الفصل الثاني عشر : في ذكر طرف من أغلاط الفلاسفة و حكماء الإسلام في علومهم 

القسم : كتب اصول فقه أهل البيت   ||   الكتاب : الفوائد المدنية   ||   تأليف : الأمين الاسترابادي

الفصل الثاني عشر

في ذكر طرف من أغلاط الفلاسفة و حكماء الإسلام في علومهم

 

و السبب فيه ما حققناه سابقاً : من أنه لا يعصم عن الخطأ في مادة الواردة في العلوم التي مبادئها بعيدة عن الإحساس إلا أصحاب العصمة عليهم السلام و من أن القواعد المنطقية غير نافعة في هذا الباب، و إنما نفعها في صورة الأفكار كإيجاب الصغرى و كلية الكبرة.

فمن تلك الجملة :

أن جمعاً كثيراً من فحول الحكماء الأعلام ذهبوا على أنه لا بد من تخلل السكون بين كل حركتين مختلفتين، و استدلوا على مذاهبهم بأن آن وصول المتحرك على منتهى الحركة الأولى مغاير لأن مفارقته ذلك المنتهى، و من المعلوم : أن بين كل آنين زماناً، و إلا لزم الجزء الذي لا يتجزأ، ففي الزمان المتخلل بين الآنين يلزم أن يكون المتحرك ساكناً.

و استدلالهم شبهة.

و جوابه :

أن الوصول آني، لأنه يحصل بانقطاع الحركة الأولى و انقطاع الحركة آني. و أما المفارقة فهي زمانية، لأنها إنما تحصل بالحركة و الحركة زمانية.

ثم من المعلوم : أنه يلزم هؤلاء الفحول الذين صرفوا أعمارهم في الفكر و النظر أن يكون نتيجة أفكارهم شيئاً تضحك منه الثكلى! و هي أنه يلزمهم أن تسكن الحبة الصاعدة الجبل النازل بعد آن وصولها غليه في الجو، فإياك أيها الأخ اللبيب و الحكيم الأريب أن تعتمد على أفكارك و أنظارك، و عليك التمسك بأصحاب العصمة و ه9م أرباب الوحي في كل مسألة يمكن عادة أن يقع فيها زلة.

و من تلك الجملة :

أنهم زعموا أن كل ما يستلزم محالاً ذاتياً فهو أيضاً محال ذاتية، و من الأمور المعلومة بطلان هذه الكلية، ألا ترى أن وقوع الكذب من الله تعالى مثلاً يستلزم محالاً ذاتياً هو نقصه تعالى. و كذلك عدم المعلول الأول عند الفلاسفة يستلزم عدمه تعالى، بل عدم كل موجود ممكن يستلزم عدم أحد الأمور الطبيعية الدخيلة في وجوبه السابق، لأن من جملة علامة اللزوم العلية و المعلولية، كما بين في مبحث الشرطية اللزومية من كتب المنطق.

و بعض الأفاضل فرق بين استلزام الشيء لذاته محالاً ذاتياً، و بين استلزامه لا لذاته.

و أقول : هذا كلام غير منقح، و الحق الصريح أن يقال : إن كانت علامة اللزوم غير العلية و المعلولية فالكلية صحيحة كاستلزام اجتماع النقيضين ارتفاعهما، و كاستلزام الدور توقف الشيء على نفسه، و كاستلزام التسلسل من جانب العلة زوال احتياج الممكن من غير استثناء إلى غني في ذاته.

و من تلك الجملة :

شبهة احتمال وجود الممكن بأولوية ذاتية، فإنهم تحيروا في دفعها، و الذي في خاطري الآن أدلة على دفعها :

الأول : أنه إذا خلي و هذه الأولوية هل يوجد وقتاً دون وقت أو يوجد دائماً؟ فعلى الأول لم يكن هنا أولوية، بل يكون من باب التساوي، و هو خلاف الفرض. و أيضاً فيه ترجيح أحد المتساويين بحسب الاقتضاء على الآخر تارة و تارة عكسه. و على الثاني فهل يجوز دفع ذلك الوجود بقاسر أم لا؟ فإن لم يجز فيكون من باب الوجوب لا الأولوية، و إن جاز فيكون وجوده فرع عدم ذلك القاسر فلم يكن الأولوية الذاتية كافية.

الدليل الثاني : أنه إن جاز مع هذه الأولوية وقوع الطرف المرجوح يلزم جواز أن يترجح بحسب الوقوع الذي هو مرجوح بحسب الاقتضاء. و فساده أظهر من ترجيح أحد المتساويين على الآخر. و إن لم يجز فيلزم الخلف مع المطلوب.

الثالث : هل ذاته آب عن وقوع الطرف المرجوح بحسب الاقتضاء أم لا؟ فعلى الثاني لا أولوية و على الأول يلزم الوجوب.

لا يقال : عسى أن يكون الإباء بطريق الأولوية.

لأنا نقول : هذا نظير أن يقال التنافي بين الأمرين بطريق الأولوية.

الرابع : بديهة امتناع استناد إيجاد شيء إلى نفسه. و احتمال استناد الوجود إلى الماهية واضح الفساد، لا سيما إذا لاحظنا الدليل الدال على أن الماهيات مجعولة بجعل البسيط، و هو أن أثر الفاعل يجب أن يكون موجوداً لا انتزاعياً.

فنقول : وجود الممكن بهذه الأولوية هل بطريق التأثير و الاقتضاء أم لا كما في وجود الواجب تعالى؟ و الأول باطل كما مر. و الثاني باطل، لأنه يلزم وجود ممكن من غير تأثير، و لا يصح ذلك – أي وجود شيء من غير تأثير – إلا في شيء يكون ذاته آبياً عن عروض العدم، كما أن الوجود آب عن الاجتماع مع العدم. و إلى هذا يؤول كلام جمع من الحكماء حيث قالوا : (وجوده تعالى عين ذاته) أي سائر الأشياء ينافي العدم إذا أخذت بشرط الوجود، و ذاته تعالى ينافي العدم من حيث هو هو. و هذا معنى قولهم : (الصفات الحقيقية في حقه تعالى عين ذاته) أي يترتب على ذاته من حيث هو هو آثار تلك الصفات على أكمل وجه. و لذلك قيل : للوجود أسوة حسنة لسائر صفاته، بل لسائر صفاته أسوة حسنة به، يعني معنى عينية الوجود و عينية الصفات واحد، و هو أن ذاته تعالى ينافي العدم من حيث هو هو، و ذاته تعالى من حيث هو هو مبدأ آثار الصفات، و إلا فالحق المستفاد من كلام أصحاب العصمة عليهم السلام أن الوجود مفهوم انتزاعي في حقه تعالى أيضاً و أن الصفات الحقيقية في حقه تعالى معدومة. و لا تغفل من أن الدلالة التي ذكرناها لإبطال الأولوية الذاتية تقتضي صحة مذهب من قال بالوجوب السابق، أي إذا وجدت (العلة) التامة لا يجوز عدم المعلول.

و من جملة تحيراتهم :

أن الأشاعرة جوزوا أن يرجح الفاعل الإرادي أحد طرفي المعلول بحسب الوقوع على الطرف الآخر لا لأجل علة غائية. و الحكماء و المعتزلة ذهبوا إلى أن ذلك يستلزم ترجح أحد طرفي الممكن من غير مرجح، أي فاعل، لأن ترجيح الفاعل الإرادي أحد الطرفين حصل من غير مرجح.

و للأشاعرة أن يقولوا : الفاعل الإرادي هو مرجح الترجيح أو يقولوا : الترجيح لا يحتاج إلى ترجيح آخر كالتأثير لا يحتاج إلى تأثير آخر. و إلا يلزم التسلسل.

و الحق أن الأدلة التي ذكرناها تقتضي بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة و أن ترجيح أحد الطرفين بحسب الوقوع مع تساوي نسبة المقتضي إليهما محال بديهة في الفاعل الإرادي أيضاً.

و من جملة أغلاطهم :

أن جمعاً منهم زعموا أنه على مذهب الأشاعرة يتجه القول بالوجوب السابق، لأن الوجوب الاختيار لا ينافي الاختيار، بل يحققه.

و أقول : زعمهم هذا باطل، لأن بالاختيار عندهم يحصل الوجوب السابق لوجود المعلول، و ليس شيء به يحصل الوجوب السابق للاختيار، لأن نسبته تعالى إلى هذا الاختيار و إلى اختيار الطرف الآخر على السوية، و الاختيار من الممكنات. فهذه القاعدة ليست كلية عندهم، و هي كلية عند الحكماء.

و من تلك الجملة :

أن علماء الإسلام قسموا الكافر إلى أقسام :

منها : الرجل الذي بلغته الدعوة و المعجزة و قلبه متردد في صدقه صلى الله عليه و آله. و يفهم من كلام أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم – انتفاء هذا القسم.

ففي كتاب الكافي : الحارث بن المغيرة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أرأيت لو أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه و آله فقال و الله ما أدري أنبي أنت أم لا كان يقبل منه؟ قال : لا، و لكن كان يقتله، إنه لو قبل ذلك ما أسلم منافق أبدا.

و في كتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي رحمه الله يعقوب بن يزيد، عن رجل، عن الحكم بن مسكين، عن أيوب بن الحر بياع الهروي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : يا أيوب ما من أحد إلا و قد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أم تركه، و ذلك أن الله تعالى يقول في كتابه : (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون.

عنه، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن رفعه قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : ليس من باطل يقوم بإزاء الحق إلا غلب الحق الباطل، و ذلك قوله تعالى : (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق).

عنه، عن الحسن بن يزيد النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كل قوم يعملون على ريبة من أمرهم و مشكلة من رأيهم و إزاء منهم على من سواهم، و قد تبين الحق من ذلك بمقايسة العدل عند ذوي الألباب.

و من تلك الجملة :

أن الفلاسفة و علماء الإسلام قسموا الاعتقاد الجازم إلى مطابق للواقع و غير مطابق له. و يفهم من كلام أصحاب العصمة – صلوات الله و سلامه عليهم – امتناع القسم الثاني.

ففي كتاب المحاسن : عنه، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك و تعالى : (و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه) فقال : يحول بينه و بين أن يعلم أن الباطل حق.

عنه، عن ابن محبوب، عن سيف بن عميرة و عبد العزيز العبدي و عبد الله بن أبي يعفور، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : أبى الله أن يعرف باطلاً حقاً، فقال : أبى الله أن يجعل الحق في قلب المؤمن باطلاً لا شك فيه، و أبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقاً لا شك فيه و لو لم يجعل هذا هكذا ما عرف حق من باطل. (يعني لو حصل في القلب جزم باطل متعلق بقضية من الشيطان مثلاً لما تمكنت أصحاب العصمة من إلزامه بخلافها، و لم يكن لله تعالى ميزان في الخلق به يميز بين الحق و الباطل لأن ضد كل صاحب جزم يجزم بأن جزمه مطابق للواقع، بخلاف صاحب الظن فإنه يحتمل عنده خلاف مظنونه لا سيما إذا عارضه يقين).

و في كتاب التوحيد لشيخنا الصدوق محمد بن علي بن بايوه قدس سره – في باب السعادة و الشقاوة – حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار و سعد بن عبد الله جميعاً، قالا : حدثنا أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل :

(و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه) قال : يحول بينه و بين أن يعلم أن الباطل حق، وش قال أبو عبد الله عليه السلام : عن الله تبارك و تعالى ينقل العبد من الشقاء إلى السعادة و لا ينقله من السعادة على الشقاء.

(أقول : قوله : (و لا ينقله من السعادة إلى الشقاء) رد على الأشاعرة، حيث زعموا أن معنى قوله : (يضل من يشاء و يهدي من يشاء و يهدي من يشاء) خلق الاعتقاد الكفري ابتداء فيمن يشاء من عباده، و إشارة على أن معنى (يضل الله) أحد الأمور الثلاثة : غما عدم الهداية كما في أهل الفترة. و إما إخراج الملك من قلبه ليضله الشيطان، و ذلك فيمن استحب العمى على الهدى بعد أن خلق الله في قلبه المعرفة و عرف ما هو الحق. و إما إرسال الرسل و إنزال الكتب، فإنه لولا الشرائع لما تميز الضال عن ضده كما قال الله تعالى : (يضل به كثيراً و يهدي به كثيراً و ما يضل به إلا الفاسقين)).

لا يقال : نشاهد في كثير من الناس آثار جزمهم بما هو خلاف الواقع.

لأنا نقول : كثيراً ما يظن كثير من الناس الظن المتاخم للجزم جزماً فيزعمون أنهم جزموا و ليس كذلك، كما نقلناه عن منطق شرح العضدي للمختصر الحاجبي من مبحث الإجماع (المركب) من ذلك الشرح.

ثم أقول : لي دليل عقلي أيضاً على ذلك، و هو أنه قد تقرر في موضعه – كحواشي السيد الشريف على الشرح العضدي للمختصر الحاجبي – أن اليقين له موجب مخصوص لا يحصل إلا به كالإحساس و غيره، و من المعلوم : أن القضية الكاذبة ليس لها موجب يوجب الجزم بها كما في اليقين. و أما الأمارات المؤدية إلى حصول الظن بالقضايا الكاذبة فهي كثيرة مشاهدة.

و اعلم أنه قد تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن الشيطان قد يلهم بعض القلوب الأكاذيب، فإن له تسلطاً على بعض الناس مثل تسلط شياطين الإنس على بعضهم. و من المعلوم : أن مقتضى الروايات المتقدمة أنه لا يوجب جزماً و إنما اقتضى ما يحصل به الظن.

و من تلك الجملة :

أن الشيخ الفاضل المتبحر المعاصر بهاء الدين محمد العاملي ذكر في كتاب مشرق الشمسين ذهب أكثر علمائنا – قدس الله أرواحهم – إلى أن العدل الواحد الإمامي كاف في تزكية الراوي، و أنه لا يحتاج فيها إلى عدلين كما يحتاج في الشهادة. و ذهب القليل منهم إلى خلافة، فاشترطوا في التزكية شهادة عدلين.

و استدل على ما ذهب غليه الأكثر بوجهين :

الأول : ما ذكره العلامة – طاب ثراه – في كتبه الأصولية، و حاصله : أن الرواية تثبت بخبر الواحد و شرطها تزكية الراوي و شرط الشيء لا يزيد على أصله، و بعبارة أخرى : اشتراط العدالة في مزكي الراوي فرع اشتراطها في الراوي، غذ لو لم يشترط فيه لم يشترط في تزكيه فكيف يحتاج في الفرع بأزيد مما يحتاج في الأصل؟

فإن قلت : مرجع هذا الاستدلال إلى القياس فلا ينهض علينا حجة، قلت : هو القياس بطريق الأولوية و هو معتبر عندنا.

فإن قلت للخصم أن يقول : كيف يلزمن ما ذكرتم من زيادة الفرع على الأصل و الحال أني أشترط في الرواية ما لا شيترطونه من شهادة عدلين بعدالة راويها و لا أكتفي بشهادة العدل الواحد. قلت : عدم قبوله تزكية عدل واحد زكاه عدلان و اشتراطه فيها التعدد مع قبول رواية عدل واحد زكاء عدلان و اكتفاؤه فيها بالواحد يوجب عليه ما ذكرناه انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

و أنا أقول أولاً : في قوله : (ذهب أكثر علمائنا إلى أن العدل الواحد الإمامي كاف في تزكية الراوي) تساهل و غفلة، و ذلك لأن الأخباريين من أصحابنا – هم أكثر علمائنا و عمدتهم – و قد علمت أنهم لا يعتمدون إلا على حديث قطعوا بوروده عن المعصوم عليه السلام بسبب من أسبابه.

و أقول ثانياً : عن سيدنا الأجل المرتضى و رئيس الطائفة و الفاضل المدقق محمد بن إدريس الحلي و المحقق الحلي لا يعتمدون على خبر الواحد العدل الخالي عن القرينة الموجبة للقطع العادي بصدق مضمونه و عن القرينة الموجبة للقطع العادي بوروده عن المعصوم، و طريقتهم و طريقة الأخباريين من أصحابنا واحدة في هذا الباب.

و بالجملة، ما نسبه إلى أكثر علمائنا غنما ذهب غليه العلامة الحلي و جمع من مقلديه و هم جماعة قليلة كالشهيدين و الفاضل الشيخ علي و لم تكن لهم بضاعة في العلوم الدقيقة و لم يكونوا عارفين متفطنين بمعاني الأحاديث الواردة في الأصوليين من أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم – و غلبت على أنفسهم الألفة بما قرءوه في كتب العامة، فلما رأوا كلام العلامة على وفق كلام العامة و لم يكن لهم نظر دقيق في العلوم استحسنوا المألوف و غفلوا عن احتمال أن يكون خطأ و أن يكون من تدليسات العامة و تلبيساتهم و مشوا عليه. نسأل الله العفو و العافية و من ورائنا و ورائهم شفاعة العترة الطاهرة عليهم السلام إن شاء الله تعالى.

و أقول ثالثاً : تحقيق المقام أن الرواية كالشهادة إخبار عن محسوس صرف، و العدالة المعتبرة في الراوي عندكم ملكة تبعث على ملازمة التقوى و المروة، و هي ليست من الأمور المحسوسة، فتكون التزكية إخباراً عن أمر معقول صرف. و من المعلوم : أن الاعتماد على الإخبار عن معقول صرف يحتاج إلى زيادة معوة لا يحتاج إليها الاعتماد على الإخبار عن محسوس، و لذلك ذكروا في تعريف التواتر : الإخبار عن محسوس. و إن أخذت بمعنى المواظبة على الصلوات بشرط عدم ظهور فسق – و هي المعتبرة في باب الشهادات و إمام الجماعات كما استفدناه من الروايات – فهي من الأمور التي تدرك بالحس، لكنها تحتاج تحتاج إلى ضم خرص و استصحاب، فلا يعد في الاحتياج إلى زيادة معونة في إثباتها، كما سيجيء في كلامنا.

و أقول رابعاً : أن في التزكية و سائر الشهادات لا بد من ضم الاستصحاب بخلاف الرواية.

و بالجملة، النسبة بين الرواية و بين التزكية و الشهادة عموم من وجه، فإن الاهتمام بشأن الرواية أكثر، لأن حكمها يعم الوقائع الكثيرة. و الخبط في التزكية ذكر هذه المقدمات تقوية المنع بإبداء سند على وجه التجويز و الاحتمال، لا على وجه البت و القطع و الاستدلال.

و أقول خامساً : أن في كثير من المباحث اعتبر في شرط الشيء ما لا يعتبر في نفسه، مثلاً : الاعتماد على رواية الراوي مشروط بعصمة المروي عنه، لا بعصمة الراوي.

و أقول سادساً : إذا ابتني شيء على أمر ضعيف ثم ابتنى الضعيف على ضعف آخر لكان ذلك الشيء في حد كما الضعف، بخلاف ما إذا كان الابتناء على الضعيف في مرتبة واحدة.

و بالجملة، لا يلزم من كفاية الضعيف في المقدمات القريبة كفايته في المقدمات البعيدة أيضاً.

ثم قال أدام الله أيامه :

الثاني : أن آية التثبت أعني قوله تعالى : (إن جاءكم فاسبق بنبأ فتبينوا) كما دلت على التعويل على رواية العدل الواحد دلت على التعويل على تزكيته أيضاً، فيكتفى به في جميع المواد إلا فيما خرج بدليل خاص و هو غير حاصل هنا (و ما يتراءى من الشبه ضعيف لا يعول عليه) انتهى كلامه.

أنا أقول : عن شئت تحقيق المقام فاستمع لما نتلو عليك من الكلام بتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام :

فأقول أولاً : أقصى ما يستفاد من هذه الآية الشريفة أن خبر الفاسق سبب لوجوب التوقف و التثبت إلى أن يتبين صدقه من كذبه، و لا دلالة فيها على انحصار سبب وجوب التوقف في فسق المخبر فربما يكون له أسباب أخر، كاحتمال فسقه أو سهوه أو ابتناء خبره على نوع خرص و تخمين، أو نقله بالمعنى مع احتمال عدم تفطنه بالمراد، أو كونه منسوخاً أو مجملاً، أو كونه خبراً عن واقعة لو وقت لشاع خبرها أو كونه خبراً عن أمر مهتم به كأحكام الله تعالى.

و أقول ثانياً : لا يجوز لأحد استنباط الأحكام النظرية من الآيات المحتملة و جوهاً كثيرة إلا من خوطب بها، كما تواترت به الأخبار المتقدمة عن الأئمة الأطهار – صلوات الله عليهم -.

و أقول ثالثاً : للعامة سبيل على الظن بما هو مراد الله تعالى من أمثال تلك الآيات الشريفة، بناء على قولهم بأن مجتهدي الرعية مخاطبون باستنباط الأحكام النظرية من الظاهر القرآنية، و بأن القرآن لم يرد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية و إلا لزم إغراؤهم بالجهل، و بأن كل ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله من نسخ و تفسير و تقييد و تخصيص و تأويل و غيرها أظهره عند أصحابه و ما خص أحدا بتعليم أحكام الله تعالى و رجوع الناس إليه و لم يقع بعده صلى الله عليه و آله فتنة اقتضت إخفاء بعضها و توفرت الدواعي على أخذ كلها و نشرها و استمر هذا المعنى من زمن الصحابة على زماننا بعد طبقة و أنى يكون لأصحابنا سبيل إلى ذلك؟!

و رابعاً : أنا قد أثبتنا أنه لا يجوز الفتوى إلا بعد أحد القطعين. و من المعلوم : أن خبر الواحد المزكى بعدل أو عدلين بمجرده لا يفيده.

ثم قال أدام الله أيامه :

و استدل على اشتراط التعدد في التزكية بأمرين :

الأول : أن الأخبار بعدالة الراوي شهادة فلا بد فيها من العدلين.

و جوابه : أما أولاً : فبمنع الصغرى، فإنها غير بينة و لا مبينة، و هلا كانت التزكية كأغلب الأخبار في أنها ليست شهادة، كالرواية، و كنقل الإجماع، و تفسير مترجم القاضي، و إخبار المقلد مثله بفتوى المجتهد، و قول الطبيب بإضرار الصوم بالمرض، و إخبار أجير الحج بإيقاعه، و إعلام المأموم الإمام بوقوع ما شك فيه، و إخبار العدل العارف بالقبلة الجاهل بالعلامات، و إلى غير ذلك من الأخبار التي اكتفوا فيها بخبر الواحد.

و أما ثانياً : فبمنع كلية الكبرى و السند قبول شهادة الواحد في بعض المواد عند بعض علمائنا – رضوان الله تعالى عليهم – بل شهادة المرأة الواحدة في بعض الأوقات عند أكثرهم انتهى كلامه.

و أنا أقول : كلام العلامة و من تبعه في العمل بخبر الواحد العاري عن القرينة الموجبة لأحد القطعين المتقدمين جرى بأن لا يلتفت إلى أحكامه. و لكن لما وجب علي إظهار الحق بقدر ما وفقني ربي و دلني عليه أئمتي – صلوات الله عليهم – و لم يمكن تحصيل ذلك الغرض إلا بذلك اشتغلنا به.

فنقول  أولاً : كان قصد المستدل أنه يجب على المتمسك بخبر الواحد أن يستدل على جميع مقدماته. و من المعلوم : أن كون التزكية من قبيل الشهادة احتمال واضح، فلا بد من العدلين ليتم التمسك على هذا الاحتمال، فالبحث عليه بطريق المنع منع على منع.

و نقول ثانياً : العجب كل العجب! من العلامة و من تبعه حيث جعلوا باب رواية أحكام الله تعالى أهون و أسهل من باب الإخبار عما عداها من الوقائع الجزئية، فاعتبوا في الشهادة و في تزكية الشاهد عدلين، و اكتفوا في الرواية و في تزكية الراوي بعدل واحد، مع أن مقتضى العقل و النقل أيضاً عكس ذلك.

أما العقل : فلأنه لولا اعتبار الظن في كثير من الوقائع الجزئية للزم الحرج البين الواضح، بل التكليف بما لا طاقة لنا به، بخلاف أحكامه تعالى فإنه لا حرج لو اعتبر فيها أحد القطعين أو التوقف إلى أن يظهر الحق كما حققناه سابقاً.

و أما النقل : فواضح عندكم من الأحاديث التي تقدمت في كتابنا هذا.

و تحقيق المقام : أن في كل موضع لم يكن حرج في اعتبار اليقين أو التوقف فيها – كأحكامه تعالى و كبلوغ المسافة الحد المعتبر شرعاً و كدخول وقت الصلاة – اعتبر الشارع فيه أحدهما. و في كل موضع كان اعتبار أحدهما فيه حرجاً اكتفى الشارع فيه بالظن أو بظاهر الحال، كالشهادة وكجهة القبلة و كإخبار الأجير بأنه فعل ما كان واجباً عليه و كإخبار القصار بأنه فعل ما أمر به و كالأنساب.

و من المعلوم : أن في بعض الصور التي ذكرها الفاضل المعاصر لا حرج في اعتبار اليقين أو التوقف، و في بعضها حرج. ففي الصورة التي اعتبر فيها اليقين لا بد فيها من انضمام القرينة المفيدة للقطع و في غيرها يكفي خبر الواحد و لم يكن عدلاً.

توضيح ذلك : أن الإجماع ليس حجة عندنا كما حققناه سابقاً، و لو فرضنا أنه حجة فلا بد من نقله بطريق قطعي كما في نقل الحديث.

و من المعلوم توفر القرائن الحالية المفيدة لقطع القاضي بأن تفسير المترجم موافق للواقع، فلا بد فيه من قطع القاضي، و قد حققنا أن الاجتهاد و التقليد حرامان. و ضرر الصوم بالمريض من الصور التي يتعذر فيها تحصيل القطع فاكتفى فيه بالظن، و إنما يعتمد على إخبار الأجير و إعلام المأموم، لأن المسلمين و من في حكمهم مأمونون في الأعمال المتعلقة بهم، إذ لو اعتبر فيها القطع لزم الحرج البين، و إنما يعتمد على إخبار المسلم العارف بالقبلة الجاهل بالعلامات لأنه من الصور التي يلزم الحرج البين لو اعتبر فيها القطع، و لا حاجة فيه إلى عدالة المخبر، بل يكفي الظن الحاصل من قول المسلم أو فعله كما في ذبيحته. و مستند ما ذكرناه من أحكام تلك الصور الأخبار المتواترة معنى الناطقة به.

ثم قال أدام الله أيامه : الثاني : إن اشتراطهم لعدالة الراوي يقتضي توقف قبول روايته على حصول العلم بها و إخبار العدل الواحد لا يفيد العلم بها.

و جوابه : إنك إن أردت العلم القطعي فمعلوم أن البحث ليس فيه، و إن أردت العلم الشرعي فحكمك بحصوله من رواية العدل الواحد و عدم حصوله من تزيكته تحكم، و كيف يدعى أن الظن الحاصل من إخباره بأن هذا قول المعصوم أو فعله أقوى من الظن الحاصل من إخباره بأن الراوي الفلاني إمامي المذهب أو واقفي أو عدل أو فاسق و نحو ذلك؟ و لعلك تقول بتساوي الظنين في القوة و الضعف، و لكنك تزعم أن الظن الأول اعتبره الشارع فعولت عليه، و أما الآخر فلم يظهر لك أن الشارع اعتبره، فيقال لك : كيف ظهر عليك اعتبار الشارع الظن الأول إن استندت في ذلك إلى ظن إجماع؟ فالخلاف الشائع في العمل بأخبار الآحاد يكذب ظنك. كيف! و جمهور قدمائنا على المنع منه، بل ذهب بعضهم إلى استحالة التعبد به كما نقله عنهم المرتضى رحمه الله و إن استندت فيه إلى ما يستدل به في الأصول على حجية خبر الواحد فأقرب تلك الدلائل إلى السلامة آية التثبت، و قد علمت أنها كما تدل على اعتبار الشارع الظن الأول تدل على اعتباره الظن الثاني من غير فرق.

و لقد بالغ بعض الأفاضل المعاصرين في الإصرار على اشتراط العدلين في المزكي، نظراً إلى أن التزكية شهادة، و لم يوافق القوم على تعديل من انفرد الكشي أو الشيخ الطوسي أو النجاشي أو العلامة مثل بتعديله، و جعل الحديث الصحيح عند التحقيق منحصراً فيما توافق اثنان فصاعداً على تعديل رواته. و يلزمه عدم الحكم بجرح من تفرد واحد هؤلاء بجرحه، و هو يلتزم ذلك. و لم يأت على هذا الاشتراط بدليل عقلي يعول عليه أو نقلي تركن النفس إليه، و لعلك قد أحطت خبراً بما يتضح به حقيقة الحال، و مع ذلك فأنت خبير بأن علماء الرجال الذين وصلت إلينا كتبهم في هذا الزمان كلهم ناقلون تعديل الرواة عن غيرهم، وتوافق الإثنين منهم على التعديل لا ينفعه في الحكم بصحة الحديث إلا إذا ثبت أن مذهب كل من ذينك الاثنين عدم الاكتفاء في تزكية الراوي بالعدل الواحد، و دون ثبوته خرط القتاد! بل الذي يظهر خلافه، كيف لا و العلامة – طاب ثراه – مصرح في كتبه الأصولية بالاكتفاء بالواحد.

و الذي يستفاد من كلام الكشي و النجاشي و الشيخ و ابن طاووس و غيرهم اعتمادهم في التعديل و الجرح على النقل من الواحد، كما يظهر لمن تصفح كتبهم. فكيف يتم لم يجعل التزكية شهادة أن يحكم بعدالة الراوي بمجرد اطلاعه على تعديل اثنين من هؤلاء له في كتبهم و حالهم ما عرفت، مع أن شهادة الشاهد لا يتحقق بما يوجد في كتابه.

نعم، لو كان هؤلاء الذين كتبهم في الجرح و التعديل بأيدينا في هذا الزمان ممن شهد عند كل واحد منه معدلان بحال الراوي، أو كانوا من الذين خالطوا رواة الحديث و اطلعوا على عدالتهم ثم شهدوا بها لتم الدست. و الله أعلم بحقائق الأمور. انتهى كلامه.

و أنا أقول : إن شئت تحقيق المقام فاستمع لما نتلو عليك من الكلام، فإن كلام هؤلاء الأفاضل بعيد عن الحق، أبعد ما بين السماء و الأرض!

و من المعلوم أنه إذا تصدى لتحقيق غوامض المباحث الدينية من لم تكن له بضاعة عظيمة في العلوم الدقيقة و لم يكن متفطناً بما ورد في الأصولين من أصحاب العصمة يوقع نفسه في الهلكة و كل ميسر لما خلق له، و بالله التوفيق و بيده أزمة التحقيق.

فأقول أولاً : كان قصد المستدل أن التمسك بخبر الواحد لا بد له من الاستدلال على جميع مقدماته، و من المعلوم : أن الذي ثبت جواز التمسك به هو ما يفيد العلم أو ما يقوم مقامه في الشريعة، فقصده من مفيد العلم مفيد القطع حقيقة أو حكماً، و من المعلوم : أن شهادة العدلين في الشريعة جعلت مكان القطع في بعض الصور بخلاف شهادة الواحدة، و حينئذ يندفع البحث الأول دون الثاني.

و أقول ثانياً : قد علمت أنا معاشر الأخباريين المتمسكين بالتثبت أو اليقين في أحكامه تعالى لا نعتمد إلا على موجباته.

و من المعلوم عند أولي الألباب : أن القرائن المفيدة للقطع وافرة و أنها كما تكون عند المعاشرة تكون بدونها، فإنا إذا راجعنا إلى وجداننا وجدنا القطع بأن كثيراً من رواة أحاديثنا لم يفتروا و لم يكونوا كثيري السهو فيما نقلوه، بل نقطع بأن أواسط الشيعة لا يرضون بالافتراء في باب الحديث، فكيف نجوز أن يقع ممن هو أعلى منهم؟

ثم إذا فتشنا علمنا أنه ما حصل لنا ذلك القطع إلا بالقرائن الحالية أو المقالية، و إذا كان حالنا بالنسبة إلى الرواة كذلك فالمتقدمون من أصحابنا – كالكشي و النجاشي و رئيس الطائفة و ابن طاووس و غيرهم – أولى بذلك منا لقرب عهدهم.

و أقول ثالثاً : سياق كلام النجاشي و غيره في شأن جمع من الرواة (ثقة، ثقة) بالتكرار أو بدونه يفيد أنه قطع بذلك بالقرائن كما قطعنا نحن، لا أنه اعتمد فيه على مجرد تزكية واحد.

و أقول رابعاً : قوله : (و الذي يستفاد من كلام الكشي و النجاشي و الشيخ و ابن طاوس و غيرهم اعتمادهم في التعديل و الجرح على النقل من الواحد) افتراء بلا امتراء، بل اعتمادهم على القطع لما حققناه.

و أقول خامساً : قوله : (مع أن شهادة الشاهد لا يتحقق بما يوجد في كتابه) دليل على بطلان ما زعمه الفاضلان : من أن اعتمادنا على الجرح و التعديل المسطورين في كتب قدمائنا من باب الاعتماد على الشهادة، و دليل على أن الاعتماد في هذا الباب على القرائن. و من المعلوم : أن الكتابة من القرائن، و قد تقدم نقلاً عن أصحاب العصمة عليهم السلام أن القلب يتكل على الكتابة أقوى مما يعتمد على حفظه.

و بالجملة، انتفاعنا مما في كتب الرجال من جهة أنه من جملة القرائن المفيدة للقطع بحال الراوي، لا من جهة أنه من باب تزكية العدل الواحد أو العدلين كما توهمه العلامة و تبعه فيه جماعة.

و أقول سادساً : أن العجب كل العجب! من العلامة الحلي و من تبعه حيث فسروا العدالة بملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروة كما فسرته العامة، ثم زعموا أن بتزكية العدلين أو العدل الواحد يثبت هذا المعنى، و هم في غفلة و أي غفلة! عن أن الشهادة و ما في معناها إنما تجريان فيما يدرك بالحس. و من المعلوم : أن الملكة المذكورة من الأمور العقلية الصرفة التي يستدل عليها بالآثار الظاهرة. و من المعلوم : أن الشاهد إذا حصل شيئاً بالكسب و النظر لا تسمع شهادته فيه، و إنما تسمع فيما أدركه بالحس، و كون الآثار ملزوماً لتلك الملكة لا تدرك بالحس و لا تجري الشهادة فيه أيضاً.

نعم، يستفاد من كلام أصحاب العصمة عليهم السلام أن العدالة المعتبرة في باب الشهادة و في باب إمام الجماعة مركبة من أمر وجودي محسوس و من عدم أمر محسوس و من المعلوم : أن عدم أمر لو كان موجوداً لكان محسوساً يدرك بمعونة الحس، و العدالة بهذا المعنى ثبت بالشهادة و ما في معناها.

ثم اعلم أنه يستفاد من كلامهم عليهم السلام : أن المعتبر في باب رواية أحكام الله تعالى أن يكون الراوي ثقة في روايته، و قد تقدم طرف من أحاديثهم عليهم السلام فيه الكفاية. و من المعلوم : أن هذا المعنى لا يدرك بالحس. فلا يجري فيه التزكية من حيث هي هي، و إنما نفع التزكية فيه من جهة أنها من جملة القرائن، و قد حققناه سابقاً : أن النسبة بين الثقة في الرواية و بين العدالة المعتبرة في باب الشهادة و باب إمام الجماعة العموم و الخصوص من وجه، و قد حققنا سابقاً : أنا نقطع بمعونة القرائن الحاصلة بالمعاشرة أو بدونها في حق كثير من الرواة أنهم لم يفتروا في رواياتهم و لم يكونوا كثيري السهو فيها، و هذا معنى الثقة في الرواية.

و بالجملة، الباب الثاني أوسع من الباب الأول و أنفع، و الله المستعان. هكذا ينبغي أن تحقق هذه المباحث، و للحروب رجال و للثريد رجال! و كل ميسر لما خلق له.

و أقول سابعاً : لنا لتصحيح الأحاديث مقام آخر، و هو أنا نعلم عادة أن الإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني و سيدنا الأجل المرتضى و شيخنا الصدوق و رئيس الطائفة – قدس الله أرواحهم – لم يفتروا في أخبارهم بأن أحاديث كتبنا صحيحة أو بأنها مأخوذة من الأصول المجمع عليها. و من المعلوم : أن هذا القدر من القطع العادي كاف في جواز العمل بتلك الأحاديث.

و أقول ثامناً : قوله : (يلزمه عدم الحكم بجرح من تفرد واحد من هؤلاء بجرحه و هو يلتزم ذلك) عجيب جداً! من المعلوم : أن حكم مجهول الحال حكم المجروح، فإذا انضم إلى الجهل جرح جارح واحد و لو كان فاسقاً أو مخالفاً يقوى كونه في حكم مجروح.

ثم قال أدام الله أيامه :

تبصرة : المكتفون من علمائنا في التزكية بالعدل الواحد الإمامي يكتفن به في الجرح أيضاً، و من لم يكتف به في التزكية لم يعول عليه في الجرح. و ما يظهر من كلامهم في بعض الأوقات من الاكتفاء في الجرح بقول غير الإمامي، محمول إما على الغفلة عما قرره أو عن كون الجارح مجروحاً، كما وقع في الخلاصة من جرح أبان بن عثمان بكونه فاسد المذهب، تعويلاً على ما رواه الكشي عن علي بن الحسن بن فضال أنه كان من الناووسية، مع أن ابن فضال فطحي لا يقبل جرحه لمثل أبان بن عثمان. و لعل العلامة – طاب ثراه – استفاد فساد مذهبه من غير هذه الرواية و إن كان كلامه ظاهراً فيما ذكرناه انتهى كلامه.

أقول أولاً : قوله : (من لم يكتف به في التزكية لم يعول عليه في الجرح) أيضاً من العجائب! و ذلك لما حققناه : من أن مجهول الحال و مجهول المذهب في حكم المجروح، فإذا تقوى الجهل بحاله بانضمام الجرح جارح و لو كان فاسد المذهب صار أولى بأن يكون في حكم من ثبت ضعفه.

و ثانياً : ربما يكون ابن فضال ثقة عند العلامة مقطوعاً على أنه لم يفتر في مثل ذلك و على أنه لم يتكلم عادة إلا بأمر بين واضح عنده، و نحن أيضاً نعلم أن مثل ابن فضال لم يرض أن يتكلم بمثل هذا الكلام في شأن مثل ابن عثمان بمجرد الظن أو بالافتراء، و ذلك لأن اعتماد قدمائنا على تعديل ابن فضال و جرحه قرينة على أنه كان ثقة في هذا الباب، يشهد بما قلناه من تتبع كتاب الكشي.

ثم قال أدام الله أيامه :

قد اشتهر أنه إذا تعارض الجرح و التعديل قدم الجرح. و هذا كلام مجمل غير محمول على إطلاقة كما قد يظن، بل لهم فيه تفصيل مشهور و هو أن التعارض بينهما على نوعين :

الأول : ما يمكن الجمع فيه بين كلامي المعدل و الجارح كقول المفيد رحمه الله في محمد بن سنان : إنه ثقة، و قول الشيخ – طاب ثراه - : إنه ضعيف، فالجرح مقدم، لجواز اطلاعه على ما لم يطلع عليه المفيد.

الثاني : ما لا يمكن الجمع بينهما كقول الجارح إنه : (قتل فلاناً في أول الشهر) و قول المعدل : (إني رأيته في آخره حياً) و قد وقع مثله في كتب الجرح و التعديل كثيراً، كقول ابن الغضائري في داود الرقي : إنه كان فاسد المذهب لا يلتفت إليه، و قول غيره : إنه كان ثقة، قال فيه الصادق عليه السلام : (أنزلوه مني منزلة المقداد من رسول الله صلى الله عليه وآله) فهاهنا لا يصح إطلاق القول بتقديم الجرح على التعديل، بل يجب الترجيح بكثرة العدد و شدة الورع و الضبط و زيادة التفتيش عن أحوال الرواة، إلى غير ذلك من المرجحات. هذا ما ذكره علماء الأصول منا ومن المخالفين.

و ظني أن إطلاق القول بتقديم الجرح في النوع الأول غير جيد، و لو قيل فيه أيضاً بالترجيح ببعض تلك الأمور لكان أولى، و قد فعله العلامة – طاب ثراه – في الخلاصة في مواضع كما في ترجمة إبراهيم بن سليمان، حيث رجح تعديل الشيخ النجاشي له على جرح ابن الغضائري، وكذلك في ترجمة إسماعيل بن مهران و غيره. لكن ما قرره – طاب ثراه – في نهاية الأصول يخالف فعله هذا حيث لم يعتبر الترجيح بزيادة العدد في النوع الأول من التعارض، معللاً بأن سبب تقديم الجارح فيه جواز إطلاعه على ما لم يطلع عليه المعدل و هو لا ينتفي بكثرة العدد. و لا يخفى أن تعليله هذا يعطي عدم اعتباره في هذا النوع الترجيح بشيء من الأمور المذكورة، و للبحث فيه مجال، كما لا يخفى انتهى كلامه أدام الله أيامه.

و أنا أقول أولاً : تحقيق المقام أن الجارح قسمان جارح يقوي حكم الجهل بالحال، و جارح يثبت في الشريعة جرحه ضعف المجروح، و ابن الغضائري لم يثبت بجرحه ضعف المجروح في الشريعة، بل يصلح أن يكون مقوياً لحكم مجهول الحال.

و توضيح المقام : أنه إذا وقع التعارض بين جرح يثبت به في الشريعة ضعف المجروح و بين تعديل كذلك كان الجرح مقدماً و لا مجال للترجيح فيه، فما فعله العلامة في كتاب الخلاصة غير مناف لما قرره في كتاب النهاية. و من المعلوم :

أنه إذا لم يكن تناقض بين الشهادتين لا مجال للترجيح و طرح أحدهما، بل يجب الجمع بينهما، فهذا الكلام من الفاضل المعاصر غفلة و أي غفلة! و تساهل في الأمور و أي تساهل!

و أقول ثانياً : كلام أمير المؤمنين عليه السلام صريح فيما قرره العلامة في النهاية.

و بالجملة، العقل و النقل تعاضدا في ذلك الباب، فكيف يظن الفاضل المعاصر خلاف ما أجمع عليه و خلاف مقتضى العقل و خلاف مقتضى النقل؟ و السبب فيه غفلته عن تحقيق ما هو المراد من البحث و استعجاله في الأمور و عدم تعمقه في المباحث.

و أما قول أمير المؤمنين – صلوات الله عليه – فقد ذكره الفاضل المدقق محمد ابن إدريس الحلي في آخر كتاب السرائر فيما انتزعه من تهذيب الأحكام لرئيس الطائفة قدس سره حيث قال : مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان مرضيان عدلان و شهد له ألف بالبراءة جازت شهادة الرجلين و أبطل شهادة الألف، لأنه دين مكتوم.

عمر بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه قال سئل رسول الله صلى الله عليه و آله عن الساحر، فقال : إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه.

 

فائدة

يفهم من هذين الحديثين الشريفين و من نظائرهما أنه لا بد في ثبوت الجرح في الشريعة من عدلين، و من المعلوم المتفق عليه : أن ثبوت العدالة ليس أهون من ثبوت الجرح فلا بد فيه من العدلين كما اختاره المحقق الحلي و الفاضل ابن الشهيد الثاني، قدس الله أرواحهم.

 

فائدة

انظر أيها اللبيب! كيف تبع العلامة يستعجلون في الأحكام الشرعية و يجزمون بكفاية المزكي الواحد في باب الرواية، و لم يلتفتوا إلى كلام العترة الطاهرة عليهم السلام أصلاً، و هل هذا إلا تخريب الدين؟! نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، و الشفاعة من ورائنا إن شاء الله.

 

فائدة

اعتبروا يا أولي الألباب! كيف أفتى هذا الفاضل المعاصر المتبحر المشهور في مشارق الأرض و مغاربها بالفضل بخلاف مقتضى العقل و النقل و اتفاق الكل؟! و أيقنوا أن هذا الفاضل بل أدنى منه لو كان ملتزماً لأن يتمسك في المسائل النظرية بكلام أصحاب العصمة لما أوقع نفسه في هذه المهلكة.

و اعلم أن الطريقة التي مهدها أصحاب العصمة لعمل الشيعة بها كانت سهلة سمحة بينة واضحة في زمن الأخباريين من علمائنا، ثم لما لفق العلامة و من وافقه بين طريقة العامة و طريقة أصحاب العصمة عليهم السلام التبست طريقة الحق بالباطل و اشتبهت و استعصت بعد أن كانت منفصلة عنه ممتازة في زمن الأخباريين من أصحابنا، ثم بعد ذلك وفق الله تعالى رجلاً فخلص نيته و وفقه لأخذ العلوم اللفظية و العقلية و النقلية كلها من معظم أصحابها، ثم ألهمه ببطلان طريقة المتأخرين و بالسعي في التفحص عما كانت عليه الأولون من أصحابنا، و أوقع في قلبه غوامض المباحث المتروكة المندرسة حتى ظهرت منه هذه الآثار المشاهدة. و الحمد لله و الطول و المنة، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و العاقبة للمتقين المتمسكين بنصوص الأئمة المعصومين في عقائدهم و أعمالهم.

و من تلك الجملة :

أن المشائين ادعوا أن تفريق الماء إعدام لشخصه و إيجاد لشخصين آخرين، و عليه بنوا إثبات الهيولى. و الإشراقيين ادعوا بداهة نقيضها. ومن المعلوم : أن أ؛د القولين باطل.

و منها :

أن المعتزلة  و أصحابنا قالوا : الضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا. و الأشاعرة استدلوا على بطلانها، والتزموا أن العباد ملجؤون في أفعالهم و أن الله عز و جل يخلق الحركات فيهم.

و من تلك الجملة :

أن السيد الفاضل الشيرازي نقل عن الفارابي البرهان الأسد الأخضر الدال على امتناع التسلسل في جانب المبدأ مطلقاً (و ملخصه : أنه لو كانت سلسلة مترتبة غير متناهية من جانب المبدأ من أين يحصل واحد منها حتى يحصل منه الآخر) و ادعى البداهة في أن العقل إذا لاحظ تلك السلسلة إجمالاً يحكم بتلك المقدمة. والفاضل الدواني المشهور بين المتأخرين بالتحقيق منع هذه المقدمة.

و من الواضحات البينات أن الحق ما نقله السيد الفاضل، و أن ما ذكره الفاضل الدواني من المنع خلاف البديهة.

و من تلك الجملة :

أن أفاضل المتأخرين زعموا أن النزاع بين المحققين من المتكلمين و بين الفلاسفة ليس في قدرته تعالى و إيجابه – كما اشتهر بين القدماء – بل في مجرد قدم العالم و حدوثه، و ذلك لأن المحققين من المتكلمين وافقوا الحكماء في أن الشيء ما لم يجب بوجوب سابق لم يوجد و في امتناع تخلف المعلول عما اقتضاه العلة التامة فثبت الإيجاب.

و أقول : زعمهم هذا باطل، و تحقيق المقام : أن الفلاسفة زعموا أن استناد أفعاله تعالى إلى الداعي يستلزم نقصانه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً! و ذهبوا إلى أن الشيء ما لم يجب بوجوب سابق لم يوجد، ففرعوا على المقدمتين أن تعلق إرادته تعالى بأحد طرفي المعلول واجب بالنسبة إلى ذاته تعالى من غير مدخلية الداعي. و من المعلوم : أن يلزمهم أن لا يكون الله تعالى متمكناً من الطرف الآخر كما في الفاعل الطبيعي.

و الأشاعرة وافقوا الفلاسفة في المقدمة الأولى دون الثانية حيث قالوا : تعلق إرادته تعالى بأحد طرفي المعلول مستند إلى ذاته تعالى من غير أن يوجبه، و قالوا : إن الله تعالى متمكن من أن يتعلق إرادته بالطرف الآخر، لكنه لم يقع.

و المعتزلة وافقوا الفلاسفة في المقدمة الثانية دون الأولى، حيث قالوا : تعلق إرادته تعالى بأحد طرفي المعلول مستند إلى الداعي لا يلزم عدم تمكنه من الطرف الآخر.

و ملخص الكلام : أن كل من قال بأنه ليس في جانب المعلول حالة يكون لها مدخل في إيجاب الفاعل معلوله، يلزمه أن يكون وجوب المعلول بالنسبة على ذات الفاعل، و يستلزم هذا المعنى عدم تمكنه من الطرف الآخر كما في الفاعل الطبيعي.

و كل من أنكر المقدمة القائلة بأن (الشيء ما لم يجب لم يوجد) خلص من أن لا يكون الفاعل متمكناً من الطرف الآخر، إذ لا إيجاب حينئذ. و كل من قال بأن (في جانب المعلول حالة لها مدخل في إيجاب الفاعل له) خلص من ذلك أيضاً، لأنه من المعلوم بديهة أن كل من أوجب معلوله لأجل الداعي فهو متمكن من أن يتركه.

و أقول : بهذا التحقيق ظهر عليك و انكشف لديك أن معنى قولهم : (الخلاف في القدرة بمعنى صحة الفعل و الترك) أن الخلاف في القدرة بمعنى تمكنه من طرفي المعلول، فالصحة بمعنى التمكن، لا بمعنى الجواز و الإمكان، و أن صدور المعلول الأول واجب بالنسبة إلى ذات الله تعالى من حيث إنه علم بالمصلحة من حيث هو هو، فلا يلزم عدم تمكنه تعالى من الترك. هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع، و التكلان على التوفيق.

و ما ذكرناه من ابتناء الإيجاب على المقدمتين مذكور في مبحث حدوث الأجسام من الشرح الجديد للتجريد و صرح به سلطان المحققين نصير الدين محمد الطوسي في رسالته المصنفة في أصول الدين المسماة بـ (الفصول النصيرية) إن شئت فارجع إليهما.

و من تلك الجملة :

أن الفاضل الدواني ذكر في حاشيته القديمة على الشرح الجديد للتجريد : اشتهر بين المتكلمين أن ترجيح الفاعل المختار لأحد الطرفين بمحض تعلق الإرادة من دون مرجح آخر جائز، و إنما المحال هو الترجيح من دون مرجح. و فيه نظر، لأن تعلق الإرادة بأحد الطرفين دون الآخر إن كان لا لمرجح لزم ترجيح أحد المتساويين من دون مرجح مطلقاً، و إن كان يتعلق الإرادة بذلك التعلق لزم التسلسل في تعلقات الإرادة، ثم مجموع تلك التعلقات أمور ترجحت على ما يساويهما من دون مرجح، فتأمل.

و اعلم أنه لا حاجة لهم إلى ذلك، إذ غرضهم – و هو نفي الحوادث المتسلسلة – يحصل بأن يقال : الذات موجب لتعلقات الإرادة القديمة بوجود الحوادث في وقت معين، فالإرادة و تعلقها كلاهما قديمان، و المراد حادث انتهى كلامه.

و أقول : من المعلوم : أنه يلزم حينئذ عدم تمكنه تعالى من الطرف الآخر، لما حققناه سابقاً (و مقصود الأشاعرة من التزام جواز الترجيح من غير مرجح الجواب عن شبهة قدم العالم من غير أن يلزم كونه تعالى فاعلاً موجباً و من غير أن يلزم كون أفعاله تعالى معللة بالغايات).

و من تلك الجملة :

أن الفاضل الدواني ذكر في رسالة خلق الأعمال مقتدياً بأصحابه الأشاعرة : أن اضطرار العبد في أفعاله يلزم المعتزلة، لأن مبادئ أفعاله من التصور و التصديق بفائدته و إرادة إيجاده صادرة عنه تعالى و عند حصولها يجب صدور الفعل عنه.

و أنا أقول : هو خيال ضعيف. و ذلك، لأن الذي تسلمه المعتزلة هو أن المبادئ المشتركة بين قلبي الصالح و الطالح فائضة منه تعالى، ثم المبادئ المنتهية إلى صدور الفسق بعينه أو المنتهية إلى صدور الكف عنه صادرة من العبد عندهم بإيجاب اختياري أي مستند إلى الداعي.

و بالجملة، إرادة القبيح قبيحة عقلاً و شرعاً عند المعتزلة و هي من جملة المبادئ، فكيف يسلمون أن مبادئ أفعال العباد كلها فائضة منه تعالى على النفوس الناطقة؟

و توضيح المقام أن نقول : تخلف فعل العبد عن إرادته و تخلف إرادته عن العلم بالعلة الغائية ممتنعان، لأجل أن العبد عند العلم بالعلة الغائية يريد البتة وعند الإرادة يفعل البتة، لا أنه يفعل البتة لامتناع التخلف، حتى يلزم الاضطرار، نظير ذلك علمه تعالى في الأزل بفعل العبد في وقت معين، فإنه تعالى علم لأجل أنه يفعل العبد، لا أنه يفعل العبد لأجل أنه تعالى علم. و بوجه آخر : المفروض أنه تعلق إرادة العبد بأحد طرفي فعله لأجل الداعي. و من المعلوم : أنه لا إلجاء حينئذ، ضرورة أن التمكن من الطرفين و هو معنى القدرة موجود حينئذ.

بل أقول : قد صرح سلطان المحققين في الفصول النصيرية بأن مرادنا من القادر في حقه تعالى  و في حق العباد من تكون أفعاله منوطة بالداعي أي العلم بالعلة الغائية. و بوجه آخر : العبد يوجب أحد الطرفين لأجل ملاحظة العلة الغائية، لأن أحد الطرفين يجب بالنسبة إلى مجموع مركب من الفاعل و من ملاحظة العلة الغائية و من الإرادة ليلزم الإيجاب الطبيعي. و بوجه آخر : الضرورة قاضية بأنا متمكنون من الطرفين، فعلم أن الدليل الذي ذكره الفاضل الداني يصادم البديهة، و كل ما هو كذلك باطل، فالدليل المذكور باطل.

و تحقيق توجه هذا النوع من الجواب مذكور في بحث المجهول المطلق من حاشية السيد الشريف العلامة على شرح المطالع. و أيضاً لك أن تقول : يلزم من هذا الدليل أن يكون الله تعالى فاعلاً موجباً بالذات و كون العبد مضطراً من جهته تعالى.

و من تلك الجملة :

أن سلطان المحققين نصير الدين محمد الطوسي ذكر في الأمور العامة من التجريد : أن من خواص الإمكان الذاتي الحدوث و الشراح و المحشون حملوا كلامه على الحدوث الذاتي بمعنى أنه مسبوق بالغير سبقاً ذاتياً لا على الحدوث الزماني بمعنى أنه مسبوق بالعدم في زمان ما ثم تحيروا في إتمام ا ذكره في الإلهيات من قوله : و الواسطة غير معقولة.

و أنا أقول : تحقيق كلامه أن قصده من الحدوث الحدوث الزماني، و دليله على ذلك مذكور في رسالته المصنفة في أصول الدين. و توضيح المقام : أنه قد تمت ثلاثة براهين قطعية على امتناع وجود ممكن قديم :

الدليل الأول منها : مذكور في كتاب الأربعين للفخر الرازي و في الفصول النصيرية لسلطان المحققين و في غيرهما من الكتب الكلامية.

و ملخصه : أنه لو وجد ممكن قديم لكان إيجاد الفاعل إياه في حال بقائه أو في حال حدثه أو في حال عدمه، فعلى الأول يلزم الفرض المحال من تحصيل الحاصل، و على الثاني و الثالث يلزم الخلف مع المطلوب.

و الدليلان الآخران سنحا لي، فالأول منهما أن تأثير الفاعل منحصر في قسمين : الإخراج من العدم إلى الوجود و حفظ وجود الموجود، و من المعلوم أن القسم الأول لا يتصور في الممكن القديم، و أن القسم الثاني غير كاف في الوجود المستفاد من الغير. و الثاني منهما : أن كل ممكن يكون بقاؤه قديماً يحتاج إلى حفظ الفاعل إياه أزلاً و كل ما احتاج إلى الحفظ استغنى عن إيجاد الفاعل إياه.

و الدليل الثاني منهما : أن كل ممكن يكون بقاؤه قديماً يحتاج إلى حفظ الفاعل إياه أزلاً و كل ما احتاج إلى الحفظ استغنى عن إيجاد الفاعل إياه.

و الدليل الثاني منها : أنه لو وجد ممكن قديم لكان بقاؤه قديماً و لكان إيجاده إيجاد الباقي، فيلزم الفرض المحال من تحصيل الحاصل.

و توضيحه أن يقال : كما أن إيجاد شيء في زمان بقاؤه يستلزم الفرض المحال من تحصيل الحاصل، كذلك إيجاد شيء بقاؤه قديم قديم يستلزم الفرض المحال من تحصيل الحاصل. و المتأخرون لما غفلوا عن أن قدم الممكن يستلزم قدم بقائه أو عن إيجاد الباقي يستلزم تحصيل الحاصل المحال، أو عنهما وعموا أنه لم يتم دليل عقلي على إثبات حدوث العالم و إنما تم على حدوث الأجسام.

(فإن قلت : ينتقض الدليل الأول و الثالث لوجود الواجب تعالى، فإنه غير متقدم على بقائه).

قلت : مبنى الدليل الأول و الثالث على أن يكون الوجود المستفاد من الغير في حال البقاء يستلزم تعدد حصول شيء واحد. و أتم دليل سنح لي في هذا المقام أن هنا مصدرين متعديين : أحدهما إعطاء الفاعل للمعلول وجوداً، و ثانيهما حفظ أصل ذلك الوجود، و عندنا مقدمة بديهية، و هي أن مقتضى طبع المصدرين تقدم الأول على الثاني تقدماً لا يجامع معه القبل البعد، سواء سمي بالتقدم الزماني أو بشبه الزماني أو بالدهري أو بغيرها من الأسماء، و قدم وجود الممكن يستلزم خلاف مقتضى طبعهما، لأن الحفظ حينئذ أيضاً قديم.

و إن قلت : يرد على الدليل الثاني منع الانحصار في القسمين و سنده أن هنا قسماً ثالثاً اسمه استتباع الفاعل المعلول.

قلت : عند التأمل الدقيق يعلم قطعاً).

(و تنقيح المقام) : أن التأثير قسمان : جعل شيء جعلاً بسيطاً سواء كان المجعول نفس الماهية أو وجودهما أو اتصافها بالوجود، و حفظ المجعول. و من المعلوم : أن المجعول إما حادث أو قديم، و جعل الحادث منحصراً في إخراجه من العدم إلى الوجود. و الممكن القديم محتاج في الأزل دائماً إلى الحفظ لأن بقاءه أزلي، و كل محتاج إلى الحفظ مستغن عن الجعل ما دام هو كذلك، فليتأمل.

و مما سنح لي في هذا المقام : أن نسبة المصادر المتعدية كالإيجاد و حفظ الوجود إلى جميع الأوقات ليست على السوية، فيختص بوقت دون وقت، و كل ما هو كذلك حادث.

(و مما سنح لي أن طبع قسمي التأثير يقتضي تقدم أحدهما على الآخر قبلية لا تجامع القبل معها، سواء سمي بالزماني أو بشبيه الزماني، و لما كان بقاء الممكن القديم قديماً يلزم انتفاء تلك القبلية، لأنه يلزم قدم الحفظ أيضاً.

و أقول : الحكماء و علماء الإسلام لما غفلوا عن انقسام تأثير الفاعل إلى قسمين : جعل المعلول، و حفظ المجعول بعد الجعل، مع وقوع التصريحات بهما في الآيات و الروايات تحيروا في أثر الفاعل في حال بقاء المجعول، حتى الفاضل الدواني طول الكلام في هذا المبحث عن غير طائل. و اشتهر بينهم أن أثر الفاعل حينئذ هو بقاء المعلول مع اعترافهم بأنه أمر انتزاعي، و بأن أثر الفاعل يجب أن يكون موجوداً، وكذلك اختاروا أن الماهيات مجعولة بجعل البسيط و أثر هذه المواضع. و التكلان على التوفيق.

و قد زلت أقدام فحول من الأعلام في هذا المقام، فافهم و كن على بصيرة.

من تلك الجملة :

أن المحققين من متأخرين المنطقيين أثبتوا قضية موجبة سالبة المحمول، و ذكروا أن صدقها لا يقتضي وجود الموضوع، و بها دفعوا عن قدمائهم نقضاً وارداً على قاعدة من قواعد باب التصورات و هي (أن نقيضي المتساويين متساويان) و على قاعدة من قواعد باب التصديقات و هي (أن الموجبة الكلية تنعكس كنفسها بعكس النقيض) و الفاضل الدواني الزاعم أنه من أرباب التحقيق – و هو عن ذلك بعيد – لم يتفطن بمرادهم فاعترض عليهم بأن النسبة الإيجابية تقتضي وجود الموضوع سواء كان المحمول عدولياً أو سلبياً أو محصلاً، و السيد الشيرازي وافقه في هذا الاعتراض، و كذلك مولانا ميرزا جان الشيرازي و مولى عبد الله اليزدي و غيرهما من الأفاضل المتأخرين.

و الذي ظهر لي في تحقيق كلامهم : أن قصدهم من (الموجبة السالبة المحمول) جملة اسمية إيجابية خبرها جملة فعلية سلبية، و أن الفرق بين الجملة الكبرى و الجملة الصغرى : أن الموضوع تكرر في الكبرى دون الصغرى، فالجملة الكرى سالبة في المعنى موجبة في اللفظ، كما صرح به السيد الشريف العلامة في حاشية منطق شرح المختصر، مثلاً قولنا : (ليس زيد بقائم) جملة سلبية و هي خبر لزيد في قولنا زيد ليس هو بقائم.

و توضيح المقام : أنه ليست في الجملة الكبرى نسبة جديدة لا إيجابية و لا سلبية، و إنما الموجود فيها النسبة السلبية المشتملة عليها الجملة الصغرى، و هي كافية في حصول الجملة الكبرى.

و للفاضل الدواني خيالات دقيقة عن الحق بعيدة منشورة في حواشيه مع اشتهاره بين من لا تحقيق له من الناس بأنه رجل محقق، قد ذكرنا جملة منها في بعض فوائدنا، و إنما قصدنا بذلك تنبيه الناس على أنه لا يعصم عن الخطأ في مادة من المواد إلا التمسك بأصحاب العصمة عليهم السلام.

و من تلك الجملة :

أن المتكلمين زعموا أن حدوث العالم دليل على أنه تعالى فاعل قادر لا موجب، بمعنى أنه متمكن من طرفي المعلول. و زعمهم هذا مبني على أن ربط الحادث بالقديم إنما يكون بالتسلسل من جانب المبدأ أو بأن يقتضي العلة التامة الأزلية وجود المعلول في وقت معين، و يمتنع في غير الفاعل المختار هذا النحو من الاقتضاء، و التسلسل من جان بالمبدأ باطل، فتعين أن يكون الواجب تعالى قادراً.

و أنا أقول : أولاً : الفرق بين الفاعل القادر و بين غيره في هذا النحو من الاقتضاء مما لا يطمئن به قلب سليم و طبع مستقيم، بل الحق أنه يمتنع هذا النحو من الاقتضاء مطلقاً.

و ثانياً : أنه لمانع أن يقول : يكفي فيما زعموه من الفرق كون تأثير الفاعل عن علم و إرادة و لا يحتاج إلى أن يكون الفاعل قادراً بالمعنى الأخص و هو مطلوبهم.

و ثالثاً : أنه لمانع أن يقول : يجوز أن يكون السبب في حدوث العالم توقف الوجوه المستفاد من الغير على العدم الأزلي كما هو متوقف على الإمكان الذاتي و على الاحتياج إلى العلة.

و لذلك اشتهر بين الحكماء، أمكن فاحتاج فوجب بالغير فوجد ( و لو قيل : عدم العالم بعد وجوده ينفي الإيجاب، لكان أقرب إلى الصواب.

و بالجملة، هنا احتمال ثالث غير الاحتمالين المشهورين بين القوم لربط الحادث بالقديم، و هذا الاحتمال مما لا اعتبار عليه) و كلام أصحاب العصمة عليهم السلام صريح في أن حقيقة التأثير إنما هو الإخراج من العدم إلى الوجود أو حفظ الوجود بعد أن حصل، و في أنه يمتنع إيجاد القديم.

(و هذا يؤيد ما ذكرناه : من توقف الوجود المستفاد من الغير على القدم الأزلي) و ما اشتهر في كتب المتكلمين و الحكماء : من أنه يمتنع توقف وجود الشيء على عدمه، فمعناه : أنه يمتنع توقف وجود الشيء في وقت على عدمه في ذلك الوقت بعينه. و إن عممت هذه المقدمة صارت ممنوعة بل باطلة.

و من المعلوم : أن العدم الأزلي لا يجوز أن يكون جزءاً أخيراً من العلة التامة للمعلول الأول، لأنه قديم. لكن قد حققنا في بعض فوائدنا : أنه كما ينتزع العقل الزمان من الحركة، كذلك إذا لاحظنا صانع العالم – جل جلاله – و لاحظنا معه أنه لا أول لوجوده تعالى و أنه لا آخر له ننتزع منه أمراً ممتداً غير قار الذات يشبه الزمان و ليس بزمان و (الأزل) اسم للشق الماضي من ذلك الأمر الممتد، و (الأبد) اسم للشق المستقبل منه و (السرمد) اسم لمجموعه.

فنقول في ربط الحادث بالقديم : إن حضور قطعة مخصوصة من ذلك الأمر الممتد هو الجزء الأخير من العلة التامة للمعلول الأول : و ذلك إما لتوقف المعلول الأول عليها بالطبع، أو لاقتضاء المصلحة إيجاد المعلول الأول في تلك القطعة، و لا ترتب و لا تعاقب في نفس الأمر بين أجزاء ذلك الأمر الممتد الانتزاعي، بل ننتزع أمراً ممتداً مترتب الأجزاء متعاقبها، فترتب الأجزاء و تعاقبها داخلان في نفس المنتزع و ليسا من صفاته التي يتصف بهما في نفس الأمر.

و بهذا التحقيق الذي لا تحقيق فوقه قررنا – يتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام – من التزام التسلسل في جانب العلة و من التزام قدم بعض الممكنات، و قد التزمتهما الفلاسفة في ربط الحادث بالقديم في الدورات الفلكية. و السيد الشريف الجرجاني و مولانا عبد الله اليزدي و مولانا ميرزا جان الشيرازي التزموهما في تعلقات إرادته تعالى أو غيرها من الأمور الانتزاعية منه تعالى.

فإن قلت : من المعلوم : أن ذلك الأمر الممتد ممكن، فننقل الكلام إلى علة أجزائه ليلزم المحذورات.

قلت : تحقيق المقام : أن صلاحية انتزاع ذلك الأمر الممتد من صفات الذات له تعالى، كما أن كونه تعالى بحيث لا أول لوجوده و لا آخر من صفات الذات له تعالى، فلنم تكن له من الممكنات، و أما نفس ذلك الأمر الممتد فهو ممكن حادث في أذهان المنتزعين دفعة واحدة.

فإن قلت : حصص ذلك الأمر الممتد لا يمتاز بعضها عن بعض في نفسه، فكيف يكون بعضها مناط شيء دون بعض؟

قلت : لا نسلم ذلك، بل في علم الله تعالى بعضها ممتاز عن بعض في نفسه كحصص الزمان. و بعد اللتيا و التي خطرت ببالي طريقة أخرى في ربط الحادث بالقديم أسهل من التي تقدمت و أتم، و مجملها : أن مقتضى المصلحة المعلومة له تعالى إيجاد المعلول الأول بعد استمرار عدمه الأزلي استمراراً مخصوصاً معلوماً عنده تعالى، فتأثير الفاعل موقوف على مضي ذلك الاستمرار.

فإن قلت : الكلام إلى علة مضي ذلك الاستمرار.

فنقول : العدم الأزلي و استمرارا ته و مضي تلك الاستمرارات غير محتاجة إلى تأثير فاعل، فلا تكون محتاجة إلى علة. ألا ترى أنه تقرر عند المحققين من الحكماء و المتكلمين : أن معنى تحقق العدم عدم تحقق الوجود، و معنى تأثير عدم شيء في عدم شيء آخر عدم تأثير الشيء الأول في الشيء الثاني. ألا ترى أنه لولا تأثير الفاعل لاستمر العدم الأزلي للمعلوم الأول إلى الأبد من غير استناد إلى علة. و بالجملة، لربط الحادث بالقديم طرق :

الطريقة الأولى : ما ذكرت الفلاسفة من توسط السلسلة الغير المتناهية المترتبة المتعاقبة بين صانع العالم و بين الحوادث و هي الدورات الفلكية حيث قالوا : لولا الحركة القديمة لما انحل إشكال ربط الحادث بالقديم.

و الطريقة الثانية : ما ذكره السيد الشريف في حاشية شرح الإصفهاني و تبعه مولانا ميرزا جان و مولانا عبد الله اليزدي و جماعة من توسط السلسلة المترتبة الغير المتناهية بينهما، و هي تعلقات إرادته تعالى لئلا يلزم قدم العالم.

و الطريقة الثالثة : ما اختاره الغزالي و المحقق الطوسي و الفاضل الدواني و جماعة : من جواز تخلف المعلول عن علته التامة إذا كان تأثير الفاعل تأثيراً اختيارياً لا طبيعياً.

و الطريقة الرابعة : ما اخترناها في أوائل أفكارنا من توسط الأمر الممتد الغير القار الذات المنتزع من ذاته تعالى عند ملاحظة أنه لا أول لوجوده و لا آخر.

و الطريقة الخامسة : ما اخترناها بعد ذلك : من أن مضي قدر مخصوص من استمرار العدم الأزلي جزء أخير من العلة التامة لكل ممكن، و هذا الجزء الأخير حادث غير محتاج إلى علة، لأن كل محتاج إلى علة محتاج إلى تأثير الفاعل.

صرحت ببداهة المقدمة الأخيرة جماعة منهم الفاضل الدواني. و الأثر لا يكون إلا موجوداً صرحت جماعة من المحققين بداهة هذه المقدمة في مبحث إثبات أن الماهيات الممكنة مجعولة بجعل بسيط، و لأنه تقرر عندهم أن معنى ترتب عدم على عدم أمر عدم ترتب وجود هذا على وجود ذاك، و لأن التحقيق و التقرير و الحصول و الشيئية و الثبوت و الكون ألفاظ لمعنى واحد مختص بالموجودات. جماعة صرحوا بذلك، منهم السيد الشريف في حواشي شرح حكمة العين. و لا يتصور العلية و المعلولية أي المعنى المصحح لدخول الفاء بأن يقال : (وجد العلة فوجد المعلول) إلا في الأمر المتحقق. و صرحوا بذلك في مواضع من جملتها ما مضى، و من جملتها قولهم : (معنى جواز التسلسل في الأمور الانتزاعية أنه ليس فيها تسلسل في الحقيقة) صرح بذلك مولانا ميرزا جان في حواشيه على رسالة إثبات الواجب للفاضل الدواني.

فإن قلت : إذا لم يكن للعدمات تحقق، فكيف يكون مضي قدر مخصوص من استمرار العدم الأزلي حادثاً و جزءً من العلة التامة لحادث.

قلت : هنا دقيقة لم يصدق بها إلا قلب أولي النهي، و هي : ان معنى (نفس الأمر) نفس الشيء، إذ الأمر هو الشيء، و معنى كون الشيء في نفس الأمر : أنه ليس منوطاً بفرض فارض أو اعتبار معتبر، مثلاً : الملازمة بين طلوع الشمس و وجود النهار متحققة في حد ذاتها سواء وجد فارض أو لم يوجد أصلاً و سواء فرضها أو لم يفرضها قطعاً، بخلاف زوجية الخمسة، فمعنى كون الشيء في نفس الأمر يرجع إلى معنى سلبي هو أنه ليس منوطاً بفرض فارض و اعتبار معتبر، فهذا المعنى السلبي أعم من المتحقق في نفس الأمر، فالعدم نفس الأمر طرف لنفسه لا لتحققه، و الذي وجد نفس الأمر طرف لتحققه.

و مما مهدناه ظهر عليك و انكشف لديك أن الفلاسفة و المتكلمين خبطوا في بيان كيفية ربط الحادث بالقديم، لأن الفلاسفة بنوا ذلك الربط على التزام التسلسل من جانب المبدأ في الأمور المتعاقبة في الوجود، و المتكلمين بنوا ذلك الربط على أنه يجوز في الفاعل القادر بالمعنى الأخص أن يكون مقتضاه وجود المعلول في وقت معين مع استجماعه جميع شرائط التأثير في الأول.

و يرد على الأول أبحاث :

أحدها : أنه عند التحقيق والنظر الدقيق يلزم التسلسل في الأمور المترتبة المجتمعة في الوجود، و لا يكفي التسلسل في الأمور المتعاقبة في الوجود، و ذلك لأنا نقول : الجزء الأخير من العلة التامة للمعلول الأول حادث و هكذا، ثم تلك الأجزاء الأخيرة من العلة التامة إما وجودات أو عدمات أو ملفق منهما، و على التقادير يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة المجتمعة في آن حدوث المعلول الأول أو في آن قله أو في الآنين. و لا يرد هذا البحث على الطريقة التي اخترناها في ربط الحادث بالقديم. لأنه لا علية و لا تعاقب بين أجزاء ذلك الأمر الممتد، بل ينتزع أمراً ممتداً متعاقباً.

و ثانيها : أن برهان الأسد الأخضر يبطل التسلسل من جانب المبدأ مطلقاً سواء كان آحاده مجتمعة في الوجود أم متعاقبة، و برهان التطبيق و برهان التضائف يبطلان التسلسل مطلقاً، سواء كان من جانب العلة أو من جانب المعلول، و سواء كانت آحاده مجتمعة في الوجود أو متعاقبة.

و ثالثها : أنه قد تمت براهين قطعية على امتناع ممكن قديم، و التسلسل في الموجودات المتعاقبة من جانب المبدأ يستلزم وجود ممكن قديم.

و يرد على الثاني بحث واحد :

و هو أن العقل يشمئز على تجويز هذا النحو من الاقتضاء في الفاعل القادر، كما يشمئز عن تجويزه في الفاعل الطبيعي، و ما ذكرتم من الاحتمال يرجع إلى انتظار المعلول بعض أجزاء العلة التامة و هو حضور الوقت المخصوص.

و بقي احتمال ثالث لا غبار عليه أصلاً، و لم يتفطن به أحد من أهل النظر، وهو المستفاد من كلام أصحاب العصمة عليهم السلام و قد تقدم آنفاً، وكنت دائماً متفكراً في معنى الحادث و القديم و في معنى أنه تعالى أزلي أبدي سرمدي، و سبب تفكري أن المعلول الأول ليس مسبوقاً بزمان و أنه تعالى ليس بزماني، والقوم فسروا الأزل بالزمان الغير المتناهي من جانب الماضي، و الأبد بالزمان الغير المتناهي من جانب المستقبل، و السرمد بمجموع الزمانين، حتى رأيت في كلام أصحاب العصمة عليهم السلام أن معنى (القديم) ما لا أول لوجوده، و معنى (الحادث) ما لوجوده أول، و تفطنت بذلك الأمر الممتد المنتزع من ذاته تعالى مع ملاحظة الصفتين المذكورتين.

 

فائدة

فيما حققناه و اخترناه في ربط الحادث بالقديم من أن العدم الأزلي لكل ممكن جزء من أجزاء علته التامة يكفي أقل ما يمكن أن يكون بين القديم و الحادث، لأن الوجود المستفاد من الغير يكفي فيه هذا القدر من العدم و بهذا التحقيق انحل ما يقال : من إيجاد المعلول في وقت معين يحتاج إلى مرجح ذلك الوقت على غيره من الأوقات.

ثم اعلم أن هذا الزمان الغير المتناهي الأزلي الذي هو ظرف لعدم أول الممكنات وهمي صرف، إذ ليس منشأ يصح انتزاعه منه فلا تمايز بين أجزائه. هكذا ينبغي أن يتحقق هذه المباحث و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

فائدة

لنا أن نبرهن على الاحتمال الثالث المستفاد من كلام أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم – بأن نقول : من المعلوم أن ربط الحادث بالقديم إما أن يكون بالتسلسل، أو بتجويز تخلف المعلول عن العلة التامة بحسب الزمان لا بحسب الاقتضاء، أو بتوقف الوجود المستفاد من الغير على حضور قطعة مخصوصة من الأمر الممتد المذكور، و الأولان باطلان لما ذكرناه، فتعين الثالث.

 

فائدة

قد علمت مما تقدم في كلامنا أن سبب أغلاط الحكماء و المتكلمين و تحيراتهما في العلوم التي مبادئها بعيدة عن الإحساس : إما الغلط في مادة من المواد، و إما التردد فيها، و إما لغفلة عن بعض الاحتمالات، ومن المعلوم أن المنطق غير عاصم عن شيء منها، و من المعلوم : أن أصحاب العصمة عاصمون عنها و عن غيرها، فتعين بحسب مقتضى العقل قطع النظر عن النقل التمسك بهم – صلوات الله عليهم -.

و إنما أطنبنا الكلام في كتابنا هذا، لأن الناس مخدوعون منخدعون متكلمون على مقتضى أذهانهم الحائرة البائرة مألوفون بالأباطيل و الأكاذيب التي في كتب أشباههم مسطورة، و أكثرهم إما بليدون أو معاندون : هكذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن الناس كلهم لو كانوا شيعتي لكانوا ثلاثاً شكاكاً و أحمقاً و لبيباً.


خاتمة

و لنختتم كتابنا هذا بالقواعد الأصولية المذكورة في أوائل كتب جمع من قدمائنا الأخباريين المتمسكين في عقائدهم و أعمالهم و أصولهم و فروعهم بما حفظوه عن الأئمة المعصومين – صلوات الله عليهم أجمعين – ليكون فذلكة لما فصلناه و بيناه.

 

ما ذكره علي بن إبراهيم في أول تفسيره

فذكر عمدة العلماء الأخباريين و قدوة المقدسين علي بن إبراهيم بن هاشم، و هو شيخ ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني – قدس الله أرواحهم – في أول تفسيره لكتاب الله، و هو تفسير صحيح يجوز في الشريعة الاعتماد عليه، لأنه مأخوذ كله من أصحاب العصمة عليهم السلام :

أشهد أن محمداً عبده و رسوله، أرسله بكتاب لا يتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، لا تفنى عجائبه، من قال به صدق، و من عمل به أوجر، و من قام به هدي إلى صراط مستقيم، و من ابتغى العلم من غيره أضله الله، و هو حبل الله المتين، فيه نبأ ما كان قبلكم و حكم ما بينكم و خبر معادكم، أنزله الله بعلمه و أشهد الملائكة بتصديقه، فقال : (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون و كفى بالله شهيدا) فجعله نوراً يهدي للتي هي أقوم، فالقرآن آمر و زاجر، حد فيه الحدود و سن فيه السنن، و ضرب فيه الأمثال، و شرع فيه الدين، حجة على خلقه أخذ عليه ميثاقهم و ارتهن لهم أنفسهم ليبين لهم ما يأتون و ما يتقون، ليهلك من هلك عن بينة و يحيى منحي عن بينة.

و قال أمير المؤمنين – صلوات الله عليه - : جاءهم نبيه صلى الله عليه و آله بنسخة ما في الصحف الأولى، و تصديق الذي بين يديه، و تفصيل الحلال من ريب الحرام، و ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، فيه علم ما مضى و علم ما يأتي إلى يوم القيامة، و حكم ما بينكم و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه، لأخبرتكم عنه لأني أعلمكم.

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله في حجة الوداع في مسجد الخفيف : إني فرطكم و أنكم واردون علي الحوض، حوض عرضه ما بين بصرة و صنعاء فيه قدحان من فضة عدد النجوم، ألا و إني سائلكم عن الثقلين، قالوا : يا رسول الله و ما الثقلان؟ قال : كتاب الله الثقل الأكبر طرف بيد الله و طرف بأيديكم، فتمسكوا به لن تضلوا و لن تزلوا، و (الثقل الأصغر) عترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كإصبعي هاتين ( و جمع بين سبابتيه) و لا أقول كهاتين (و جمع بين سبابته و الوسطى) فتفضل هذه على هذه، فالقرآن عظيم قدره جليل خطره بين ذكره، من تمسك به هدى و من تولى عنه ضل و زل، فأفضل ما عمل به القرآن، لقول الله عز و جل لنبيه صلى الله عليه و آله : ( و أنزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين) و قال : (و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ففرض الله عز و جل على نبيه صلى الله عليه و آله أن يبين للناس ما في القرآن من الأحكام و القوانين و الفرائض  و السنن، و فرض على الناس التفقه و التعليم و التعلم و العمل بما فيه حتى لا يسع أحداً جهله و لا يعذر في تركه. و نحن ذاكرون و مخبرون بما انتهى إلينا.

و رواه مشائخنا و ثاقتنا عن الذين فرض الله طاعتهم و أوجب ولايتهم و لا يقبل العمل إلا بهم، و هم الذين وصفهم الله تعالى و فرض سؤالهم و الأخذ منهم و قال : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فعلمهم عن رسول الله صلى الله عليه و آله و هم الذين قال الله تعالى في كتابه و خاطبهم في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين منحرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا – القرآن – ليكون الرسول شهيداً عليكم و تكونوا – أنتم يا معشر الأئمة – شهداء على الناس) فرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شهيد عليهم و هم شهداء على الناس، فالعلم عندهم و القرآن معهم، و دين الله الذي ارتضاه لأنبيائه و ملائكته و رسله منهم يقتبس، و هو قول أمير المؤمنين عليه السلام : ألا إن العلم الذي هبط به آدم عليه السلام من السماء إلى الأرض و جميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبين عندي و عند عترة خاتم النبين، فأين يتاه بكم بل أين تذهبون.

و قال – أيضاً – أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة : و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه و آله أنه قال : إني و أهل بيتي مطهرون، فلا تسبقوهم فتضلوا، و لا تتخلفوا عنهم فتزلوا، و لا تخالفوهم فتجهلوا، و لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، هم أعلم الناس كباراً و أحلم الناس صغاراً، فاتعبوا الحق و أهله حيث كان.

ففي الذي ذكرنا من عظيم خطر القرآن و علم الأئمة عليهم السلام كفاية لمن شرح الله صدره و نور قلبه و هداه لإيمانه و من عليه بدينه و بالله نستعين و عليه نتوكل، وهو حسبنا و نعم الوكيل.

فالقرآن منه ناسخ و منه منسوخ، و منه محكم و منه متشابه، و منه خاص و منه عام، و منه تقديم و منه تأخير، ومنه منقطع و منه معطوف، و منه حرف مكان حرف، و منه على خلاف ما أنزل الله عز وجل، ومنه لفظه عام ومعناه خاص، و منه لفظه خاص و معناه عام، و منه آيات بعضها في سورة و تمامها في سورة أخرى، و منه ما تأويله في تنزيله، و منه ما تأويله مع تنزيله، و منه ما تأويله قبل تنزيله، و منه ما تأويله بعد تنزيله، و منه رخصة إطلاق بعد الحظر، و منه رخصة صاحبها (فيها). بالخيار إن شاء فعل و إن شاء ترك، و منه رخصة (ظاهرها) خلاف باطنها يعمل بظاهرها فلا يدان بباطنها و منه (ما) على لفظ الخبر و معناه حكاية عن قوم.

و منه آيات نصفها منسوخة و نصفها متروكة على حالها، و منه مخاطبة لقوم و معناه لقوم آخرين، و منه مخاطبة للنبي صلى الله عليه و آله و المعنى أمته، و منه ما لفظه مفرد و معناه جمع، و منه ما لا يعرف تحريمه إلا بتحليله، و منه رد على الملحدين، و منه رد على الزنادقة، و منه رد على الثنوية، و منه رد على الجهمية، و منه رد على الدرهية، و من رد على عبدة النيران، و منه رد على عبدة الأوثان، و منه رد على المعتزلة، و منه رد على القدرية، و من رد على المجبرة، ومنه رد على من أنكر ( من المسلمين) الثواب و العقاب بعد الموت يوم القيامة، و منه رد على من أنكر المعراج و الإسراء، و منه رد على من أنكر الميثاق في الذر، و منه رد على من أنكر خلق الجنة والنار، و منه رد على من أنكر المتعة و الرجعة، و منه رد على من وصف الله (بالجسمية).

و منه مخاطبة الله عز و جل لأمير المؤمنين و الأئمة عليهم السلام و ما ذكره من فضائلهم و فيه خروج القائم عليه السلام و أخبار الرجعة و ما وعده تبارك و تعالى الأئمة عليهم السلام من النصرة و الانتقام من أعدائهم.

و فيه شرائع الإسلام و أخبار الأنبياء و مولدهم و مبعثهم و شريعتهم و هلاك أمتهم. و فيه ما ترك في مغازي النبي صلى الله عليه و آله. و فيه ترغيب و ترهيب. و فيه أمثال (و فيه أخبار) و قصص.

و نحن ذاكرون في جميع ما ذكرنا آية في أول الكتاب مع خبرها لتستدل بها على غيرها و تعرف بها علم ما في الكتاب، و بالله التوفيق و الاستعانة، و عليه نتكل و به نستعين، نسأل الله الصلاة على محمد و آله الذين أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

هذا ما أردنا نقله من أول تفسير علي بن إبراهيم، و إن شئت أمثلة جميع تلك الأمور و الاستدلال عليها من الأحاديث الصحيحة فارجع إليه، فإنها كلها مذكورة مفصلة هناك.

 

ما ذكره ثقة الإسلام الكليني في أول الكافي

و ذكر الإمام ثقة الإسلام عمدة العلماء الأعلام زبدة الأخباريين المدققين المسددين لامؤيدين من عند الله بأخذ أحكام الله عن خزان علمه و تراجمة وحيه، و بجمعها من صول شتى مجمع عليها، صنفها أصحاب الأئمة بإشارتهم و أمرهم عليهم السلام محمد بن يعقوب الكليني – نور الله مرقده الشريف – في أول كتاب الكافي، و قد سمعنا عن مشايخنا و علمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء :

أما بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة و توازرهم و سعيهم في عمارة طرقها، و مباينتهم العلم و أهله حتى كاد العلم معهم أن يأزر كله و تنقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل و يضيعوا العلم و أهله. و سألت : هل يسع الناس المقام على الجهالة والتدين بغير علم إذا كانوا داخلين في الدين مقرين بجميع أموره على جهة الاستحسان و النشوء عليه، و التقليد للآباء و الأسلام و الكبراء، و الأنكال على عقولهم في دقيق الأشياء و جليلها.

فاعلم يا أخي رحمك الله! إن الله تبارك و تعالى خلق عباده خلقة منفصلة من البهائم في الفطن و العقول المركبة فيهم محتملة للأمر و النهي و جعلهم على ذكره صنفين : صنفاً منهم أهل الصحة و السلامة، و صنفاً منهم من أهل اضرر و الزمانة، فخص أهل الصحة و السلامة بالأمر و النهي بعد ما أكمل لهم آلة التكليف، و وضع التكليف عن أهل الزمانة و الضرر، إذ قد خلقه غير محتملة للأدب و التعليم، و جعل عز و جل سبب بقائهم أهل الصحة والسلامة، و جعل بقاء أهل الصحة و السلامة بالأدب و التعليم.

فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحة و السلامة لجاز وضع التكليف عنهم، و في جواز ذلك بطلان الكتب و الرسل و الآداب، و في رفع الكتب و الرسل و الآداب فساد التدبير و الرجوع إلى قول أهل الدهر. فوجب في عدل الله و حكمته أن يخص من خلق من خلقه خلقه محتملة للأمر و النهي بالأمر و النهي، لئلا يكونوا سدى مهملين، و يعظموه و يوحدوه و يقروا له بالربوبية، و ليعلموا أنه خالقهم و رازقهم، إذ شواهد ربوبيته دالة ظاهرة و حججه نيرة واضحة و أعلامه لائحة، تدعوهم إلى توحيد الله عز و جل و تشهد على أنفسها لصانعها بالربوبية و الإلهية، لما فيها من آثار صنعه و عجائب تدبيره. فندبهم إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه و يجهلوا دينه و أحكامه، لأن الحكيم لا يبيح الجهل به و الإنكار لدينه، فقال جل ثناؤه : (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) و قال : (بل كذبا بما لم يحيطوا بعلمه) و كانوا محصورين بالأمر و النهي مأمورين بقول الحق غير مرخص لهم في المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال و التفقه في الدين فقال : (فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) و قال : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

فلو كان يسع أهل الصحة و السلامة المقام على الجهل لما أمرهم بالسؤال، و لم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب و الآداب و كادوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم و منزلة أهل الضرر و الزمانة، و لو كانوا كذلك لما بقوا طرقة عين.

فلما لم يجز بقاؤهم إلا بالأدب و التعليم وجب أنه لا بد لكل صحيح الخلقة كامل الآلة من مؤدب و دليل و مشير و آمر و ناه و أدب و تعليم و سؤال و مسألة، فأحق ما اقتبسه العاقل و التمسه المتدبر الفطن و سعى له الموفق المصيب العلم بالدين، و معرفة ما استعبد الله به خلقه من توحيده و شرائعه و أحكامه و أمره و نهيه و زواجره و آدابه.

إذ كانت الحجة ثابتة و التكليف لازماً و العمر يسيراً و التسويف غير مقبول فالشرط من الله جل ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فراضه بعلم و يقين و بصيرة ليكون المدي لها محموداً عند ربه مستوجباً لثوابه و عظيم جزائه، لأن الذي يؤدي بغير علم و بصيرة لا يدري ما يؤدي و لا يدري إلى من يؤدي.

و إذا كان جاهلاً لم يكن على ثقة مما أدى و لا مصدقاً، لأن المصدق لا يكون مصدقاً حتى يكون عارفاً بما صدق به من غير شك و لا شبهة، لأن الشاك لا يكون له من الرغبة و الرهبة و الخضوع و التقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن. و قد قال الله عز وجل : (إلا من شهد بالحق و هم يعلمون) فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة، و لولا العلم بالشهادة لم تكن الشهادة مقبولة.

و الأمر في الشاك المؤدي بغير علم و بصيرة إلى الله جل ذكره إن شاء تطول عليه فقبل عمله و إن شاء رد عليه، لأن الشرط عليه من الله يؤدي المفروض بعلم و بصيرة و يقين كيلا يكونوا ممن وصفه الله تعالى : (و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين) لأنه كان داخلاً فيه بغير علم و لا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم و لا يقين، و قد قال العالم عليه السلام : (من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه و نفعه إيمانه و من دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه) و قال عليه السلام : (من أخذ دينه من كتاب الله و سنة نبيه صلوات الله عليه و آله زالت الجبال قبل أن يزول، و من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال) و قال عليه السلام : من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن.

و لهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة و المذاهب المستشنعة التي قد استوفت شرائط الكفر و الشرك كلها. و ذلك بتوفيق الله عز و جل و خذلانه، فمن أراد الله توفيقه و أن يكون إيمانه ثابتاً مستقراً سبب لفه الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه و آله بعلم و يقين و بصيرة فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن أراد الله خذلانه و أن يكون دينه معاراً مستودعاً – نعوذ بالله منه – سبب له أسباب الاستحسان و التقليد و التأويل من غير علم و بصيرة، فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك و تعالى أتم إيمانه و إن شاء سلبه إياه، و لا يؤمن عليه أن يصبح مؤمناً و يمسي كافراً أو يمسي مؤمناً و يصبح كافراً، لأنه كلما رأى كبيراً من الكبراء مال معه، و كلما رأى شيئاً استحسن ظاهره قبله، و قد قال العالم عليه السلام : إن الله عز و جل خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، و خلق الأوصياء على الوصية فلا يكونون إلا أوصياء، و أعار قوماً إيماناً فإن شاء تممه لهم و إن شاء سلبهم إياه، قال : و فيهم جرى قوله : فمستقر و مستودع.

و ذكرت أن أموراً قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، و أنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها و أسبابها، و أنك لا تجد بحضرتك من تذاكره و تفاوضه ممن تثق بعلمه فيها. و قلت : إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف بجمع (فيه) من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم و يرجع إليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام و السنن القائمة التي عليها العمل و بها يؤدي فرض الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و قلت : لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله بمعونته و توفيقه إخواننا و أهل ملتنا و يقبل بهم إلى مراشدهم.

فاعلم يا أخي أرشدك الله! أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام : (اعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز و جل فخذوه و ما خالف كتاب الله فردوه) و قوله عليه السلام : (دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم) و قوله عليه السلام : (خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه) و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، و لا نجد شيئاً أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام و قبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه السلام : (بأيهما أخذت من باب التسليم و سعكم).

و قد يسر الله – و له الحمد – تأليف ما سأل، و أرجو أن يكون بحيث توخيت، فمهما كان فيه من تقصير فلم تقتصر نيتنا في إهداء النصحية، إذ كانت واجبة لإخواننا و أهل ملتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه و عمل بما فيه في دهرنا هذا و في غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الرب عز و جل واحد، و الرسول محمد صلى الله عليه و آله خاتم النبين واحد، و الشريعة واحدة، و حلال محمد حلال و حرامه حرام إلى يوم القيامة انتهى كلام الإمام ثقة الإسلام نور الله مرقده الشريف.

و أنا أقول : هنا فوائد لا بد من التنبيه عليها :

الأولى : أن كلامه قدس الله سره صريح في أنه قصد بذلك التأليف إزالة حيرة السائل.

و من المعلوم : أنه لو لفق كتابه هذا مما ثبت وروده عن أصحاب العصمة عليهم السلام و مما لم يثبت لزاد السائل حيرة و إشكالاً، فعلم أن أحاديث كتابه هذا كلها صحيحة، و نحن بعد ما فتشنا و تتبعنا الأحاديث الواردة في بيان أنهم عليهم السلام أمروا أصحابهم بتأليف ما يسمعونه منهم و ينشرون في إخوانهم نسلاً بعد نسل لتعمل بها لا شيعة لا سيما في زمن الغيبة الكبرى، و كتاب العدة لرئيس الطائفة و كتاب الكشي و كتاب الفهرست و غيرها من الكتب، قطعنا بأن منشأ حكم المؤلف قدس سره بصحة جميع ما في كتبه أنه أخذه من الأصول التي صنفها أصحاب العصمة عليهم السلام بأمرهم ليكون مرجع الشيعة في عقائدهم و أعمالهم، و لئلا يحتاجون إلى العامة فيهما، لا سيما في زمان الهرج و هو زمان الغيبة الكبرى.

و أيضاً من المعلوم : أنه لم يصرح في هذا الكتاب بضابطة يميز بها بين الصحيح و غير الصحيح، فلو لم يكن كلها صحيحاً لما قال : (يكتفي به المسترشد) و أيضاً ذكر قدس سره : فلم تقتصر نيتنا لإهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا. و من المعلوم : أن من لم يرض بتقصير في إهداء النصيحة لم يرض بأن يلفق في كتابه الذي صنفه لإرشاد المسترشدين بين الأحاديث الصحيحة المأخوذة من الأصول المجمع عليها، و بين الأحاديث التي لم يثبت صحتها من غير ذكر ضابطة بها يميز بين الصحيح و بين غير الصحيح منها، و هذه المقدمات قطعية عادية عند أولي الألباب.

الثانية : أن الترجيح باعتبار أفقهية الراوي و باعتبار أعدليته و باعتبار كثرة عدده مذكور في بعض الأحاديث الواردة في باب اختلاف الأحاديث، و هو هنا لم يتعرض لذلك، لأنه أخذ أحاديث كتابه كلها من الأصول المقطوع بها المجمع عليها، و حينئذ يضعف الترجيح باعتبار حال الراوي.

الثالثة : أنه سيجيء في باب اختلاف الحديث أنهم عليهم السلام أمرونا بالإرجاء و التوقف بعد عجزنا عن وجوه الترجيحات التي قرروها عليهم السلام و هو هنا لم يتعرض له.

و أقول : قصده رحمه الله أن في باب العبادات المحضة بعد عجزنا عن وجوه الترجيحات المذكورة حكمهم عليهم السلام التخيير، و ما سيجيء من وجوب الإرجاء و التوقف إنما ورد فيما ليس من باب العبادات المحضة كالدين و الميراث، فاندفع الإشكال بحمد الله و منه.

الرابعة : أن مرادهم عليهم السلام من المجمع عليه : الذي أجمعت على اختياره قدماؤنا الأخباريون، فإنهم كانوا يختارون لأنفسهم ما كان وارداً من باب بيان الحق.

 

ما ذكره الشيخ الثقة البرقي في أول كتاب المحاسن

 و ذكر عمدة علمائنا الأخباريين الشيخ الثقة الصدوق أحمد بن محمد بن خالد البرقي في اول كتاب المحاسن :

أما بعد : فإن خير الأمور أصلحها، و أحمدها أنجحها، و أسلمها أقومها، و أرشدها أعمها خيراً و أفضلها أدومها نفعاً، و أن قطب المحاسن (الدين) و عماد الدين اليقين و القول المرضي والعمل الزكي. و لم نجد في وثيقة المعقول و حقيقة المحصول عند المناقشة و المباحثة لدى المقايسة و الموازنة خصلة أجمع لفضائل الدين و الدنيا و لا أشد تصفية لأقذاء العقل و لا أقمع لخواطر الجهل و لا أدعى إلى اقتناء كل محمود و نفي كل مذموم من العلم بالدين، و كيف لا يكون كذلك ما من الله عز و جل سببه و رسوله صلى الله عليه و آله مستودعه معدنه و أولى النهى تراجمته و جملته؟ و ما ظنك بشيء الصدق خلقه و الذكاء و الفهم آلته و التوفيق و الحلم قريحته و اللين و التواضع سجيته، و هو الشيء الذي لا يستوحش معه صاحبه إلى شيء و لا يأنس العاقل مع نبذه شيء، و لا يستخلف منه عوضاً يوازيه، و لا يعتاض منه بدلاً يدانيه، و لا تحول فضيلة و لا تزول منفعة، و أنى لك بكنز باق على الإنفاق و لا تقدح فيه يد الزمان و لا تكلمه غوائل الحدثان، و أقل خصاله الثناء له في العاجل مع الفوز برضوان الله في الآجل. و صاحبه على كل حال مقبول و قوله و فعله محتمل محمول، و سببه أقرب من الرحم الماسة، و قوله أصدق و أوثق من التجربة و إدراك الحاسة، هو ينجوه من تسليط التهم و تحاذير الندم. و كفاك من كريم مناقبه و رفيع مراتبه. إن العالم بما أدى من صدق قوله شريك لكل عامل به في فعله. انتهى ما أردنا نقله عن أول كتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي قدس سره.

و في آخر كتاب السرائر لمحمد بن إدريس الحلي رحمه الله : و من ذلك ما استطرفناه من كتاب المحاسن تصنيف أحد بن أبي عبد الله البقي :

بسم الله الرحمن الرحيم، قال أحمد بن أبي عبد الله البرقي في خطبة كتابه الذي سماه بكتاب المحاسن :

أما بعد، فإن خير الأمور أصلحها ... إلى آخر ما نقلناه.

 

ما ذكره الشيخ الصدوق في أول كتاب من لا يحضره الفقيه

و ذكر شيخنا الصدوق محمد بن علي بن بابويه في أول كتاب من لا يحضره الفقيه :

أما بعد، لما ساقني القضاء إلى بلاد الغربة و حصلني القدر منها بأرض بلخ من قصبه أيلاق و ردها الشريف الدين أبو عبد الله المعروف بنعمة، و هو محمد بن الحسن ابن إسحاق بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فدام بمجالسته سروري و انشرح بمذاكرته صدري و عظم بمودته تشرفي، لأخلاق قد جمعها إلى شرفه من صلاح و سكينة و وقار و ديانة وعفاف و تقوى و إخبات. فذاكرني بكتاب صنفه محمد بن زكريا المتطبب الرازي و ترجمه بكتاب ( من لا يحضره الطبيب) و ذكر أنه شاف في معناه. و سألني أن أصنف له كتاباً في الفقه و الحلال و الحرام و الشرائع و الأحكام موفياً على جميع ما صنفت في معناه، و أترجمه بكتاب ( من لا يحضره الفقيه) ليكون إليه مرجعه و عليه معتمده8 و به أخذه، و يشترك في أجره من ينظر فيه و ينسخه و يعمل بمودعه. هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنفاتي و سماعه لها و روايتها عني و وقوفه على جملتها، و هي مائتا كتاب و خمس و أربعون كتاباً. فأجبته – أدام الله توفيقه – إلى ذلك، لأني وجدته أهلاً له، و صنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه و إن كثر فوائده. و لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه. بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و أعتقد فيه أنه حجة فيما بيني و بين ربي، تقدس ذكره و تعالت قدرته. وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و إليها المرجع، مثل : كتاب حريز بن عبد الله السجستاني، و كتاب عبيد الله بن علي الحلبي، و كتب علي بن مهزيار الأهوازي، و كتب الحسين بن سعيد، و نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى ابن عمران الأشعري، و كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله، و جامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد رضي الله عنه إلي، و غيرها من الأصول و المصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي و أسلافي – رضي الله عنهم – و بالغت في ذلك جهدي، مستعيناً بالله و متوكلاً عليه و مستغفراً من التقصير، و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب، و هو حسبي و نعم الوكيل انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

 

فائدة

أقول أولاً : كلما راجعت وجداني وجدت قطعاً عادياً بأن الأئمة الثلاثة و سيدنا الأجل المرتضى و سائر من ذكرنا اسمه و من لم نذكر اسمه في كتابنا هذا من قدمائنا لم يفتروا و لم يكذبوا فيما أخبروا به من أن أحاديث كتبنا المتداولة – لا سيما الكتب الأربعة – كلها واردة عن أصحاب العصمة، و كانت مسطورة في كتب أصحابهم المصنفة بأمرهم و إشارتهم و أنهم لم يدخلوا في كتبهم ما لم يعتمدوا عليه مما لم يثبت وروده عنهم عليهم السلام. و من المعلوم : أنه ما حصل في قلبي هذا القطع العادي إلا بسبب ما اجتمع فيه مما بلغني من أحوالهم و أوضاعهم، و الكل بتأييد ربي و بركات نبيي و أئمتي – صلوات الله عليهم -.

و أقول ثانياً : بعد التنزل عن المقام الأول أنه من المعلوم عادة أن مثل هؤلاء الأجلاء إذا صنفوا كتباً لإرشاد الطائفة المحقة و العمل بما فيها و الاعتماد عليها إلى قيام الساعة من غير نصب علامة مميزة بين ما ثبت وروده عنهم و بين ما لم يثبت لم يجمعوا فيها إلا الأحاديث الصحيحة الثابتة عندهم صحتها المأخوذة من العيون الصافية غير النافذة في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة.

و أقول ثالثاً : من المعلوم أن نبينا و أئمتنا – صلوات الله و سلامه عليه و عليهم – لم يضيعوا من كان في أصلاب الرجال من شيعتهم. و من المعلوم : أنهم لم يجوزوا لهم التمسك بما تمسكت به العامة، فتعين أن تكون لنا كتب مضبوطة مصححة ممهدة من عندهم عليهم السلام.

و أقول رابعاً : أن الروايات الدالة على أنهم عليهم السلام أمروا جمعاً من أصحابهم بتأليف ما يسمعونه منهم لعمل الشيعة بها في زمان الهرج و على إخبارهم بوقوع ذلك من الشيعة متواترة معنى، و إذا ترقيت ي هذه المباحث إلى هذه الدرجة من الإيضاح فحق لك أن تقول : (اطف المصباح قد طلع الصباح) و أن تقول لمن يكون بعد ذلك في ريب و شك :

إذا لم تكن للمرء عين صحيحة            فلا غروا أن يرتاب و الصبح مسفر

 

فائدة أخرى

كنت دائماً متفكراً متحيراً في أنه لأي سبب لم يوفق أحد لجمع الأحاديث كلها من كتب شتى لترتيبها وتهذيبها مثل ما وفق الأئمة الثلاثة المحمدون العجميون المشاركون في الاسم و الكنية لأول من أظهر دين جده المكنون باقر علوم الأولين و الآخرين – صلوات الله عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين المطهرين – حتى وقفت على أحاديث كثيرة متوافقة المضمون، فلنتبارك بذكر طرف منها :

ففي كتاب الكافي – في باب أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه – عن علي بن أسباط قال، قلت للرضا عليه السلام : أن رجلاً غر أخاك إبراهيم، فذكر له أن أباك في الحياة و أنك تعلم من ذلك ما لا يعلم فقال : سبحان الله! يموت رسول الله صلى الله عليه و آله و لا يموت موسى عليه السلام؟ قد و الله مضى كما مضى رسول الله صلى الله عليه و آله و لكن الله تبارك و تعالى لم يزل منذ قبض نبيه صلى الله عليه و آله و هلم جرا يمن بهذا الدين على أولا الأعاجم و يصرفه عن قرابة نبيه صلى الله عليه و آله و هلم جرا، فيعطى هؤلاء و يمنع هؤلاء.

و فيه في باب الإشارة و النص على أمير المؤمنين عليه السلام : لما بعث الله عز و جل محمداً صلى الله عليه و آله دعا إلى الله عز وجل و جاهد في سبيله، ثم أنزل الله – جل ذكره – عليه أن أعلن فضل و صيك، فقال : رب إن العرب قوم جفاة لم يكن فيهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي و لا يعرفون فضل نبوات الأنبياء و لا شرفهم و لا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي، فقال الله جل ذكره : (و لا تحزن عليهم) (و قل سلام فسوف يعلمون) فذكر من فضل وصيه ذكراً فوقع النفاق في قلوبهم، فعلم رسول الله صلى الله عليه و آله ذلك و ما يقولون فقال الله – جل ذكره - : يا محمد! (و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) (فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون) لكنهم يجحدون بغير حجة لهم. و كان رسول الله صلى الله عليه و آله يتألفهم و يستعين ببعضهم على بعض، و لا يزال يخرج لهم شيئاً في فضل وصيه حتى نزلت هذه الآية، فاحتج عليهم حين أعلم بموته و نعيت إليه نفسه، فقال الله جل ذكره : (فإذا فرغت فانصب، و إلى ربك فارغب) يقول : إذا فرغت فانصب علمك و أعلن وصيك، فأعلمهم فضله علانية فقال صلى الله عليه و آله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه) ثلاث مرات. و الحديث الشريف طويل نقلنا منه موضع الحاجة.

و قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار – صلوات الله عليهم – بأن إمام الزمان ناموس العصر و الأوان – صلوات الله و سلامه عليه – يأتي بكتاب جديد على العرب شديد و بأن أكثر عساكره أولاد العجم. و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و العاقبة للمتقين.

و تفسير علي بن إبراهيم في تفسير قوله : ( و لو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين) قال الصادق عليه السلام : لو نزل القرآن على العجم ما آمنت به العرب، و قد نزل على العرب فآمنت به العجم فهذه فضيلة العجم.

و في كتاب الملل و النحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحد الشهرستاني – و هو موضع في خراسان بين نيسابور و خوارزم - : و من الفلاسفة حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلاً. و منهم حكماء العرب و هم شرذمة قليلة، لأن أكثر حكمهم فلتهات الطبع وخطرات الفكر، و ربما قالوا بالنبوات. و منهم حكماء الروم و هم منقسمون إلى القدماء الذين هم أساطين الحكمة و إلى المتأخرين منهم – و هم المشاؤون (و أصحاب الرواق) و أصحاب أرسطا طاليس – و إلى فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم، و إلا فلم ينقل عن العجم قبل الإسلام مقالة في الفلسفة، إذ حكمهم كلها كانت متعلقات من النبوات، إما في الملة المتقدمة و إما من سائر الملل، غير أن الصابئة كانوا يخلطون الحكمة بالنبوة. فنحن نذكر مذاهب الحكماء القدماء من الروم و اليونانيين على الترتيب الذي نقل في كتبهم، و نعقب ذلك بذكر سائر الحكماء، فإن الأصل في الفلسفة و المبدأ في الحكمة للروم و غيرهم كالعيال لهم. انتهى ما أردنا نقله عن الملل و النحل.

انظر أيها اللبيب إلى أنه كانت عادة العجم دائماً التمسك بكلام أصحاب العصمة و أرباب الوحي، و ما كان دأبهم الاعتماد على فلتات الطبع و لا على الأنظار العقلية التي قد تصيب و كثيراً ما تخطئ، كما يشهد بذلك من تتبع كتب الأصوليين و غيرها. و هذا من جملة الأدلة على أنهم أصحاب أذهان مستقيمة و فطنة قويمة.

قصة حسنة :

قد بلغني أن بعض علماء العامة طعن على الطائفة المحققة بأن أفضل أهل الاجتهاد و الاستنباط بينكم العلامة الحلي و قد رآه بعد موته ولده في المنام، فقال لولده : (لولا كتاب الألفين و زيارة الحسين عليه السلام لأهلكتني الفتاوى) فعلم أن مذهبكم باطل.

و قد أجاب عنه بعض فضلائنا بأن هذا المنام لنا لا علينا، فإن كتاب الألفين مشتمل على ألف دليل لإثبات مذهبنا و على ألف دليل لإبطال مذهب غيرنا.

و لقائل أن يقول : قد اشتهر بين العلماء أن تهذيب العلامة الحلي مختصر من المختصر الحاجبي، و هو مختصر من المنتهى الحاجبي، و هو مختصر من أحكام الآمدي، و هو مختصر من محصول الفخر الرازي، و هو مختصر من معتمد أبي الحسن البصري. و ذكره السيد السند العلامة الأوحد السيد جمال الدين محمد الاسترابادي في شرح تهذيب الأصول للعلامة الحلي.

فربما يكون سبب ما رآه ولده في المنام : أنه أعجبه كثير من القواعد الأصولية و الاستنباطات الفقهية المذكورة في كتب العامة، فأدخلها في كتبه، و هو في غفلة عن ابتنائهما على قواعد مخالفة لما هو من ضروريات مذهب الطائفة المحقة.

 

فائدة

قد ذكر رجل فاضل صالح ثقة في دار العلم شيراز – صانها الله من الأعواز – قبل اشتغالي بهذا التأليف الشريف بعشرين سنة أنه رأى في المنام : أن الإمام الثامن الضامن المربي لأولاد الأعاجم – صلوات الله و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين – أعطاه ورقة مكتوبة بخطه الشريف و أمره بإيصالها إلي، و بأن يقول لي : احفظها فإن لك في حفظها منافع، و أمره بأن يقول لي : بقي شيء آخر نقوله لك في مكة المعظمة إن شاء الله تعالى بعد أن قدمت مكة المشرفة – زادها الله شرفاً و تعظيماً – و جاورت بها.

ذكر رجل ثقة عالم صدوق في اثناء مجاورتي بها أنه رأى في المنام : أن الإمام عليه السلام أمرني بأن أكتب في مكة المعظمة بخطي أحاديث كتاب الكافي. ثم رأيت أنا في المنام في حرم الله و المدينة المنورة ما كان متضمناً لأمرين : أحدهما أن ربي أعطاني بيتاً رفيعاً في الجنة فسكنته، والآخر أني رأيت بستاناً فيه أشجار الورد و بينها شجرة أرفع من الباقي لها أصل متين، فإذا أنا بهاتف يقول : (هذه الشجرة أنت و الباقي الفضلاء المجتهدون) و كانوا كلهم حاضرين في ذلك البستان و كانوا كلهم أضيافي.

و قد رأيت في صغر سني في المنام : أن أمير المؤمنين عليه السلام أمرني بقراءة سورة الفاتحة عليه، فقرأت كلها عليه.

و قد رأيت أن الإمام الثامن الضامن – صلوات الله عليه – كتب ثلاثة أسطر لي فوق درسي.

و المقصود من رواية تلك المنامات أن هذا التأليف الشريف إنما هو بتأييد الملك العلام و إعانة أهل الذكر عليهم السلام.

 

فائدتنا شريفتان

جعلناهما خاتمة الخاتمة :

الأولى : أنه نقل القاضي الميبدي في الفواتح عن الباب الثلاثمائة و الستة و الستين من الفتوحات المكية للشيخ محي الدين العربي : أن الله خليفة يخرج من عترة رسول الله صلى الله عليه و آله من ولد فاطمة يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه و آله جده الحسين بن علي بن أبي طالب، يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلى الله عليه و آله في الخلق – بفتح الخاء – و ينزل عليه في الخلق – بضم الخاء – أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يضع الجزية، و يدعو إلى الله بالسيف، و يرفع المذاهب عن الأرض، فلا يبقى إلا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود و كشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يجيبون دعوته و ينصرونه. و لولا أن السيف بيده لأفنى الفقهاء بقتله، و لكن ألله يظهره بالسيف و الكرم فيطمعون و يخافون و يقبلون حكمه من غير إيمان، بل يضمون خلافه و يعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهبهم أنه على ضلالة في ذلك الحكم، لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد و زمانه قد انقطع و ما بقي مجتهد في العالم، و أن الله لا يوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد. و أما من يدعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال لا يلتفتون إليه. هذا تمام الكلام المنقول فيها.

و الثانية : أن أفضل الحكماء الإسلاميين (العلامة الشيرازي أنه كان من التناسخية، و زعم جماعة من الفضلاء منهم الفاضل البرجندي : أن كتاب إخوان الصفا ألفه جماعة، ذكر ذلك في شرح التذكرة و وجده نسق الكلام في كل رسائله، و غير ذلك من القرائن التي تظهر عند اللبيب إذا طالعه بكذب ذلك الزعم) و هو من الواقفين على موسى بن جعفر عليه السلام يستفاد ذلك من صريح كلامه.

(و كان في دولة العباسية. و قد أشار إلى حسبه في بعض رسائل ذلك الكتاب، حيث قال في مباحث المخاصمة الواقعة بين زعماء الحيوانات و حكماء الجن و بين الإنسان في مجلس الملك : فسكت الجماعة حينئذ، فقام عهد ذلك عالم حبر فاضل زكي مستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين الحنفي المذهب، العراقي الأدب، العبراني المخبر، المسيحي المنهاج، الشامي النسك، اليوناني العلم، الملكي السيرة، الرباني الأخلاق، الإلهي الرأي، و قال : الحمد لله رب العرش العظيم ... إلى آخره. و المقالة طويلة نقلنا منها موضع الحاجة.

و أظن أن درجة التاج للعلامة الشيرازي ترجمة كتاب إخوان الصفا في كثير من مواضعه، و كانت له يد طولى في توضيح الفنون المتعلقة بالخيال، يشهد بذلك من تتبع كتابه هذا. و قد بالغ في كتابه في عود الإمام السابع و في أن الإمام الثامن الضامن يعني الرضا عليه السلام ما بلغ رتبة والده، و قد بالغ في إنكار غيبة الإمام (الثامن يعني الرضا عليه السلام) من خوف المخالفين و في عود الإمام السابع مكان التاسع. و هذا الكلام منه صريح في رأي التناسخية، خذلهم الله تعالى.

و بالجملة، هو أراد في رسائله الواحدة و الخمسين – الموافقة في العدد للصلوات الراتبة – أن يجمع بين قواعد الفلاسفة و الشريعة المحمدية صلى الله عليه و آله و مذهب الواقفية من الشيعة.

و نحن ننقل طرفاً من كتابه من باب (خذ ما صفي و دع ما كدر) و الحق أن له تنقيحات كثيرة في كل الفنون الرياضية و أشباه ذلك).

ذكر في رسالة بيان اللغات من كتاب إخوان الصفا مذاهب قدمائنا بوجه إجمالي لطيف و اختارها كما اخترناها، حيث قال :

اختلفت المذاهب و الآراء و الاعتقادات فيما بين أهل دين واحد و رسول واحد لافتراقهم في موضوعاتهم و اختلاف لغاتهم و أهوية بلادهم و تباين مواليدهم و آراء رؤسائهم و علمائهم الذين يحزبونهم و يخالفون بينهم طلباً لرئاسة الدنيا، و قد قيل في المثل : (خالف تذكر) لأنه لو لم يطرح رؤساء علمائهم الاختلاف بينهم لم تكن لهم رئاسة، و كانوا يكونون شرعاً واحداً، لأن أكثرهم متفقون في الأصول مختلفون في الفروع.

مثال ذلك : أنهم مقرون بالتوحيد و صفات الله سبحانه و تعالى مما يليق به، مقرون بالنبي المبعوث إليهم، متمسكون بالكتاب المنزل من جهة الرسول المرسل إليهم، مقرون بإيجاب الشريعة، مختلفون في الروايات التي وسائطها رجال مختلفون في المعاني، لأن النبي صلى الله عليه و آله كان من معجزته و فضيلته أنه كان يخاطب كل قوم بما يفهمون عنه بحسب ما هم عليه و بحسب ما تتصوره عقولهم، فلذلك اختلفت الروايات وكثرت الديانات و اختلفوا في خليفة الرسول، فكان ذلك من أكثر أسباب الخلاف في الأمة إلى حيث انتهينا.

و أيضاً فإن أصحاب الجدل و المناظرة و من يطلب المناقشة و الرئاسة اخترعوا من نفوسهم في الديانات و الشرائع أشياء كثيرة لم يأت بها الرسول و لا أقر بها، و ابتدعوها.

و قالوا لعوام الناس : هذه سنة الرسول، و حسنوا ذلك لأنفسهم حتى ظنوا هم أن الذي قد ابتدعوه حقيقة قد أمر بها الرسول صلى الله عليه و آله. و أحدثوا في الأحكام و القضايا أشياء كثيرة بآرائهم و عقولهم، و ضلوا بذلك عن كتاب ربهم و سنة نبيهم و استكبروا عن أهل الذكر الذين بينهم و قد أمروا أن يسألوهم عما أشكل عليهم، فظنوا لسخافة عقولهم أن الله سبحانه ترك أمر الشريعة و فرائض الديانة ناقصة حتى يحتاجا إلى أن يتموها بآرائهم الفاسدة و قياساتهم الكاذبة و اجتهادهم الباطل و ما يخرصوه و ما يخترعوه من أنفسهم. و كيف يكون ذلك! و هو يقول سبحانه و تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) و قال سبحانه : (بياناً لكل شيء) و إنما فعلوا ذلك طلباً للرئاسة – كما قلنا آنفاً – و أوقعوا الخلاف و المنازعة بين الأمة، فهم يهدمون الشريعة و يوهمون من لا يعلم أنهم ينصرونها.

و بهذه الأسباب تحزبت الأمة و وقعت العداوة بينهم و صاروا إلى الفتن و الحروب و يستحل بعضهم دماء بعض. فإن اتعظ بعض من يعرف الحق من العلماء و خاطب بعض رؤسائهم في ذلك و خوفه بالله و أرهبه من عذابه عدل إلى العوام و قال لهم : هذا فلان! و أغرى العوام به و نسب إليه من القول ما لم تأت به شريعة و ا يقوله عاقل، و لا يتمكن ذلك العالم من أن يبين للعوام كيف جري الأمر في الشريعة و يوقظهم مما هم فيه، لمكان ما قد علمه من عصيانهم و ألفهم بما قد نشئوا عليه خلفاً عن سلف.

و لما رأى رؤساؤهم ذلك و أن العلماء مشمئزة من العوام جعلوا ذلك شرفاً لهم عندهم و أوهموهم أن ذلك انقطاع منهم عن القيام بالحجة و إنما سكوتهم و تخفيهم لباطل يمنعهم و أن الحق هو ما أجمعنا عليه نحن، فلا يزال ذلك دأبهم. و الرؤساء فيهم يتزايدون في كل يوم و اختلافاتهم تزيد و  احتجاجاتهم و مناظراتهم و جدلهم تكثر، حتى هجروا أحكام الشريعة و غيروا كتاب الله بتفسيرهم له بخلاف ما هو به كما قال سبحانه و تعالى : (يحرفون الكلم عن مواضعه).

و في أصل أمرهم قد خربوا الأمة من حيث لا يشعرون، و تأولوا أخبار الرسول بتأويلات اخترعوها من أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان، و قلبوا المعاني و حملوها على ما يريدون مما يقوي رئاستهم. و تفسيق أهل العلم دأبهم عند العوام، يتوارث ذلك ابن عن أب و خلف عن سلف إلى أن يشاء الله إهلاكهم و انقراضهم، و لم يزل هؤلاء الذين هم علماء العوام أعداء الحق في كل أمة و قرن، فكم من نبي قتلوه و وصي جحده و عالم شردوه، فهم بأفعالهم هذه يكونون أسباباً في نسخ الشرائع و تجديدها في سالف الدهور إلى أن يتم وعد الله (إن يشأ الله يذهبكم و يأت بخلق جديد، و ما ذلك على الله بعزيز) (و العاقبة للمتقين) (و لقد كتبنا في الزبور بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين) فهذه العلة هي السب في اختلاف الآراء و المذاهب.

و إذا كان ذلك كذلك فيجب على طالب الحق و الراغب في الجنة أن يطلب ما يقربه إلى ربه و يخلصه من بحر الاختلاف و الخروج عن سجون أهله، و إن غفلت النفس عن مصالحها و مقاصدها وترك طريق الجنة والحق و أهله والدين الذي لا اختلاف فيه و انضم إلى أهل الخلاف و إلى رؤسائهم الأصنام المنصوبة كان ذلك سبب بوارها و هلاكها و بعدها عن جوار الله سبحانه و تعالى و قرنت بعفريت، قال الله سبحانه و تعالى : (و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين، و أنهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبأس القرين) فهكذا يكون حاله مع عالمه الذي اقتدى به و غره بربه. و جماعة العوام حوله و ينمق كلامه فيبعده من حيث لا يشعر، لأنه إذا حلل بقوله و حرم بقوله و رأيه فقد عبده، قال الله تعالى : (إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) فعليك أيها الأخ البار الرحيم أيدك الله بأهل العلم الذين هم أهل الذكر من أهل بيت النبوة المنصوبين لنجاة الخلق و قد قيل : استعينوا على كل صناعة بأهلها. انتهى

ما أردنا نقله عن كتاب (إخوان الصفا).

و أنا أقول : أيها الأخ اللبيب و الحكيم الأديب! انظر و تدبر كيف اطلع أهل التحقيق من الصوفية المتشرعين و من الفلاسفة الإسلاميين على المذهب الصحيح و الحق الصريح؟ و كيف تغافلت أو غفلت عنه أقوام من العرب، الوالهون في تشييد أركان الرئاسة، الحريصون في رجوع الخلق إليهم في أحكام الشريعة؟ فضلوا و أضلوا، فاستحبوا العمى على الهدى و هم عارفون، ثم تبعهم الغافلون.

و المعصوم أرباب العصمة. و من تمسك بهم في كل مسألة لا يمكن عادة أن يقع فيها غفلة أو زلة، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

و قد وقع الفراغ من تحرير الفوائد المدنية و حقائق قواعد الأصول الدينية في شهر ربيع الأول سنة إحدى و ثلاثين بعد الألف من الهجرة النبوية صلى الله عليه و آله في مكة المعظمة – زادها الله شرفاً و تعظيماً -.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2373460

 • التاريخ : 20/05/2019 - 17:22