• الموقع : موقع سماحة الشيخ محسن آل عصفور / مكتبتنا الإلكترونية .
              • الكتاب : القول الشـــارح ، تأليف : الشيخ حسين آل عصفور .
                    • الموضوع : الفصل الأول: في بيان التوحيد والاستدلال عليه .

الفصل الأول: في بيان التوحيد والاستدلال عليه

الفصل الاول

في بيان التوحيد والاستدلال عليه

 

والمراد منه والاستدلال عليه لانه الاهم من المعرفة وإن كان مسبوقا بذكر الادلة الدالة على وجوده الخاص ولهم في الاستدلال على أصل وجوده طرق أكثرها مأخوذ من أخبار الائمّة(عليهم السلام). فنقول: لا شك انّ الموجود من حيث هو موجود منحصر في الواجب والممكن، ولا واسطة بينهما ولا بأس بذكر ما حرره بعض الفضلاء في تقسيم الاشياء الموجودة على سبيل الاجمال وهو في الحقيقة تفصيل كاشف عن تلك الاقسام كما هو رأي الحكماء، وهو تقسيم لطيف وترتيب حسن ينتفع به المبتديء في التنبيه والعالم النبيه وحاصله: انّ الشيء يقال:على ما يخطر بالبال ويقال له: المعنى وعلى ما لا يخطر بالبال، ولا اسم له في اصطلاح القوم والمعنى ينقسم الى: ما يعبّر عنه ويقال له: المنطوق به والى ما لا يعبّر عنه ويقال له: غير المنطوق به، والمنطوق وينقسم الى: ما له انيّة، ويقال له: الموجود والى ما لا انيّة له، ويقال له: المعدوم، والمعدوم ينقسم الى: ما لا قيد له، ويقال له: المعدوم المطلق، والذي قيد([1])، ويقال له: المعدوم المضاف، والموجود ينقسم الى: ما لا يلزم من عدم الغير عدمه، ويقال له: الواجب لذاته، والى ما يلزم من عدم الغير عدمه ويقال له: الممكن لذاته، والممكن لذاته ينقسم الى: موجود لا في موضوع ويقال له: الجوهر، والى موجود في موضوع، ويقال له: العرض، والجوهر ينقسم الى:ما لا كثرة فيه، ويقال له: البسيط، والى ذي كثرة ويقال له: المركب، والبسيط ينقسم الى: ما لا ما يكون مبدء للمركب، ويقال له: المفارق ووالى ما لا يكون مبدء للمركب ،ويقال له:المقارن، والمفارق ينقسم الى: ما يكون مجردا عن المادة وعلايقها، ويقال له: العقل والى ما يكون مجرداً عن المادة دون علايقها، ويقال له: النفس، والمقارن ينقسم الى: مقوم، ويقال له: الصورة والى متقوّم، ويقال له: المادة،والمركب ينقسم الى: ما لا يقبل الخرق والفساد، ويقال له: الاجسام العالية والى ما يقبل، ويقال له: الاجسام السافلة، والاجسام العالية تنقسم الى: نيّر، ويقال له:الكواكب والى غير نيّر، ويقال له: الفلك، والكواكب تنقسم الى: ما لا يقبل السير ويقال له: الثابت، وهي كلها في الفلك الثامن، وهي الف وثلاثة وعشرون كوكبا في الرصد والاحكام عدا الكيد لانها لطخة تؤثر ولاترى. وذهب بعض المنجمين انّها توبهر لبعض الافلاك وعدا غيره فان الكواكب كثيرة خارجة عن الحساب والرصد والى حفيف السير، ويقال له: السيّار، ينقسم الى: أعظم، ويقال له: الشمس، والى أصغر، ويقال له: العطارد، والى متوسط وهو ان كان اعظمها عند رأي العين، يقال له:القمر وإن كان أصغرها، يقال له: الزهرة، وان لم يكن كذلك فما علا من السيارة من الشمس، يقال له: العالي فان كان يلي الشمس، يقال له: المريخ، وان كان يلي الثواب،يقال له: زحل وان كان متوسطهما، يقال له: المشتري، والفلك اما ان يكون شاملاً فقط، ويقال له: فلك الافلاك، وامّا أن يكون مشمولاً فقط، ويقال له: فلك القمر، وامّا أن يكون شاملاً مشمولاً، فإن كان يلي المحيط، يقال له: فلك البروج الذي هو الثامن، وإن كان يلي المحاط به، يقال له: فلك عطارد، وإن كان متوسطهما فهو فلك المريخ، وإن علاه وكان يليه فهو فلك المشتري وإلا فهو فلك زحل، وإن انحط عنه، وكان يليه فهو فلك الشمس وإلا فهو فلك الزهرة.

 

والاجسام السافلة تنقسم الى: ما يكون جزءاً أولياء لغيره، ويقال له: العنصر والى ما لا يكون كذلك، ويقال له: المزاجي، والعنصر ينقسم الى: ما يتحرك بالطبع الى الفوق، ويقال له: الخفيف، والى ما يتحرك الى اسفل، ويقال له: الثقيل، والخفيف ينقسم الى: خفيف مطلق، ويقال له: النار، والى خفيف مضاف، ويقال له: هواء، والثقيل ينقسم الى: ثقيل مطلق، ويقال له: التراب، والى ثقيل مضاف، ويقال له: الماء، والمزاجي ينقسم الى: غير ذي نفس، ويقال له: المعدن، والى ذي نفس، فامّا ان لا يكون ذا حسّ، ويقال له: النبات، وامّا أن يكون ذا حسّ فان لم يكن ذا نطق، فيقال له: الحيوان الاعجم، وامّا ان يكون ذا نطق، فيقال له: الانسان، والانسان ان استخرج الفضايل من القوة الى الفعل ، فيقال له: الكامل وإن لم يستخرجها، فيقال له:الناقص، والكامل امّا أن يكون كماله مستفاداً، فيقال له: الحكيم أو يكون بالفيض غير مستفاد، فيقال له: النبي، والنبي ان تصدى لكمال غيره فهو المرسل وإن لم يكن فهو غير المرسل، والمرسل امّا أن يكون اوّل المرسلين فهو آدم أبو البشر، وإن كان آخر المرسلين فهو سيد البشر نبيّنا(صلى الله عليه وآله)، والعرض امّا أن يكون قاراً فهو الحركات، وامّا أن يكون قاراً وهو المقولات فما لا يقتضي قسمة ولا نسبة، فيقال له: الكيف، وان اقتضى الاول دون الثاني، فيقال له: الكم، وإن اقتضى الثاني فهو المضاف، والنسبة وباقي المقولات العشرة تدخل في النسبة فهذه هي القسمة الوافية لسائر الاشياء وأنت اذا تأمّلت الاخبار المشتملة على تبيين السماء والعالم رأيت هذه القسمة موجودة إلا انّها متفرقة إلا ما نذر منها، وعلى تقدير التعبير عنها بالفاظ غير ما ذكرت في هذا التقسيم لا يقدح في ذلك لانه لا مشاحة في العبارة ولا في الاصطلاح اذا كان المقصود متحداً .

 

وفي الحديث المتقدم من كتاب الاحتجاج([2]) ما فيه دلالة واضحة على أحد طرق ثبوت الصانع الخاص، وهو أحد البراهين الشرعية واكثر البراهين المودعة في الاخبار قد وقعت مع المجادلة منهم (عليهم السلام) مع الزنادقة وأشباههم من المشككين والملحدين([3])، ومنها في توحيد المفضل المروي من طريق محمد بن سنان وغيره، وهو خبر مشهور قد افرد له كتاب على حدة، حيث قال فيه: «اول العبر والادلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف اجزائه ونظمها على ما هي عليه، فانّك اذا تأملت العالم بتفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج اليه عباده فالسماء مرفوعة كالسقف، والارض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالدخاير، وكل شيء فيها لشأنه معدّ، والانسان كالمملك ذلك البيت، والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيئة([4]) لمأربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على انّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملائمة، وانّ الخالق له واحد وهو الذي ألّفه ونظمه بعضاً الى بعض جلّ قدسه وتعالى جده وكرم وجهه ولا إله غيره تعالى عمّا يقول الجاحدون وجل وعظم عمّا ينتحله الملحدون».([5])

 

وقال في موضع آخر قبل هذا الكلام: «يا مفضل انّ الشكاك جهلوا الاسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تصور الصواب والحكمة، فيما ذرء الباري جل قدسه وبرء من صنوف الخلقة في البر والبحر والسهل والوعر فخرجوا بقصر علومهم الى الجحود، وبضعف بصائرهم الى التكذيب والعنود حتى انكروا خلق الاشياء وادّعوا انّ كونها بالاهمال لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبر ولا صانع، تعالى اللّه عمّا يصفون وقاتلهم اللّه أنّى يؤفكون. فهم في ضلالهم وعماهم وتحيرهم بمنزلة عميان دخلوا داراً قد بنيت واتقن بناؤها أحسن اتقان وأمتن بنيان([6]) وفرشت بأحسن الفرش وافخره، واعدّ فيها ضروب الاطعمة والاشربة والملابس والمأرب التي يحتاج اليها ولا يستغني عنها، ووضع كل شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يميناً وشمالا ويطوفون ببيوتها([7]) ادباراً واقبالاً، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون بنية([8]) الدار وما اعدّ فيها وربّما عثر بعضهم بالشيء الذي وضع موضعه واعدّ للحاجة اليه وهو جاهل بالمعنى به([9]) ولما أعد ولماذا جعل كذلك فتذمر ولتسخط([10]) وذمّ الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في انكارهم ما انكروه من أمر الخلقة وثبات([11]) الصنعة، فانهم لما غربت اذهانهم عن معرفة الاسباب والعلل في الاشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من اتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته، وربما وقف بعضهم على الشيء فيجهل([12]) سببه والادب فيه فيسرع الى ذمّه ووصفه بالاحالة والخطأ كالذي اقدمت عليه المانوية الكفرة وجاهرت به الملاحدة والمارقة الفجرة وأشياعهم من أهل الضلال المعللين انفسهم بالمحال فيحق على من أنعم اللّه عليه، معرفته وهداه لدينه، ووفقّه لتأمّل التدبير في صنعة الخلايق والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها ان يكثر حمد اللّه مولاه على ذلك ويرغب اليه في الثبات عليه والزيادة منه فانّه جل اسمه يقول (لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم انّ عذابي لشديد)([13]).

 

وقد اشتمل هذا الكتاب من التوحيد على براهين وادلّة اجمالاً وتفصيلاً للعوالم العلوية كما هو غير خفي على من تدبّره واستقرأه وناهيك به فيما اشتمل عليه من الاستدلال على وجود الصانع المتصف بصفة العلم، والحكمة والتدبير بالانسان نفسه فانّه قد اودع ذلك الاستدلال الغريب الذي لا يخطر ببال إلا لفحول المحققين من الائمّة الابدال فمنها قوله: «نبتدى يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به فاول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع اذىً ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة فإنّه يجري اليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغدو الماء النبات فلايزال ذلك غذاءه حتى اذا كمل خلقه واستحكم بدنه وقوى اديمه على مباشرة، الهواء وبصره على ملاقات الضياء هاج الطلق بأمّه فازعجه أشد ازعاج وأعنفه حتى يولد واذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغدوه من دم أمّه الى ثديها فانقلب الطعم واللون الى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم فيوافي([14]) في وقت حاجته اليه فحين يولد قد تلمظ وحرّك شفتيه طلباً للرضاع فهو يجد ثديي أمّه كالاداوتين المعلقتين الى حاجته، فلا يزال يغتدي باللبن مادام رطب البدن رقيق الامعاء لين الاعضاء حتى اذا تحرّك احتاج الى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان والاضراس ليمضغ به الطعام فيلين عليه ويسهل له اساغته، فلا يزال كذلك حتى يدرك فاذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به عن حدّ الصبا وشبه النساء وان كانت انثى يبقى وجهها نقياً عن الشعر لتبقى لها البهجة والنظارة التي تحرك لها الرجال لما فيه من دوام النسل وبقاءه»([15]).

 

ثم ساق(عليه السلام) وجه الحكمة فيما ذكره في هذه المقالة، وهكذا في سائر تنقلاته وأطواره حتى بيان ما الحكمة في وجه بكاء الاطفال حيث «انّ في أدمغة الاطفال رطوبة ان بقيت فيها احدثت عليه احداثا جليلة، وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم الصحّة في أجسامهم والسلامة في أبدانهم»([16])، ولولا خوف الاطالة في هذا التأليف لذكرنا أكثر تلك الحكم المودعة في ذلك الكتاب فان فيها غنية عن فتح أبواب الاستدلال الذي ذكره المخالف والمؤالف لابتناءه على قواعد فلسفية وقوانين سوفسطائية قد أقحمت عليها الشكوك والشبه ولم يجد نفعاً فيها تنبيه من تنبه لانه في الحقيقة يؤدي الى عقيدة من مثل وشبه.

 

وفي حديث الاهليلجة المروي عن المفضل بن عمر أيضاً في التوحيد وقد قدمنا لك شيئاً من صدره فيما سبق من الكلام على المقدمة حيث قال فيه: «انّ هذا القول الصحيح([17]) ولكني لمنكر مالم تدركه حواسي فتوديه الى قلبي، فلمّا اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة.

 

قلت: اما اذا أبيت الا ان لا تعتصم إلا بالجهالة، وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت به([18]) وامتثلت ما كرهت حيث قلت انّي اخترت الدعوى لنفسي لان كل شيء لم تدركه حواسي عندي فلا شيء. قال: وكيف ذلك.

 

قلت: لانّك اقمت على الادعاء ودخلت فيه فادعيت أمراً لم تحط به خبرا ولم تقله علماً فكيف اخترت([19]) الدعوى في انكارك للّه ودفعك اعلام النبوّة والحجة الواضحة وعبتها عليّ؟ اخبرني هل احطت بالجهات كلها وبلغت منتهاها. قال: لا.

 

قلت: فهل رقيت الى السماء التي ترى أو انحدرت الى الارض السفلى فجلست([20]) في أقطارها أو هل خضت([21]) في غمرات البحور واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء وتحتها الى الارض وما اسفل منها فوجدت ذلك خلاءً من مدبر حكيم عالم بصير. قال: لا.

 

قلت فما يدريك لعلّ الذي انكره قلبك هو في بعض مالم تدركه حواسك ولم يحط به علمك.

 

قال: لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبراً، ولا أدري لعلّه ليس في شيء من ذلك شيء.

 

قلت: اما اذ خرجت من حد الانكار الى منزله الشك فاني أرجو أن تخرج الى المعرفة.

 

قال: فانما دخل على الشك لسؤالك ايّاي عمّا لم يحط به علمي ولكن من اين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي.

 

قلت: من قبل اهليجتك هذه.

 

قال: ذاك اذا اثبت للحجة لانها من اداب الطلب الذي اذعن بمعرفته.

 

قلت: انّما ادرت ان آتيك من قبلها لانها أقرب الاشياء اليك ولو كان شيء أقرب إليك منها لاتينك([22]) من قبله لان في كل شيء اثر تركيب وحكمة، وشاهدا يدلّ على الصنعة الدالة على من صنعها ولم نكن شيئاً، ويهلكها حتى لا تكون شيئاً.

 

قلت: فاخبرني هل ترى هذه اهليلجة. قال: نعم.

 

قلت: أفترى عيب ما في جوفها. قال: لا.

 

قلت: أفتشهد آنهامشتملة على نواة ولا تراها.

 

قال: ما يدريني لعلّ ليس فيها شىء.

 

قلت: أفترى انّ خلف هذا القشر من هذه الاهليلجة غايباً([23]) لم تره من لحم أو ذي لون؟.

 

قال: ما ادري لعل ما ثم غير ذي لون ولا لحم.

 

قلت: افتقر ان هذه الاهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة؟ لاجتماع أهل الاختلاف من الامم على ذكرها.

 

قال: ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل.

 

قلت: افتقر انّ الاهليلجة في أرض تنبت؟.

 

قال: تلك الارض وهذه واحدة وقد رأيتها.

 

قلت: أفما تشهد بحضور هذه الاهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها؟.

 

قال: ما ادري لعله ليس في الدنيا اهليلجة غيرها، فلمّا اعتصم بالجهالة.

 

قلت: اخبرني عن هذه الاهليلجة اتقر أنّها خرجت من شجرة، أو تقول: آنها كذا وجدت؟.

 

قال: لا بل من شجرة خرجت.

 

قلت: فهل ادركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة؟.

 

قال: لا، قلت: فما اراك إلا قد اقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك.

 

قال: اجل ولكني أقول انّ الاهليلجة والاشياء المختلفة([24]) شيء لم يزل([25]) فهل عندك في هذا شيء ترد به قولي؟.

 

قلت: نعم اخبرني عن هذه الاهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل ان تكون هذه الاهليلجة فيها؟. قال: نعم.

 

قلت: فهل كنت تعاين هذه الاهليلجة؟. قال: لا.

 

قلت: افما تعلم انك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الاهليلجة، ثم عدت اليها فوجدت فيها الاهليلجة أفما كنت تعلم انه قد حدث فيها ما لم يكن؟.

 

قال: ما استطيع ان انكر ذلك ولكني أقول: آنهاكانت فيها متفرقة.

 

قلت: فاخبرني هل رأيت تلك الاهليلجة التي نبتت منها شجرة هذه الاهليلجة قبل ان تغرس. قال: نعم.

 

قلت: فهل يحتمل عقلك ان الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاءوها وكل ثمرة جنيت وورقة سقطت ألف ألف طل كانت كامنة في هذه الاهليلجة؟.

 

قال: ما يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب.

 

قلت: اقررت آنهاحدثت في الشجرة؟.

 

قال: نعم ولكني لا اعرف آنهامصنوعة فهل تقدر ان تقررني بذلك؟.

 

قلت: نعم أرأيت اني اريتك تدبيراً اتقر انّ له مدبراً، وتصويراً ان له مصوراً؟.

 

قال: لابدّ من ذلك.

 

قلت: ألست تعلم انّ هذه الاهليلجة لحم ركب على عظم.فوضع فى يجوف ([26]).قال :بلى.

 

قلت: ألست تعلم انّ هذه الاهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط، وتأليف وتركيب، وتفصيل بتداخل([27]) شيء في بعض شيء به طبق بعد طبق، وجسم على جسم، ولون مع لون أبيض في صفرة، ولين على لين، ولين على شدة([28]) في طبايع متفرقة، وطرائق مختلفة، واجزاء مؤتلفة مع لحاء تستبقيها([29])، وعروق يجري فيها الماء وورق تسترها وتقيها عن([30]) الشمس ان تحرقها ومن البرد ان يهلكها، والريح ان تذبلها؟.

 

قال: افلو كان الورق مطبقاً عليها كان خيراً لها؟.

 

قلت: اللّه احسن تقديراً لو كان كما تقول لم يصل اليها ريح يروحها ولا برد يشددها، ولعفنت عند ذلك، ولو لم يصل اليها حر الشمس لما نضجت، ولكن شمس مرة وريح مرة وبرد مرة قدر اللّه ذلك بقوة لطيفة ودبره بحكمة بالغة.

 

قال: حسبي من التصوير فسرلي التدبير الذي زعمت انّك ترينيه .

 

قلت: أرأيت الاهليلجة قبل ان تعقد اذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة.قال:نعم .

 

قلت: أرأيت لو لم يرقق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته، ويصوره بحكمته، ويقدره بقدرته هل كان ذلك الماءاً يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع، وتفصيل فان زاد زاد ماء متراكباً غير صور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة اجزاء ولا تأليف اطباق.

 

قال: قد اريتني من تصوير شجرتها، وتأليف خلقتها وحل ثمرتها وزيادة اجزائها، وتفصيل تركيبها اوضح الدلالات واظهر البينات على معرفة الصانع، ولقد صدقت بانّ الاشياء مصنوعة ،ولكني لا ارى لعلّ الاهليلجة والاشياء صنعت أنفسها.

 

قلت: أولست تعلم ان خالق الاشياء والاهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره .

 

قال: بلى. قلت: فهل ينبغي للذي هو كذلك ان يكون حادثا.

 

قال: لا. قلت: أفلست  قد رأيت الاهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد ان لم تكن شيئا ثم هلكت كأن لم تكن شيئا؟ .

 

قال: بلى، وانّما اعطيتك انّ الاهليلجة حدثت ولم اعطك ان الصانع لم يكن حادثا لا يخلق نفسه .

 

قلت: ألم تعطني ان الحكيم لا يكون حادثا، وزعمت ان الاهليلجة حدثت فقد اعطيتني ان الاهليلجة مصنوعة، فهو عزوجل صانع الاهليلجة، وان رجعت ان تقول: ان الاهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت، او اقررت بما انكرت وصفت صانعاً مدبرا صبت صفته، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه . قال: كيف ذلك؟.

 

قلت: لانّك اقررت بوجود حكيم لطيف مدبر فلما سألتك من هو قلت: الاهليلجة، فقد اقررت باللّه سبحانه، ولكنك سميته بغير اسمه ولو عقلت وفكرت لعلمت ان الاهليلجة انقص قوة من ان تخلق نفسها واضعف حيلة من أن تدبر خلقها .

 

قال: هل عندك غير هذا؟ .

 

قلت: نعم اخبرني عن هذه الاهليلجة التي زعمت آنهاصنعت نفسها ودبرت امرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة، صغيرة القدرة، ناقصة القوة، لا تمتنع ان تكسر وتعصر وتوكل؟،كيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء؟ .

 

قال: لانها لم تقو الا على ما صنعت او لم تصنع إلا ما هويت .

 

قلت: امّا اذا أبيت إلا التمادي في الباطل فاعلمني متى خلقت نفسها ودبرت خلقها قبل ان تكون أو بعد ان كانت؟، فان زعمت ان الاهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فانّ هذا لمن أبين المحال، كيف تكون موجودة مصنوعة، ثم تصنع نفسها مرة اخرى؟، فيصير كلامك الى انّها مصنوعة مرتين، ولئن قلت: آنهاخلقت نفسها ودبرت امرها([31]) قبل ان تكون انّ هذا لمن أوضح الباطل وأبين الكذب، لانها قبل ان تكون ليس بشيء فكيف يخلق لا شيء شيئا؟، وكيف يعيب قولي: انّ شيئا يخلق([32]) لا شيئا ولا يعيب قولك ان لا شيء يخلق([33]) شيئا؟، فانظر أي القولين اولى بالحق. قال: قولك . قلت: فما يمنعك منه؟ .

 

قال: قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بانّ الاشياء المختلفة والاهليلجة لم يصنعن انفسهن ،ولم يدبرن خلقهن ولكنه تعرض لي انّ الشجرة هي التي صنعت الاهليلجة لانها خرجت منها .

 

قلت: فمن صنع الشجرة؟.

 

قال: الاهليلجة الاخرى .

 

قلت: اجعل لكلامك غاية انتهي اليها فامّا، أن تقول: هو اللّه تعالى فيقبل منك، وامّا أن تقول الاهليلجة فنسألك ؟. قال: سل .

 

قلت: اخبرني عن الاهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعد ما ماتت وبليت وبادت؟.

 

قال: لا.

 

قلت: ان الشجرة بقيت بعد هلاك الاهليلجة مائة سنة فمن كان يحميها ويزيد فيها، ويدبر خلقها، ويربيها، وينبت ورقها ما لك بد من، أن تقول: هو الذي خلقها، ولئن قلت: الاهليلجة وهي حية قبل ان تهلك وتبلى وتصير ترابا، وقد ربّت الشجرة وهي ميتة، ان هذا القول: مختلف . قال: لا أقول: ذلك.

 

قلت: افتقر انّ اللّه خلق([34]) أم قد بقى في نفسك شيء من ذلك؟ .

 

قال: اني في من ذلك على حدّ وقوف ما اتخلص الى امر يفد لي فيه امر.

 

قلت: امّا اذا ابيت إلا الجهالة وزعمت انّ الاشياء لا تدرك إلا بالحواس، فاني اخبرك انّه ليس للحواس دلالة على الاشياء ولا فيها معرفة إلا بالقلب فانّه دليلها ومعرفها الاشياء التي تدعي انّ القلب لا يعرفها إلا بها»([35]) الحديث.

 

وأنت اذا تأمّلت ما في هذا التقرير من الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة الدالة على وجود صانع هذه صفته، غير قابل للاختلاف ولا التعدد ولا على امكانه فضلاً عن وقوعه بالفعل، فكيف يستريب من له ادنى رؤية([36]) في النظر والاستدلال، وأقل بصيرة في التفكر والتأمّل والمستلزمين على ما هو المراد، والغاية من الاستدلال وكشف الاشكال، وانّما اكثر (عليه السلام) من طرق الاستدلال مع انّ اوّل طريق كاف في ازاحة ذلك الاعضال، لولا التعصب والجهل المركب الذي لا يزاح عن صاحبه إلا بتقريرات بالغة وبراهين ساطعة، ودلايل لامعة، ودائرة واسعة، وفوايد جامعة، وتقريرات ناجعة، على أنّهم (عليهم السلام) أطباء الاديان والارواح، قبل تطبيبهم الابدان والاجسام والاشباح، اذ المشارك لهم في الثاني موجود وان كانوا دونه مرتبة أو مراتب بخلاف الاول، فانّ المشارك لهم في ذلك مستحيل إلا أن يكون قد شرب بكأسهم الاصفى المنصب من الرب الجليل على محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله) ثم بعده على اولئك الخلفاء. فينبغي لاهل الكلام ان لا يتنكبوا عن هذه الطريقة في تحقيق المرام وتشييد ابنية الجدال والخصام، إلا ان الغلبة من الجند الشيطاني على النفوس الضعيفة من علماء أهل الضلال والعوام، صدتهم عن دخول هذا المسجد الحرام، وصاروا بالنسبة اليه مشركين لا يجوز أن يقربوه بالنص الخاص والعام إلا من نور اللّه قلبه بنور التوبة ،وغسل نجس التعصب والجهل المركب بماء كوثر الرجوع اليهم والاوبة، قبل ان تعاجله العقوبة والحوبة. ومما يورث أيضاً هذا التقرير الانيق ويوسع دائرة هذه الطريق ما رواه هشام ابن الحكم كما في كتاب التوحيد والاحتجاج فيما حكاه «عن زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبداللّه (عليه السلام) علم فخرج الى المدينة للمناظرة والاحتجاج فلم يصادفه بها...، فقال له جعفر(عليه السلام): ما اسمك؟.

 

قال: اسمي عبدالملك، قال: فما كنيتك؟.

 

قال: ابو عبداللّه. قال: فمن الملك الذي كنت له أنت عبدً أمن ملوك السماء أم من ملوك الارض؟، واخبرني عن ابنك أهو عبد إله السماء؟ أم عبد إله الارض؟، فسكت فقال له ابو عبداللّه (عليه السلام): قل ما شئت تخصم، قال هشام بن الحكم قلت للزنديق: اما ترد عليه فقبح قولي،فقال له ابو عبداللّه(عليه السلام): اذا فرغت من الطواف فاتنا، فلما فرغ ابو عبداللّه اتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده، فقال للزنديق: أتعلم ان للارض تحت وفوق؟. قال: نعم، أفدخلت تحتها؟، قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها؟، قال: لا أدري الا اني اظن ان ليس تحتها شيء، قال ابو عبداللّه: فالظن عجز لمن لا يستيقن، قال ابو عبداللّه (عليه السلام) افصعدت الى السماء؟، قال: لا، قال: أفتدري ما فيها؟،قال:فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟، قال: لا، قال: فعجبا لك لم تبلغ المغرب ولم تبلغ المشرق ولم تنزل تحت الارض ولم تصعد الى السماء ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن، وأنت جاحد ما فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟، فقال الزنديق: ما كلمني هذا أحد غيرك، قال ابو عبداللّه (عليه السلام): فانت في شك من ذلك فلعل هو او لعل ليس هو، قال الزنديق: ولعل ذاك، فقال ابو عبداللّه: أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم فلا حجة للجاهل، يا اخا أهل مصر تفهم عني فانا لا نشك في اللّه أبدا اماترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يشتبهان. يذهبان ويجعان ،قد اضطرا ليس لهما مكان إلا مكانهما فان كانا يقدران على ان يذهبا ولا يرجعان فلم يرجعان، وان لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلاً اضطرا، واللّه يا اخا أهل مصر الى دوامهما، والذي اضطرهما احكم منهما واكبر منهما .

 

قال الزنديق: صدقت، ثم قال ابو عبداللّه(عليه السلام): يا اخا اهل مصر الذي تذهبون اليه وتظنون بالوهم فان كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم، وان كان يردهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرون يا اخا أهل مصر السماء مرفوعة، والارض موضوعة لم لا تسقط السماء على الارض، ولم لا تنحدر الارض فوق طبقاتها([37]) فلا يتماسكان، ولا يتماسك من عليها، فقال الزنديق: امسكهما واللّه ربهما وسيدهما، فآمن الزنديق على يدي أبي عبداللّه، فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك ان امنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفار على يدي أبيك .

 

فقال له المؤمن الذي آمن على يدي ابو عبداللّه(عليه السلام): اجعلني من تلامذتك، فقال ابو عبداللّه لهشام بن الحكم: خذ اليك فعلمه هشام فكان معلم أهل([38]) الشام وأهلت مصر وحسنت طهارته حتى رضي بها ابو عبداللّه (عليه السلام)»([39]). فتأمّل بنظرك الصائب ما في هذه المجادلة التي هي أحسن من العجائب وما ابرزه من الكنوز الغرايب وما ابدع سلام اللّه عليه من النكت الواضحة الجلية التي توجب الرجوع عن الدهرية والزنادقة والنواصب وناهيك بها من حجج بالغة قد انتفع بها أهل الملل والنحل والمذاهب، ومثل هذه في أخبارهم مما يتعذر الاتيان عليها وان حثت الاقلام والقرايح في تحصيلها الركايب الا تسمع الى ما في كتاب التوحيد مسندا الى هشام بن الحكم أيضاً قال:

 

«قال لي ابو شاكر الديصاني: ان لي مسألة تستأذن على صاحبك فاني سألت عنها جماعة من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع، فقلت: هل لك أن تخبرني بها فلعل عندي جوابا ترتضيه؟، فقال: اني احبّ أن القى بها أبا عبداللّه (عليه السلام) فاستاذنت له فدخل فقال له: أتأذن لي في السؤال؟، فقال له: سل عمّا بدى لك، فقال له: ما الدليل على انّ لك صانعاً، فقال: وجدت نفسي تخلو من احدى جهتين: امّا أن يكون([40]) صنعتها أنا([41]) فلا اخلو من احد معنيين: امّا أن يكون([42]) صنعتها وكانت موجودة، أو صنعتها، وكانت معدومة فان كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها وإن كانت معدومة فانك تعلم ان المعدوم لا يحدث شيئا فقد ثبت المعنى الثالث انّ لي صانعاً وهو اللّه ربّ العالمين فقام ولم يرد جوابا»([43]). وهو كما ترى برهان متين، مبني على أساس مكين لا تعارضه الشكوك ولا الاوهام من اهل الفساد والالحاد لبناء([44]) على توقف التاثير والايجاد على وجود الموجد والمؤثر، والضرورة الوجدانية حاكمة بحقيتها ولا مجال للعقل في انكارها لبداهتها. فاذا اردت ان تطبق ما بين هذا الاستدلال الواقعي([45]) في هذه الاخبار الواردة عن الال، وبين ما ذكروه اولئك المتكلمون والحكماء والاشعرية وأهل الاعتزال، فلابد من ذكر بعض ما قرروه وهو ما قرب اخذه من هذه الادلة ولو بالرجوع الى بعض قواعدهم المبنية على بعض تلك الاشكال([46]) وان كانت في هذه الادلة وقعت مطوية لبعدها عن ساحة افهام المخاطبين في مقام المناظرة والجدال، فاكتفوا (عليهم السلام)بنتائجها لسهولة الاستدلال كما هو شأن الناقد البصير الجاري في استدلاله على مقتضى الحال، كما هو شأن الطبيب الحاذق في علاجه للادواء والمرض العضال، على انّ حكمة النفوس والاديان اشد عملاً واكثر زللاً وخطأً من حكمة الابدان بغير اشكال. حينئذ نقول: انّ طرق الاستدلال على وجود الصانع واثباته، قد تعددت في كلامهم مسالكه، وتكثرت مآخذه ومداركه، فمنها الاستدلال بحدوث الجواهر على وجوده وايجاب وجوده ،وقد نسبوا هذه الطريقة في الاستدلال للخليل صلوات اللّه عليه حيث قال (لا أحب الافلين)([47]) وهو أحد المسالك المنسوبة للمتكلمين. قالوا: انّ العالم الجوهري اي المتحيز بالذات حادث. وكل حادث فله محدث، كما يشهد به بديهة العقل، وهذه البديهة هي الفطرة التي أشارت اليها تلك الاخبار التي مرّ ذكرها، سيما الواردة في تفسير الايتين المتقدمتين في المقدمة، ووجه البداهة قد مرّ تقريره، فانّ من راى بناء رفيعا حادثا جزم بانّ له بانيا وذهب اكثر مشايخ المعتزلة الى انّ هذه المقدمة استدلالية، واستدلوا عليها تارة بان افعالنا محدثة محتاجة الى الفاعل لحدوثها، فكذا الجواهر المحدثة لان علّة الاحتياج مشتركة. واخرى بان الحادث قد اتصف بالموجود بعد العدم، فهو قابل لهما، فيكون ممكنا، وكل ممكن يحتاج في ترجيح وجوده على عدمه الى مؤثر كما تقرر في محلّه .

 

وثانيها: الاستدلال بامكانها وهو انّ العالم الجوهري ممكن، لانه مركب من الجواهر المفردة ان كان جسماً، وكثير ان كان جسماً أو جوهراً فرداً. والواجب لا تركيب فيه ولاكثره فيه بل هو واحد حقيقي، وكل ممكن فله علة مؤثرة. وهذان الدليلان مفهومان من تلك الاخبار التي قدمنا بعضها وسيجيء ما يدل على التصريح بهما تصريحا واضحاً.

 

وثالثها: الاستدلال بحدوث الاعراض، اما في الانفس مثلما يشاهد من انقلاب النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما ودماً، اذ لابد لهذه الاحوال الطارئة على النطفة من مؤثر صانع حكيم، لان حدوث هذه الاطوار لا من فاعل محال، وكذا صدورها عن مؤثر لا شعور له محال، لانها افعال عجز العقلاء عن ادراك الحكم المودعة فيها، وامّا في الافاق كما نشاهد من احوال الافلاك، والعناصر والحيوان والنبات والمعادن والاستقصاء مذكور في الكتاب المجيد في غير موضع ومشروح في التفاسير من غير مفسّر للقران بالاخبار المعصومية وغيرها وقد فصّله غاية التفصيل وشرحه الشرح الاظهر الانور حديث توحيد المفضل بن عمر فكانّه شرح لهذا الدليل المجمل، وتفصيل لما ذكر منه في جميع طبقات العالم فان اردت ذلك فعليك بتتبعه([48])، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما سبق واعتذرنا عن ذكر جميعه بطوله مع كثرة محصوله لاتساع الدائرة علينا في هذا المؤلّف الذي قد بالغنا في اختصاره واقتصرنا على القدر المنتفع به من دارسيه ونظاره مع انّ هذه الاحالة مرشدة الى ما ذكرناه من أسراره.

 

ورابعها: الاستدلال بامكان الاغراض مقيسة الى محالها وهذا الاستدلال قد نسبه أهل الصناعة الى موسى على نبينا وآله وعليه السلام حيث قال: (ربّنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى)([49]) اي اعطاه صورته الخاصة وشكله المعين المطابقين للحكمة والمنفعة المنوطة به وهو انّ الاجسام متماثلة متفقة الحقيقة لتركبها من الجواهر المتجانسة على ما عرفت فاختصاص كل من الاجسام لما له من الصفات جائز فلابد للتخصيص من مخصص.

 

ثم بعد هذه الوجوه الاربعة المنسوبة الى المتكلمين. نقول: مؤثر العالم ان كان واجب الوجود فهو المطلوب، وإلا كان ممكنا، ونعود الكلام فيه ويلزم امّا الدور أو التسلسل، وامّا الانتهاء الى مؤثر واجب الوجود لذاته، والاول بقسميه باطل، وقد ثبت بطلانهما بادلة مقررة في محالها، إلا انّ الاخبار قد صرّحت ايضاً بهذا الدليل وقد مر في حديث الاهليلجة ما يرشد اليه لقوله: «اجعل لكلامك غاية انتهى اليها فامّا ان تقول هو اللّه سبحانه فيقبل منك، وامّا ان تقول: الاهليلجة فنسألك»([50]) الى اخر ما تقدم ولا شك انّه اشار بذلك الى انقطاع تسلسل العلل بانتهاءها الى واجب الوجود الذي هو اللّه وامّا يتوجه السؤال فيتسلسل، وسيأتي في الاخبار ما هو اصرح من ذلك.

 

والتحقيق، ان هذه الطرق وان اختلفت مقدماتها إلا آنهامتحدة النتيجة، وانما عرض الاختلاف اليها لوقوع الاختلاف في انّ سبب الافتقار الى الواجب هل هو الامكان أو الحدوث أو هما معاً؟، وهل متعلق الامكان الجواهر أو الاعراض أو هما معاً؟ كما يعلم من تتبع كلامهم وإذا كان الامر كذلك فالخلاف قليل الجدوى لان اختلاف هذه الاسباب والمقدمات لا يضر بعد اتحاد النتيجة والمطلوب فيها.

 

وبهذا التقرير ينحل ما آورده شارح المواقف([51]) من الاشكال على الدليل الاخير حيث قال: ولا يذهب عليك انما ذكره تطويل ورجوع بالاخرة الى اعتبار الامكان وحده والاستدلال به، والمشهور انّ المتكلمين استدلوا باحوال خصوصيات الاثار على وجود المؤثر، فقالوا: انّ الاجسام محدثة لما مر من البرهان على ذلك فكذا الاعراض فلابد لها من صانع ولا يكون حادثا وإلا احتاج الى مؤثر آخر فيلزم الدور أو التسلسل أو الانتهاء الى قديم، والاولان باطلان، والثالث هو المطلوب لان الرجوع الى دليل الامكان غير مضر لان الحدوث مسبوق به فينتهي دليل الحدوث اليه عند تفصيل ذلك الاجمال، وتحليل تلك المقدمات والرجوع الى الاستفصال فتأمل المقام، واستدل على ذلك التحقيق بكلامهم الامام الذي هو امام الكلام.

 

 المسلك الثاني

في هذا الاستدلال وهو أقرب الى الافهام للحكام وهو: ان في الواقع موجوداً مع قطع النظر عن خصوصيات الموجودات واحوالها، وهذه مقدمة تشهد بها كل فطرة فان كان ذلك الموجود واجبا فذاك هو المطلوب، وان كان ممكنا احتيج الى مؤثر ولابد من الانتهاء الى الواجب والا لزم الدور أو التسلسل، وفي هذا المسلك طرح مؤنات كثيرة قد سلكها المتكلمون في نظام استدلالهم كما سمعت لانه كلما قلت الوسائط والمقدمات في المستدل عليه كان أجلى وأظهر في الحجية وليس في ذلك التطويل طائل سوى زيادة التشكيكات على الافهام القاصرة عن تحصيل المراد.

 

المسلك الثالث([52])

لبعض المتأخرين وهو صاحب التلويحات وهو انّه لا شك في وجود ممكن كالمركبات فان استند الى الواجب ابتداء أو انتهى اليه فذاك هو المطلوب وان تسلسلت الممكنات قلنا جميع الممكنات المتسلسلة الى غير النهاية من حيث هو فالجميع ممكن لاحتياجه الى اجزائه التي هي غيره فله علّة موجودة يرجح وجوده على عدمه لما عرفت من ان الامكان محوج([53]) وهي لا يمكن ان تكون نفس ذلك المجموع اذ العلّة متقدمة على المعلول، ويمتنع تقدم الشيء على نفسه ولا جميع اجزائه لانه عينه ولا يكون أيضاً جزئه اي بعض اجزائه لان علّة الكل علّة لكل جزء من أجزائه، ولا يمكن أن يكون له علّة اخرى، وذلك لان كل جزء ممكن محتاج يحتاج الى علّة فلو لم يكن علّة المجموع علّة لكل واحد من الاجزاء لكان بعضها معللاً بعلّة أخرى فلا يكون تلك الاولى علّة المجموع بل لبعضه فقط، وحينئذ فيلزم ان يكون الجزء الذي هو علة المجموع علّة لنفسه ولغيره أيضاً، واذا لم يكن علّة المجموع نفسه ولا أمراً ذاخلا فيه فاذاً هو خارج عنه والخارج عن جميع الممكنات واجب لذاته وهو المطلوب، ولابد أن يستند اليه شيء من تلك الممكنات ابتداء فتنتهي به التسلسل، وهذا في التحقيق فان كان قد اشتمل على نوع دقة إلا انّه مع كثرة احتماله وخفاء استفصاله اوردوا عليه نقوضا تستلزم رد قائله وانخذاله، مع خلو الاخبار عنه أيضاً لان ما قبله من المسالك المذكورة مغنية عنه، وسالمة من الايرادات التي ترد عليه .

 

ومما اعترض به عليه امور:

الاول: ان المجموع يشعر بالتناهي لان ما لا يتناهى ليس له كل ولا مجموع ولا جملة بل ذلك انما يتصور في المتناهي، وتناهي الممكنات يتوقف على ثبوت الواجب واثباته بما يدل على تناهي الممكنات مصادرة على المطلوب. وربما اجيب عن ذلك بما هو متكلف، وهو ان المراد به اي بالمجموع وما يرادفه في هذا المقام هو الممكنات باسرها بحيث لا يخرج منها شيء عنها، وذلك متصور في غير المتناهي اذ يكفيه ملاحظة واحدة اجمالية شاملة لجميع احاده انما الممتنع ان يتصور كل واحد مما لا يتناهى مفصلاً وقد يطلق عليه المجموع بهذا الاعتبار.

 

الثاني: ان اردت بالمجموع كل واحد من احاد السلسلة فعلّته ممكن اخر متسلسلاً الى غير النهاية بان يكون كل واحد منها علّة لما بعده ومعلولاً لما قبله من غير ان ينتهي الى حد يقف عنده، وان اردت به الكل المجموعي، فلا نسلم انه موجود اذ ليس ثمّة هيئة اجتماعية إلا بحسب الاعتبار وما جزءه اعتباري لا يكون موجوداً خارجياً، وقد تكلفوا في الجواب عنه أيضاً بما حاصله: وهو انا نريد بالمجموع الكل من حيث هو كل ولا حاجة الى اعتبار الهيئة الاجتماعية اذ الكل هنا عين الاحاد كما في مجموع العشرة ولا شك ان الكل بهذا المعنى موجود.

 

الثالث: ان اردت بالعلة العلّة التامّة فلم لا يجوز ان يكون نفس قولك: العلّة متقدمة،قلنا: لا نسلم ذلك في العلّة التامة فانها مجموع أمور كل واحد منها مفتقر اليه،فيكون كل واحد من تلك الامور متقدم على المعلول، ولا يلزم من تقدم كل واحد تقدم الكل، كما ان كل واحد من الاجزاء مقدم على الماهية ومجموعها ليس متقدماً، بل هو نفس الماهية، وان اردت بها العلّة الفاعلية وحدها فلم لا يجوز أن يكون جزاءه قولك: لانه علّة لكل جزء فيكون علّة لنفسه ولعلله قلنا ذلك ممنوع ولم لا يجوز ان يحصل بعض الاجزاء بلا علّة أو لعلّة اخرى. والجواب عن ذلك أيضاً متكلف، وهو ان المراد بالعلّة هو الفاعل المستقل بالفاعلية وهي في مجموع كل جزء منه ممكن لابد ان يكون فاعلاً لكل من الاجزاء على معنى انه لا يستند شيء منها([54]) بالمفعولية إلا اليه والى ما صدر عنه وإلا وقع بعض اجزائه بفاعل اخر لم يصدر عنه فاذا قطع النظر عنه اعني ذلك الاخر لم تحصل الماهية المعلولة التي هي المجموع فلم يكن ذلك الفاعل فاعلاً مستقلاً بالمعنى المذكور وهو خلاف المقدر وربما نقض هذا الاستدلال بالمركب من الواجب والممكن فان مجموعهما من حيث هو مجموع لا شك انه ممكن لاحتياجه الى جزئه الذي هو غيره مع انّ فاعله ليس فاعلا لكل واحد من اجزائه، وأيضاً لو كان فاعل الكل بالاستقلال فاعلاً لكل جزء منه كذلك للزم في مركب من اجزائه ترتب زماني كالسرير مثلاً، اما تقدم المعلول على علّته أو تخلف المعلول عن علّته المستقلة اذ عند وجود الجزء المتقدم كالخشب ان وجد العلة المستقلة للكل لزم الامر الثاني، وان لم يوجد لزم الامر الاول وكلاهما محال.

 

وربّما اجيب عن الاول بما يرجع الى ما هو أشد تكلفاً من النقض تارة ومن معارضته اخرى، وكيف كان فلا يسمن من ولا يغني من جوع بعد خلو الاخبار عنها بالكلية، وانما اوردناها لنبين لك ما قدمناه من انّ بعض تلك المسالك مأخوذ من أخبارهم هنالك وبعضها متكلّف قد وقع وصدر عن أذهان زعموا آنها قد اقتحمت لجة هذا الاشكال واستخرجت فرائد الحق كما تستخرج من الماء الصافي الزلال حيث لا حاجب هناك ولا حجال وكلها دعاوي ليس لها حظ في البرهان الشرعي الوارد عن الال(عليهم السلام) فايراده ليس إلا لوقوع الحذر من الوقوع فيه، وربّما تمسك به من الناس مَن لا قوة له في هدم ذلك الاساس ولا لتتبع اخبار الباب الكاشفة لذلك الالتباس، ولعدم القدرة على الاشتمال على ذلك اللتباس .

 

 المسلك الرابع

وهو ما ذكره العضدي في مواقفه وزعم انّه مما وفق لاستخراجه واستخراج دلائله ومعارفه وهو ان الموجودات لو كانت باسرها ممكنة لا تنحصر الموجودات في الممكن، ولو انحصرت فيه لاحتاج الكل الى موجد لكونه ممكنا مركبا من ممكنات، وذلك الموجد مستقل في الايجاد على وجه بحيث لا يستند وجود شيء من اجزائه إلا اليه والى ما هو صادر عنه فيكون هو الموجد لكل واحد منهما ابتداء أو بواسطة هي منه أيضاً فيلزم من فرض ذلك ارتفاع الكل دفعة اذ العلّة الممكنة مما يجوز عليها العدم لنسبتها الى العدم والوجود على السواء فيؤدي وجود الممكن بهذا المعنى الى ارتفاعه، وما يؤدي وجوده الى ارتفاعه مستحيل او ينتهي الى واجب خارج وهو المطلوب، إلا انه خلف اذ المفروض ان ليس الا الممكن او الحكم على الممكن بالواجب وهو أيضاً محال([55]) .

 

المسلك الخامس:

وهو لصاحب المواقف أيضاً، وهو أقرب من الاول في الاستدلال وابعد من الاختلال، ومع ذلك فهو قريب من الاول إلا انّه أقل احتمال وحاصله: لو لم يوجد واجب لذاته لم يوجد واجب لغيره اي ممكن، وحينئذ يلزم ان لا يوجد موجود ضرورة انحصار الموجود في الواجب والممكن.

 

اما الاول  وهو انّه اذا لم يوجد واجب لم يوجد موجود فلان الواجب اذا لم يوجد كانت الموجودات باسرها ممكنة ولا شك ان ارتفاع الجميع المركب من الممكنات فقط بالكلية لا يكون على ذلك التقدير ممتنعاً لا بالذات، وهو ظاهر لانه واجده([56])برمتها ممكنة، ولا بالغير لما عرفت من انّ الغير الذي يمتنع به رفع الجميع بالمرة لابد ان يكون موجوداً خارجاً عنه واجباً لذاته، والمفروض عدمه .

 

وامّا الثاني وهو انّه اذا لم يوجد واجب بذاته ولا بغيره لم يوجد موجود أبداً فلان ما لم يجب امّا بالذات، وامّا بالغير لا يوجد، كما تقدم من ان الموجود اما واجب مسبوق وجوده بوجوبه الذاتي وهو الحق تعالى، وامّا ممكن مسبوق وجوده لوجوبه من علّته، وهذا هو الممكن.

 

وهذا المسلك كالذي تقدمه مستغن عن الدور والتسلسل وقربه من الدلالة مكشوف غير مغطى، وليست الاخبار خالية منه، بل ربما وجد عينه مأخوذاً منها([57]).

 

المسلك السادس

ما أشار اليه بعض الفضلاء من اولي المعارف، وقد نقله عنه صاحب المواقف وتحريره: انّ الممكن لا يستقل بنفسه في وجوده، وهو ظاهر ولا في ايجاده لغيره لان مرتبة الايجاد بعد مرتبة الوجود فان الشيء مالم يجب لم يوجد. فلو انحصر الموجد في الممكن لزم ان لا يوجد شيء أصلاً لان الممكن ان كان متعدداً لا يستقل بوجود ولا ايجاد اذ لا وجود ولا ايجاد ولا موجود لا بذاته ولا بغيره، وهذا المسلك اخصر المسالك واظهرها، وقد اشارت الاخبار اليه كما في خبر الديصاني وخبر الاهليلجة وغيرهما من الاخبار المتقدمة والاتية ولا يرد علينا فيما ذكرناه من وجوب هذا الاستدلال باحد هذه الطرق المروية عنهم (عليهم السلام) فيما تقدم، ويأتي ما ورد من الايات والاخبار الواردة في النهي عن الخوض في هذا الاستدلال والتفكر في ذات اللّه وتوحيده وصفاته الذاتية مثل قوله تعالى (وانّ الى ربّك المنتهى)([58]) فقد جاء في تفسيرها انّ المراد ان الكلام اذا انتهى الى اللّه وجب الوقوف عن الكلام والخوض فيه، وفي خبر مسعدة بن صدقة المروي في العياشي عن جعفر بن محمد عن أبيه« ان رجلاً قال لامير المؤمنين (عليه السلام) هل تصف ربنا نزداد له حبّا وبه معرفة فغضب وخطب الناس وقال فيما قال: «عليك يا عبداللّه ما دلك عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسول من معرفته فاتم به واستظيء بنور هداية، فانما هي نعمة وحكمة اوتينها فخذ ما اوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه فما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في سنة الرسول وائمة الهداة اثره فكل علمه الى اللّه، ولا تقدر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين، ولا تقدر عليه عظمة اللّه، واعلم يا عبداللّه ان الراسخين في العلم هم الذين اغناهم اللّه عن الاقتحام على السداد المضروبة دون الغيوب اقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا امنّا به كل من عند ربنا، وقد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً»([59]) الحديث وهذا الخبر واضرابه مما قد دلّ على ما قلناه من توجه الايراد في اول وهلة، وهو في الحقيقة غير وارد لانه صريح في النهي عن الدخول في المشبهات، والكلام في اللّه بغير ما جاء في الكتاب والسنّة الواردة عن الهدات (سلام اللّه عليهم) لا عن مطلق التعمق والتفكر فانه مما ثبت اصل وجوبه كما تقدمت ادلته آية ورواية او ان هذا الخبر متوجه الى من ضعفت بصيرته في هذا العلم وكان فرضه التقليد كما تقدم لك في التفصيل السابق المقسم للمكلفين على ان الاخبار قد اختلفت في انّهم (عليهم السلام) كانوا محيطين علماً بالمتشابهات والمحكمات وان نهوا سائر الرعية عن اقتحام هذه السدد بالكلية، وانما فرضهم التصديق بها، وآنهامن عند اللّه من هنا اضطربت علماؤنا في الجمع بين هذه الاخبار على وجه ينتفي عينا التخالف وينكشف عنها القسطل والغبار حيث ان الراسخون في الاية محتمل للعطف على فاعل يعلم وهو اللّه. ويحتمل لكونه مبتداً وما بعده خبر، وتكون الجملة معطوفة على الجملة الاولى،وان كانت الاولى فعلية والثانية اسمية الصدر فعلية العجز، وهذا هو المسوغ للعطف بناء على مرجوحيته أو بناءً على جواز العطف مطلقا، وان كان الاكمل المساواة. ومنهم من استدل على ذلك بالقراءة بالوقف على لفظة اللّه كما ذكر في كتب النحاة والقراءة والتفسير إلا انّ اكثر الاخبار الواردة في تفسير الاية ان الراسخون في العلم معطوفة على الفاعل وانهم(عليهم السلام) هم المعنيون بها فيكون هذا الخبر ونحوه انّما ورد باعتبار الراسخين من غيرهم أو باعتبار بعض بطون الايات المتشابهة الذي تفرد اللّه بعلمه أو باعتبار عدم التكليف به أو ورد الزاما لمن تعمّق في علم التوحيد واقتحم سدد الغيوب فيه من غير بصيرة. ومن هنا قال المحدث المتبحر غايص البحار في هذا المقام: وفيه اشكال لدلالته على ان الراسخون في العلم في الاية غير معطوف على المستثنى كما دلت عليه الاخبار الكثيرة وسيأتي القول فيه في كتاب الامامة إلا ان يقال: ان هذا الزام لمن يفسر الاية كذلك أو يقال: بالجمع بين التفسيرين على وجهين مختلفين، انتهى كلامه([60]) .

 

والحق هو الجمع بين هذه الاخبار باول الوجوه التي ذكرناها ويدل عليه صريحاً صحيحة أبي عبيدة الحذاء المروية في الامالي، والعيون قال: «قال ابو جعفر (عليه السلام) يا زياد ايّاك والخصومات فانها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى ان يتكلم الرجل بالشيء لا يغفر له، يا زياد انّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به وطلبوا علم ما كفوه حتى انتهى بهم الكلام الى اللّه عزوجل فتحيروا فان كان الرجل ليدعي من بين يديه فيجيب من خلفه أو يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه»([61]).

 

وفي الاحتجاج عن هشام انّه سأل الزنديق، الصادق(عليه السلام) «انّ اللّه تعالى ما هو فقال(عليه السلام): «هو شيء بخلاف الاشياء ارجع بقولي شيء الى انه شيء بحقيقة الشيئية غير انه لا جسم ولا صورة ولا يجس([62]) ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الاوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الازمان» الخبر([63]) ومعنى هذا الحديث ونحوه واللّه اعلم بمراد اوليائه انّ الشيئية كانها مساوقة الوجود او هي عينه. واذا عرفت هذا فاعلم ان المراد بقوله «بحقيقة الشيئية» أي الشيئية الحقة الثابتة له في حدّ ذاته لانه تعالى هو الذي يحق ان يقال: انه شيء او موجود لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه وغيره تعالى في معرض العدم والفناء وليس وجودهم إلا من غيرهم او المراد انه يجب معرفته بمحض انه شيء لا ان يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها فانه يمتنع معرفة كنه ذاته وصفاته، وقيل: انّه اشارة الى ان الوجود عين ذاته، وهذا الكلام منّا ليس هذا مقامه، ولكن اوردناه استطراداً للبحث، وسيجيء فيه مزيد تحقيق عند الكلام على حقيقة الوجود.

 

وفي تفسير القمي في الصحيح «عن جميل عن ابي عبداللّه (عليه السلام) قال: اذا انتهى الكلام الى اللّه فامسكوا، وتكلّموا فيما دون العرش، ولا تكلّموا فيما فوق العرش فانّ قوماً تكلّموا فيما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى كان الرجل ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه وينادي من خلفه فيجيب من بين يديه»([64]) والظاهر انّه أراد بالتكلم فيما فوق العرش هو التكلم والتفكر في كنه ذاته وصفاته، وحينئذ فالمراد بالفوقية الفوقية المعنوية أو بناء على زعمهم الفاسد حيث قالوا: بالجسم والصورة، وامّا حمله على انّ المراد التفكر في الخلاء البحث بعد انتهاء الابعاد، فبعيد غاية الابعاد.

 

 والتحقيق في ذلك كله هو ان المراد المنع عن القول والتفكر زيادة عمّا جاء في الكتاب والسنة كما اشارت اليه المعتبرة وغيرها عنهم (عليهم السلام) من قولهم «ويل لاهل الكلام ان تركوا ما أقول وذهبوا الى ما يقولون»، وفي العياشي عمن ذكره عن أبي جعفر في قول اللّه (وإذا رأيت الذين يخوضون في حديث غيره في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) قال: الكلام في اللّه والجدال في القرآن «(فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)([65]) قال منه القصاص»([66])، وفي تفسير القمي أيضاً عن العالم(عليه السلام) وقد سئل عن شيء من الصفات، فقال: «لا تتجاوز ما في القرآن»([67]) ، وفي التوحيد والكافي، والمحاسن بطرق عديدة عن ابن حميد رفعه قال سئل علي(عليه السلام)عن التوحيد فقال: «ان اللّه عزوجل علم انّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فانزل اللّه تعالى (قل هو اللّه أحد اللّه الصمد) والايات من سورة الحديد الى قوله هو (وهو عليم بذات الصدور)فمن رام ما وراء هنالك هلك»([68]) وهذا كما ترى ظاهر المنع عن التفكر والخوض في مسائل التوحيد والوقوف مع النصوص. ويحتمل على بعد انّه تعالى بين لهم صفاته ليتفكروا فيها لكنه مخالف لظاهره.

 

وفي صحيحة محمد بن مسلم كما في المحاسن قال: «قال ابو جعفر(عليه السلام): يا محمد ان الناس لا يزال بهم المنطق حتى يتكلموا في اللّه فاذا سمعتم ذلك، فقولوا: لا إله إلا اللّه الواحد الذي ليس كمثله شيء»([69]) .

 

وفي تفسير العسكري قال(عليه السلام): «لقد مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على قوم من اخلاط المسلمين ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري وهم قعود في بعض المساجد في اول يوم من شعبان اذا هم يخوضون في امر القدر وغيره مما اختلف الناس فيه قد ارتفعت اصواتهم واشتد فيه محكهم([70]) فوقف عليهم فسلم فردّوا عليه السلام ولو سعوا له، وقاموا اليه يسألونه القعود اليهم فلم يحفل بهم، ثم قال لهم وناداهم: يا معاشر المتكلمين([71]) ألم تعلموا ان للّه عباداً قد اسكتهم([72]) خشيته من غير عيّ ولا بكم، وانهم لهم الفصحاء العقلاء الالباء العالمون باللّه وأيّامه ولكنهم اذا ذكروا عظمة اللّه انكسرت السنتهم، وانقطعت افئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت([73]) حلومهم اعزازاً للّه واعظاماً واجلالاً له فاذا افاقوا من ذلك استبقوا الى اللّه بالاعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وانهم براء من المقصرين والمفرطين إلا انهم يعرضون([74]) للّه بالقليل ولا يستكثرون لله الكثير» ثم ساق الحديث الى ان قال: «فأين انتم منهم يا معشر المبتدعين، ألم تعلموا ان اعلم الناس بالضرر([75]) واسكتهم عنه وان اجهل الناس بالضرر انطقهم فيه»([76]) والاخبار بهذا المعنى كثيرة جداً يضيق بها هذا الاملاء إلا ان ما ذكرناه من وجه الجمع بينها هو المخلص من شبهة التعارض، ويدل أيضاً عليه من الاخبار دلالة واضحة ما في كتاب التوحيد في الصحيح عن محمد بن عبيد قال: «دخلت على الرضا(عليه السلام) فقال لي: قل للعياشي يكف عن الكلام في التوحيد وغيره ويكلم الناس بما يعرفون ويكف عنما ينكرون واذا سألوك عن التوحيد فقل مثل ما قال اللّه تعالى عزوجل (قل هو اللّه احد اللّه الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) وإذا سألوك عن الكيفية فقل كما قال اللّه عزوجل (وهو السميع العليم) كلم الناس بما يعرفون»([77]).

 

« حقيقة التوحيد([78])

وامّا الكلام على حقيقة التوحيد، وبيان معناه، فيتوقف على مقدمة:

وهي ان الوحدة لا شك أنها مقولة عليه تعالى كما في الكتاب والسنّة إلا آنها لاشتراكها بين معان متعددة بعضها يليق به وبعضها لا يليق به، فيحتاج الى ذكر تلك المعاني على سبيل التفصيل ليمكن الاستدلال على ثبوت الوحدانية الايقة به له، والذي يدل على هذا من الاخبار ما في كتاب التوحيد، والخصال باسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال: «ان اعرابيا قام يوم الجمل الى أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين أتقول ان اللّه واحد، قال: فحمل الناس عليه، وقالوا: يا اعرابي اما ترى ما فيه امير المؤمنين من تقسم القلب، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): دعوه فانّ الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا اعرابي انّ القول في انّ اللّه واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على اللّه عزوجل ووجهان يثبتان فيه، فامّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز لان ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاعداد، أما ترى أنه كفر من قال: ثالث ثلاثة، وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فبهذا ما لا يجوز عليه لانه تشبيه، وجلّ ربنا عن ذلك وتعالى، وامّا الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الاشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل: انه عزوجل احدي المعنى يعني به انه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل»([79]) ورواه الصدوق في المعاني([80]) أيضاً بطريق آخر عن ابن هاني المذكور مثله فانظر الى تقسيمه صلوات اللّه عليه الوحدة الى معان أربعة، وتصريحه بامتناع اثنين منها وبجواز اثنين، وهذا التقسيم في الحقيقة ليس تقسيماً باعتبار الوضع اللغوي محضا ولا العرفي محضاً، بل باعتبار ما هو أعم منهما، ولما كان الاطلاق الاجمالي الواقع في الكتاب والسنّة مما يسوغ صحته بمعانيه كلها، وكان الامر ليس كذلك قسمه (عليه السلام)هذا التقسيم وبينه على وجه الاستفصال ليرتدع العامي ومن لم يكن عالماً بالجائز من هذا الاطلاق وبالممتنع وصار سؤال الاعرابي بذلك في موضع القبول، وان ذلك من الامور المهمة الواجبة اتقانها على الافهام والعقول لئلا يدخل في الشرك، والتشبيه بهذا الاطلاق فحسن بجواب والتنبيه بغير لوم وصرح (عليه السلام) بانّه الذي يريده من القوم حيث كانوا بحسب نفس الامر غير موحدين، وان أظهروا التوحيد نظراً الى اطلاق تلك العبارة، ولعلّه (عليه السلام)صرّح بهذه الاشارة، وكشف عن سرّ ضمائرهم بانّه غير مطابق لظواهرهم.

 

وتحقيق هذا التقسيم والكشف عنه يحتاج الى نظر لانه (عليه السلام) لم يرد التقسيم الحقيقي بل أراد التفرقة بين هذه المعاني، ولو كان بعضها متجوزاً، والمعنى الاول من المعنيين المنفيين عنه تعالى هو الوحدة العددية التي هي نسبت الى العدد، وهي مأخذه والعلّة الموجبة الى تحقق العدد بانضمام واحد اخر اليه بمعنى ان يكون له ثان من نوعه وإلا فالعدد في الاصطلاح انما يقال: على الاثنين، والثاني أن يكون المراد به صنفاً من نوع، وهذا أشد منعاً من الاول فانّ النوع يطلق في اللغة على الصنف وكذا الجنس يطلق على النوع فاذا قيل لرومي مثلاً هذا واحد من الناس بهذا المعنى يكون المعنى انّ هذا صنف من أصناف الناس أو هذا صنف من أصنافهم فيحتمل ان يكون المراد بالاول الذي له ثان في الالهية، وبالثاني الواحد من نوع داخل تحت جنس. وحينئذ فالمراد به انّه نوع لهذا الشخص داخل تحت جنس ويكون ذكر الجنس لبيان ان النوع يستلزم الجنس غالباً فيلزمه التركيب من الاجزاء العقلية اعني الجنس والفصل، وامّا المعنيان المثبتان فالاول منهما اشارة الى نفي الشريك، والثاني منهما الى نفي التركيب .

 

وأمّا قوله في وجود اي في الوجود الخارجي، لان وجوده عين ذاته ليس بزايد عليها كما سيجيء تقريره، لكن يرد على هذا ما وقع في كلام علي بن الحسين (عليه السلام) في دعاء الصحيفة لقوله (لك يا الهي وحدانية العدد)([81]) حيث ان ظاهره ان الوحدة العددية التي لا تحقق لها بالانضمام ثان من نوعه مثبتة له، وقد نفتها هذه الاخبار، ومن هنا عدت هذه الفقرة من مشكلات الصحيفة، واضطربت العلماء من شارحي كلامه، وغيرهم في وجه الجواب عنها، وحل اشكالها حتى الفت في ذلك الرسائل لصون كلامهم (عليهم السلام) عن الاختلاف والتعارض، وسيما في مثل التوحيد الواجب اعتقاده بالضرورة، وقد افرد شيخنا صاحب الحدائق الناظرة درّة من درر كتابه الموسوم بالدرر النجفية في الكلام على هذه الفقرة، وحلّ اشكالها واستطرد ما ذكره العلماء من الوجوه المتكلفة وغيرها، وبيان ما يرد عليها إلا ان الاقوى من تلك الاجوبة ما ذكره المحقق السيد على خان في شرحه على الصحيفة المذكورة وما ذكره المحدث الكاشاني في بعض بيانات كت\ابه الوافي، امّا الاول فالمعنى فيها انه تعالى لا كثرة فيه وان كانت في غيره كثرة بمعنى ان لا جزء لك ولا صفة لك يزيدان على ذلك وتوضيحه انّ قوله (عليه السلام) لك يا الهي وحدانية العدد يفسره قوله (عليه السلام) ومن سواك مختلف الحالات متنقل في الصفات فانه (عليه السلام) قابل كل فقرة من الفقرات الاربع المتضمنة للصفات التي قصرها عليه سبحانه بفقرة متضمنة بخلافها فيمن سواه على طريق اللف والنشر الذي يسميه أرباب البديع معكوس الترتيب واذا علمت ذلك ظهر لك انّ المراد بوحدانية العدد له معنىً يخالف معنى اختلاف الحالات والتنقل في الصفات لغيره سبحانه فيكون المقصود اثبات وحدانية ما تعدد من صفاته وتكثر من جهاته وان عددها وكثرتها في الاعتبارات والمفهومات لا تقتضي اختلافها في الجهات والحيثية ولا تركيبا من الاجزاء بل جميع نعوته وصفاته المتعددة موجودة بوجود ذاته بعينها وحيثية علمه وقدرته وسائر صفاته الايجابية لا تعدد فيها ولا تكثر فيها أصلاً بل هي وحدانية العدد موجودة بوجود واحد بسيط من كل وجه اذ كل منها عين ذاته فلو تعددت لزم كون الذات الواحدة ذواتاً ـ ثم ساق العبارة ـ الى أن قال: وبالجملة فمعنى قصر وحدانية العدد عليه سبحانه نفي التعدد والتكثر والاختلاف عن الذات والصفات على الاطلاق وهذا المعنى مقصور عليه سبحانه لا يتجاوزه الى غيره، انتهى ملخص كلامه([82]) .

وهو كما ترى منطبق على ظاهر مقصده ومرامه .

وحاصله: انّما كان متعدداً بالنسبة الى غيرك من الذات المباينة للصفات المتعددة المتغايرة واحد بالنسبة اليك وهو راجع الى المعنى الثالث من معاني الوحدة التي هي عبارة عن كونه لا يشاركه في حقيقته الخاصة به غيره وربّما يؤيد هذا المعنى بما رواه ثقة الاسلام في الكافي والصدوق في التوحيد بسنديهما عن فتح الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: «قلت يا ابن رسول اللّه اللّه لا يشبهه شيء([83])ولا يشبه هو شيئاً واللّه واحد والانسان واحد أليس([84]) قد تشابهت الوحدانية؟ قال: يا فتح احلت ثبتك اللّه انّما التشبيه في المعاني فأمّا في الاسماء فهي واحدة وهي دليل([85]) على المسمى وذلك انّ الانسان وان قيل واحد فانه([86]) يخبر انّه جثة واحدة وليس باثنين والانسان([87])نفسه ليس بواحد لان أعضائه مختلفة وألوانه مختلفة ومن ألوانه مختلفة([88]) غير واحد وهو أجزاء مجزأة ليست بسواء دمه غير لحمه ولحمه غير دمه وعصبه غير عروقه وشعره غير بشره وسواده غير بياضه وكذلك سائر جميع الخلق فالانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى واللّه جل جلاله هو واحد([89]) ولا واحد غيره لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان فاما الانسان المخلوق المصنوع المؤلف من اجزاء مختلفة وجواهر شتى غير انه بالاجتماع شيء واحد.

قلت: جعلت فداك فرّجت عني فرّج اللّه عنك»([90]).

وأما المعنى الذي أشار اليه الكاشاني في بعض بياناته في الوافي فهو انّ المراد به انّ لك وحدانية العدد بالخلق والايجادلها فان الوحدة العددية من الاعراض والصفات الحادثة من صنعه وفيض جود وجوده فلا يصح اطلاقها عليه لتنزهه([91])عن صفات المخلوقين فاللام في لك في قوله (عليه السلام) للملك أو الاختصاص سبيلها سبيل اللام في قوله (عليه السلام) (له ما في السماوات وما في الارض)([92]) وهذا وان كان أقرب الى الظاهر إلا أن الاول أشد انطباقا على ما بعدها من الفقرات التي قد سمعت الاشارة اليها.

 

والتحقيق الانيق المناسب للمقام على التحقيق انّ الكلام هنا مبني على عدم دخول الواحد في الاعداد وان تألفت([93]) منه كما هو اصح القولين واليه مال شيخنا البهائي واكثر علماء علم الحساب ولهذا قال في الخلاصة: والحق انّه ليس بعدد وان تألفت منه الاعداد ويدل عليه ما رواه الصدوق في التوحيد عن الباقر (عليه السلام) حيث قال:«والاحد والواحد بمعنى واحد وهو المتفرد الذي لا نظير له، والتوحيد الاقرار بالوحدة وهو الانفراد والواحد المباين الذي لا ينبعث من شيء ولا يتحد به شيء ومن ثم قالوا ان بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد لان العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين» الحديث([94])، وحينئذ فالواحد اذا لم يكن له ثان ليس بداخل في العدد وبهذا المعنى يكون مخصوصاً به سبحانه لان ما سواه فله ثان يندرج معه تحت كلي واليه أشار (عليه السلام)في خبر الاعرابي المتقدم بقوله «لان ما لا ثاني له لايدخل في الاعداد» وحينئذ يكون حاصل المعنى ان الوحدة المنسوبة اليها الاعداد باعتبار تألفها([95]) منها وهي ليست منها حقيقة مخصوصة بالاطلاق عليك فلا تطلق على غيرك فهو سبحانه متفرد بالوحدانية لذاته بمعنى ان الوحدانية مقتضى ذاته كما يشير اليه قوله (عليه السلام) «ولا يتحد بشيء» أي ليس اتصافه بالوحدة من جهة امر آخر وراء ذاته وامّا غيره فثبوت الوحدة له لا من حيث الذات بل من حيث الانفراد عن المماثل له من ابناء النوع والجنس كما هو المفهوم المتعارف من معنى انفراد الناس من بعض عن بعض ممن عادته مشاركته في محادثاته ومحاوراته وسائر حالاته وانفراد احد المتألفين([96]) من الحيوانات عن الاخر ممن يأنس به ويستوحش بفقده .

 

وبالجملة: فالواحد انّما يوصف بكونه عددياً اذا كان له كثرة بحيث يكون مبدء لها وعاداً لها وإلا فهو في حد ذاته ومن حيث هو لا يوصف بذلك وحينئذ فيحمل ما ورد في الاخبار من تنزيهه سبحانه عن الوحدة العددية على المعنى الاول بمعنى انّه تعالى ليس بواحد عددي بان يكون مبدء كثره يكون عاداً لها وما ورد من الدعاء من ثبوت الوحدانية العددية على المعنى الثاني ويؤيده الخبر المنقول من التوحيد عن الباقر (عليه السلام) وقد جاء في الاخبار في بيان معنى الوحدة وجوه متعددة وكأنّها امور اصطلاحية لا تخرج عن المجاز في الحقيقة مثل ما رواه في التوحيد والمعاني في الصحيح عن أبي هاشم الجعفري قال: «سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) ما معنى الواحد، قال: المجتمع عليه بجميع الالسن بالوحدانية».

 

وفي المحاسن باسناده عن داود بن القاسم عنه (عليه السلام) مثله، وفي الاحتجاج عن أبي هاشم الجعفري أيضاً قال: «قلت لابي جعفر الثاني (عليه السلام): (قل هو اللّه أحد) ما معنى الاحد، قال: المجمع عليه بالوحدانية اما سمعته يقول (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن اللّه)([97]) بعد ذلك له شريك وصاحبة([98]) وكان قوله «بعد ذلك» استفهام على الانكار اي كيف يكون له شريك وصاحبة بعد اجتماع الالسن والعقول على خلافه.

 

وفي التوحيد أيضاً بسند ضعيف عن الجعفري قال: «سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام): ما معنى الواحد، قال: الذي تجتمع([99]) الالسن عليه بالتوحيد كما قال اللّه عزوجل (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن اللّه)»([100]) والظاهر ان المراد من هذه الاخبار هو انّه (عليه السلام)أحال معنى الواحد على ما هو المعروف بين الناس واعرض عنه واستدل عليه بما جبل جميع العقول من الاذعان بتوحيده عليه، ويحتمل أن يكون المراد به انّ معنى الواحد هو الذي أقرّ به كل ذي عقل اذا صرف عنه الاغراض النفسانية والوساوس الشيطانية، ويحتمل ثالثاً وهو أن يكون هذا اللفظ بحسب الحقيقة الشرعية موضوعاً لهذا المعنى مأخوذاً فيه اجماع الالسن ثم انّ الظاهر من استدلاله بهذه الاية([101]) الالزام والاحتجاج على مشركي العرب ونحوهم حيث كانوا يقرؤن بان الخالق لجميع المخلوقات هو اللّه تعالى ومع ذلك كانوا يعبدون الاصنام (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه)([102]) فهم في الحقيقة موحدون من حيث لا يشعرون وان عبادة الاصنام الواقعة منهم لا تنافي دعوى اجتماع الالسن عليه بالوحدانية، وفي كتاب التوحيد باسناده عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي عن أبي عبداللّه الصادق جعفر ابن محمد(عليه السلام) عن أبيه محمد بن علي الباقر(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (قل هو اللّه أحد)فقال: قل أي اظهر ما أوحينا اليك ونبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها لك» وساق الحديث الى أن قال: «الاحد الفرد المتفرد والاحد والواحد بمعنى واحد وهو المتفرد الذي لا نظير له» ثم ذكر بقية الحديث([103]) في معنى الواحد مثلما تقدم في الخبر المنقول من التوحيد عن الباقر(عليه السلام)([104]) وربما أن يكون هو هذا الحديث بعينه، وفي خبر جابر كما في التوحيد قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام)انّ اللّه عزوجل تباركت أسمائه([105]) وتعالى في علّو كنهه أحد توحد([106]) بالتوحيد في توحده ثم أجراه على خلقه» الحديث([107]) ورواه البرقي في المحاسن في الصحيح على الصحيح عن الحسن بن السري مثله، وفي كتاب التوحيد عن سعد بن سعد الاشعري قال: «سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن التوحيد فقال: هو الذي انتم عليه»([108])وفي التوحيد أيضاً في الموثق عن زرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «سمعته وهو يقول([109]) في قوله عزوجل (وله أسلم من في السموات والارض طوعاً وكرهاً) قال: هو توحيدهم للّه عزّوجل»([110]).

 

وللصدوق قدس اللّه روحه في كتاب التوحيد بعد نقله خبر الاعرابي المتقدم كلام هذا حاصله: سمعت ممن أثق بدينه ومعرفته باللغة والكلام يقول: انّ قول القائل واحد واثنان([111]) وثلاثة الى آخره انّما وضع في أصل اللغة للابانة عن كمية ما يقال لا لان له مسمّى يتسمى به بعينه أو لان له معنى سوى ما يتعلمه الانسان لمعرفة([112]) الحساب ويدور عليه عقد الاصابع عند ضبط الاحاد والعشرات والمئات والالوف ولذلك([113]) متى أراد مريد ان يخبر غيره عن كمية شيء بعينه سماه باسمه الاخص ثم قرن لفظة الواحدة به([114]) وعلقه عليه يدل به على كميته لا ما عدى ذلك من أوصافه ومن اجله يقول القائل درهم واحد وانما يعني به انّه درهم فقط وقد يكون الدرهم واحد([115]) بالوزن ودرهما بالضرب فاذا أراد المخبر ان يخبر عن وزنه قال درهم واحد([116]) بالضرب وعلى هذا الاصل يقول القائل هو رجل واحد وقد يكون رجلا واحداً بمعنى انه انسان وليس انسانين ورجل ليس برجلين وشخص ليس بشخصين ويكون واحداً في الفضل وواحداً في العلم وواحداً في السخاء وواحداً في الشجاعة فاذا أراد القائل أن يخبر عن كميته قال هو رجل واحد فدلت ذلك من قوله على انه رجل وليس هو برجلين واذا أراد ان يخبر عن فضله قال هذا واحد عصره فدل ذلك على انه لا ثاني له في الفضل واذا أراد ان يدل على علمه قال انه واحد في علمه فلو دلّ قوله واحد بمجرده على الفضل والعلم كما دلّ بمجرده على الكمية لكان كل من أطلق عليه لفظ الواحد أراد فاضلاً لا ثاني له في فضله وعالماً لا ثاني له في علمه وجواداً لا ثاني له في جوده فلمّا لم يكن كذلك صحّ انه بمجرده لا يدل إلا على كمية الشيء دون غيره وإلا لم يكن لما اضيف اليه من قول القائل واحد عصره ودهره معنى([117]) ولا كان لتقييده بالعلم والشجاعة معنى لانه كان يدل بغير تلك الزيادة وبغير ذلك التقييد على غاية الفضل وغاية العلم والشجاعة فلمّا احتيج معه الى زيادة لفظ واحتيج الى تقييده بشيء صحّ ما قلناه فقد تقرر انّ لفظة القائل واحد اذا قيل على الشيء دلّ بمجرده على كميته في اسمه الاخص ويدل بما يقترن به على فضل المقول عليه وعلى كماله وعلى توحده بفضله وعلمه وجوده وتبين ان الدرهم الواحد قد يكون درهما واحداً بالوزن ودرهماً واحداً بالعدد ودرهما واحداً بالضرب وقد يكون بالوزن درهمين وبالضرب درهما واحدا وقد يكون بالدوانيق ستّة دوانيق وبالفلوس ستين فلساً ويكون بالاجزاء كثيراً ويكون([118]) العبد عبداً واحداً ولا يكون عبدين بوجه ويكون شخصاً واحداً ولا يكون شخصين بوجه ويكون اجزاء كثيرة وابعاضاً كثيرة وكل بعض من ابعاضه يكون جواهر كثيرة اتحد([119]) بعضها ببعض وتركب بعضها مع بعض ولا يكون العبد واحداً وان كان كل واحد منّا في نفسه انما هو عبد واحد وانما لم يكن العبد واحداً لانه ما من عبد وإلا وله مثل في الوجود او في المقدور وانّما صح أن يكون للعبد مثلٌ لانه لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار عبداً مملوكاً ووجب لذلك أن يكون اللّه عزوجل متوحداً بأوصافه العلية([120]) وأسمائه الحسنى ليكون الهاً واحداً فلا([121]) يكون له مثل ويكون واحداً لا شريك له ولا إله غيره فاللّه تبارك وتعالى إله([122]) واحد لا إله إلا هو وقديم واحد لا قديم إلاهو وموجود واحد ليس بحال ولا محل ولا موجود كذلك إلا هو وشيء واحد لا يجانسه([123]) ولا يشاكله شيء ولا يشبهه شيء ولا شيء كذلك إلا هو فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود ولا في الوهم وشيء لا يشبهه شيء بوجه وإله لا إله غيره بوجه وصار قولنا يا واحد يا أحد في الشريعة اسماً خاصاً له دون غيره لا يُسمّى به إلا هو عزّ وجل كما ان قولنا اللّه اسم لا يسمّى به غيره وفصل آخر في ذلك وهو أن الشيء قد يعد مع ما جانسه وشاكله وماثله يقال هذا رجل وهذان رجلان وهذه([124]) ثلاثة رجال وهذا عبد وهذا سواد وهذان عبدان وهذان سوادان ولا يجوز على هذا الاصل ان يقال هذان الهان اذ لا إله إلا إله واحد فاللّه لا يعدّ على هذا الوجه ولا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه وقد يعدّ الشيء مع ما لا يجانسه ولا يشاكله يقال هذا بياض وهذان بياض وسواد وهذا محدث وهذان محدثان وهذان ليسا بمحدثين ولا بمخلوقين بل احدهما قديم والاخر محدث وأحدهما رب والاخر مربوب فعلى هذا الوجه يصح دخوله في العدد وعلى هذا النحو قال انه تبارك وتعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)([125])الاية، وكما ان قولنا فلان([126]) انما هو رجل واحد لا يدل على فضله بمجرده كذلك([127]) قولنا فلان ثاني فلان لا يدلّ بمجردّه إلا على كونه وانّما يدل على فضله متى قيل انّه ثانيه في الفضل أو في الكمال أو العلم فامّا توحيد اللّه تعالى ذكره فهو توحيده بصفاته العلية([128]) واسمائه الحسنى ولذلك([129]) كان([130]) الهاً واحداً لا شريك له ولا شبيه والموحد هو من أقرّ به على ما هو عليه عزوجل من أوصافه العليا([131]) وأسمائه الحسنى على بصيرة منه ومعرفة وايقان واخلاص وإذا كان ذلك كذلك فمن لم يعرف اللّه عزوجل متوحداً بأوصافه العليا([132]) وأسمائه الحسنى ولم يقر بتوحيده بأوصافه العليا([133]) فهو غير موحد وربّما قال جاهل من الناس ان من وحدّ اللّه واقرّ انه واحد فهو موحد وان لم يصفه بصفاته التي توحد بها لانه من وحد الشيء فهو موحد في أصل اللغة فيقال له انكرنا ذلك لان من زعم ان ربّه إله واحد وشيء واحد ثم اثبت معه موصوفا آخر بصفاته التي توحد بها فهو عند جميع الامّة وسائر أهل الملل ثنوي غير موحد ومشرك مشبّه غير مسلم وان زعم انّ ربّه إله واحد وشيء واحد وموجود واحد وإذا كان كذلك وجب ان يكون اللّه تبارك وتعالى متوحداً بصفاته التي تفرد بالالهية من أجلها وتوحد بالوحدانية لتوحده بها ليستحيل أن يكون اله آخر ويكون اللّه واحداً والاله واحد لا شريك له ولا شبيه لانّه إن لم يتوحد بها كان له شريك وشبه كما انّ العبد لما لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار([134]) عبداً كان له شبيه ولم يكن العبد واحداً وان كان كل واحد منا عبداً واحداً فاذا([135]) كان كذلك فمن عرفه متوحداً بصفاته واقرّ بما عرفه واعتقد ذلك كان موحداً وبتوحيد ربّه عارفاً والاوصاف التي توحد اللّه بها وتوحد بربوبيته لتفرده بها أي([136]) الاوصاف التي يقتضي كل واحد منها ان لا يكون الموصوف بها([137]) إلا واحداً لا يشاركه فيه غيره ولا يوصف به إلا هو وتلك الاوصاف هي كوصفنا له بانّه موجود واحد لا يصح ان يكون حالاً في شيء ولا يجوز ان يحله شيء ولا يجوز عليه العدم والفناء والزوال مستحق للوصف بذلك بانّه أوّل الاولين وآخر الاخرين قادر يفعل ما يشاء ولا يجوز عليه شيء ضعف ولا عجز مستحق للوصف بذلك بانه اقدر القادرين واقهر القاهرين عالم لا يخفى عليه شيء ولا يعزب عنه شيء ولا يجوز عليه جهل ولا سهو ولا عجز ولا شك ولا نسيان مستحق للوصف بذلك بانّه اعلم العالمين حي لا يجوز عليه موت ولا نوم ولا يرجع اليه منفعة ولا يناله([138]) مضرة مستحق للوصف بذلك بانه أبقى الباقين وأكمل الكاملين فاعل لا يشغله شيء عن شيء ولا يعجزه شيء ولا يفوته شيء مستحق للوصف بذلك لانه([139]) إله الاولين والاخرين وأحسن الخالقين وأسرع الحاسبين غني([140]) لا تكون له قلّة مستغن لا يكون له حاجة عدل لا يلحقه مذمّة ولا ترجع اليه منقصة حكيم لا تقع منه سفاهة رحيم لا تكون له رقة فيكون في رحمته سعة حليم لا يلحقه الموجدة ولا تقع منه عجلة مستحق للوصف بذلك بانّه اعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين وذلك لان أوّل الاولين لا يكون إلا واحداً وكذلك أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين وأحسن الخالقين وكلما جاء على هذا الوزن فصحّ بذلك ما قلناه وباللّه التوفيق ومنه العصمة والتسديد، انتهى كلام شيخنا في التوحيد([141]).

 

وناهيك به من تحقيق فذ انطبق على مؤدى القرآن والاخبار وشيد أركان التوحيد غاية التشييد وانّما اطلنا الكلام في معنى التوحيد وشرحه لانه العمدة في كمال المعرفة كما سمعته من الاخبار السالفة بل جاء في خبر سليم الفرّاء عن الرضا(عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): التوحيد نصف الدين»([142])، وفي التوحيد والامالي باسناده عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثني بالحق بشيراً([143]) لا يعذب اللّه بالنار موحداً أبداً وان أهل التوحيد يشفعون فيشفعون ثم قال: اذا كان يوم القيامة أمر اللّه تبارك وتعالى بقوم ساءت أفعالهم([144]) الى النار فيقولون يا ربنا كيف تدخلنا النار وقد كنا نوحدك في دار الدنيا وكيف تحرق بالنار السنتنا وقد وحدناك([145]) في دار الدنيا وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على ان لا إله إلا أنت أم كيف تحرق وجوهنا وقد عفرناها لك في التراب أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء اليك فيقول اللّه عزّوجل جلاله عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا وجزاءكم([146]) نار جهنم فيقولون: يا ربنا عفوك أعظم أم خطيئتنا فيقول اللّه عزوجل بل عفوي، فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا، فيقول عزوجل بل رحمتي، فيقولون: أقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا، فيقول عز وجل: اقراركم بتوحيدي أعظم، فيقولون: يا ربنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كل شيء، فيقول اللّه عزوجل: ملائكتي وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ اليّ من المقرين بتوحيدي وان لا إله غيري وحق عليّ أن لا أصلي بالنار أهل التوحيدي ادخلوا عبادي الجنة»([147]).

 

وفي التوحيد والامالي وامالي الشيخ عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن آبائه عن علي(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) قال: «سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)يقول: إنّ اللّه عز وجل قال: ما جزاء من انعمت([148]) عليه بالتوحيد إلا الجنة»([149]) والاخبار بهذا المعنى كثيرة جداً، أمّا ما جاء في خبر المعاني عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «التوحيد ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره ظاهره موصوف لا يرى وباطنه موجود لا يخفى يطلب بكل مكان ولا يخل منه مكان طرفة عين حاضر غير محدود وغائب غير مفقود»([150]) فهو من الاخبار المشكلة والاحاديث المعظلة التي تحتاج الى غوص من ذوي القرايح الناقدة والبصائر النافذة وكيف يصير ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره، والظاهر انّه أراد (صلى الله عليه وآله)انّما ظهر من كلمة التوحيد من التوحيد الحقيقي كائن في باطنه وكذلك باطنه لا مغايرة بينه وبين الظاهر حيث انّه لا يقال له توحيد إلا بنفي المشاركة من كل وجه وليس المراد منه مجرد اثبات الوحدانية في الجملة نظراًالى انّه (صلى الله عليه وآله) قد اكتفى بها في أول الاسلام لان ذلك صدر عن حكمة توجب لطفا للعباد وهو تسهيل الدين والدخول فيه بخلاف زمن قوته فانّه لا يتم إلا بأخذ الباطن من الظاهر وبالعكس لاتحاد الظاهر والباطن حينئذ.

 

وامّا قوله (صلى الله عليه وآله) «ظاهر موصوف لا يرى» فالمراد منه من قام التوحيد به حيث انّه لا يدرك بشيء سوى الوصف فالرؤية لا تقع عليه لاستلزامها الامكان والحدوث.

 

وامّا قوله «وباطنه موجود لا يخفى» فالضمير فيه عائد أيضاً لمن قام به التوحيد وهو اللّه سبحانه لدلالة الاثار على وجوده ولهذا رتب عليه قوله «يطلب بكل مكان» وما بعده من الكلام اعني قوله «ولم يخلو منه مكان طرفة عين» وكذا قوله «حاضر غير محدود» لان حضوره حضور علم لا حضور المشاهد المحسوس من الاجسام والالوان وغيرها من الجواهر التي تقع عليها الرؤية ولو بواسطة الاعراض المفتقرة الى المكان والحيز والمحل.

 

وأما قوله: «فغائب غير مفقود» فالمراد به انه غائب عن الابصار ووقوع الحواس عليه ولهذا قال: «غير مفقود».

 

 

 

« وأمّا البرهان الدال على نفي الشريك

 

وهو المعقود له هذا الفصل بالاصالة فهو متشعب الطرق في اخبارهم (عليهم السلام)وكذلك في الايات وما قدمناه من الادلة وان دل ضمناً أو التزاماً على نفي الشريك لكنه وقع تبعاً لاثبات الوجود ولم يدل على تلك([151]) الدلالة التامة ومن هنا لم تكتف أئمتنا(عليهم السلام) بذلك وكذلك علماء الكلام كما هو غير خفي على من تتبع الاخبار الواردة في هذا المضمار فمن تلك الاخبار ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن هشام بن الحكم انّه قال: «كان من سؤال الزنديق للصادق(عليه السلام) ان قال: لِمَ لا يجوز([152]) ان يكون صانع العالم اكثر من واحد؟.

 

قال ابو عبداللّه(عليه السلام): لا يخلو قولك انّه([153]) اثنان من ان يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون احدهما قويا والاخر ضعيفا فان كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه وينفرد بالتدبير([154]) وان زعمت ان احدهما ضعيف والاخر قوي([155]) ثبت انه واحد كما تقول للعجز الظاهر في الثاني، وان قلت: انهما اثنان لم يخل من ان يكونا انهما([156]) متفقان من كل جهة أو مفترقان من كل جهة فلمّا رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دلّ على صحة الامر والتدبير([157]) على انه واحد»([158]).

 

وفي الكافي والتوحيد عن هشام بن الحكم مثله وزاد فيه «ثم يلزمك ان ادعيت اثنين فلا بد من فرجة بينهما حتى يكون اثنين فصارت الفرجة بينهما ثالثاً([159]) قديماً معهما فيلزمك ثلاثة وان ادعيت ثلاثة لزمك ما قلناه في الاثنين حتى يكون بينهما فرجتان فيكونوا خمسة ثم يتناهى في العدد الى ما لانهاية له في الكثرة»([160]).

 

وفي التوحيد بسند صحيح عن الفضل ابن شاذان،  قال: «سأل رجل من الثنوية أبا الحسن الرضا(عليه السلام) وأنا حاضر فقال له: اني أقول انّ صانع العالم اثنان فما الدليل على انّه واحد فقال: قولك انهما([161]) اثنان دليل على انه واحد لانك لم تدع الثاني الا بعد اثباتك للواحد([162])فالواحد مجمع عليه واكثر من واحد مختلف فيه»([163]) .

 

وفي التوحيد أيضاً بسند صحيح عن هشام بن الحكم قال: «قلت لابي عبداللّه(عليه السلام): ماالدليل على انّ اللّه واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال اللّه عز وجل (لو كان فيهما الهة إلا اللّه لفسدتا)»([164]) والكلام على هذه يستدعي بسطاً لاشتمالها على جلة من الادلة مجملة غير مفصلة ولقد اخذ منها جملة من الافاضل طرق ذلك الاستدلال وجعلها كالتفسير لها لكنها في الحقيقة عند التأمل التام مغنية عما قرروه وان كانت مجملة.

 

والتحقيق هنا ان نقول انّ البراهين المشتملة عليها هذه الاخبار متعددة كما سمعت:

 

أمّا اولها: فهو انّه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب كما يجيء برهانه وتقدم بعض الاشارة اليه فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الاخر بامر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما الى امر خارج مفهوم وكل محتاج ممكن .

 

الثاني: انّه لو تعدد الواجب لذاته فاما ان يكون امتياز كل واحد منهما بذاته فيكون مفهوم واجب الوجود محمولاً عليهما بالحمل العرضي والعارض معلول للمعروض فيرجع الى كون كل منهما علّة لوجوب وجوده وقد ثبت بطلانه وامّا ان يكون ذلك الامتياز بالامر الزائد على ذاتهما وهو أفحش فانّه اما أن يكون معلولاً لماهيتهما أو لغيرهما وعلى الاول ان اتحد ماهيتهما كان التعين مشتركاً وهذا خلف وان تعددت الماهية كان كل منهما شيء عرض له وجوب الوجود اي الوجود المتاكد للواجب وقد تبين بدلائل عينية الوجود بطلانه وعلى الثاني يلزم الاحتياج الى الغير والامكان.

 

وبالجملة لو كان الواجب متعدداً لكان نسبة الوجود اليهما نسبة العوارض وكان ممكناً لا واجباً.

 

الثالث: انّه لو كان هو سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الاحاد سوى كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين أو أمراً زايداً عليه ولكان هذا الوجود محتاجا الى وجود الاخر([165]) والمحتاج الى الغير ممكن محتاج الى المؤثر والموثر في الشيء يجب أن يكون مؤثراً في كل واحد من أجزائه وإلا لم يكن مؤثراً في ذلك الشيء وقد ادعوا الضرورة فيه ولا يمكن التاثير فيما نحن فيه في شيء من الاجزاء لكون كل من الجزئين واجباً فالشريك يستلزم التاثير فيما لا يمكن التأثير فيه أو امكان ما فرض وجوبه الى غير ذلك من المفاسد.

 

الرابع: البرهان المسمّى برهان التمانع ولهم في تقريره طرق وأظهرها ان وجوب الوجود يستلزم القدرة والقوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على ايجاده ودفع ما يضاده مطلقاً وعدم القدرة على هذا الوجه نقص والنقص عليه تعالى محال ضرورة بدليل اجماع العقلاء عليه ومن المحال عادة اجماعهم على نظري ولين لم يكن ضروريا فنظري ظاهر متسق الطريق واضح الدليل واستحالة اجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر.

 

فنقول حينئذ: لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين وقوتهما تستلزم عدم قوتهما لان قوة كل واحد على هذا الوجه تستلزم قوته على دفع الاخر عن ارادة ضدّ ما يريده نفسه من الممكنات والمدفوع غير قوي بهذا المعنى الذي زعمنا انّه لازم لسلب النقص.

 

فان قلت: هذا انما يتم لو كان ارادة كل منهما للممكن بشرط ارادة الاخر لضده ممكنا وبالعكس وليس كذلك بل ارادة كل منهما له بشرط ارادة الاخر لضده ممتنع ونظير ذلك ان ارادة الواجب الممكن بشرط وجود ضده محال ولا يلزم منه نقص .

 

قلت: لا امتناع الارادة([166]) بشرط ارادة الاخر هو الامتناع بالغير وامتناعه بالغير يحقق النقص والعجز تعالى عن ذلك علواً كبيراً وامّا امتناع ارادة الشيء بشرط وجود ضده فمن باب امتناع ارادة ارادة المحال الذاتي وان كان امتناع الارادة امتناعاً بالغير ومثله غير ملزوم للنقص بخلاف ما نحن فيه فان المراد ممتنع بالغير.

 

فان قلت: وجود الشيء كما يمتنع بشرط ضده ونقيضه كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده ونقيضه والاول امتناع بالذات والثاني امتناع بالغير وكما ان ارادة الاول منه تعالى محال ولا نقص فيه كذلك ارادة الثاني وظاهر ان ارادة ايجاد الممكن بشرط ارادة الاخر له من قِبل الثاني فينبغي أن لا يكون فيه نقص .

 

قلت: فرق بين الامرين فان وجود الممكن اذا قيد واشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعاً ولو بالغير ولم يتعلق به ارادة ضرورة واما اذا لم يقيد الوجود به بل اطلق فغير ممتنع فيمكن تعلق الارادة به ولو في زمان وجود ملزوم النقيض بان يرفع الملزوم وان لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر بخلاف ارادة الاخر له فانه وان لم يندفع من قبل نفسه ولم يدفعه دافع آخر لم تتعلق به الارادة ضرورة فهو مدفوع وإلا فالاخر مدفوع.

 

فصار حاصل الفرق حينئذ انّ الصانع تعالى قادر على ايجاد أحد الضدين في زمان الضد الاخر بدون حاجة الى واسطة غير مستندة اليه تعالى وهو اي الحاجة الى الواسطة المستندة الى الفاعل لا ينافي الاستقلال والقدرة كما لا ينافي الاحتياج الى الواسطة المستندة الى الذات الوجوب الذاتي بخلاف ما نحن فيه فانه احتياج الى واسطة غير مستندة الى الذات.

 

لا يقال لعل انتفاء ارادة الاخر واجب بنفسه ولا نسلم منافات توسط الواجب بالذات بين الفاعل وفعله لاستقلاله واستلزامه النقص. لانا نقول:

 

الاول: بين البطلان فان تحقق ارادة الاخر وانتفائها ممكن في نفسه لكن ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الارادة لو انتفى فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل ولا مستندة اليه .

 

وأمّا الثاني فربما تدعي البداهة لاستلزامه النقص وهو غير بعيد وبهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك والشبه التي ذكروها في هذا المقام وللمحقق الدواني تقرير اخر برهان التمانع وهو انّه لا يخلو ان يكون قدرة كل واحد منهما وارادته كافية في وجود العالم اولاشيء منهما كاف أو احدهما كاف فقط وعلى الاول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد وعلى الثاني يلزم عجزهما لانهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الاخر وعلى الثالث لا يكون الاخر خالقا فلا يكون الهاً (أفمن يخلق كمن لا يخلق)([167]).

 

لا يقال: انما يلزم العجز اذا انتفت القدرة على الايجاد بالاستقلال، امّا اذاكان كل منهما قادراً على الايجاد باستقلال ولكن اتفقا على الايجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز كما ان القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها وذلك لا يستلزم عجزهما لان ارادتهما تعلقت بالاشتراك وانما يلزم العجز لو أراد الاستقلال ولم يحصل. لانا نقول: تعلق ارادة كل منهما ان كان كافيا لزم المحذور الاول وان لم يكن كافيا لزم المحذور الثاني والملازمتان بينتان لا تقبلان المنع وما اوردتم من المثال في سند المنع لا يصح للسندية اذ في هذه الصورة ينقض ميل كل واحد منهما من الميل الذي يستقل في الحمل قدر ما يتم الميل الصادر من الاخر حتى تنقل الخشبة بمجموع الميلين وليس كل واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلاً مستقلاً وفي مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلق القدرة والارادة ولا تتصور الزيادة والنقصان في شيء منهما .

 

الخامس: انّ كل من جاء من الانبياء وأصحاب الكتب المنزلة انما ادعى الاستناد الى واحد استند اليه الاخر ولو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده وحكمه واحتمال ان يكون في الوجود واجب لا يرسل الى هذا العالم ولا يؤثر ولا يدبر أيضاً فيه مع تدبيره ووجود غيره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب اليه وهم واهم فان وجوب الوجود يقتضي العلم والقدرة وغيرهما من الصفات ومع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الاعلام ونشر الاثار بحيث يبلغ الينا وجوده.

 

وامّا ما زعمت الثنوية من الاله الثاني فليس بهذه المثابة وهو مما يرسل ويحكم فيهم وان قالوا بوجود الواجب الاخر فقد نفوا لوازمه فهو باطل بحكم العقل وقد أشار الى ذلك فيما اوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنه الحسن(عليه السلام) حيث قد اوصى الى هذا الدليل لقوله(عليه السلام): «واعلم([168]) انّه لو كان لربك شريك لاتتك رسله ولرأيت اثار ملكه وسلطانه ولعرفت صفته وفعاله([169]) ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضاده في([170]) ذلك أحد ولا يحاجه وانه خالق كل شيء»([171]).

 

السادس: ما قرره محمد بن أبي جمهور الاحسائي في كتاب المجلي وزعم انه من مخترعاته وهو انّ الاثنين مسبوقان بغيرهما ـ اعني الواحد والواجب ليس مسبوقاً بغيره ـ فلا شيء من الاثنين بواجب وينعكس الى لا شيء من الواجب باثنين([172]) وكانه برهان من الشكل الثاني وهو هكذا كلّ اثنين فهما مسبوقان بالغير ولا شيء من الواجب مسبوق بالغير ينتج لا شيء من الاثنين بواجب امّا الصغرى فظاهرة لمن تصور معنى الاثنين ومفهومهما اذ هو العدد الملتم من واحدين فحقيقته مسبوقة بهما سبقا ذاتياً اذ العقل لا يتصور حقيقته بدون تصورهما سابقين عليه وبالضرورة هما غيره لوجوب مغايرة المركب لكل واحد من جزئه وامّا الكبرى فضرورية اذ لو كان الواجب مسبوقاً بغيره لما كان كذلك هذا خلف فيتحقق النتيجة ويثبت هذا الضرب برده الى الشكل الاول بعكس كبراه هكذا كل اثنين مسبوقان بالغير ولا شيء من المسبوق بالغير بواجب ينتج لا شيء من الاثنين بواجب وينعكس الى لا شيء من الواجب باثنين وهو المطلوب.

 

واورد عليه جدّي([173]) (قدس سره) في حواشيه على الكتاب المذكور بانّ هذا البرهان انما يتم اذا كانت الاثنينية هي نفس الاله اولها مدخل في حقيقته وهما منتفيان فلم تتحقق المسبوقية بالغير في كل من ذاتي الالهين وهو كلام متين يخرجه عن كونه من البراهين ومع ذلك فيستلزم اعتبار الدخول للالهية في العدد وقد عرفت منعها وانه لا يقال عليهما وحدة العددية بهذا المعنى .

 

السابع: ما ذكره الشيخ ابن سينا في كتاب المقامات وهو انّه قد ثبت ان النفس مخلوقة لهذا الواجب وهي بسيطة دَرّاكة وحدانية غير مركبة فيكون فاعلها لا محالة أبسط وأدرك وأفضل وهكذا لا يزال الكمال الادراكي البسيط مترقيا في مدارج الشرف والفضيلة لا ان ينتهي الى افضل أسبابها واكمل عللها وهو الواجب لذاته وهو وجود بحت ونور محض لا ثاني له في الوجود اذ لو كان له ثاني لاشتركا في الماهية المدركة وهي غير اعتبارية لانها ماهية النفس التي هي مدركة لذاتها لا بأمر خارج عنها وهي نفس الحياة فلو كان في الوجود ماهيتان مدركتان كل منهما نفس الحياة فلابد بينهما من فارق ويكون ذلك بالاعراض العارضة الخارجية المحتاجة الى العلة وان كانت العلّة ما به الاشتراك وجب الاتفاق في ذلك فلا يكون المميز مميزاً وان كان كل واحد من الذاتين مؤثراً في غرض الاخر لزم ان يكون كل منهما متقدم على مميزه الاخر فيكونا مميزين قبل الامتياز وذلك محال او يكون المؤثر منهما خارجاً عنهما فيكون ذلك الخارج هو الواجب لذاته ـ ثم قال ـ وبرهان الاشراك والافتراق انّما يذكر بعد معرفة النفس والادراك له ولا يقول قائل انهما اشتركا في امر اعتباري كاشتراك الممكن والواجب في الوجود وهذا الاشتراك ضروري فان الخصم اذا لم يجوز اطلاق الوجود على الواجب لذاته يلزم ان يعتبر فيه مفهوماً آخر كالشيئية أو الهوية أو الثبات أو غير ذلك من المفهومات اللائقة وإلا فلا يفهم منه شيء وحينئذ يكون مفهومه لا شيء وذلك محال واذا وجب في مفهوم الواجب لذاته لزم الاشتراك بينه وبين غيره بالضرورة ـ ثم قال ـ ولا برهان على الوحدة الواجبة غير هذا وكذلك ما بني على وحدة العالم والشمس وحركاتها مع حركات العلويات وامّا انه نفس الوجود فقد عرفت انه اعتباري لا يمكن تصحيحه بل هو نفس الحياة والادراك المغاير لمفهوم الوجودي الاعتباري واما كونه مجرداً عن المادة فهو سلب لا صورة له في الاعيان وامّا السؤال المشهور بينهم على هذه الوجوه والطرق النافية للشريك وهو أن الوجود الواجب لمّا كان مشاركاً لوجود الممكن وجب ان يمتاز عنه بامر زايد على طبيعة الوجود ويلزم ان يكون الواجب لذاته مركباً مما به الاشتراك ومما به الامتياز فيكون ممكنا لافتقاره الى واحد من جزئيه.

 

فجوابه سهل مما تقرر من القواعد التي ذكروها هناك فان امتياز الواجب لذاته عن الممكن لذاته المشتركين في الوجود المطلق انما يلزم ان يكون بامر زايد على ذاته اذا كان الوجود مقولا عليهما بالتواطي امّا اذا كان مقولاً بالتشكيك كما هو الحق فيجوز ان يكون الامتياز بينهما بالكمال والنقص وهذا النوع من الامتياز بنفس الشيء لا بامر زائد على ذاته فلا يكون موجبا في التركيب لا في التام ولا في الناقص فهذا هو الجواب الحق.

 

وقد أجاب بعضهم عن هذا السؤال بان وجود الواجب انما امتاز عن الوجود الممكن بقيد سلبي وهو عدم العلة فان معنى كونه واجب الوجود هو انه لا علّة له وحينئذ لا يكون القيد السلبي موجبا للتركيب وهو جواب مختل من وجهين:

 

الاول: ان كون الواجب لذاته لا علّة له تابع لوجوب الوجود لا انه نفس الوجوب الوجود.

 

الثاني: ان الواجب لذاته وان شارك الممكنات في مفهوم الوجود المطلق إلاان القيد السلبي وهو كونه لا علّة له اما ان يكون نفس مفهوم الوجود او امراً زائداً عليه من الوجوب أو غيره فان كان الاول لزم ان يكون كل وجود لا علة له وذلك باطل وان كان الثاني لزم ان يكون في ذات الواجب لذاته كثرة وقد عرفت استحالة ذلك.

 

والجواب الحقيقي لهذا السؤال ليس إلا ما ذكرناه اولاً وذكر الشيخ في الشفاء([174]) ان واجب الوجود واحد وإلا فليكن كثرة فيكون الواحد منها واجب الوجود بذاته وكونه هو بعينه امّا ان يكون واحداً فيكون كل ما هو واجب الوجود كونه هو بعينه وليس غيره وان كان كونه واجب الوجود غير كونه بعينه فمقارنة واجب الوجود لانه هو بعينه امّا ان يكون امراً زائداً لذاته أو لعلّة وسبب موجب لغيره فان كان لذاته ولانه واجب الوجود فيكون كلما هو واجب الوجود هذا بعينه وان كان لعلّة وسبب وموجب غيره فلكونه هذا بعينه سبب ولخصوصيته وجوده المنفرد سبب فهو معلول فاذا واجب الوجود واحداً بالكلية ليس كانواع تحت جنس وواحد بالعدد ليس كاشخاص تحت نوع بل معنى شرح اسمه له فقط ووجوده غيرمشترك فيه فهذه هي الخواص التي يختص بها واجب الوجود وامّا خاصة الممكن فهو انه يحتاج الى شيء آخر ضرورة يجعله موجوداً بالفعل وكل ما هو ممكن الوجود فهو دائم باعتبار ذاته ممكن الوجود إلا انه يعرض له ان يجب وجوده بغيره اما دائماً أو في وقت دون وقت وهذا يجب ان يكون له نفاذة تتقدم وجوده بالزمان والذي يجب ان يكون وجوده بغيره دائماً فهو ايضاً غير بسيط الحقيقة لان الذي له باعتبار نفسه غير ما هو له لغيره فهو الفرد وغيره زوج تركيبي فتأمّل.

 

وأمّا وجه انطباق هذه الاخبار المتقدمة على هذه الادلة فاشده ظهوراً وانطباقاً خبر هشام بن الحكم المروي في الاحتجاج والتوحيد والكافي كما تقدم وذلك لان قوله (عليه السلام): «لا يخلو قولك انهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين...الى اخره»([175]) محتمل لوجوه:

 

الوجه([176]) الاول: ان المراد بالقوي؟ القوي على فعل الكل بالارادة مع ارادة استبداده به والمراد بالضعيف الذي لا يقدر على فعل الكل ولا يستبد به ولا يقاوم القوي فان كان قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد([177]) به ان يلزم من قوّتهما انفراد كل بالتدبير ويلزم منه عدم وقوع الفعل وان زعمت ان احدهما قوي والاخر ضعيف ثبت انه واحد اي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة وثبت احتياج الضعيف الى العلّة الموجدة لان القوي اقوى وجوداً من الضعيف وضعف الوجود لا يتصور الا بجواز خلو الماهية عن الوجود ويلزم منه الاحتياج الى المبدء المباين الموجد له.

 

وان قلت انهما اثنان اي المبدء هذا وهو الشق الثاني اي كونهما ضعيفين بان يقدر ويقوى كل منهما على بعض أو يفعل بعضاً دون بعض بالارادة وان كان يقدر على الكل وفي هذا الشق لا يخلو من ان يكونا متفقين في الحقيقة من كل جهة ويلزم من هذا عدم الامتياز باليقين للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعيين المختلفين واستحالة استنادها الى الحقيقة باستحالة استنادهما الى الغير فيكون لهما مبدء أو مختلفين مفترقين من كل جهة وذلك معلوم الانتفاء فانا لما رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً والتدبير واحداً والليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الامر والتدبير واتلاف الامر على انّ المدبّر واحد لا اثنان مختلفان من كل جهة. ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز ان يكون واحداً بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة اخرى فيكون المدبر اثنين ويلزمك ان ادعيت اثنين فرجة ما بينهما لان لهما وحدة فلا يتميزان إلا تميز فاصل بينهما حتى يكون اثنين لامتناع الاثنينية فلا مميز .

 

وعبّر عن الفاصل المميز بالفرجة حيث ان الفاصل بين الاجسام يعبر عنه بالفرجة واولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيهاً على انكم لا تستحقون ان تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات وذلك المميز لابد ان يكون وجوديا داخلاً في حقيقة احدهما اذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا ولا يجوز ان يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود وخلوها عنه ولو عقلاً وإلا لكان معلولاً محتاجاً الى المبدء فلا يكون مبدأ ولا داخلاً فيه فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجوداً بذاته كالمتفق فيه فيكون الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحداً ويكون الاثنان اللذان ادّعيتهما ثلاثة.

 

فان قلت به وادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة ولابد من مميز بين وجودتين حتى يكون بين الثلاثة فرجتان ولابد من كونهما قديمين كما مرّ فيكونون خمسة وهكذا ثم يتناها في العدد الى ما لا نهاية له في الكثرة اي يتناهى التعدد الى القول بما لا نهاية له في الكثرة أو يبلغ عدده الى كثرة غير متناهية أو المراد انه يلزمك ان يتناها المعدود المنتهى ضرورة بمعروض ما ينتهي اليه العدد اي الواحد الى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عدداً بلا واحد وكثرة بلا وحدة وعلى هذا يكون الكلام برهانياً.

 

الوجه الثاني ان يكون اشار بذلك الى ثلاثة براهين.

 

وتقرير الاول بعدما تقرر ان ما لا يكون قويا على ايجاد اي ممكن كان لا يكون واجبا بالذات ان يقال لا يصح ان يكون الواجب بالذات اثنين وإلا كان كل منهما قويا على ايجاد اي ممكن كان وكل ممكن بحيث يكون استناده الى اي واحد منهما كافيا في تصحيح خروجه من القوة الى الفعل وحينئذ لم يكن محيص اما من لزوم استناد كل معلول شخصي الى علتين مستبدتين بالافاضة وذلك محال أو من لزوم الترجح بلا مرجح وهو فطري الاستحالة أو من كون أحدهما غير واجب بالذات وهو خلاف المفروض وهذا البرهان تمامه عند قوله(عليه السلام)  «للعجز الظاهر في الثاني» وقوله (عليه السلام) «وان قلت الى قوله على ان المدبر واحد» اشارة الى برهان ثان وهو أحد الوجوه البرهانية المتقدمة المأخوذ من قوله تعالى (لو كان فيهما الهة إلا اللّه لفسدتا)كما وقع في صحيحة هشام بن الحكم المروية في كتاب التوحيد وقد تقدم وفيه قال: «اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال عزوجل (لو كان فيهما الهة إلا اللّه) الاية وتلخيص تقريره ان التلازم بين اجزاء النظام الجلي المنتظم المتسق كما بين السماء والارض مثلاً على ما قد احقته القوانين الحكمية لا يستثبت الا بالاستناد الى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته وقدرته اذ التلازم بين مشئتين لا يتصحح إلا بعليّة أحدهما للاخر أو بمعلوليتهما لعلّة واحدة موجبة فلو تعدد اختل الاخر وفسد النظام وتقرير الثالث هو انّك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود وافتراق في الهوية ويكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين وهو المراد بالفرجة لانه منفصل الذات والهوية وهذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل موجود لا من تلقاء الصانع اذ افتقار المركب الى الجاعل بحسب افتقار اجزائه فاذا لم تفتقر اجزائه لم يفتقر هو بالضرورة فاذا قد لزمك ان يكون هذا الموجود الثالث ايضاً قديماً فيلزمك ثلاثة وقد ادعيت اثنين وهكذا.

 

ويرد عليه مع بعد اطلاق الفرجة بهذا المعنى يلزم في الفرض الثاني سبعة لا خمسة.

 

 

 

الوجه([178]) الثالث: أن يكون اشارة الى حجتين: أحدهما عامية مشهورية، والاخرى خاصية برهانية.

 

أما الاولى: فقوله (عليه السلام) «لا يخلو قولك الى قوله في الثاني» ومعناه انه لو فرض قديمان فلا يخلو ان يكونا كلاهما قويين أو كلاهما ضعيفين أو أحدهما قويا والاخر ضعيفا والثلاثة باسرها باطلة، أما الاول فلانه اذا كانا قويين وكل منهما في غاية القوة من غير ضعف وعجز كما هو المفروض والقوة تقتضي الغلبة، والقهر على كل شيء سواه فما السبب المانع لان يدفع كل واحد منهما صاحبه حتى ينفرد بالتدبير والقهر على غيره اذ اقتضاء الغلبة والاستعلاء مركون في كل ذي قوة على قدر قوته، والمفروض ان كلا منهما في غاية القوة، وامّا فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكوا بالفطرة من ان الضعف ينافي الالهية ولظهوره لم يذكره (عليه السلام).

 

وأيضاً يعلم فساده بفساد الشق الثالث وهو قوله «وان زعمت انّ احدهما قوي والاخر ضعيف ثبت انه اي الاله واحد» كما نحن نقول بالعجز الظاهر في المفروض ثانيا لان الضعف من العجز والعاجز لا يكون الهاً بل مخلوقا محتاجاً لانه يحتاج الى من يعطيه القوة والكمال والخيرة .


 

وأمّا الحجة البرهانية فاشار اليها بقوله «وان قلت انهما اثنان» وبيانه انه لو فرض موجودان قديمان فاما ان يتفقا من كل جهة أو يختلفا من كل جهة أو يتفقا بجهة ويختلفا باخرى والكل محال اما بطلان الاول فلان الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز احد الاثنين عن صاحبه ولو بوجه من الوجوه واما بطلان الثاني فلما نبّه عليه بقوله: «فلما رأينا الخلق منتظماً» وتقريره ان العالم كله كشخص واحد كثير الاجزاء والاعضاء مثل الانسان فانا نجد اجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وافعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض ويفتقر بعضها الى بعض وكل منها يعين بطبعه صاحبه وهكذا نشاهد الاجرام العالية وما ارتكز فيها من الكواكب النيرة في حركاتها الدورية واضواءها الوافية منها نافعة للسفليات محصلة لامزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الانواع ونفوسها وحياة الكائنات ونشوء الحيوان والنبات فاذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتصال التدبير دلّ على انّ آلهة واحد واليه أشار بقوله (عليه السلام): «دلّ صحة الامر والتدبير واتلاف الامر على ان المدبر واحد».

 

وأمّا بطلان الشق الثالث وهو انهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر فبان يقال كما أشار اليه (عليه السلام) بقوله «ثم يلزمك انه لابد فيهما من شيء يمتاز به احدهما عن صاحبه وصاحبه عنه» وذلك الشيء يجب ان يكون امراً وجودياً يوجد في أحدهما ولم يوجد في الاخر أو امران وجوديان يختص كل منهما بواحد فقط واما كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه امرا عدمياً فهو ممتنع بالضرورة اذ الاعدام بما هي اعدام لا تمايز بينها ولا تميز بها فاذا فرض قديمان فلا اقل من وجود امر ثالث يوجد لاحدهما ويسلب عن الاخر وهو المراد بالفرجة اذ به يحصل الانفراج اي الافتراق بينهما لوجوده معهما وإلا لم يكونا اثنين قديمين فيلزم ان يكون القدماء ثلاثة وقد فرض اثنان هذا خلف ثم يلزم من كونهم ثلاثة ان يكونوا خمسة وهكذا الى ان يبلغ عددهم الى ما لا نهاية له وهو محال وحينئذ فالاظهر على هذا التقرير حمل الوحدة في قوله (عليه السلام) على ان المدبر واحد على الاعم من الوحدة النوعية والشخصية، ولو حملت على الشخصية يمكن ان يستخرج منه ثلاث حجج بهذا التقرير ولا يخفى توجيهها.

 

 

 

الوجه([179]) الرابع: ان يكون اشارة الى ثلاث حجج لكن على اوجه اخر غير ما تقدم:

 

وتقرير الاولى انه لو كان اثنين، فاما ان يكونا قويين اي مستقلين بالقدرة على كل ممكن في نفسه سواء كان موافقا للمصلحة أو مخالفاً وهو انما يتصور لكونهما قديمين، واما ان يكونا ضعيفين اي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه، واما ان يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، والاول محال لاشتماله على التناقض لان كون كل منهما قويا بهذا المعنى يستلزم ان يكون قويا على دفع الاخر عن ان يصدر عنه مراده الاول بعينه او مثله أو ضده في محله لان عدم المنافي شرط في صدور كل ممكن وعدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط، ولا شك ان المدفوع كذلك ضعيف مسخر فقوة كل منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الاخر فيه وضعف ذلك الاخر، وفي فعل تركه حتى فعل الاخر ضده يستلزم تمكينه الاخر من فعله، وهذا تفرد بالتدبير فالاستفهام في لم لا يدفع انكاري اي معلوم ضرورة انه يدفع كل منهما الاخر ويتفرد بالتدبير، وبطلان الشق الثالث لكونه مستلزماً لعجز احدهما اي ضعفه وعدم كونه مما ينتهي اليه شيء من تدبير العالم يستلزم الشق الثاني بطريق اولى.

 

وتقرير الثاني هو انه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول اليهما اما متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما ولا في كل منهما ما يختص به ويرجح صدوره عنه على صدوره عن الاخر من الداعي والمصلحة ونحوهما، وامّا غير متساوية من جميع الوجوه، وكلاهما باطل.

 

اما الاول فلانه اما ان يكون ترك كل منهما لذلك المعلول مستلزماً لفعل الاخر اياه لحكمة كل منهما أم لا فعلى الاولى احداث احدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح لان احداث كل منهما ذلك لمعلول ليس اولى بوجه من تركه اياه مع احداث الاخر اياه، وعلى الثاني، امّا ان يكون ترك التارك مع تجويزه الترك على الاخر قبيحاً وخلاف الحكمة أم لا، والاول يستلزم النقص، والثاني يستلزم عدم امكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خلق العالم لانه اتفاقي حينئذ، ومعلوم بديهة ان الاتفاقي لا يكون منتظماً في امر سهل كصدور مثلا قصيدة من قصائد البلغاء المشهورة عمن لم يمارس البلاغة، وان كان يمكن ان يصدر عنه اتفاقا مصراع بليغ او مصراعان فضلاً عما نحن فيه.

 

وامّا بطلان الثاني فلانه يستلزم ان تكون مختلفة من جميع الوجوه بان لا يكون احدهما قادراً عليه أصلاً لان اختلاف نسبة قادرين الى معلول واحد شخصي انما يتصور فيما يمكن ان يكون صدوره عن أحدهما اصلح وانفع من صدوره عن الاخر،وهذا انما يتصور فيما كان نفع فعله راجعاً اليه كالعباد، وامّا اذا كان القادران برئيين من الانتفاع كما في ما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة وينبه عليه ان الغني المطلق انّما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير ان يكون له فيه نفع سوى كان لغيره فيه نفع كما في ثواب المطيع او لم يكن ومثاله عقاب الكافر ان لم يكن للمطيعين فيه نفع .

 

وتقرير الثالث انه ان كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول اليهما اما متساوية من جميع الوجوه او لا، وكلاهما باطل، واما الاول فلان صدور بعض المعلولات عن احدهما وبعض اخر منها عن الاخر منهما حينئذ يحتاج الى ثالث هو الفرجة بينهما اي ما يميز ويعين كل معلول معلول لواحد معين منهما حتى يكون المدبران اثنين لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين بل مرجح اي بلا داع اصلا كما هو المفروض فيلزم خلاف الفرض، وهو ان يكون المدبر ثلاثة، ثم تنقل الكلام الى الثلاثة، وهكذا الى ما لانهاية له في الكثرة، ويلزم التسلسل، وانما لم يكتف (عليه السلام) بعد نقل الكلام الى الثلاثة بالاحتياج الى فرجة واحدة للمميزين حتى يكون المجموع اربعة لا خمسة وان كان المطلوب وهو لزوم التسلسل حاصلاً به أيضاً لان هناك ثلاثة تميزات وتخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض واشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم، وامّا بطلان الثاني فلما مرّ في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني ولا يخفى عليك ان هذه التقريرات مترتبة في القوة. فاوّلها اولها، وابعدها الاخير لاحتياجه الى تقدير كثير من المقدمات في الكلام. واعلم انّ الاول اشارة الى برهان التمانع باحد تقريراته المشهورة. والثاني اشارة الى برهان التلازم، وهو المشار اليه بانه (لو كان فيهما الهة إلا اللّه لفسدتا) على اظهر الوجهين فيها. والثالث يكون الزاما على المجسمة المشركة القائلة بالهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس (لعنهم اللّه) ويكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملا البعد بينهما لبطلان الخلا او سطح فاصل بينهما لتحقق الاثنينية، هذا ما قيل: في معنى هذا الجزء، ويمكن ان يقال: في حلّه وجوهاً لانه من الاخبار التي تحيرت فيها الافهام والفكر ولم تتعرض لبسط الكلام فيهن كل وجه إلا فاضل الغرر ولا يراد ما يرد على كل منها من الاشكالات والاعتراضات احترازاً عن ادخاله في المتشابهات التي لا يجوز الانتهاء اليها، بل يوكل علمها لمن وردت عنه من السادات وفيما ذكرناه ان شاء اللّه كفاية لحل مشكله ولفتح باب استدلاله وبيان معظله، وامّا الجزء الذي رد به على الفرق من الثنوية وغيرهم فهو ما رواه في الاحتجاج عن هشام بن الحكم ايضاً انه سأل الزنديق، الصادق (عليه السلام) «عن قول من زعم ان اللّه لم يزل معه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الاشياء؟ قال: سبحان اللّه وتعالى ما اعجز الهاً يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ان كانت الطينة حية ازلية فكان الهين قديمين فامتزجا ودبّر العالم من انفسهم([180]) فان كان ذلك كذلك فمن اين جاء الموت والفناء، وان كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الازلي القديم، والميت لا يحيى منه حي، وهذه مقالة الديصانية اشد الزنادقة قولاً، وامهنهم مثلاً نظروا في كتب قد صنفتها اوائلهم وحبروها لهم بالفاظ مزخرفة من غير اصل ثابت ولا حجة توجب اثبات ما ادعوه كل ذلك خلافا على اللّه ورسله وتكذيباً بما جاؤا به عن اللّه، فاما من زعم ان الابدان ظلمة والارواح نور، وان النور لا يعمل الشر، والظلمة لا تعمل الخير فلا يجب عليهم ان يلوموا احداً على معصيته ولا ركوب حرمة ولا اتيان فاحشة، وان ذلك على الظلمة غير مستنكر لان ذلك فعلها ولا له ان يدعو ربا ولا يتضرع اليه لان النور ربّ والرب لا يتضرع الى نفسه ولا يستعبد بغيره ولا لاحد من أهل هذه المقالة ان يقول: احسنت ولا([181]) أسأت لان الاساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها والاحسان من النور ولا يقول: النور لنفسه احسنت يامحسن([182]) وليس هناك ثالث وكانت الظلمة على قياس قولهم احكم فعلاً واتقن تدبيراً واعز اركانا من النور لان الاركان([183])محكمة فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، وكل شيء يرا ظاهراً من الاشجار والثمار والطير والدواب يجب ان يكون الهاً، ثم حبست النور في حبستها والدولة لها وما ادعوا بان العاقبة سوف تكون للنور فدعوى فينبغي على قياس قولهم: ان لا يكون للنور فعل لانه اسير وليس له سلطان فلا فعل له ولا تدبير، وان كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسر بل هو مطلق عزيز فان لم يكن كذلك، وكان اسير الظلمة فانه يظهر في هذا العالم احسان وخير([184]) مع فساد وشر، فهذا يدل على ان الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشر وتفعله فان قالوا: محال ذلك فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم ورجع الامر الى ان اللّه واحد وما سواه باطل فهذه مقالة مأني الزنديق وأصحابه، وأما من قال النور والظلمة بينهما حكم فلابد ان يكون اكبر الثلاثة الحكم  لانه لا يحتاج الى الحكم([185]) إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم وهذه مقالة المرقوبية([186]) والحكاية عنهم تطول قال: فما قصة مأني؟ قال: متفحص اخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية فأخطأ الملتين ولم يصب مذهباً واحداً منهما وزعم ان العالم دبر([187]) من الهين نور وظلمة وان النور في حصار من الظلمة على ما حكيناه عنه([188]) فكذبته النصارى وقبلته المجوس»([189]) الحديث.

 

وتوضيحه وتحقيق الردّ به على تلك المذاهب وتفصيلها هو:

 

انه (عليه السلام) قد أشار في هذا الخبر الى ابطال مذاهب ثلاث فرق من الثنوية إلا ان ذلك الابطال يتوقف على بيان اصل مذاهبهم ليتضح ما أفاده (عليه السلام) فنقول:

 

الاول: مذهب الديصانية

وهم أصحاب ديصان وقد اثبتوا اصلين للخلق في الايجاد نورا وظلاماً، فالنور يفعل الخير قصداً واختياراً، والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور وما كان من شر وضرر([190]) وقبح فمن الظلام، وزعموا انّ النور حي عالم قادر حساس دراك ومنه تكون الحركة والحياة، والظلام ميت جاهل عاجز جماد موات للفعل([191]) ولا تميز، وزعموا انّ الشر يقع منه طباعاً، وزعموا ان النور جنس واحد كذلك الظلام جنس واحد وان ادراك النور ادراك متفق وان سمعه وبصره هي حواسه، وانما قيل سميع بصير لاختلاف التركيب لا لانها في انفسها شيئان مختلفان، وزعموا ان اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو المجسة([192]) وانما وجده لونا لان الظلمة خالطته ضربا من المخالطة ووجده طعماً لانهما خالطته بخلاف ذلك الضرب، وكذلك نقول في لون الظلمة وطعمها ورائحتها ومجستها، وزعموا ان النور بياض كله، وان الظلمة سواد كلها، وزعموا ان النور لم يزل يلقى الظلمة باسفل صفيحة منه، وان الظلمة لم تزل تلقا([193]) باعلا صفيحة منها، واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم ان النور دخل الظلمة، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتادى بها واحبّ أن يرفقها ويلينها ثم يتخلص منها وليس ذلك لاختلاف جسمهما كما ان المنشار جنس حديد وصفحته لينة وأسنانه خشنة فما اللين([194]) في النور، والخشونة في الظلمة وهما جنس واحد فيلطف النور بلينه حتى يدخل فيما بين تلك الفرج فما أمكنه إلا بتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول الى كمال ووجود إلا بلين وخشونة، وقال بعضهم: بل الظلام لمّا احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه اعتمد عليه فلجج فيه وذلك بمنزلة الانسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجاً فيه فاحتاج النور الى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه.وقال بعضهم: ان النور انما دخل الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منها اجزاء صالحة لعالمه فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور والقبح اضطراراً لا اختياراً ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض والحسن البحت، ففرق بين الفعل الضروري وبين الفعل الاختياري.([195])

 

الثاني: مذهب المانوية([196])

أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمن سايور ابن اردشير وذلك بعد عيسى(عليه السلام)أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية وكان يقول بنبوة المسيح (عليه السلام) ولا يقول بنبوة موسى (عليه السلام) وحكى محمد بن هارون المعروف بابي عيسى الورّاق ان الحكيم ماني زعم انّ العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والاخر ظلمة، وانهما ازليان لم يزالا ولا يزالا وانكروا وجود شيء لا من الاصل قديما، وزعم انهما لم ير إلا قويين حساسين سميعين بصيرين وهما مع ذلك في الصنف([197]) والصورة والفعل والتدبير متضادان والخير والشر متحاذان تحاذي الشخص والظل والنور([198]) جوهرة([199])حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر ونفسه خيرة كريمة حليمة عالمة نافعة وفعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والاتفاق وجهته فوق واكثرهم على انه مرتفع من ناحية الشمال. وزعم بعضهم انه بجنب الظلمة واجناسه خمسة أربعة منها ابدان والخامسة روسها، والابدان النار والريح والنور والماء وروحها النسيم، وهي تتحرك في هذه الابدان وصفاته حسنة خيرة ظاهرة زكية. وقال بعضهم: كون النور لم يزل على مثال هذا العالم لعارض وجو وارض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه بل على صورة جرم الشمس وشعاعها كشعاع الشمس ورائحتها طيبة أطيب رائحة، والوآنهاالوان قوس قزح .

 

وقال بعضهم: لا شيء إلا الجسم والاجسام على ثلاثة انواع أرض النور وهي خمسة، وهناك جسم اخر الطف منه وهو الجو وهي نفس النور وجسم اخر الطف منه وهو النسيم وهو روح النور قال: ولم تزل تولد ملائكة والهة واولياء ليس على سبيل المناكحة، بل كان يتولد الحكمة من الحكيم والنطق الطيب من الناطق وملك ذلك العالم هو روحه ويجمع عالمه الخير والحمد والنور، وأمّا الظلمة فجوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر، ونفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة، وفعلها الشر والفساد والضر والغم والتشويش والاختلاف، وجهتها تحت واكثرهم على آنهامنحطة من جانب الجنوب. وزعم بعضهم آنها بجنب النور واجناسها خمسة أربعة منها ابدان، والخامسة روحها فالابدان هي الحريق والظلمة والسموم والذباب وروحها الدخان وهو يتحرك في هذه الابدان، وامّا صفاتها فهي خبيثة شريرة بخسة دنسة. وقال بعضهم: كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم له ارض وجو فارض الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الارض بل هي اكثف واصلب ورائحتها كريهة انتن الروائح والوآنهاالسواد. وقال بعضهم: لا شيء إلا الجسم والاجسام على ثلاثة انواع الظلمة وجسم اخر أظلم منه وهو الدخان وجسم آخر أظلم منه وهو السموم، قال: ولم يزل تولد الظلمة شياطين وعفاريت لا على سبيل المناكحة بل كان يتولد الحشرات من العفونات القدرة، قال: وملك ذلك العالم وهو روحه ويجمع عالمه الشر والذميمة والظلمة. ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه والخلاص. قال بعضهم: ان النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار.وقال اكثرهم: ان سبب الامتزاج ان ابدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل فنظرت الروح فرأت الابدان على ممازجة النور فاجابتها لاسراعها الى الشر فلما رأى ذلك ملك النور وجه اليها ملكاً من([200]) ملائكة في خمسة اجزاء من اجناسها الخمسة فاختلطت الخمسة النورية بالخمس الظلامية فخالطا الدخان النسيم، وانما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والافات من الدخان وخالط الحريق النار، والنور الظلمة والسموم والريح والضباب الماء فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن اجناس النور، وما فيهن مضرة وشر وفساد فمن اجناس الظلمة فلما رأى ملك النور هذا الامتزاج امر ملكا من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة ليتخلص اجناس النور من اجناس الظلمة، وانما سارت الشمس والنجوم والقمر لاستصفاء اجزاء النور من اجزاء الظلمة هذا ما ذكره الشهرستاني في كتاب الملل والنحل من تحقيق مذهبهم. وقد أضاف لهم خرافات اخر لا فائدة في نقلها.([201])

 

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: انّ المانوية قالت ان النور لا نهاية له من جهة فوق واما من جهة تحت فله نهاية والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل، وامّا من جهة فوق فلها نهاية وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فرجة وان بعض اجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر الى الظلمة فاشرقت([202]) الظلمة فاقبل عالم كثير من النور فجاءت([203]) الظلمة لتستخلص الموسورين من تلك الاجزاء، وطالت الحرب واختلط كثير من اجزاء النور بكثير من اجزاء الظلمة فاقتضى([204]) حكمة نور الانوار وهو الباري سبحانه عندهم ان عمل الارض من لحوم القتلى والجبال من عظامهم والبحار من صديدهم ودماءهم والسماء من جلودهم وخلق الشمس والقمر وسيرهما الاستضفاء([205]) ما في العالم من اجزاء النور المختلطة باجزاء الظلمة، وجعل حول العالم خندقا خارج الفلك الاعلى يطرح فيه الظلام المستصفى([206]) فهو لا يزال يزيد ويتضاعف ويكثر في ذلك الخندق وهو ظلام صرف قد استصفى([207]) نوره، واما النور المستخلص فيلحق بعد الاستصفاء([208]) بعالم الانوار من فوق([209]) فلا تزال الافلاك متحركة والعالم مستمراً الى ان يتم استصفاء([210]) النور الممتزج، وحينئذ يبقى من النور الممتزج شيء منعقد باطل لا تقدر النيران على استصفائه([211]) فعند ذلك تسقط الاجسام العالية، وهي الافلاك على الاجسام السافلة([212]) وتفور ناراً تضطرم في تلك الاسافل وهي المسماة بجهنم، ويكون الاضطرام مقدار ألف وأربعمائة سنة فتحلل بتلك النار تلك الاجزاء المنعقدة من النور الممتزجة من اجزاء الظلمة التي عجز الشمس والقمر عن استصفائها([213]) فيرتفع الى عالم الانوار، ويبطل([214]) حينئذ ويعود النور كله الى حاله الاولى قبل الامتزاج، وكذلك الظلمة([215]).

 

الثالث: مذهب المرقوبية([216])

وقد أثبتوا اصلين متضادين أحدهما النور، والثاني الظلمة، وأثبتوا اصلا ثالثا وهو المعدّل للجامع وهو سبب الامتزاج فان المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع،وقالوا: الجامع دون النور في الرتبة وفوق الظلمة وحصل من الاجتماع والامتزاج هذا العالم ومنهم من يقول الامتزاج انما يحصل بين الظلمة والمعدّل اذ هو قريب منها فامتزج به ليتطيب به ويلتذ ملاذاة فبعث النور الى العالم الممتزج روحاً مسيحية وهو روح اللّه وابنه تحننا على المعدّل([217]) السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم حتى يخلصه من حبائل الشياطين فمن اتبعه فلا يلامس النساء ولم يقرب الزهومات افلت ونجا ومن خالفه خسر وهلك قالوا: وانما اثبتنا المعدل لان النور الذي هو اللّه تعالى لا تجوز عليه مخالطة الشيطان فان الضدين يتنافران طبعاً ويتمانعان نفسا وذاتا فكيف يجوز اجتماعهما فلابد من معدّل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام فيقع الامتزاج معه، كذا ذكره الشهرستاني في الملل والنحل([218]).

 

وقال ابن ابي الحديد في شرح النهج: قول المجوس هو ان الغرض من خلق العالم ان ينحصر([219]) الخالق جل اسمه من العدو وان يجعل العالم في شبكة له ليوقع فيه ويجعله في ربط وثاق والعدو عندهم هو الشيطان، وبعضهم يعتقد قدمه، وبعضهم حدوثه، قال قوم منهم: ان الباري عزوجل استوحش ففكر فكرة ردية فتولد منها الشيطان.

 

وقال اخرون: بل شكّ شكّاً رديئاً فتولد الشيطان من شكّه.

 

وقال اخرون: بل تولد من عفونة رديئة قديمة وزعموا ان الشيطان حارب الباري سبحانه وكان في الظلمة لم يزل بعيداً([220]) عن سلطان الباري سبحانه فلم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في سلطان اللّه تعالى في النور وادخل معه البلايا والنور([221]) فبنى اللّه تعالى سبحانه هذه الافلاك والارض والعناصر شبكة له وهو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع الى سلطانه الاول([222]) والظلمة فهو ابدا يضطرب ويرمي الافات على خلق اللّه سبحانه، فمن احياه رماه الشيطان بالموت ومن اصحه رماه الشيطان بالسقم، ومن سره رماه الشيطان بالحزن والكآبة فلا يزال كذلك ،وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته لان اللّه تعالى يحتال له كل يوم ويضعفه الى ان تذهب قوته كلها ويجمد ويصير جماداً([223]) جامداً هوائيا ويجمع اللّه تعالى اهل الاديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم ويصفيهم من طاعة الشيطان ويغسلهم من الادناس ثم يدخلهم الجنة وهي لا اكل فيها ولا شرب ولا تمتع ولكنها موضع لذّة وسرور([224]).

 

هكذا قررت مذاهب هؤلاء الفرق المذكورة.

 

واذا عرفت هذا وتأمّلت ما فيها علمتها سخيفة مزخرفة يغني تقريرها عن التعرض لابطالها وتزييفها ولكن لابد من توضيح الخبير وبيان ما فيه من الردّ على هؤلاء الفرق ليتضح المراد منه فيما سبق له .

 

فنقول يظهر من كلامه (عليه السلام) انّ الديصانية قالوا بقدم الطينة اي الظلمة وبحدوث الامتزاج، ويحتمل ان يكون اشارة الى ما نسبه الشهرستاني في الملل والنحل الى الدروانية([225]) حيث قال: زعم بعضهم انه كان لم يزل مع اللّه شيء ردي امّا فكرة ردية واما عفونة ردية، وذلك هو مصدر الشيطان، وزعموا ان الدنيا كانت سليمة من الشرور والافات([226]) وكان اهلها في خير محض ونعيم خالص فلما حدث هرمز([227])حدثت الشرور والافات والفتن([228]) وكان بمعزل من السماء فاحتال حتى خرق السماء وصعد([229]).

 

ثم انه (عليه السلام) استدل على ابطال مذهبهم بوجهين:

 

الاول ان قولكم انه تعالى كان لم يزل متأديا من تلك الطينة ولم يستطع التفضي عنها يستلزم عجزه، والعجز نقص بحكم العقل ببراءة صانع مثل هذا النظام عنه وايضاً يوجب الاحتياج الى من يرفع ذلك عنه، وهو ينافي وجوب الوجود الذي قام البرهان على اتصاف الصانع تعالى به .

 

والثاني انه لا يخلو اما ان تكون الطينة الازلية حية عالمة قادرة فيكون كلا منهما الهاً واجباً بالذات لما قد ثبت بالعقل والنقل ان الممكن لا يكون قديماً فاذا حصل العالم من امتزاجهما فلا يجوز على شيء من اجزاء العالم الموت والفناء اذ انتفاء المركب انما يكون بانتفاء احد اجزائه والخبران هنا قديمان، ويحتمل ان يكون هذا الزاماً عليهم حيث اثبتوا الظلمة وجعلوها جاهلة عاجزة جماداً لينسبوا اليها الموت والفناء زعما منهم ان مثل هذه الامور لا يصدر عن النور الحي العالم القادر، وامّا ان تكون ميتة اي عادمة القدرة والعلم والارادة، وهذا محال اذ القدم يستلزم وجوب الوجود وهو يستلزم الاتصاف بالعلم والقدرة وسائر الكمالات، واليه اشار (عليه السلام) بقوله «فلا بقاء للميت مع الازلي القديم» ثم أبطل ذلك (عليه السلام) بوجه اخر، وهو انهم ينسبون خلق المؤذيات كالحيات والعقارب والسباع الى الظلمة ولو كانت ميتة ولا يجوز نسبة خلقها اليها اذ العقل يحكم بديهة انه يجب كون الصانع أشرف من مصنوعه من جميع جهاته، وكيف يفيض الحياة والعلم والقدرة ممن لم يكن له حضّ منها، واما تقريره(عليه السلام) لمذهب المانوية فيظهر منه انه غير ما مر من نقل الناقلين لمذهبهم كما سمعت، وحينئذ فلا عبرة بنقلهم فانهم كثيراً ما ينسبون أشياء الى جماعة من الشيعة وغيرهم مما قد نعلم خلافها، مع انه يحتمل ان يكون كلامهم مرموزاً وعلم (عليه السلام) ان مرادهم بالنور الروح وبالظلمة الجسد والنور هو الرب تعالى، ويؤيده انه كان الملعون نصرانيا ومذهب النصارى في المسيح(عليه السلام) قريب من ذلك، ويحتمل ايضاً ان يكون ما ذكره (عليه السلام) مذهبا لجماعة من قدمائهم ثم غيروه الى ما نقل عنهم، وكذا كون النور اسير الظلمة. ويحتمل ايضاً ان يكون كناية عن عدم استقالة في التدبير ومعارضة اهرمن له في كثير مما يريده.

 

وقد استدل (عليه السلام) على بطلان مذهبهم في هذا الخير بوجوه:

 

الاول: انّه لا يكون الناس قادرين على ترك الشرور والمساويء والمعاصي لانها من فعل الجسد الذي هو الظلمة ويتأتى عنه الخير فلا يستحق احد الملامة على الشر مجبوراً عليه وقد نراهم يلومون الناس على السرور والمساويء فهذا دليل على بطلان مذهبهم.

 

الثاني: انه يستحسنون التضرع الى اللّه تعالى وعبادته والاستعانة به وامثال تلك الاعمال فعل الروح الذي هو الرب بزعمهم فكيف يعبد نفسه ويستعين بنفسه ويتضرع اليها، وان قالوا: انه يتضرع الى الظلمة فكيف يليق بالرب ان يستعين بغيره.

 

الثالث: انه يلزم انه لا يجوز ان يقال: لاحد احسنت ولا اسات، وهذا باطل اتفاقا وبديهة، واما بيان الملازمة فلان الحاكم بذلك اما النور او الظلمة اذ المفروض انه لا شيء من غيرهما، وكلاهما باطلان، اما الاول فلان الظاهر من هذا الكلام المغايرة بل المادح والممدوح، والمفروض اتحادهما. ويحتمل ان يكون هذا منبهاً على ما يحكم به العقل بديهة من المغايرة بين الاشخاص مع انهم يقولون بان ارواح جميع الخلق شخص واحد هو النور وهو الرب تعالى، وهذا قريب من الوحدة التي قالت بها فرق الصوفية، واما الثاني فلان الظلمة فعلها الاساءة وتعدها حسنة فكيف تحكم بقبحها، ويمكن تقرير الملازمة بوجه اخر بان يقال: ظاهر ان التحسين والتشنيع من فعل النور ولا يتصور منه شيء منهما لان المخاطب في اسات هو الظلمة وهو مجبور على فعل قبيح بزعمهم فلا يستحق اللوم وهو المراد بقوله «وذلك فعلها» والمخاطب في احسنت هو النور لان الحسن فعله فيتحد المادح والممدوح .

 

الرابع: انهم يحكمون بان النور هو الرب تعالى، ويجب على هذا ان يكون اقوى واحكم واتقن من الظلمة التي هي مخلوقة، ويلزمهم بمقتضى اقوالهم الفاسدة عكس ذلك لان الابدان عندهم من فعل الظلمة ولا نحكم بقدرة الرب وعلمه وحكمته إلا بما نشاهد من تلك الابدان المختلفة والاشجار والثمار والطيور والدواب ولا نشاهد مما يقولون من الارواح شيئا فيلزمهم على قياس ذلك ان تكون الظلمة الهاً قادراً حكيماً عليماً فقوله (عليه السلام) في الخبر المذكور من صور مبتدء خبره قوله «يجب ان يكون الهاً» وقوله «كل شيء» معطوف على قوله «هذا الخلق».

 

الخامس: ان قولهم بان النور في حبس الظلمة ينافي القول بربوبيته لان كونه محبوساً يستلزم عجزه ونقصه وكل منهما ينافي الربوبية كما مرّ وما ادعوا من انه في القيامة يغلب النور عليها فمع انه غير نافع في دفع هذا الفساد فهو دعوى من غير حجة ولا برهان يكون عليهما الاعتماد، وايضاً يلزمهم ان لا يكون للنور فعل في هذا الخلق والعباد بانه اسير، وان قالوا: بان له ايضاً فعلاً في الخلق والتدبير فهو اذا ليس باسير لان العقل يحكم بان الخالق الذي له الخلق والتدبير لابد من ان يكون عزيزاً منيعاً قادراً قاهراً على كل من سواه فلما ثبت على قياس قولهم انه اسير لزمهم بما قررنا ان يكون ما في العالم من الاحسان والخير من فعل الظلمة ايضاً فان حكموا باستحالة ذلك اي كون الخير من الظلمة فقد بطل اصل كلامهم، وهو الحكم بتوزيع الخلق، وثبت بما قلناه ان الرب تعالى واحد لا يشاركه ولا يضاده في ملكه أحد.


 

وأما مذهب المرقوبية فقد بين (عليه السلام) بطلانه بانّ القول بالحكم ينافي القول بربوبية النور لان الحكم يكون قاهراً والنور مقهوراً وبديهة العقل حاكمة ببطلان كون الرب مقهوراً، وايضاً يلزم ان يكون الحكم اعلم بالحكمة من النور الذي حكمتم انه رب والضرورة قاضية بان الرب الخالق لمثل هذا الخلق المدبر لهذا النظام لا يكون جاهلاً فهو خلاصة القول.

 

والتحقيق لهذا الخبر بحسب الامكان واما بسط القول فيه زيادة على ذلك فيحتاج الى رسالة مفردة معمولة لذلك، وفيما ذكرناه كفاية فيما نحن بصدده من الردّ على الثنوية للنفي الشركي([230]) بالكلية وقد تقدم في رواية محمد بن سنان في المقدمة المروية من العلل والعيون ما فيه كمال البرهان على ذلك البيان فراجعه ان اردت ذلك([231]) .

 

وروى القمي في تفسيره مرسلا «ان اللّه تعالى قد ردّ على الثنوية الذين قالوا بالهين بقوله (ما اتّخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله اذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) قال: لو كان الهين كما زعمتم لكانا يخلقان فيخلق هذا هذا ولا يخلق هذا ويريد هذا ولا يريد هذا ولطلب كل واحد منهم الغلبة، واذا أراد احدهما خلق انسان، وأراد الاخر بهيمة فيكون انساناً وبهيمة في حالة واحدة، وهذا غير موجود فلما بطل هذا ثبت التدبير والصنع لواحد ودل ايضاً التدبير وثباته وقوام بعضه ببعض على ان الصانع واحد جل جلاله وذلك قوله (ما اتّخذ اللّه من ولد) الاية ثم قال آنفاً (سبحان اللّه عما يصفون)»([232]) .

 

وفي هذا الكلام ارشاد الى ان الدليل السمعي من الادلة المعتمدة وهي التي اعتمدها اكثر المحدثين في مقام الاستدلال بالحجج البالغة والبراهين ومثلها السنة وهي اكثر من ان تحصى ولا محذور في التمسك بها في التوحيد، وان توهم كثير من علماء الفريقين منع ذلك بل هي في الحقيقة هي المعتمد عليها، وانما اورد ائمتنا بعض تلك الادلة العقلية الصرفة للرد على الزنادقة والثنوية ممن قد كذّبوا بالقرآن ولم يلتفتوا اليه بالكلية، وعلموا ان ذلك انجع في مقام ارجاعهم الى الحق وترك العصبية الجاهلية على انّ الادلة القرانية لا تخلو عن الرجوع الى البراهين العقلية كدليل التمانع والتلازم وقد اختلفت علماء الكلام والمنطقيين في ان الدليل اذا اشتمل على مقدمتين نقليتين محضا هل يكون برهانا ام لا؟، قولان مشهورن وقيل: يتألف من النقليتين ويكون برهانا ان انتهى الى المقدمات العقليات، والمشهور بينهم انه لا يعد برهانا مطلقا وان دخل في الدليل، وذهب فخر الدين الرازي الى ذلك صريحاً واحتج بانه يتوقف على مقدمات كلها ظنية والموقوف على الظني ظني.

 

بيان ذلك: ان صحته موقوفة على عصمة الروات وامن الغلط في النحو والتصريف واللغة وعدم النسخ والاضمار والتخصيص والمجاز والاشتراك والمعارض العقلي والنقلي والتقديم والتاخير، وكل هذه امور ظنية فلا تقيد اليقين، واعترضه المحقق وجماعة من المتأخرين لانا نعلم قطعاً افادة مثل قوله تعالى (قل هو اللّه احد) لثبوت الوحدانية، ونعلم انتفاء جميع هذه الاشياء المذكورة قطعا واكثر محكمات القران من هذا الباب، ويعلم من كلامه ان العلم القطعي من اللفظ المحكم دال على انتفاء كل الامور عنه في نفس الامر وانها متحققة عند ذلك العلم فالعلم بانتفائها مستفاد من القطع بصحتها لا ان القطع مستفاد من العلم بانتفائها حتى يكون متوقفا عليه فيكون العلم ظنيا كما توهمه الرازي، بل الامر بالعكس لان القطع الحاصل في كثير منها نعم متيقن، نعم لو قيل: ان ذلك قادح في بعض السمعيات لكان كلاماً قويا، وامّا القول: بانه لا يفيد اليقين إلا بانتهائه الى العقل فلتوقفه على ثبوت صدق المنقول عنه وهي          القول الشارح 

 

  الفصل الاول / في بيان التوحيد والاستدلال عليه           

 

مقدمة عقلية ومتى انتهى الى العقلي لم يكن نقليا محضاً، وقيل: وامّا القول بافادته اليقين وان كان بانتهائه الى العقلي فلانه لا يخرجه وجوب انتهائه اليه عن كون نقلياً عندهم لان النظري المنتهي الى الضروري لا يخرجه وجوب انتهائه اليه عن كونه نظرياً كذلك النقلي، وإلا لوجب ان لا يتركب من النظريات المحضة برهان لانه لابد من انتهائه الى الضرورة، فلو كان وجوب انتهائه الى الضرورة مستلزماً غير كونه لنظرياً لما صدق اسم البرهان إلاّ على المركب من ضرورتين مركبتين لا غير، لكن الاصطلاح يأباه فجاز مثله في النقل، وأيضاً لو كان مستلزماً لكونه غير نظري محض للزم انتفاؤه فكما لا ينتفي عنه اسم النظري كذلك لا ينتفي الاسم النقلي المحض عن المركب من المقدمتين النقليتين من حيث وجوب انتهائه الى العقلي المحض، وكونه نقلياً من غير فرق .

 

وبالجملة انّ البراهين السمعية بعد ما علم ثبوت القرآن، وما ضاهاه من([233]) السنة المتواترة المفيدة للقطع لا ريب في تحقق البرهان المتركب من القضايا السمعية وان لم ينته الى العقلي بالكلية اذ كثير من السمعيات ما يحصل بها القطع واليقين الزائد على كثير من المقدمات العقلية الصرفة سيما عند المتمسكين بأذيال الكتاب والسنة في جميع العقائد والمعارف الالهية فكن على قدم ثابت ويقين صادق لا تختلجك الشكوك والشبه التي عارضوا بها تلك البراهين، وان عجزت نفسك عن ردّها، وهدم بنيانها، فلا ينبغي لمتدّين التلبث بها، والتعلق بأذيالها فانها مصائد ابليس وشبكات الشيطان التي نصبها مع حبائله لمن لم يكن على بصيرة تامّة ولقد اكثر الامام الرازي من التعرض في كتبه لتلك الشبهات، وهدم بنيانها لكن حاصلها عند المتأمل عائد الى امر واحد كما حققه غير واحد منهم المحقق الشريف في شرح المواقف([234])وكذلك العضدي في ذلك الكتاب وذلك الامر هو ان يوجد هاهنا وفي كل مسألة تراد مذهبان متقابلان فتردد بينهما ترديداً مانعاً من الخلو، ثم تبطل كل واحد منهما بدليل اخر ليلزم نفي القدر المشترك وحلها اجمالاً هو القدح في دليل طرف الضعف من المذهبين أو في دليلهما ان امكن ولا استبعاد في امكان القدح في دليلهما معاً اذ يكون دليل الطرفين ضعيفاً ولا يلزم من تبطيل دليلهما بطلانهما حتى يلزم ارتفاع المتقابلين، وذلك لان الدليل ملزوم للمداولوانتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء لازمه ولا بأس بان نديل هذا الفصل بذكر بعض الشبهات القوية التي أوردوها مع اجوبتها ليطلع بها على احوال نظايرها فنقول :

 

الاولى: منها انّه لو كان الواجب موجود المكان وجوده اما نفس ماهيته او زائداً عليها اذ لا مجال لكونه جزءاً منها، والاول باطل لان الوجود مشترك كما تقرر والماهية غير مشتركة، والثاني باطل، والا كان وجوده معلول ماهيته لامتناع كونه معلولاً لغيرها فتتقدم ماهيته عليه، وهو محال .

 

والجواب ان وجوده نفسه وعين ذاته ونمنع الاشتراك في الوجود الذي هو عينه، بل المشترك هو الوجود بمعنى الكون في الاعيان اعني مفهوم الوجود العارض للموجودات الخاصة، وأمّا ما صدق عليه الوجود فلا اشتراك فيه، وذلك كالماهية والتشخص او نقول: وجوده غيره اي زائداً عليه ومعلول الماهية، وتقدم الماهية ليس بالوجود كما تقرر في محله.

 

الثانية: من تلك الشبه لو كان الواجب موجوداً لكان اما مختارا او موجباً، والاول باطل لان العالم قديم بدليله والقديم لا يستند الى المختار، والثاني باطل، وإلا لزم قدم الحادث اليومي أو التسلسل، وكلاهما محال .

 

والجواب منع ان العالم قديم، بل هو حادث وادلّة قدمه ضعيفة، وقد مر بيانه.

 

الثالثة([235]): من تلك الشبه لو كان الواجب موجوداً لكان اما عالماً بالجزئيات او لا، والاول باطل، وإلا لزم التغير في ذات الواجب تعالى لتغير المعلوم الجزي من حال الى حال فانّ زئداً مثلاً يتصف تارة بالقيام، واخرى بعدمه، والعلم لابد فيه من ان يطابق معلومه فيتغير ايضاً بحسبه فلا يكون هذا الواجب على هذا التقدير واجباً، بل حادثاً لان محل الحوادث حادث، والتالي باطل لانا نعلم بالبديهة ان هذه الافعال المتقنة المشاهدة في الجزئيات لا يستند الى عديم العلم.

 

والجواب: انا نختار انّه عالم بالجزئيات والتغير اللازم في العلم انما هو في الاضافات لا للذات اي لا في الصفات الحقيقية فان علمه تعالى صفة واحدة حقيقية نفس ذاته ومتعلقة بالمعلومات كلها فاذا تغيرت لم تتغير تلك الصفات بل تغيرت تعلقاته بها واضافاته اليها فيكون تغيرا في أمور اعتبارية لا في صفات حقيقية، وهذا جائز في الواجب، وسيجيء الكلام عليه في الفصل المعقود في بيان صفة العلم ولنختصر على ما ذكرناه من هذه الشبه لانه ليس في الاقتقصاء لها مزيد فائدة سوى التطويل من غير طائل.

 

([1]) في«م»: والى ذي قيد .

 

([2]) في صفحة 43 .

 

([3]) الاحجاج:ج2،ص48 .

 

([4]) في المصدر: «مهياة» .

 

([5]) البحار:ج3،ص61 .

 

([6]) في المصدر: «بناء واحسنه» .

 

([7]) في المصدر: «بيوتها» .

 

([8]) في المصدر: «هيئة» .

 

([9]) في المصدر: «فيه» .

 

([10]) في المصدر: «وتسخط» .

 

([11]) في المصدر: «اثبات» .

 

([12]) في المصدر: «بجهل» .

 

([13]) البحار:ج3،ص59 .

 

([14]) في المصدر: «فيوافية» .

 

([15]) البحار:ج3،ص62 .

 

([16]) البحار:ج3،ص65 .

 

([17]) في المصدر: «لقول ولكني» . 

 

([18]) في «م»: عنوت. وفي المصدر: «عبت وامتثلت» .

 

([19]) في المصدر: «استجزت لنفسك» .

 

([20]) في المصدر: «فجلت .ندرت» .

 

([21]) في المصدر: «غصت» .

 

([22]) في المصدر: «لانبانك» .

 

([23]) فيى المصدر:غائب .

 

([24]) في المصدر: «المؤتلفة» .

 

([25]) في المصدر: «يزل تدرك» .

 

([26]) في المصدر: «موضوع على جرم متصل بغصن مركب على ساق يقوم على فيقوي بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض؟».

 

([27]) في المصدر: «متداخل بتأليف» .

 

([28])في المصدر : «شديد» .

 

([29]) في المصدر: «تسقيها» .

 

([30]) في المصدر: «يسترها وتقيها من» .

 

([31]) في المصدر: «خلقها» .

 

([32]) في المصدر: «يصنع» .

 

([33]) في المصدر: «يصنع» .

 

([34]) في المصدر: «بأن اللّه الخلق» .

 

([35]) البحار: ج3، ص154 ـ 159.

 

([36]) في «م»:لاتوجد .

 

([37]) في المصدر: «طاقتها؟» .

 

([38]) في المصدر: «واهل» .

 

([39]) التوحيد: ح4، ص293 .

 

([40]) في المصدر: «اكون» .

 

([41]) في المصدر: «أو صنعها غيري، فان كنت صنعتها» . 

 

([42]) في المصدر: «اكون» .

 

([43]) التوحيد: ح10،ص290 .

 

([44]) في «م»: لبناؤه .

 

([45]) في «م»: الواقع .

 

([46]) في «م»: لا توجد .

 

([47]) الانعام: 76 .

 

([48]) البحار: ج3، ص152 ـ 198 مع الشرح.

 

([49]) طه: 50 .

 

([50]) البحار: ج3، ص159 .

 

([51]) شرح المواقف: ج8، ص11 .

 

([52]) في نسخة «ص»: المراد الثالث. وما اثبتناه من نسخة «م».

 

([53]) في نسخة «م»: محرج، والصحيح ما اثبتناه .

 

([54]) في نسخة «م»: لا يستند.

 

([55]) شرح المواقف: ج8، ص39 .

 

([56]) في الاصل: «واجادة»، وفي نسخة «م»: وامادة، والاقرب ما اثبتناه.

 

([57]) شرح المواقف: ج8، ص40 .

 

([58]) النجم: 42 .

 

([59]) الكافي: ج8، ص395 .

 

([60]) البحار: ج3، ص258 .

 

([61]) المعاني: ص102 .

 

([62]) في الاصل: «ولا يحس ولا يدرك».

 

([63]) الاحتجاج: ج2، ص70. والبحار: ج3، ص258 .

 

([64]) تفسير القمي: ج2، ص328 .

 

([65]) الانعام: 68 .

 

([66]) تفسير العياشي: ج1، ص362 .

 

([67]) تفسير العياشي: ج1، ص362 .

 

([68]) تفسير القمي: ج  ، ص51 .

 

([69]) التوحيد: ج10، ص456 .

 

([70]) في الاصل: «فيه جدالهم».

 

([71]) في المصدر: «فيما لا يعنيهم ولا يرد عليهم»

 

([72]) في المصدر: «اسكنتم».

 

([73]) في المصدر: «وهامت».

 

([74]) في المصدر: «يرضون».

 

([75]) في المصدر: «بالقدر».

 

([76]) تفسير العسكري: ح371، ص637 .

 

([77]) التوحيد: ح14، ص95 .

 

([78]) لم يرد في الاصل .

 

([79]) التوحيد: ح3، ص83 .

 

([80]) المعاني: ح2، ص5 .

 

([81]) الصحيفة السجادية: رقم الدعاء 28، فقرة 10.

 

([82]) الوافي: ج1، ص32 .

 

([83]) في المصدر: «لكنك قلت: الاحد الصمد، وقلت»، وفي نسخة «م»: لا يشبهه شيئاً.

 

([84]) في المصدر: «ليس».

 

([85]) في المصدر: «دلالة».

 

([86]) في المصدر: «فانما».

 

([87]) في المصدر: «فالانسان» .

 

([88]) عبارة «ومن ألوانه مختلفة» لم ترد في المصدر.

 

([89]) في المصدر: «في المعنى».

 

([90]) التوحيد: باب2، ح18، ص61 .

 

([91]) في نسخة «م»: لتنزه عن .

 

([92]) طه: 6، والحج: 64، وعدة آيات اخرى.

 

([93]) في نسخة «م»: تركبت.

 

([94]) التوحيد: باب4، ح2، ص90 .

 

([95]) في نسخة «م»: تركبها.

 

([96]) م: المؤتلفين.

 

([97]) في المصدر: «ثم يقولون».

 

([98]) التوحيد: باب3، ح6، ص82 .

 

([99]) في المصدر: «اجتماع».

 

([100]) التوحيد: باب3، ح2، ص83، وضعف السند بسهل بن زياد الادمي على قول فيه.

 

([101]) قد وردت في عدة سور منها العنكبوت: 61 .

 

([102]) يونس: 18 .

 

([103]) التوحيد: باب4، ح2، ص89 ـ 90.

 

([104]) التوحيد: باب4، ح2، ص90 .

 

([105]) في المصدر: «التي يدعى بها».

 

([106]) في المصدر: «علو توحيده».

 

([107]) التوحيد: باب4، ح9، ص93 .

 

([108]) التوحيد: باب2، ح6، ص46 .

 

([109]) في المصدر: «سمعته يقول».

 

([110]) التوحيد: باب2، ح7، ص46 .

 

([111]) في والمصدر: «واثنين».

 

([112]) في المصدر: «بمعرفة».

 

([113]) في المصدر: «وكذلك» .

 

([114]) في المصدر: «الواحد».

 

([115]) في المصدر: «درهما».

 

([116]) في المصدر: «بالوزن واذا اراد أن يخبر عن عدده وضربه قال: درهم واحد بالعدد ودرهم واحد».

 

([117]) في الاصل: «فائدة» وهو الاقرب .

 

([118]) في المصدر: «وكذلك يكون».

 

([119]) في المصدر: «متحدة».

 

([120]) في المصدر: «العلي».

 

([121]) في المصدر: «ولا».

 

([122]) لم ترد في المصدر.

 

([123]) في المصدر: «لا يجانسه شيء».

 

([124]) لم ترد في المصدر.

 

([125]) المجادلة: 7 .

 

([126]) في المصدر: «قولنا انما».

 

([127]) في المصدر: «فكذلك».

 

([128]) في المصدر: «للعلى».

 

([129]) لم ترد في المصدر.

 

([130]) في المصدر: «كذلك».

 

([131]) في المصدر: «العلى».

 

([132]) في المصدر: «العلى».

 

([133]) في المصدر: «العلى».

 

([134]) في المصدر: «كان».

 

([135]) في المصدر: «واذا».

 

([136]) في المصدر: «هي».

 

([137]) في المصدر: «به».

 

([138]) في المصدر: «تناله»، وفي نسخة «م»: ما أثبتناه.

 

([139]) في المصدر: «بأنه»، والاقرب ما اثبتناه.

 

([140]) في نسخة «م»: غني لا يكون. وما أثبتناه هو الصحيح.

 

([141]) التوحيد: ص84 ـ 88 .

 

([142]) التوحيد: ح24، ص68 .

 

([143]) في نسخة «م»: بشيراً نبياً .

 

([144]) في المصدر: «افعالهم في دار الدنيا»

 

([145]) في المصدر: «نطقت بتوحيدك».

 

([146]) في المصدر: «فجزاؤكم».

 

([147]) التوحيد: باب1، ح31، ص29 .

 

([148]) في المصدر: «انعم الله عزوجل».

 

([149]) التوحيد: باب1، ح77، ص22 .

 

([150]) المعاني: ح1، ص10 .

 

([151]) في الاصل: ذلك.

 

([152]) في المصدر: «ألا يجوز».

 

([153]) في المصدر: «انهما».

 

([154]) في المصدر: «بالربوبية».

 

([155]) في المصدر: «قوي والاخر ضعيف».

 

([156]) لم ترد في المصدر.

 

([157]) في المصدر: «وائتلاف الامر وان المدبر واحد».

 

([158]) الاحتجاج: ص333، ط. الاعلمي.

 

([159]) في المصدر: «ثالثاً بينهما».

 

([160]) التوحيد: باب36، ح1، ص244 .

 

([161]) في المصدر: «انه».

 

([162]) في المصدر: «الواحد».

 

([163]) التوحيد: باب36، ح5، ص270 .

 

([164]) التوحيد: باب36، ح2، ص250 .

 

([165]) في نسخة «م»: اخر، وهو الاقرب.

 

([166]) في نسخة «م»: امتناع الارادة، وهو الاقرب.

 

([167]) النحل: 17 .

 

([168]) في المصدر: «واعلم يا بني».

 

([169]) في المصدر: «افعاله وصفاته».

 

([170]) في المصدر: «ملكه أحد ولا يزول ابدا ولم يزل أول قبل الاشياء بلا أولية».

 

([171]) نهج البلاغة: كتاب 31 .

 

([172]) المجلي: ص 203 ـ 204 .

 

([173]) وهو الشيخ سليمان الماحوزي، جدّه لامّه.

 

([174]) الهيات الشفاء: ص697، الحجرية.

 

([175]) التوحيد: باب36، ح1، ص243 .

 

([176]) لم ترد في الاصل.

 

([177]) في الاصل: «يفترد».

 

([178]) لم ترد في الاصل.

 

([179]) لم ترد في الاصل.

 

([180]) في الاصل: «انفسهما».

 

([181]) في المصدر: «يا محسن أو..».

 

([182]) في الاصل: ما يحسن .

 

([183]) في المصدر: «الابدان» .

 

([184]) في المصدر: «وجامع».

 

([185]) في المصدر: «الحاكم».

 

([186]) في المصدر: «المانوية».

 

([187]) في المصدر: «ديّر».

 

([188]) في المصدر: «منه».

 

([189]) الاحتجاج: ج2، ص245، ط. الاعلمي.

 

([190]) في المصدر: «وضر وردّي».

 

([191]) في المصدر: «للفعل له».

 

([192]) في المصدر: «المجسته».

 

([193]) في المصدر: «تلقاه».

 

([194]) في المصدر: «فاللين».

 

([195]) الملل والنحل: ج1، ص230 .

 

([196]) في الاصل: الثاني من تلك المذاهب الثلاثة مذهب المنانوية .

 

([197]) في الاصل: النصف، والاقرب ما اثبتناه.

 

([198]) في الاصل: والصورة والفعل... والخير والشر متحاذيان.

 

([199]) في نسخة «م»: جوره حسن.

 

([200]) في الاصل: من من ملائكته .

 

([201]) الملل والنحل: ج1، ص 224 ـ 229 .

 

([202]) في المصدر: «فأسرته فأشرقت».

 

([203]) في المصدر: «فحارب».

 

([204]) في المصدر: «فاقتضت».

 

([205]) في المصدر: «لاستقصاء»، والاقرب ما في المتن لما سيأتي.

 

([206]) في المصدر: «المستقصى».

 

([207]) في المصدر: «استقصى».

 

([208]) في المصدر: «استقصاء».

 

([209]) في الاصل: «النور فلا تزال».

 

([210]) في المصدر: «استقصاء».

 

([211]) في المصدر: «استقصائه».

 

([212]) في المصدر: «وهي الارضون».

 

([213]) في المصدر: «استقصائها».

 

([214]) في المصدر: «ويبطل العالم».

 

([215]) شرح نهج البلاغة: ج5، ب64، ص161 .

 

([216]) في الاصل: والثالث من المذاهب المذكورة مذهب المرقوبية .

 

([217]) في المصدر: «المعدل الجامع».

 

([218]) الملل والنحل: ج1، ص232، مع اختلاف واختصار.

 

([219]) في المصدر: «يتحصن».

 

([220]) في المصدر: «بمعزل عن».

 

([221]) في المصدر: «والسرور».

 

([222]) في المصدر: «وصار في».

 

([223]) في المصدر: «جماداً لا حراك به، فيضه الله تعالى حينئذ في الجو والجو عندهم هو الظلمة، ولا منتهى له، فيصير في الجو.....».

 

([224]) شرح نهج البلاغة: ج5، ب64، ص160 .

 

([225]) في المصدر: «الزروانية».

 

([226]) في المصدر: «والافات والفتن».

 

([227]) في المصدر: «اهرمن»، وهو الاقرب.

 

([228]) في المصدر: «والفتن والمحن».

 

([229]) الملل والنحل: ج1، ص214 .

 

([230]) في المصدر: «الشيركي».

 

([231]) وقد تقدم في

 

([232]) تفسير القمي: ج2، ص93، وقد نقله بالمعنى.

 

([233]) في نسخة «م»: عن.

 

([234]) شرح المواقف: ج8، ص109 .

 

([235]) في الاصل: الثالث .

 


  • المصدر : http://www.al-asfoor.org/books/index.php?id=1497
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 22