• الموقع : موقع سماحة الشيخ محسن آل عصفور / مكتبتنا الإلكترونية .
              • الكتاب : برهان الأشراف في المنع من بيع الأوقاف ، تأليف : الشيخ حسين آل عصفور .
                    • الموضوع : برهان الأشراف في المنع من بيع الأوقاف .

برهان الأشراف في المنع من بيع الأوقاف

 برهان الأشراف في المنع من بيع الأوقاف

 بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الواقف على مافي الضمائر والمطلع على مافي مكنونات السرائر والصلاة على محمّد الواقف نفسه على تهذيب عباده من الأوائل والأواخر وآله السائحين على منواله إلى اليوم الآخر.

وبعد: فهذه كلمات قليلة وفوائد نبيلة جليلة حررتها في حكم بيع الأوقاف بالتماس بعض العلماء الاشراف حيث انّها محل القيل والإختلاف وقد تشعبت فيها كلمات أصحابنا وفتاواهم تشعباً لايرجى معه إجتماع ولاإئتلاف حتّى من المؤلف الواحد في الكتاب الواحد فمنعه في البيع وإجازة في كتاب الوقف وكذلك أخبار أئمتنا عليهم السلام  أصحاب الاعراف قد بلغت حد الغاية في الإختلاف وقد إرتكب في الجمع بينها نهاية الاعتساف فاودعت هذه الفوائد مايزيل ذلك الاشتباه في تلك الأخبار على طريق الانصاف وما ظهر لدى من مختار تلك المذاهب المتشعبة الاطراف وسميتها برهان الاشراف في المنع من بيع الأوقاف وباللّه استعين في ذلك واسأله التوفيق هنالك.

فأقول: اختلف كلمة أصحابنا في جواز بيع الوقف ومنعه فذهب إبن إدريس وجمع من المتأخرين إلى المنع مطلقاً وعليه شيخاناً المعاصران المحقق المنصف العلامة المقدس الشيخ يوسف والمحدّث المتبحر العلي الأوحد الشيخ عبد علي قدس اللّه سرهما وهو المعتمد عندي وسيأتي بيان برهانه على أبلغ وجه وأظهره وذهب السيد المرتضى إلى جواز البيع إذا ادعت إليه حاجة شديدة والمفيد وجماعة على جوازه إذا كان البيع للموقوف عليهم أنفع من بقائه ويظهر من الصدوق في فقيه >من لايحضره الفقيه< جواد البيع في الأوقاف على قوم باعيانهم دون ما إذا كان مؤبداً أو متعدد الطبقات والمشهور بين علمائنا جوازه فيما إذا ادى بقاؤه إلى الإختلاف الشديد بين أربابه وخيف من ذلك ذهابه بشدة خرابه.

واكتفى بعضهم بما إذا ادى الإختلاف إلى ذهاب الأموال والنفوس ومنهم من منع بيت ما إذا كان وقفاً على الإمام والجواز في غيره وكل هذه الأقوال لاتخلو من دليل من أخبارهم عليهم السلام  امّا نصاً أو ظهوراً أو جمعاً بينها لاختلافها في ذلك وان كان أقواها أولها.

وللعلامة في المختلف مذهب تفردية وهو انّه انّما يجوز بيعه مع خرابه وعدم التمكن من عمارته أو مع خوف فتنة بين أربابه يحصل باعتبارها فساد لايمكن استدراكه من بقائه إر إذا كان بحيث يشتري بثمنه عيناً يمكن وقفقها على ذلك النحو والجهة المعيّن لها الوقف الأصلي جمعاً بين التوصل إلى غرض الواقف من نفع الموقوف عليه على الدوام وبين النص الدال على عدم تجويز مخالفة الواقف حيث شرط التأييد ولأن تفرق الثمن على البائعين يقتضي خروج باقي البطون عن الإستحقاق بغير وجه مع انّهم يستحقون من الوقف كما يستحق البطن الأول وان تعذر وجودهم حالة الوقف وهذا أقوى من جهة الإعتبار إر انّه لاتساعد على ثبوته تلك الأخبار.

لنا على القول بالمنع مطلقاً مارواه الصدوق في العيون صحيحاً عن عبدالرحمن إبن الحجاج ومثله الكليني صحيحاً عنه أيضاً وان وقع في من لايحضره ا لفقيه ضعيفاً قال أوصى أبوالحسن عليه السلام  بهذه الصدقة: (هذا ما تصدق به موسى بن جعفر عليه السلام  تصدق بأرضه في مكان كذا وكذا كلّها وساق الكلام في بيان تأييدها وطبقاتها إلى ان قال: ابتغاء وجه اللّه والدار الآخرة لايحل المؤمن يومن باللّه واليوم الآخر أن يبيعها ولايبتاعها ولايهبها ولايغيّر شيئاً مما وصفته عليها حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها الحديث) *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب10 ـ ح 5) .

وما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عنه أيضاً قال: بعث إلي بهذه الوصية أبوإبراهيم عليه السلام : هذا ما اوصى به وقضى في ماله عبداللّه على ابتغاء وجه اللّه ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار ويصرف النار عن يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ان ما كان لي من مال بينبع يعرف لي فيها وما حولها صدقة وساق الكلام إلى أن قال: أن يترك المال على أصوله وينفق الثمرة حيث أمره به من سبيل اللّه ووجوهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد لايباع منه ولايوهب ولايورث. وساق كلاماً فيها إلى ان قال: ولايحل لامريء مسلم يؤمن باللّه واليوم الآخر ان يغيّر شيئاً مما اوصيت به في مالي ولايخالف فيه أمري من قريب ولابعيد الحديث *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب10 ـ ح 4) .

وما رواه الشيخ في الصحيح أيضاً ومثله الكليني عن أيوب بن عطية قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام  يقول: قسم رسول اللّه| الفيء فأصاحب علي عليه السلام  أرضاً فاحتفر فيها عيناً فخرج ماء ينبع في  السماء كهيئة عنق البعير فسماها عين بنبع فجاء البشير يبشره فقال:

بشّر الوارث] بشّر الوارث ثمّ قال: هي صدقة بتّاً بتلا في حجيج بيت اللّه وعابر سبيله لاتباع ولاتوهب ولاتورث فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ولايقبل منه صرفاً ولاعدلاً *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب6 ـ ح 2) .

وما رواه الشيخ في الصحيح عن عجلان أبي صالح قال املى أبو عبداللّه عليه السلام : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به فلان بن فلان وهو حي سوى بداره التي في بنى فلان بحدودها صدقة لاتباع ولاتوهب حتّى يرثها وارث السموات والأرض الحديث*

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ـ ح 4) .

ورواه الصدوق في الضعيف عن عجلان بن صالح مثله وكذا الكليني في جامعة الكافي بطريقه من الضعيف أيضاً عن عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام .

ورواه الشيخ أيضاً عن الكليني بالطريقين المشار إليهما. وما رواه الصدوق في الصحيح عنه والكليني والشيخ في الضعيف عن أبي علي بن راشد قال سألت أباالحسن عليه السلام  قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم فلمّا وفرت المال خبرت ان الأرض وقف؟ فقال: لايجوز الوقف ولاتدخل الغلة في ملكك إدفعها عليه قلت: لا أعرف لها رباً قال: تصدق بغلتها*

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ـ ح 1) .

وما رواه الشيخ في الضعيف والصدوق في الصحيح على الظاهر عن ربعي إبن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام  قال تصدق أميرالمؤمنين عليه السلام  بدار له في المدينة في بني زريق فكتب (بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوى تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولاتوهب حتّى يرثها اللّه الذي يرث السموات والأرض الحديث*

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ـ ح 4) .

وهي كما ترى مع صحتها صريحة فيما قلناه من المنع من بيع الوقف المؤبد إلى ان يرث اللّه الأرض ومن عليها ولايمكن تقييدها بما دل على الجواز من الأخبار الآنية لاعلانها بالمنع إلى ان يرث اللّه الأرض وما عليها وإلى ان تقوم الساعة على وجه لايحوم حوله الاشتباه مع انّها مؤيدة بما ثبت من الادلة المعتبرة من ان الغاية من هذه الأوقاف اجراء الصدقة في حياته وبعد موته المرغب فيها بكمال الترغيب مع ان في جواز بيعها مع تأييدها إختصاص فريق بثمنها دون فريق وفي جواز ذلك مخالفة لمقتضي الوقف الشرعي والغرض الأصلي ففي صحيحة الحلبي كما في الخصال عن أبي عبداللّه عليه السلام  قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إر ثلاث خصال صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته وصدقة مبتولة لاتورث أو سنة هدى يعمل بها بعد موته أو ولد صالح يدعو له] *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 1 ـ ح 2) .

ومثلها صحيحة هشام بن سالم على ما في  الكافي والتهذيب والمجالس عن أبي عبداللّه عليه السلام .

ولان خصصنا مفهوم الوقف بحبس الأصل وتسبيل المنفعة وعند جواز بيعه تبطل هذه المخصصات كلّها.

احتج السيد المرتضى بما رواه الكليني في الكافي والشيخ في التهذيب والاستبصار في الصحيح إلى جعفر بن حيان قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام  عن رجل وقف غلة له على قرابته من أبيه وقرابته من أمه.

وساق الحديث جواباً وسؤالاً إلى ان قال: قلت: فللورثة من قرابة الميّت ان يبيعوا الأرض إذا *

*(هامش ) . في الوسائل مطبوع (ان) بدلاً من (إذا) .

احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال: نعم إذا رضوا كلّهم وكان البيع خيراً لهم باعوا *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ـ ح 8) .

وهي كما ترى ان دلّت على جوازه في ا لجملة إر ان فيها ما يمنع الاستدلال بها لضعفها بجهالة جعفر بن حيّان واشتمالها على مالم يقل به المحتج بها إليه من إتفاقهم على الرضا ببيعه ومن هنا عدل من العمل بها عامة المتأخرين مع إمكان حملها على جوازه قبل التقبيض للوقف من الموقوف عليهم كما احتمله المحدّث باقر العلم في تعليقاته على من لايحضره الفقيه وان كان تطرق التقية فيها محتمل كما احتمله ذلك المحدّث ومحدّث الوسائل في تعليقاته عليها.

ومع الاغماض عن هذا كلّه فلاقوة على المعارضة لما تقدم من ا لصحاح لما عرفت من شهرتها وصحتها وصراحتها وعدم قبول عمومها للتخصيص لما عرفت من ان مقتضاها ثبوت ذلك المنع إلى ان يرث اللّه الأرض ومن عليها فيتعيّن العمل بها وطرح ما قابلها من هذه الرواية وأمثالها.

احتج المفيد على ما نقل عنه أيضاً بالرواية المتقدمة في إحتجاج المرتضى حيث قال فيها: (فللورثة من قرابة الميث ان يبيعوا الأرض ان احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة قال: نعم).

وهي بمعزل عن الدلالة ذلك الكام لا يدل على جواز البيع بمجرد الحاجة وعدم كفاية الغلة منها لهم ان أريد العمل بها ومع ذكل كلّه فقد عرفت سقوطها عن درجة الاستدلال لما برهنا عليه من طرف الضعف فيها وإمكان التأويل والحمل على التقية وغير ذلك مما قد سمعته فيها.

احتج الصدوق بما ذهب إليه من جواز البيع في الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم دون ما إذا كان مؤبداً أو متعدد الطبقات في صورة التعميم لاقصر للحق على الموجودين فكيف يسوغ بيعهم هكذا وجه كلامه الخراساني في كفايته *

*(هامش ) . صورة ماوجه به كلام الصدوق في كفاية الأحكام هي:

>ولعل نظر الصدوق على ان في صورة التعميم لايقصر الحق في الموجودين فكيف يسوغ منهم بيعهم ولو لم يقع خلف وكان البيع أنفع لهم< ص 142ط حجري قم. .

ولعل الحجة له في ذلك غير ما ذكر بل هي ان الأخبار التي سردناها في حجة المانعين كلّها دالة على التأييد وما دل على جواز البيع فيه مطلق قابل لما ذكره من التقييد وفتوته تلك] في الحقيقة عائدة إلى إرتكاب الجمع بين الادلة وقد عرفت انّها تأبى هذا الجمع المذكور لان فيها ما يدل على المنع من بيع الوقف مطلقاً كخبر أبي علي بن راشد وأمثاله فما ورد مطلقاً.

ومع ذلك فان في القول بهذا التفصيل جرأة على الحكم بغير دليل مع ان العلة المانعة في الوقف المنقطع أقوى منه في المؤبد لان المعلوم من أخبار الوقف المنقطع انّه التحبيس بعينه وإذا كان تحبيساً كان باقياً على ملك المحبس قطعاً لعوده ميراثاً بعد انقضاء مدة التحبيس أو موت المحبس عليه أو المحبس عند الاطلاق فكيف يسوغ للمحبس عليه بيعه من غير ان يكون ملكاً له في حال من الأحوال وانّما سبل له منفعته ديمومته حال حياته فلاتتعدي تلك الاباحة إلى أصوله فبطل ذلك الاستدلال رأساً وانهدم بنيانه أساساً.

احتج المشهور بما رواه الكليني والشيخ والصدوق في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: وكتب إليه ان الرجل ذكران بين من وقف عليهم هذه الضيعة إختلافاً شديداً وانه ليس يأمن ان يتفاقم ذلك بينهم بعده فان كان ترى ان يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كل إنسان منهم ما وقف له من ذلك أمرته. فكتب إليه بخطه: وأعلمه ان رأيي له ان كان قد علم الإختلاف ما بين أصحاب الوقف ان بيع الوقف أمثل فانه ربما جاء في الإختلاف تلف الأموال والنفوس.

وهي كما ترى وان صح طريقها بطرق المحمديين الثلاثة إلا انّها *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ح 6)  .

 لاتدل على ما ادعاه المشهور من القيود في الإختلاف من انّه يؤدي إلى تلف الأموال والنفوس وكذا ما اعتبره الشهيد الثاني زيادة على ذلك من مؤداته إلى الخراب فانه لامؤيد له ولاجابر في هذا الخبر نعم فيه دلالة على ان مجرد حصول الإختلاف مجرداً سبب في جواز البيع كما ذهب إليه بعض أصحابنا من متأخري المتأخرين فالذي حملهم على الوقوع في هذا التوهّم قوله عليه السلام  في بيان تعليل ان الإختلاف كاف (انّه ربما جاء في الإختلاف تلف الأموال والنفوس) وهذا لم يكن قيد الإختلاف بل هو علة لكون الإختلاف علة في جواز البيع للوقف وليس علة مطردة بل هي امّا علّة نادرة في الجملة ان ابقينا (ربّ) على معناها بعد النكرة كما ذهب إليه الأكثر من ان حكمها عن دخولها على ما والفعل حكم دخولها على النكرة أو أكثرية مطردة ان خالفت حكمها بعد النكرة هنا كما ذهب إليه جماعة من المحققين منهم إبن البراج والرضي في شرح الحاجبية ومع هذا كلّه فليست علّة لازمة حتّى يكون علّة العلّة علّة فيرجع إلى التقييد لما عرفت من ان الاتيان (برب) مما لايدل على شيء من ذلك فلاتكون الرواية صالحة لحجيّة المشهور.

نعم هي حجة لمن اكتفى بمجرد الإختلاف بين ارباب الوقوف في جواز البيع كما هو مذهب البعض ان ابقيناها على ظاهرها وإر فهي قابلة للتأويل المقول فيها] أيضاً بحملها على عدم تقبيض ذلك الوقف كما يظهر من المحدّث باقرالعلوم في تعليقاته على من لايحضره الفقيه وتلميذه السيد نعمة اللّه الجزائري في شرحه على الاستبصار.

وكذا توجه إحتمال التقيه فيها قائم كما قلنا في رواية جعفربن حيّان السابقة وعلى هذين التأويلين يجب حمل صدر صحيحة علي بن مهزيار المذكورة الدالة على جواز بيع الوقف مطلقاً حيث قال فيها: كتب إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام : ان فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل ذلك في الوقف الخمس ويسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقفة؟ فكتب إلي (أعلم فلاناً إني امره ان يبيع حقي من الضيعة وإيصال ثمن دلك إلي وان ذلك رأيي ان شاء اللّّه أو يقومها على نفسه ان كان ذلك أوفق له) *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات (ب 6 ـ ح 5) .

فانّهما ظاهران منها مع إمكان حمل حقّه عليه السلام  أعنى الخمس علي الملك دون الوقف فان ذلك الكلام لايدل على ان الخمس كان موقوفاً إذ أقصى ماقال في السؤال (وجعل لك في الوقف الخمس) فكما يحتمل كون الخمس وقفاً وان الوقف مجزء يحتمل ان يكون الخمس مستثنى من الوقف بان جعله ملكاً للإمام دون الأربعة الاخماس من الأرض لوقوع الوقف عليها بيقين ولايضر قوله في السؤال (أو يدعها موقفة) بارجاع الضمير إلى حصته عليه السلام  فان لفظ موقفة كما يحتمل المعني الشرعي فتكون حصته عليه السلام  وقفاً يحتمل المعني اللغوي اعنى مجرد حبسها بغير بيع وبغير تقويم لها على نفسه لاتكون وقفاً شرعياً فلاتصلح للمعارضة لما تقدم من الأخبار الصحاح بل ولاللاستدلال على جواز بيع الوقف في الجملة فسقط الاعتراض بها على تلك الأخبار وان كانت هي اصح حججهم سنداً ودلالة.

وامّا القول بمراعاة الخراب حتّى يجوز بيعه زيادة على ما ذكر من القيود كما هو قول ثاني الشهيدين في المسالك فلم اقف على مستنده نعم ربما قيل بالاكتفاء بمجرد الخراب والاضمحلال في جواز بيعه ولم يستدل له بدليل فيما وقفت عليه في كلام أصحابنا قديماً وحديثاً.

لكن ربما يتراي الاستدلال له بما رواه الطبرسي صحيحاً في الإحتجاج عن محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري انّه كتب إلى صاحب الزمان صلوات اللّّه وسلامه عليه] ان لبعض إخواننا ممن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصة واكرته ربما زرعوا حدودها وتؤذيهم عمال السلطان ويتعرضون في الكل من غلات ضيعته وليس لها قيمة لخرابهما وانّما هي بائرة منذ عشرين سنة وهو يتحرج من شرائها لأنه يقال ان هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان فان جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صلاحاً لو عمارة لضيعته.

وساق الحديث إلى ان قال فأجابه عليه السلام : الضيعة لايجوز ابتياعها إر من مالكها أو بأمره أو رضي منه

*(هامش ) . الإحتجاج، ج2 ص 308 ـ 309ط النجف سنة 1386هـ. .

فجوز عليه السلام  ملك الضيعة مع كون بعضها وقفاً من مالكها بالاصالة أو بأمره او رضى منه فيكون فيها دلالة على ذلك لخرابها وكونها بائرة منذ عشرين سنة وانّما منع من شرائها من السلطان لكونه غاصباً فتكون فيها دلالة على جوازه مع الوقف عند الخراب والاضمحلال هذا اقصى ما يمكن الاستئناس بها للقائل.

وفي التحقيق انّها بمعزل عن تلك الدلالة بل هي ظاهرة في المنع حيث قال لايجوز ابتياعها إر من مالكها ومع كون بعضها وقفاً لامالك لذلك البعض فلايجوز إر فيما كان مملوكاً منها ان صدر من مالكه أو أنه عليه السلام  لم يثبت عنده كونها وقفاً بما وقع للسائل من الأخبار فيكون الأصل فيها الملك فيجوز شراؤها من مالكها لعدم ثبوت الوقف في شيء منها لأن الأصل في الاعيان الملك والوقف انّما يثبت بالبينة أو الشياع وليس في المسألة المذكورة تصريح بشيء من ذلك أو انّه عليه السلام  اعرض عن حكم وقفها لأن السائل انّما توقف في شرائها من جهة ان السلطان قابض لها وهو غاصب فلايجوز الشراء منه إر بعد اذنه عليه السلام  في ذلك ولعلّه عليه السلام  يرخص لمكان الضرورة والضرر الداخل عليه بجوازه لها ودخول الضرر على عماله من ا لسلطان فعرف عليه السلام  ان مطمح نظره في سؤاله ليس إر دفع ذلك الضرر عن نفسه حيث لاضرر ولاضرار في الدين فأجابه عليه السلام  حيث عرف ذلك منه بالمنع من شرائها من غير مالكها عند فرض كونها ملكاً وبالجملة فان دلالة] الرواية في الحقيقة ليست من هذا الباب وان لم يتعرض إليها محدّثوا الأصحاب.

احتج القائل بالمنع في وقف الإمام خاصه دون أوقاف سائر الناس بما رواه الطبرسي صحيحاً في الإحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان انه كتب إليه روى عن الصادق عليه السلام  خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم فأجمع أهله *

*(هامش ) . في الوسائل المطبوع (فاجتمع أهل الوقف). .

على بيعه وكان ذلك أصلح ان يبيعوه فهل يجوزان يشتري من بعضهم إذا *

*(هامش ) . في الوسائل المطبوع ـ (ان). .

لم يجتمعوا كلّهم على البيع؟ أم لايجوز إر أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لايجوز بيعه فأجاب عليه السلام : إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلايجوز بيعه وإذا كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين ان شاء اللّه تعالى *

*(هامش ) . الوسائل كتاب الوقوف والصدقات ( 6 ـ ح 9). .

وهي كما ترى وان كانت صريحة في التفصيل إر انّها لاتخلو عن إشتباه وإجمال في المقال لأن جواز البيع فيها بالنسبة إلى الأقوام من المسلمين غير الإمام يمكن ان يكون ذلك قبل لزوم الوقف بالاقباض من الواقف لهم كما احتملناه في تلك الأخبار المتقدمة أو يكون الوقف غير مستكمل الشرائط لكونه منقطع الآخر بكونه وقفاً على اولئك القوم خاصة ولعل هذا ممّا يجوز بيعه لخروجه عن حكم الوقف حيث ان الوقف يقتضي تعدد الطبقات فاذا وقع على قوم مخصوصين أفاد ملكية لهم دون تحبيسه فجوز عليه السلام  البيع فيه لذلك ويحتمل الحمل على التقية كما قلناه في الأخبار السابقة الدالة على جواز البيع.

وامّا تصحيحه الوقف على إمام الزمان ومنعه من البيع فيه فلاستكماله شرائط الوقف للتأييد الحاصل فيه لانه عليه السلام  مستمر البقاء إلى آخر الزمان بحيث انه عليه السلام  هو إمام الزمان إذ لم يبق بعده إمام وليست حياته منقطعة على وجه ينافي التأييد الشرعي أو بإحتمال انّه لم يقبضه عليه السلام  فلايكون لازماً فيسوغه بيعه كما وقع التوجيه به في صحيح إبن مهزيار لحضوره عليه السلام  فيها بخلاف هنا فانّه عليه السلام  في حال الغيبة ولايأتي له قبض ما وقف عليه بل يكون الواقف من المؤمنين هو القابض له عليه السلام  أو يعيّن له قابضاً لملغايرة بين القابض والواقف ولايكون الأوقاف في غيبته إر مقبوضة على كل حال فتكون لازمة فلايجوز بيع ما كان موقوفاً عليه في زمن الغيبة لاستكماله شرائط اللزوم من التقبيض وغيره فلاتكون هذه الرواية حجة لما قلناه بالقول بالتفصيل.

ومع الاغماض عن هذه الاحتمالات كلّها فهي لاتصلح لمعارضة تلك ا لصحاح الصراح فلايمكن التأسيس بها لمذهب هذا القائل فيتعيّن امّا تأويلها بشيء ممّا ذكرناه من التأويلات أو طرحها لعدم قدرتها على المعارضة لتلك الصحاح الظاهرة في المنع.

وامّا حجة من ذهب إلى جوازه مع خوف الفساد بين أربابه والمنع فيما سوى ذلك فليس له دليل ظاهر يعتد به نعم يمكن حمل كلامه على ما ذهب إليه المشهور من ان المراد بالفساد في كلامه هو الإختلاف الذي ربما ترتّب عليه ذهاب الأموال والنفوس وذلك فساد بين فيكون الكلام على المشهور وقد عرفت منع حجتهم ومايرد عليها وعدم صلوح تلك الصحيحة للمعارضة فانتفي القول بذلك.

وامّا حجة من منع من البيع حالة اشتماله على القرية والجواز مع عدمه فلم اقف على حجة لهم أو إعتبار له نعم يمكن الاستئناس لهم بان الأخبار الصحيحة التي سردناها في حجج المانعين ودلّت على المنع صريحاً عليها مشتملة على القربة التي هي ابتغاء وجه اللّه والدار الآخرة فيكون ما أطلق فيه الجواب محمول على غيرها وهذا وان كان له وجه في الجملة إر انّه لايجمع منها كمال الحجة فان بعض الأخبار يدل دلالة واضحة على المنع لخبر علي إبن راشد ومع هذا فالقربة انّما تمنع عن رجوع الواقف فيه ولو قبل التقبيض لصيرورة الوقف حينئذ صدقة مشروطة بالقربة فيكون مقتضاها المنع من رجوع الواقف منها لاالمنع من بيع الموقوف عليه لها.

وما وجد في شرح الاستبصار للسيد نعمة اللّه الجزائري من الإحتجاج لهذا القائل بهذا التفصيل بصحيحة الإحتجاج المروية عن صاحب الزمان الفارقة في الوقف في الحكم بين الوقف علي إمام الزمان وبين الوقف على غيره بناءاً على ان الوقف عليه عليه السلام  مستلزماً للقربة دون الوقف على غيره فممّا لاينبغي الاصغاء إليه ولاالتعريج عليه لعدم دليل على هذا ا لتلازم شرعاً ولاعرفاً حيث انّهم عليهم السلام  لم يوجبوا القربة في الأوقاف عليهم ولم يتفوهوا بها] بالنسبة إلى غيرهم.

وهذا واضح بحمد اللّه لاغبار عليه فبطلت الملازمة وبطل الاستدلال وبالجملة ان هذه الأقوال مع إختلافها وعدم سطوع برهان حجيتها لبعدها عن تلك الأدلة بمراحل وعدم اتفاق المجوزين من المعجوزات على حكم واحد بخلاف الأخبار المانعة فانها متفقة المضامين صحيحة الطرق مؤيدة بمفاهيم] مقتضي الوقف والغرض من الثابت في الأدلة الشرعية فتعيّن العمل بها وطرح ما قابلها وحينئذ فالمذهب المختار] هو المنع من بيع الأوقاف مطلقاً إذا وقع مستكمل شرائط الصحة واللزوم لاستجماع أخبار المنع للمرجحات كلّها في الأخذ بالأحاديث في مقام المعارضة.

ولنحبس أزمة الأقلام عن الجرى في مباحث هذا المقام وفي النفس شيء من النقض والابرام ولكن ضيق المجال والمقام وكثرة الحوادث التي لاتنيم ولاتنام أوجبت لنا الاقتصار على المذكور لأن الميسور لايسقط بالمعسور وكتب المؤلف خادم العلماء الأخباريين حسين بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور البحراني حامداً مصلياً مسلماً والحمد للّه وحده.

وكان الفراغ من تأليفها بتاريخ اليوم الخامس عشر من جمادي الثانية سنة 1190هـ .

 


  • المصدر : http://www.al-asfoor.org/books/index.php?id=1493
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 14