك الصور ويصير بذلك مجرداً عن المادة والنفس الناطقة لتستعد( )بذلك الادراك الصورة العقلية، ويكون ذلك الاشراق العقل على النفس وشدة لمعانه عليها والتحاق نورها في نور العقل الفعال واستيلاؤه عليها، فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد فان النور الاضعف تغيب في النور الاشد ولا يبقى للاضعف اثر عند استيلاء نور العقل عليه، واما اتحاد النفس بالصور العقلية، فان النفس عند ادراك الصورة المعقولة لا التفات لها الى ذاتها ولا الى شعورها بذاتها وادراكها لادراكها فهي لا تدرك إلا ذلك المعقول المجرد الروحاني لا غير، فكانها غائبة عن ذاتها باشتغالها بذلك المعقول، فللطافة المدرك والمدرك وقوة اتصالهما اسموا ذلك الادراك اتحاد العاقل بالمعقول، فهذا هو مراد الاوائل من الاتحاد الذي ذكروه، وليس مرادهم ان اثنين صارا واحداً من جميع الوجوه، فان ذلك لا يقوله عاقل بالمعقول فضلاً عن العلماء المتأهلين المؤيدين بالانوار الشارقة والالهامات الصادقة قدست ارواحهم انتهى( )كلام ذلك الفاضل، وقد جرى هذا المجرى جملة من الاواخر والاوائل، وهو وان كان منزهاً لتلك العقائد عن الضلال الا انه لا يساعده البرهان فلا طريق فيه سوى الكشف والعيان، وهذا مما تقصر عنه سائر الافكار والاذهان، وقد اشارت اليه بعض الاخبار المعصومية مثل ما نقله ذلك الفاضل في كلامه من الخبر النبوي المذكور وهو مما قد رواه المخالف والمؤالف بطرق عديدة .

وفي كتاب مصباح الشريعة عن الصادق(عليه السلام) برواية البلخي «العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما وجد في الربوبية وجد في العبودية» ومثلها نقله غير واحد من علمائنا متأخر المتأخرين عن الصادق (عليه السلام) ايضاً مرسلاً انه قال «لنا مع الله وقت هو نحن فيه ونحن نحن» وهو ما رواه ابن طاووس وشيخنا البهائي في الدروع الواقية، وفي مفتاح الفلاح عن الصادق (عليه السلام) ايضاً انه قال «لازلت اكرر يوم الدين في صلوتي حتى سمعتها من قائلها»( ) وحديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه»( ) وقد أجاب اهل الظاهر عن هذه الادلة بأجوبة عديدة لقيام الدليل العقلي القطعي والقرآن والاجماع على نفي الاتحاد، والاستلزامه المفاسد واجتماع النقيضين ولضعف اسانيد هذه الاخبار وقوة المعارض لها، واستحالة حمل تلك الالفاظ على حقائقها الى غير ذلك من الوجوه الرادة لها، الا ان القول الفصل الحاكم على كل من المذهبين هو ان التأويل في هذه الاخبار واجب بقدر نفي الاتحاد والحلول على وجه لا يوجب طرحها بقدر الامكان ولو بتأويلها بما اوّل به كلام اولئك المتأهلين منهم، سيما الذين صرحوا بنفي الحلول والاتحاد، وحينئذ فنقول في تأويل الخبر النبوي المذكور «انّ العبد اذا فعل ذلك ادركه الله بلطفه وعنايته، بحيث لا يصدر الى ما ينفي الله، ولا يسمع ولا ينطق ولا يبصر ولا يبطش بغير ما فيه رضاه كما تقول: انا يدك ظهرك وحسامك ونحو ذلك» وهذا معنى ظاهر شائع من البلاغة بمكان ظاهر.

ومنها: ان يكون المعنى من نحل ذلك احببته فكنت ناصره ومؤيده ومعينه ومسدده كسمعه وبصره ولسانه ويده، وهذا ايضاً معنى صحيح قريب ويناسبه المثال السابق.

ومنها: ان يكون المعنى فاذا احببته احبني وأطاعني فكنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في العزة والاحترام والاجلال والاكرام واليه اشار الرضي العلوي في قوله :

 

وان لم تكن عندي كسمعيوناظري      فلا نظرت عيني ولا سمعت اذني

 

ومنها: ان يراد انه اذا تقرب اليّ بالنوافل احببته ووفقته، فصار لا يسعني بسمعه وبصره ولا لسانه ولا يده، بل يستعين بي ويعول عليّ، ويرجع في اموره اليّ كما ان من دهمه امراً استعان بقوته واعضائه على دفعه، وفي قوله «ان دعاني اجبته» ما يدل على ذلك.

ومنها: ان يكون المراد كنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في القرب منه والحضور لديه بالمعنى المجازي لا الحقيقي بمعنى العلم والاحاطة ومزيد التوجه والعناية وزيادة الرافة والرحمة، واما الخبر المروي عن الصادق (عليه السلام) بغير طريق البلخي فاخره كاشف عن معنى اوّله ودافع للاشكال عنه بحذافيره كله، وذلك لانه قال «لنا مع الله وقت هو نحن فيه، ونحن نحن، وهو هو» ولا شك ان اخره كاشف عن كون الحمل الاول كناية عن القرب المعنوي منه وخلع ثياب الحيلولة بينهم وبين الله تعالى كما هو شأنهم عند المناجاة والدعوات والصلوات فلا يبصرون بقلوبهم سوى تلك الذات كما دلت عليها الايات والروايات واما الخبر الذي برواية البلخي الذي صورته العبودية جوهرة كنهها الربوبية الى، اخره فمعناه والله اعلم بمقاصد اوليائه صلى الله عليهم وسلم ان العبودية هي مظهر آثار الربوبية حيث يستدل عليها بها، فيكون المراد ان العبودية انما قصدت بالتبع واظهرت لذلك الكشف عن الربوبية للحديث القدسي قال «كنت كنزاً مخفياً، فلما اردت ان اعرف خلقت الخلق»( ) واما حديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه» فلهم فيه تأويلات كثيرة:

اوّلها: انه لما حركت النفس البدن والروح الجسد لزم ان معرفة ذلك معرفة ان للعالم مدبراً وللكون محركاً، فمعرفة النفس دليل على معرفة الرتب.

وثانيها: ان من عرف انّ نفسه واحدة وانها لو كانت اثنتين لامكن المعارضة والممانعة عرف ان الرب واحداً والمدبر للعالم واحد فرد (لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا).

وثالثها: من عرف ان النفس تحرك الجسد بارادتها علم انه لابد للعالم من محرك مختار للقطع بوجوب كمال الخالق، واستحالة النقص والعجز عليه فضلاً عن العدم.

ورابعها: ان من عرف انه لا يخفى على النفس شيء من احوال الجسد وحركاته، علم انه لا يعزب عن الباري مثقال ذرة في الارض ولا في السماء، لامتناع علم المخلوق، وجهل الخالق.

وخامسها: ان من عرف ان النفس ليست الى شيء من الجسد اقرب منها الى شيء بحسب العلم والاطلاع علم انّ الله بالنسبة الى المخلوقات كذلك بذاك المعنى .

وسادسها: ان من عرف ان النفس موجودة قبل البدن باقية بعده عرف ان ربّه كان موجوداً قبل العالم، ويبقى بعده لم يزل ولا يزال .

وسابعها: ان من عرف ان نفسه لم يدرك كنه ذاتها ولا حقيقة كيفيتها عرفت ان ربه كذلك بطريق اولى فكانه علّق محالاً على محال .

وثامنها: ان من عرف ان نفسه لم يعرف لها مكان ولا يعلم لها اينية عرف ان ربّه منزه عن المكان، والاينية بالاولوية .

وتاسعها: ان من عرف ان نفسه لا تحس ولا تجس ولا تدرك الا بالعقل عرف ان ربّه سبحانه منزه عن ذلك كذلك .

وعاشرها: ان من عرف ان نفسه لا تدرك بالبصر ولا تمثل بالصور عرف ان ربه سبحانه لا تدركه الابصار ولا تمثله الافكار .

وحادي عشرها: ان من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بصفات الكمال لاستحالة تساوي الخالق والمخلوق، ووجوب كمال الخالق .

وثاني عشرها: من عرف نفسه انها امارة بالسوء عصاها وجاهدها واشتغل بالعبادة والعمل الصالح انتفع بمعرفة ربه اي عرف ربّه معرفة صحيحة، ومن لم يعرف نفسه بهذه المعرفة ولم يعمل بمقتضاها فكانه لم يعرف ربه. اذا تقرر هذا، فاعلم انما ورد من الاخبار في ذم الصوفية متوجه الى اكثر فرقها وليس ناشياً عن القول بالاتحاد وحده أو الحلول، بل لمقالاتهم الفاسدة ومعتقداتهم الكاسدة وما تبوءوا به الدار المهلكة لاديانهم وابدانهم وطبائعهم الحائدة، ومن هنا جاء في كثير من تلك الاخبار تعليق الذم على مجرد القول بالتصوف مثلما رواه المولى الاردبيلي في كتاب حديقة الشيعة بسند صحيح عن مولانا محمد بن علي الهادي (عليه السلام) في جملة حديث طويل قال فيه: «الصوفية كلهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وان هم الا نصارى أو مجوس هذه الامة»( ) وما رواه ايضاً في الكتاب المذكور باسناده عن الرضا (عليه السلام) قال «لا يقول بالتصوف أحد الا خدعة أو ضلالة أو حماقة، واما من سمى نفسه صوفياً للتقية، فلا اثم عليه»( ). ورواه باسناد اخر ايضاً وزاد فيه «وعلامته ان يكتفي بمجرد التسمية، ولا يقول بشيء من عقائدهم الباطلة» . وما رواه شيخنا البهائي عن النبي (صلى الله عليه وآله)كما في كتابه الكشكول قال: «قال (عليه السلام) لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من امتي اسمهم الصوفية ليسوا مني، وانهم يهود أمتي» وساق الحديث الى ان قال «هم اضل من الكفار» وما رواه الاردبيلي بسند صحيح في كتاب حديقة الشيعة عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا انه قال «من ذكر عنده الصوفية ولم ينكرهم بلسانه او قلبه فليس منا، ومن انكرهم فكانما جاهدا الكفار بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)».

وفيه باسناده قال: «قال رجل للصادق قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم؟ فقال (عليه السلام): انهم اعداءنا، فمن مال اليهم فهو منهم، ويحشر معهم، وسيكون اقوام يدعون حبّنا ويميلون اليهم، ويتشبهون بهم، ويلقبون انفسهم بلقبهم، ويولون اقوالهم الا فمن مال اليهم فليس منا، وانا منهم براء، ومن انكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)» والاخبار بهذا المعنى كثيرة جداً، وفيما ذكرناه كفاية، وقد جاء ايضاً اخبار معتبرة في ذم بعض افرادهم واشخاصهم كأبي هاشم الكوفي الصوفي واضع مذهب الصوفية عن العسكري (عليه السلام)انه قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن حال ابي هاشم الكوفي الصوفي فقال: انه فاسد العقيدة جداً، وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوف، وجعله مقرا لعقيدته الخبيثة»، وقد نصت العلماء ايضاً من الفريقين على ان فرقهم اثنا عشر فرقة واحدة منهم على الحق المستقيم والباقون على البدعة والضلالة، فالذين هم على الضلالة الحبيبية والولائية والشمراخية والاباحية والحالية والحلولية والحورية والواقفية والمتجاهلة والمتكاسلة والالهاميةواهل الحق منهم، وفي الحقيقة ان الاخيرة غير داخلة فيهم وان تسموا بهذا الاسم لتصريحهم بحسن عقائدهم ولتباعدهم عن المحرمات التي ارتكبها غيرهم ولولا خشية اطالة الكلام عليهم لميزنا بين هذه الفرق ما اختصوا به من فساد العقائد والمناكر ونفضنا مذاهبهم على التفصيل باعتبار الباطن والظاهر، ولكن فيما ذكرناه من المذمة والتكفير الاجمالي من تلك الاخبار كفاية للناقد الخبير وثابت العقيدة والبصير.

 


  • المصدر : http://www.al-asfoor.org/books/index.php?id=1518
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 14