الفصل الحادي عشر : في بيان أغلاط المعتزلة و الأشاعرة و من وافقهم في تعيين أول الواجبات 

القسم : كتب اصول فقه أهل البيت   ||   الكتاب : الفوائد المدنية   ||   تأليف : الأمين الاسترابادي

الفصل الحادي عشر

في بيان أغلاط المعتزلة و الأشاعرة و من وافقهم في تعيين أول الواجبات

 

و توضيح المقام : أن كل من تكلم في مسألة أول الواجبات و في مسألة أهل الفترة و الأطفال و أشباههما بمقتضى عقله – و هم المعتزلة و الأشاعرة و جمع قليل من أفاضل أصحابنا – زلت قدمه و خر ابعد ما بين السماء و الأرض! و من تمسك فيهما و في غيرهما بأصحاب العصمة عليهم السلام العاصمين للأئمة عن الخطأ في المسائل النظرية نجا، و هم الأخباريون من أصحابنا الملتزمون للتمسك بكلام العترة الطاهرة عليهم السلام في كل مسألة ليست من ضروريات الدين، و الباعث لالتزامهم ذلك أمران : عقلي، و نقلي :

أما العقلي : فما حققناه سابقاً من أن المنطق غير عاصم عن الخطأ في مواد الأفكار و العاصم عنه صاحب العصمة.

و أما النقلي : فما مضى في كلامنا : من أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأنه يجب التمسك بكلامهم عليهم السلام في كل مسألة لم تكن من ضروريات الدين.

و لننقل طرفاً من كلام القوم، ثم نشتغل بذكر ما استفدناه من كلام أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم -.

ففي شرح المواقف : المقصد السادس : النظر في معرفة الله – أي لأجل تحصيلها – واجب إجماعاً منا و من المعتزلة. و أما معرفة الله تعالى  فواجبة إجماعاً من الأمة، و اختلف في طريق ثبوته – أي ثبوت وجوب النظر في المعرفة – فهو يعني طريق الثبوت عند أصحابنا السمع، و عند المعتزلة العقل.

و فيه أيضاً : المقصد السابع : قد اختلف في أول واجب على المكلف أنه ماذا؟ فالأكثر – و منهم الشيخ أبو الحسن الأشعري – على أنه معرفة الله تعالى، إذ هو أصل المعارف و العقائد الدينية، و عليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية. و قيل : هو النظر فيها – أي في معرفة الله سبحانه – لأنه واجب اتفاقاً كما مر، و هو قبلها. و هذا مذهب جمهور المعتزلة و الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائني. و قيل : هو أول جزء من النظر، لأن وجوب الكلي ستلزم وجوب أجزائه، فأول جزء من النظر واجب و مقدم على النظر المتقدم على المعرفة. و قال القاضي و اختاره ابن فورك و إمام الحرمين : أنه القصد إلى النظر، لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المتقدم على أول أجزائه. و النزاع لفظي، إذ لو أريد الواجب بالقصد الأول – أي أريد أول الواجبات المقصودة أولاً و بالذات – فهو المعرفة اتفاقاً، و إلا – أي و إن لم يرد ذلك بل أريد أول الواجبات مطلقاً – فالقصد إلى النظر، لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقاً، فيكون واجباً أيضاً. و قد عرفت أن وجوب المقدمة إنما يتم في السب المستلزم دون غيره انتهى ما أردنا نقله.

و في الشرح العضدي للمختصر الحاجبي – في مقام ذكر أدلة المعتزلة لإثبات الحسن و القبح العقليين وردها – قالوا : لو كان شرعياً لزم إفحام الرسل، فلا تفيد البعثة و بطلانه ظاهر. بيانه : إذا قال الرسول : (انظر في معجزتي كي تعلم صدقي) فله أن يقول : (لا أنظر فيه حتى يجب علي النظر و أنه لا يجب حتى أنظر) و يكون هذا القول حقاً و لا سبيل للرسول إلى دفعه، و هو حجة عليه و هو معنى الإفحام.

الجواب أما أولاً : فإنه مشترك الإلزام، لأنه عن وجب عندهم بالعقل فليس ضرورياً لتوقفه على إفادة النظر للعلم مطلقاً و في الإلهيات خاصة، و على أن المعرفة واجبة و أنها لا تتم إلا بالنظر و أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، و الكل مما لا يثبت إلا بالنظر الدقيق. و إذا كان وجوبه نظرياً فللمكلف أن يقول ما تقدم بعينه، و هو أنه (لا يجب ما لم أنظر ول ا انظر ما لم يجب) أو (لا يجب ما لم يحكم العقل بوجوبه و لا يحكم ما لم يجب). و أما ثانياً  : فبالحل و هو أن قوله : (لا أنظر حتى يجب) غير صحيح، لأن النظر لا يتوقف على وجوب النظر و هو ظاهر. و قد يقال : فلا يمكن إلزامه النظر، و هو معنى الإفحام. و لو سلم أن النظر يتوقف على وجوبه فقوله : (لا يجب حتى أنظر، أو حتى يثبت الشرع) غير صحيح، فإن الوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت الشرع أو لم يثبت، لأن تحقق الوجوب لا يتوقف على العلم به، و إلا لزم الدور و ليس ذلك من تكليف الغافل في شيء فإنه يفهم التكليف و إن لم يصدق به انتهى.

و أنا أقول أولاً : قد نقل عن الصوفية أن معرفته تعالى عندهم ضرورية لا كسبية، فكيف يصح قوله : فأما معرفته تعالى فواجبة إجماعاً من الأمة؟

ثم أقول ثانياً : قد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوة متصلة إلى النبي صلى الله عليه و آله بأن معرفة الله عالى (و معرفة توحيده) بعنوان أنه خالق العالم و أن له رضى و سخطاً، و أنه لا بد من معلم من جهة الله تعالى ليعلم الخلق ما يرضيه و ما يسخطه من الأمور الفطرية التي وقعت في القلوب بإلهام فطري إلهي، كما قال الحكماء : الطفل يتعلق بثدي أمه بإلهام فطري إلهي.

و توضيح ذلك : أنه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم و ألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليه الكتاب، فأمر فيه و نهى.

و بالجملة، أنه لم يتعلق بهم وجوب و لا غيره من التكليفات إلا بعد بلوغ خطاب الشارع، و معرفة الله تعالى قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق الإلهام بمراتب (و كل ما بلغته دعوة النبي صلى الله عليه و آله يقع في قلبه من الله تعالى يقين على صدقه، فإنه تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأنه : ما من أحد إلا و قد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه، قبله أو تركه فأول الواجبات الإقرار اللساني بالشهادتين.

و كذلك تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأنه على الله التعريف و البيان و على الخلق أن يقبلوا ما عرفهم الله تعالى. و طريق التعريف و البيان أنه تعالى أولاً يلهمهم بتلك القضايا و كذلك يلهمهم بدلالات واضحة عليها صادعة قلبهم، ثم بعد ذلك تبلغهم دعوة النبي صلى الله عليه و آله و الدلالة على صدقه، ثم بعد ذلك يجب عليهم الإقرار (أي : الاعتراف اللساني ثم الاعتراف القلبي) بالشهادتين و بباقي ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله إجمالاً. و بأن من لم يحصل في حقه هذه الأمور – سواء كان من أهل الفترة أو كان له مانع آخر – لم يتعلق به تكليف في دار الدنيا و يتعلق به تكليف بدل ذلك يوم القيامة، ليهلك منهلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة.

(و يفهم من كلامهم عليهم السلام : أن الاعتراف و الإقرار القلبي أمر مغاير للمعرفة التصديقية التي بها يرتفع الشك و التردد، و أن الأول فعل مطلوب من العبد، و أن الثاني من خلق الله في القلوب.

و توضيح ذلك : أن العبد الغير المنافق إذا قال : لا إله إلا الله و محمد رسول الله، فقد حصل إقراران : اللساني و القلبي، فحديث النفس بذلك المعنى لأجل الانقياد اعتراف قلبي.

و يفهم من كلامهم عليهم السلام : أن تأليف معان مخصوصة بعضها مع بعض لأجل إيقاعها هو إرادة العبد، و تأليف معان أخر مخصوصة لأجل الانقياد بها هو الاعتراف القلبي، و من ثم وقع التصريح في كلامهم عليهم السلام في مواضع كثيرة بأن فعل العبد ثلاثة : تفكر القلب، و النطق باللسان، و عمل الجوارح و حقيقة تفكر النفس تحريك بعض القوى الداركة ليترتب عليه حضور معان مخصوصة و حصول تأليف مخصوص بينهما، كما أن حقيقة الإحساس تحريك بعضها ليترتب عليه الحضور و الإحساس).

و ذكر ابن حجر المكي في شرح القصيدة الهمزية عند قول ناظمها :

لم تزل في ضمائر الكون مختار           لك الأمهات و الآباء

لك أن تأخذ من كلام الناظم الذي علمت من الأحاديث مصرحة به لفظاً في أكثره و معنى في كله : أن آباء النبي صلى الله عليه و آله غير الأنبياء و أمهاته إلى آدم و حواء ليس فيهم كافر، لأن الكافر لا يقال في حقه : إنه مختار و لا كريم و لا طاهر، بل نجس كما في آية (إنما المشركون نجس) و قد صرحت الأحاديث السابقة بأنهم يختارون و أن الآباء كرام و الأمهات طاهرات. و أيضاً فهم إلى إسماعيل عليه السلام كانوا من أهل الفترة، و هم في حكم المسلمين بنص الآية الآتية، و كذا من بين كل رسولين و أيضاً قال الله تعالى : (و تقلبك في الساجدين) على أحد التفاسير فيه : أن المراد تنقل نوره من ساجد إلى ساجد و حينئذ فهو صريح في أن أبوي النبي صلى الله عليه و آله آمنة و عبد الله من أهل الجنة لأنهما من أقرب المختارين. و هذا هو الحق، بل في حديث صحيح غير واحد من الحفاظ – و لم يلتفتوا لمن طعن فيه – أن الله تعالى أحياهما له فآمنا به خصوصية لهما و كرامة له صلى الله عليه و آله فقول ابن دحيك (برده القرآن و الإجماع) ليس في محله، لأن ذلك ممكن شرعاً على جهة الكرامة و الخصوصية، فلا يرده قرآن و لا إجماع. و كون الإيمان به لا ينفع بعد الموت محله في غير الخصوصية و الكرامة، و قد صح أنه صلى الله عليه و آله ردت عليه الشمس بعد مضيها فعاد الوقت حتى صلى العصر أداء كرامة له صلى الله عليه و آله فكذا هنا. و طعن بعضهم في صحة هذا مما لا يجدي أيضاً. و خبر (إن الله تعالى لم يأذن لنبيه صلى الله عليه و آله في الاستغفار لأمه) إما كان قبل إحيائها له و إيمانها به، أو أن المصلحة اقتضت تأخير الاستغفار لها عن ذلك الوقت فلم يؤذن له فيه حينئذ.

فإن قلت : إذا قررتم أنهما من أهل الفترة و أنهم لا يعذبون فما فائدة الإحياء.

قلت فائدته احافهما بكمال لم يحصل لأهل الفترة، لأن غاية أمرهم أنهم ألحقوا بالمسلمين في مجرد السلامة من العقاب، و أما مراتب الثواب العلية فهم بمعزل عنها، فالحقا بمرتبة الإيمان زيادة في شرف كمالهما بحصول تلك المراتب لهما.

و لا يرد على الناظم (آزر) فإنه كافر مع أن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أنه أبو إبراهيم عليه السلام و ذلك، لأن أهل الكتابين أجمعوا على أنه لم يكن أباه حقيقة و إنما كان عمه و العرب تسمي العم أباً، بل في القرآن ذلك، قال تعالى : (و آبائي إبراهيم و إسماعيل و إسحاق) مع أنه عم يعقوب، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب تأويله بهذا جمعاً بين الأحاديث. و أما من أخذ بظاهره – كالبيضاوي و غيره – فقد تساهل و استروح.

و حديث مسلم قال رجل ك يا رسول الله أي أبي؟ قال : (في النار) فلما قفا دعاه فقال : (إن أبي و أباك في النار) متعين تأويله، و أظهر تأويلاته : أنه أراد بأبيه عمه أبا طالب، أو أنه إنما قصد بذلك أن يطيب خاطر ذلك الرجل خشية أن يرتد أو كان ذلك قبل أن ينزل عليه (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) كما وقع أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال : (هم من آبائهم) ثم سئل عنهم فذكر أنهم في الجنة.

و أما قول النووي في حديث مسلم (إن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار) : و ليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم و غيره عليه الصلاة و السلام فبعيد جداً، للاتفاق على أن إبراهيم و من بعده لم يرسلوا للعرب و رسالة إسماعيل إليهم انتهت بموته، إذ لم يعلم لغير نبينا صلى الله عليه و آله عموم بعثة بعد الموت.

و قد يؤول كلامه بحمله على عباد الأوثان الذين ورد فيهم أنهم في النار.

و بهذا يؤول كلام الفخر الرازي القريب من كلام النووي.

ثم رأيت الآبي – شارح مسلم – بالغ في الرد على النووي بأن كلامه متناف لحكمه بأنهم أهل فترة، و بأن الدعوة بلغتهم و من بلغتهم الدعوة ليسوا أهل فترة، لأنهم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول و لا أدركوا الثاني.

ثم قال : و لما دلت القواطع على أن لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أن أهل الفترة غير معذبين انتهى. و هو موافق لما ذكرته.

و أما الذين صح تعذيبهم مع كونهم من أهل الفترة، فلا يردون نقضً على ما عليه الأشاعرة من أهل الكتاب و الأصول و الشافعية من الفقهاء من أن أهل الفترة لا يعذبون، و سبب ذلك أننا عهدنا في الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه حكم بكفره مع صباه لأمر يعلمه الله و رسوله، فلا يرد هؤلاء نقضاً على ما استفيد من الآية و مشى عليه أولئك الأئمة، لأن أهل الفترة لا يعذبون.

هذا الذي ذكرته في الجواب أولى من الجواب بأن أحاديثهم أخبار آحاد و لا يعارض القطع بأن أهل الفترة لا يعذبون، أو بأن التعذيب المذكور في الأحاديث مقصور على من بدل و غير من أهل الفترة بما لم يعذر به، كعبادة الأوثان و تغيير الشرائع، و كان قائل هذا ممن يرى وجوب الإيمان بالعقل. و الذي عليه أكثر أهل السنة و الجماعة أنه لا يجب توحيد و لا غيره إلا بعد إرسال الرسول إليهم، و من المقرر : أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل عليه السلام و أن إسماعيل انتهت رسالته بموته، فلا فرق بين من غير و بدل و غيره، ما عدا من صح تعذيبه فيقصر ذلك عليه، لأنه لا قياس في ذلك.

و قول أبي حيان ك إن الرافضة قائلون بأن آباء النبي صلى الله عليه و آله غير معذبين مستدلين بقوله تعالى : (و تقلبك في الساجدين) لك رده بأن مثل أبي حيان إنما يرجع عليه في علم النحو و ما يتعلق به و أما المسائل الأصولية فهو عنها بمعزل، كيف! و الأشاعرة و من ذكر معهم فيما مر آنفاً قالوا بأنهم مؤمنون غير معذبين، فنسبة ذلك للرافضة وحدهم، مع أن هؤلاء الذين هم أئمة أهل السنة قائلون به قصور و أي قصور و تساهل و أي تساهل؟! انتهى ما أردنا نقله من كلام ابن حجر المكي.

فلنذكر طرفاً من تلك الأخبار :

ففي كتاب العلل في باب علل الشرائع و أصول الإسلام : حدثني عبد الواحد بن محمد عبدوس النيسابوري العطار قال : حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري : إن سأل سائل فقال : أخبرني عن تكليف الحكيم عبده فعلاً من الأفاعيل لغير علة و لا معنى؟

قيل له : لا يجوز ذلك، لأنه حكيم غير عابث و لا جاهل.

فإن قال : فأخبرني لم كلف الخلق؟

قيل : لعلل :

فإن قال : فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي، أم غير معروفة و لا موجودة؟

قيل : بل هي معروفة موجودة عند أهلها.

فإن قال : أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟

قيل : لهم منها ما نعرفه و منها ما لا نعرفه.

فإن قال : فما أول الفرائض؟

قيل : الإقرار بالله و بما جاء به من عند الله.

فإن قال : لم أمر الخلق بالإقرار بالله و برسوله و حجته و بما جاء به من عند الله؟

قيل  العلل كثيرة، منها : أن من لم يقر بالله لم يتجنب معاصيه و لم ينته عن ارتكاب الكبائر و لم يراقب أحداً فيما يشتهي و يهواه من غير مراقبة لأحد، كان في ذلك فساد الخلق أجمعين و وثوب بعضهم على بعض، فغصبوا الفروج و الأموال و أباحوا الدماء و السبي و قتل بعضهم بعضاً من غير حق، ولا جرم فيكون في ذلك خراب الدنيا و هلاك الخلق و فساد الحرث و النسل.

و منها : أن الله عز و جل حكيم و لا يكون الحكيم و لا يوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد و يأمر بالصلاح و يزجر عن الظلم و ينهى عن الفواحش، و لا يكون حظر الفساد و الأمر بالصلاح و النهي من الفواحش إلا بعد الإقرار بالله و معرفة الآمر و الناهي، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله و لا معرفة لم يثبت أمر بصلاح و لا نهي عن فساد، إذ لا أمر و لا نهي.

و منها : أنا قد وجدنا الخلق قد يفسدون بأمور باطنة مستورة عن الخلق، فلولا الإقرار بالله و خشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا  بشهوته و إرادته يراقب أحداً في ترك معصية و انتهاك حرمة و ارتكاب كبيرة إذا كان فعل ذلك مستوراً عن الخلق غير مراقب لأحد، فكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين، فلا يكون قوام الخلق و صلاحهم إلا بإقرار منهم بعليم خبير يعلم السر و أخفى أمر بالصلاح و نهى عن الفساد و لا يخفى عليه خافية، ليكون في ذلك انزجار لهم عما يخفون به من أنواع الفساد.

فإن قال : فلم وجب عليكم معرفة الرسل و الإقرار بهم و الإذعان لهم.

قيل : لأنه لما لم يكن في شلقهم و قواهم بما يصيبون به لمباشرة الصانع عز و جل حتى يكلمهم و يشافههم، و كان الصانع عن أن يرى و يباشر، و كان ضعفهم و عجزهم عن إدراكه ظاهراً لم يكن بد لهم من رسول بينه و بينهم معصوم يؤدي إليهم أمره و نهيه و أدبه و يقفهم على ما يكون به اجتلاب منافعهم و دفع مضارهم إذا لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم و مضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته و طاعته لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة و لا صلاح، و ليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء.

فإن قال : و لم جعل أولي الأمر و أمر بطاعتهم؟

قيل : لعلل كثيرة :

منها : أن الخلق إنما وقفوا على حد محدود و أمروا أن لا يعتدوا تلك الحدود، لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك و لا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أميناً يأخذهم بالوقت عندما يبيح لهم و يمنعهم من التعدي على ما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذته و منفعته بفساد غيره، فجعل عليهم قيم يمنعهم من الفساد و يقيم فيهم الحدود و الأحكام.

و منها : أنا لا نجد فرقة من الفرق و لا ملة من الملل بقوا و عاشوا إلا بقيم و رئيس لما لا بد لهم في أمر الدين و الدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه و لا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم و يقسمون به فيئهم و يقيمون به جمعتهم و جماعتهم و يمنع ظالمهم من مظلومهم.

و منها : أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة و ذهب الدين و غيرت السنن و الأحكام، و لزاد فيه المبتدعون و نقص فيه الملحدون و شبهوا ذلك على المسلمين، إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم و اختلاف أهوائهم و تشتت أنحائهم فلو لم يجعل فيها قيماً حافظاً لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيناه، و غيرت الشرائع و السنن و الأحكام و الإيمان و كان في ذلك فساد الخلق أجمعين.

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد و أكثر من ذلك؟

قيل : لعلل :

منها : أن الواحد لا يختلف فعله و تدبيره و الاثنين لا يتفق فعلهما و تدبيرهما، و ذلك أنا لم نجد إلا اثنين مختلفي الهمم و الإرادة، فإذا كان اثنين ثم اختلفت هممهما و إرادتهما و كانا كلاهما مفترض الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه فكان يكون في ذلك اختلاف الخلق و التشاجر و الفساد، ثم لا يكون أحد مطيعاً لأحدهما إلا و هو عاص للآخر فتعم المصيبة أهل الأرض، ثم لا يكون مع ذلك السبيل إلى الطاعة و الإيمان، و يكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع و الذي وضع لهم باب الاختلاف و سبب التشاجر إذا أمرهم باختلاف المختلفين.

و منها : أنه لو كان إمامين كان لكل من الخصمين أن يدعو إلى غير الذي يدعو إليه الآخر في الحكومة، ثم لا يكون أحدهما أولى بأن يتبع من صاحبه فتبطل الحقوق و الأحكام و الحدود.

و منها : أنه لا يكون واحد من الحجتين أولى بالنظر و الحكم و الأمر و النهي من الآخر و إذا كان هذا كذلك وجب عليهما أن ينبذوا الكلام، و ليس لأحدهما أن يسبق صاحبه بشيء إذا كانا في الأمة شرعاً واحداً، فإن جاز لأحدهما السكوت جاز للآخر مثل ذلك، و إذا جاز لهما السكوت بطلت الحقوق و الأحكام و عطلت الحدود و صارت الناس كأنهم لا إمام لهم.

فإن قيل : فلم لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسول صلى الله عليه و آله؟

قيل : لعلل :

منها : أنه لما كان الإمام مفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه و يتميز بها من غيره، و هي القرابة المشهورة و الوصية الظاهرة، ليعرف من غيره و يهتدي إليه بعينه.

و منها : أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان فضل من ليس برسول على الرسول، إذ جعل أولاد الرسول أتباعاً لأولاد أعدائه – كأبي جهل و ابن أبي معيط – لأنه قد يجوز بزعمه أنه ينتقل بذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين فتصير أولاد الرسول تابعين و أولاد أعداء الله متبوعين، فكان الرسول ولى بهذه الفضيلة من غيره و أحق.

و منها : أن الخلق إذا أقروا للرسول بالرسالة و أذعنوا له بالطاعة لم يتكبر أحد منهم عن أن يتبع ولده و يطيع دولته و لم يتعاظم ذلك في أنفس الناس، و إذا كان في غير جنس الرسول كان كل واحد منهم في نفسه أولى به من غيره و دخل من ذلك الكبر و لم تسنح أنفسهم بالطاعة لمن هو عندهم دونهم، فكان يكون في ذلك داعية لهم إلى الفساد و النفاق و الاختلاف.

فإن قال : فلم وجب عليهم الإقرار و المعرفة بأن الله تعالى واحد أحد؟

قيل : لعلل :

منها : أنه لو لم يجب ذلك عليهم لجاز لهم أن يتوهموا مدبرين أو أكثر من ذلك، و إذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره، لأن كل إنسان منهم لا يدري لعله إنما يعبد غير الذي خلقه و يطيع غير الذي أمره، فلا يكونوا على حقيقة من صانعهم و خالقهم و لا يثبت عندهم أمر آمر و لا نهي ناه، إذ لا يعرف الأمر بعينه و لا الناهي من غيره.

و منها : أنه لو جاز أن يكون اثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يعبد و يطاع من الآخر، و في إجازة أن يطاع ذلك الشريك إجازة أن لا يطاع الله، و في أن لا يطاع الله الكفر بالله و لجميع كتبه و رسله و إثبات كل باطل و ترك كل حق و تحليل كل حرام و تحريم كل حلال و الدخول في كل معصية و الخروج من كل طاعة و إباحة كل فساد و إبطال كل حق.

و منها : أنه لو جاز أن يكون أكثر من واحد لجاز لإبليس أن يدعي أنه ذلك الآخر حتى يضاد الله في جميع حكمه و يصرف العباد إلى نفسه، فيكون في ذلك أعظم الكفر و أشد النفاق.

فإن قال : فلم وجب عليه الإقرار بالله بأنه ليس كمثله شيء؟

قيل : لعلل :

منها : لأن يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة و الطاعة دون غيره، غير مشتبه عليهم ربهم و صانعهم و رازقهم.

و منها : أنهم لو لم يعلموا أنه ليس كمثله شيء لم يدروا لعل ربهم و صانعهم هذه الأصنام التي نصبتها لهم آباؤهم و الشمس و القمر و النيران إذا كان جائزاً أن يكون مشبهاً، و كان يكون في ذلك الفساد و ترك طاعاته كلها و ارتكاب معاصيه كلها على قدر ما يتناهى إليهم من إخبار هذه الأرباب و أمرها و نهيها.

و منها : أنه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أنه ليس كمثله شيء لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز و الجهل و التغيير و الزوال و الفساد و الكذب و الاعتداد، و من جاز عليه هذه الأشياء لم يؤمن فناؤه و لم يوثق بعدله و لم يحقق قوله و أمره و نهيه و وعده و وعيده و ثوابه و عقابه، و في ذلك فساد الخلق و إبطال الربوبية.

فإن قال  : لم أمر الله عز و جل العباد و نهاهم؟

قيل : لأنه لا يكون بقاؤهم و صلاحهم إلا بالأمر و النهي و المنع عن الفساد و التغاصب.

فإن قال : لم تعبدهم؟

قيل : لئلا يكونوا ناسين لذكره و لا تاركين لأدبه و لا لاهين عن أمره و نهيه إذا كان فيه صلاحهم و فسادهم و قوامهم، فلو تركوا بغير تعبد لطال عليهم الأمد و قست قلوبهم.

فإن قيل : فلم أمروا بالصلاة؟

قيل : لأن في الصلاة الإقرار بالربوبية، و هو صلاح عام، لأن فيه خلع الأنداد و القيام بين يدي الجبار بالذل و الاستكانة و الخضوع و الاعتراف و الطلب في الإقالة من سالف الذنوب، و وضع الجبهة على الأرض كل يوم ليكون ذاكراً لله عز وجل غير ناس له، و يكون خاشعاً وجلاً متذللاً طالباً راغباً مع الطلب للدين و الدنيا بالزيادة، مع ما فيه من الإنزجار عن الفساد جداً، و صار ذلك عليه في كل يوم و ليلة لئلا ينسى العبد مدبره و خالقه فيبطر و يطغى، و ليكون في ذلك خالقه و القيام بين يدي ربه زاجراً له عن المعاصي و حاجزاً و مانعاً عن أنواع الفساد.

فإن قال : فلم أمر بالوضوء و بدأ به؟

قيل : لأنه يكون طاهراً إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه مطيعاً له فيما أمره نقياً من الأدناس و النجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل و طرد النعاس و تذكية الفوائد للقيام بين يدي الجبار.

فإن قال : فلم وجب ذلك على الوجه و اليدين، و مسح الرأس و الرجلين؟

قيل : لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه و يظهر ما وجب فيه من الوضوء، و ذلك أنه بوجهه يسجد و يخضع، و بيده يسأل و يرغب و يرهب و يتبتل، و برأسه يستقبل في ركوعه و سجوده، و برجليه يقوم و يقعد. و الحديث الشريف طويل نقلنا منه موضع الحاجة.

حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال : قلت للفضل بن شاذان – لما نقلت منه هذه العلل : أخبرني عن هذه العلل التي ذكرتها عن الاستنباط و الاستخراج و هي من نتائج العقل أو هي مما سمعته و رويته؟ فقال لي : ما كنت أعلم مراد الله عز و جل بما فرض ولا مراد رسول الله صلى الله عليه و آله بما شرع و سنن، و لا أعلل من ذات نفسي بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام مرة بعد مرة و الشيء بعد الشيء فجمعتها فقلت فأحدث بها عنك عن الرضا عليه السلام؟ فقال : نعم.

و في باب القرآن من كتاب التوحيد لابن بابويه : أخرج شيخنا محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد – رضي الله عنه – في جامعه، و حدثنا به عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عثمان عن عبد الرحيم القصير قال كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام جعلت فداك! اختلف الناس في أشياء قد كتبت بها إليك، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تشرح لي جميع ما كتبت إليك، اختلف الناس جعلت فداك بالعراق في المعرفة و الجحود، فأخبرني جعلت فداك أهما مخلوقان؟ و اختلفوا في القرآن، فزعم قوم : أن القرآن كلام الله غير مخلوق، و قال آخرون : كلام الله مخلوق. و عن الاستطاعة أقبل الفعل أم مع الفعل؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه و رووا فيه. و عن الله تبارك و تعالى هل يوصف بالصورة أو بالتخطيط؟ فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد. و عن الحركات أهي مخلوقة أو غير مخلوقة؟ و عن الإيمان ما هو؟

فكتب عليه السلام على يدي عبد الملك بن أعين :

سألت عن المعرفة ما هي، فاعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوقة، و الجحود صنع الله في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيها من صنع، و لهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم للإيمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، و بشهوتهم للكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالاً و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم.

و سألت رحمك الله عن القرآن و اختلاف الناس قبلكم، فإن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق غير أزلي مع الله تعالى ذكره و تعالى عن ذلك علواً كبيراً، كان الله عز و جل و لا شيء غير الله معروف و لا مجهول، كان عز و جل و لا متكلم و لا مريد و لا متحرك و لا فاعل جل و عز ربنا، فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه جل و عز ربنا، و القرآن كلام الله غير مخلوق، فيه خبر من كان قبلكم و خبر من يكون بعدكم، أنزل من عند الله على محمد رسول الله صلى الله عليه و آله.

و سألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل، فإن الله عز وجل خلق العبد و جعل له الآلة و الصحة، و هي القوة التي يكون العبد بها متحركاً مستطيعاً للفعل، و لا متحرك إلا و هو يريد الفعل و هي صفة مضافة إلى الشهوة التي هي خلق الله عز و جل مركبة في الإنسان، فإذا تحركت الشهوة في الإنسان اشتهى الشيء و أراده، فمن ثم قيل للإنسان : مريد، فإذا تحركت الشهوة في الإنسان اشتهى الشيء و أراده، فمن ثم قيل للإنسان : مريد، فإذا أراد الفعل و فعل كان مع الاستطاعة و الحركة فمن ثم قيل للعبد : مستطيع متحرك، فإذا كان الإنسان ساكناً غير مريد للفعل و كان معه الآلة – و هي القوة و الصحة اللتان بهما تكون حركات الإنسان – كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل : ساكن، فوصف بالسكون.. فإذا اشتهى الإنسان و تحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهى الفعل و تحرك بالقوة المركبة فيه و استعمل الآلة التي بها يفعل الفعل، فيكون الفعل منه عندما تحرك و اكتسبه فقيل : فاعل و متحرك و مكتسب و مستطيع أو لا ترى أن جميع ذلك في صفات يوصف بها الإنسان.

و سألت رحمك الله عن التوحيد و ما ذهب إليه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، تعالى الله عما يصف الواصفون المشبهون الله تبارك و تعالى بخلقه المفترون على الله عز و جل، فاعلم رحمك الله : أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز و جل، فانف عن الله عز و جل البطلان و التشبيه، فلا نفي و لا تشبيه، هو الله الثابت الوجود، تعالى الله عما يصفه الواصفون، و لا تعد القرآن فتضل بعد البيان.

و سألت رحمك الله عن الإيمان، فالإيمان هو الإقرار باللسان و عقد بالقلب و عمل بالأركان، فالإيمان بعضه من بعض، و قد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً و لا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً، فالإسلام قبل الإيمان و هو يشارك الإيمان، فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز و جل عنها كان خارجاً من الإيمان و ساقطاً عنه اسم الإيمان و ثابتاً عليه اسم الإسلام، فإذا تاب و استغفر اله عاد إلى الإيمان و لم يخرج إلى الكفر و الجحود. و إذا قال للحلال هذا حرام و للحرام : هذا حلال و دان بذلك، فعندها يكون خارجاً من الإيمان و الإسلام إلى الكفر، و كان بمنزلة رجل دخل إلى الحرام ثم دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثاً فأخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار إلى النار.

قال مصنف هذا الكتاب : كان المراد من هذا الحديث : ما كان فيه من ذكر القرآن و معنى ما فيه أنه غير مخلوق، أي غير مكذوب، و لا يعني به أنه غير محدث، لأنه قد قال : (محدث غير مخلوق و غير أزلي مع الله تعالى ذكره) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

أقول : هذا الحديث الشريف موافق لقولهم عليهم السلام : (ستة أشياء من صنع الله ليس للعباد فيها صنع : النوم و اليقظة، و الرضا و الغضب، و العلم، والجهل) و موافق لقول الحكماء و علماء الإسلام : المفهومات الخبرية و غير الخبرية الضرورية الغير الاختيارية و الكسبية الاختيارية كلها فائضة على النفوس من الله تعالى، لقوله تعالى : (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا).

ثم أقول : يستفاد من الأحاديث أن تأثيراته تعالى أنواع :

منها : خلق شيء بأمر كن.

و منها : جعل أشياء أسباباً لوجود أشياء أخر، بأن يقال : كن سبباً مستلزماً لذلك.

و منها : أن يقال : لا تكن شيء من أفعال الخير و أفعال الشر إلا بعد سبق مشيئتي و إرادتي و قدري و قضائي و إذني و كتاب و أجل. و لولا النوع الأخير لكان العبد مستطيعاً تاماً من كل فعل أراده، و لزم التفويض. و قولهم عليهم السلام : (أبى الله أن بجري الأشياء إلا بأسبابها) ناظر إلى ذلك.

فعلم من ذلك أن السبب قسمان : سبب طبيعي كطلوع الشمس لوجود النهار، و سبب غير طبيعي كجعل الله تعالى إصابة العين و السحر سبباً مستلزماً لوجود آثارهما، و كجعل الله تعالى تحريك النفس الناطقة بعض قواها سبباً لحضور بعض المفهومات عندها، و كجعل حضور بعضها سبباً لفيضان النتيجة عليها، فعلم أن الفكر يرجع إلى تحريك النفس الناطقة بعض قواها حركة أينية. و إلى هذا يؤول كلام القدماء حيث فسروا الفكر و النظر بمجموع الحركتين.

و من جملة تأثيراته تعالى : جعل بدن شخص مسخراً لنفس شخصية دون غيرها، و تسليط الملك و الشيطان على قلوبنا.

و من جملة تأثيراته تعالى : جعل أشياء سبباً لوجود اليقين في نفوسنا، وجعل أشياء سبباً لوجود الظنون في نفوسنا الصحيحة منها و الفاسدة.

و من جملة تأثراته تعالى : أنه نهانا عن إتباع الظن المتعلق بما جاء به النبي صلى الله عليه و آله من العقائد و الأحكام الخمسة و الأحكام الوضعية الشرعية، و أمرنا بإتباع الظن في الجملة في غير ذلك، كخرص الأثمار على أصولها لضمان الزكاة، و قيم المتلفات، و أروش الجنايات، و تعيين جهة الكعبة، و عدد الأشواط و الركعات، كل ذلك لدفع الفتن و لنظام المعاش و المعاد.

فإن قلت : كيف تأثير النفس الناطقة في البدن؟

قلت : يتحرك البدن بأمرها كما وقع التصريح به في الأحاديث.

فإن قلت : تحرك البدن بأمر النفس من قبيل ترتب المسببات على أسبابها الغير الطبيعية، فيكون حركة البدن الإرادية من صنع الله تعالى، أم من قبيل أن الله تعالى قال للنفس : كوني قادرة على خلق الحركة في البدن بأمر كن متحركاً؟

قلت : المستفاد من الأحاديث الثاني. و يمكن تأويلها بأن أصل حركة البدن من صنع الله و تعيين جهاتها من صنع النفس.

فإن قلت : أمر النفس البدن من أي مقولة؟

قلت : عسى أن يكون من قبيل إيجاد كيف في البدن، نظير جعل المفهومات ملاحظة ملتفتاً إليها، فإن كونها ملاحظة من مقولة الكيف.

ثم أقول : من جملة أدلتي على أن التصديق القلبي الضروري و الكسبي الذي به يرتفع تردد النفس و شكها ليس من أفعال النفس الاختيارية بل من صنع الله تعالى، إنه لو كان من أفعال النفس لكان للنفس أن لا تصدق بصانع و لا بنبي و لا بأمر و لا بنهي، فيلزم إفحام الله تعالى عن إتمام الحجة عليها، و لما صح قوله تعالى : (ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة) و لكان للنفس أن لا تعتقد بلوغ المال قد النصاب لتفر من وجوب الزكاة، و غير ذلك.

و بعد اللتيا و التي ظهر عليك و انكشف لديك معنى قوله عليه السلام : (الجحود و المعرفة من صنع الله تعالى ليس للعباد فيهما صنع) و ذلك لأن المراد به أن فيضان المفهومات الخبرية الصادقة الإيمانية على القلوب و أدلتها القوية من صنع الله تعالى، و كذلك فيضان المفهومات الخبرية الكاذبة الكفرية و شبهاتها الضعيفة. و السبب في الأول إلهام الملك و في الثاني وسوسة الشيطان. و هما نظير كلام الواعظ و المضل من بني آدم.

و يمكن أن يكون المراد به فيضان اليقين بالمفهومات الخبرية الإيمانية في آن تصورها و فيضان الظن بالمفهومات الخبرية الكفرية في آن آخر بعد ذلك الآن مع الأمر بإتباع اليقين و النهي عن إتباع الظن. و إلى ذلك ناظر قوله تعالى : (و هديناه النجدين) أي نجد الخير و نجد الشر. و الله أعلم.

و أما قوله تعالى : (و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) فمعناه : أنه يفعل ذلك، فمن اختار الضلالة على الهدى بعد المعرفة يرفع الملك عن قلبه و التخلية بينه و بين الشيطان. و أن القلب الخبيث الثابت شقاوته يوم الميثاق و يتبع وسوسة الشيطان فيضيق صدره بالظن الباطل الفائض من الله تعالى عقيب وسوسة الشيطان. و الله أعلم بمراده.

و من الموضحات لما ذكرناه : قول الرضا عليه السلام في رسالته المأمونية : اعلم أن الأجسام الإنسانية جعلت على مثال الملك، فملك الجسد هو ما في القلب، و العمال العروق و الأوصال و الدماغ، و بيت الملك قلبه، و أرضه الجسد، و الأعوان يداه و رجلاه و عيناه و شفتاه و لسانه و أذناه، و خزانته معدته و بطنه، و حجابه صدره. فاليدان عونان يقربان و يبعدان و يعملان على ما يوحي إليهما الملك. و الرجلان ينقلان الملك حيث يشاء. و العينان يدلان على ما يغيب عنه، لأن الملك من وراء حجاب لا يوصل إليه إلا بهما و هما سراجاه أيضاً. و حصن الجسد و حرزه الأذنان لا يدخلان على الملك إلا ما يوافقه، لأنهما لا يقدران أن يدخلا شيئاً حتى يوحي الملك إليهما، فإذا أوحى إليهما أطرق الملك منصتاً لهما حتى يسمع منهما، ثم يجيب بما يريد، فيترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة، منها ريح الفؤاد و بخار المعدة و معونة الشفتين، و ليس للشفتين قوة إلا بالأسنان و ليس يستغني بعضها عن بعض، و الكلام لا يحسن إلا بترجيعه في الأنف، لأن الأنف يزين الكلام كما يزين النفخ المزام. و كذلك المنخران هما ثقبتا الأنف يدخلان على الملك مما يحب من الرياح الطيبة فإذا جاءت ريح تسوء على الملك أوحى إلى اليدين فحجبا بين الملك و تلك الريح. و للملك مع هذا ثواب و عقاب. فعذابه أشد من عذاب الملوك الظاهرة القاهرة في الدنيا، و ثوابه أفضل من ثوابهم. فأما عذابه فالحزن، وأما ثوابه فالفرح، و أصل الحزن في الطحال، و أصل الفرح في الثرب و الكليتين. و منهما عرقان موصلان إلى الوجه، فمن هناك يظهر الفرح و الحزن فترى علامتهما في الوجه. و هذه العروق كلها طرق من العملاء إلى الملك و من الملك إلى العمال، ومصداق ذلك أنه إذا تناولت الدواء أدته العروق إلى مواضع الداء بإعانتها. انتهى ما أردنا نقله من الرسالة الشريفة.

و قول أبي عبد الله عليه السلام المذكور في أصول كتاب الكافي – في باب أن الإيمان مبثوث بجوارح البدن كلها - : أبو عمرو الزبيري، قال، قلت له : إن الإيمان ليتم و ينقص و يزيد؟ قال : نعم، لأن الله تبارك و تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسمه عليها، فمنها : قلبه الذي به يعقل و يفقه و يفهم، و هو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلا عن رأيه و أمره.

حماد بن عمرو النصيبي عن أبي عبد الله عليه السلام : إن الله تبارك و تعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم و فرقه عليها، فمنها : قلبه الذي به يعقل و يفقه و يفهم و هو أمير بدنه الذي لا تورد الجوارح و لا تصدر إلا عن رأيه و أمره. و الحديثان الشريفان طويلان نقلنا منهما موضع الحاجة.

أقول : معنى خلق المعرفة و الجحود في القلوب خلق أن هذا حق و خلافه باطل مع الأدلة على ذلك، كما قال الله تعالى : (و هديناه النجدين) يعني نجد الخير و نجد الشر، وكما قال الله تعالى : (و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) و هم يعرفون كما وقع التصريح به في الأحاديث و سيجيء في الفصل الثاني عشر تفسير هذا الحديث الشريف.

و قول الصادق عليه السلام : ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أم تركه و ذلك أن الله تعالى يقول في كتابه : (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون).

و قوله عليه السلام : ليس من باطل يقوم بإزاء الحق إلا غلب الحق الباطل، و ذلك قوله : (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) انتهى.

و قوله تعالى : (و لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل و بعثنا منهم اثني عشر نقيباً و قال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و آمنتم برسلي و عزرتموهم و أقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم و لأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كثر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه و نسوا حظاً مما ذكروا به.

و في الكافي للإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس الله سره – في باب الاضطرار إلى الحجة – عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال للزنديق الذي سأله من أين اثبت الأنبياء و الرسل؟ قال : إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا و عن جميع ما خلق الله و كان ذلك الصانع حكيما صمت عالياً لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشرونه و يحاجهم و يحاجوه، ثبت إن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه و عباده و يدلونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبرون عنه جل و عز، وهم الأنبياء و صفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها، غير مشاركين للناس – على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب – في شيء من أحوالهم، مؤيدين عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم تثبت ذلك في كل دهر و زمان بما أتت به الرسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين، لكيلا تخلو أرض اله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته.

و عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الله أجل و أكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال : صدقت قلت : عن من عرف أن له رباً فقد ينبغي له أن يعرف لذلك الرب رضاً و سخطاً، و أنه لا يعرف رضاه و سخطه إلا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة من الله على خلقه؟ قالوا : بلى، قلت : فحين قضى رسول الله صلى الله عليه وآله من كان الحجة على خلقه؟ فقالوا : القرآن، فنظرت القرآن فذا هو يخاصم به المرجئي و القدري و الزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم : من قيم القرآن؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم، و عمر يعلم، و حذيفة يعلم، قلت : كله؟ قالوا : لا، فلم أجد أحداً يقال : غنه يعرف ذلك كله إلا علياً صلوات الله عليه، و إذا كان الشيء بين القوم فقال هذا : لا أدري، و قال هذا : لا أدري، و قال هذا : لا أدري، و قال هذا : أنا أدري، فأشهد أن علياً عليه السلام كان قيم القرآن و كانت طاعته مفترضة و كان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و أن ما قال في القرآن فهو حق. فقال : رحمك الله.

و في كتاب العقل من الكافي : عن أبي عبد الله بن سنان،عن أبي عبد الله عليه السلام قال : حجة الله على العباد النبي صلى الله عليه و آله و الحجة فيما بين الله و بين العباد العقل.

و فيه أيضاً : يا هشام! إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة عليهم السلام و أما الباطنة فالعقول.

و قال ابن السكيت لأبي الحسن عليه السلام : ما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال عليه السلام : العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه و الكاذب على الله فيكذبه. قال ابن السكيت : هذا و الله هو الجواب.

أقول : إن الله تعالى يوقع في القلب نجد الخير و نجد الشر مع المنبهات على كل واحد منها، و أن الشيطان يوقع فيه خلاف ذلك، فالعقل يميز بين الصواب و الخطأ و الظن و اليقين و يختار الصواب و اليقين. و هذا معنى كونه حجة كما يستفاد من الروايات، و أن العقل مستقل بتحصيل المقدمات كما ذهبت إليه المعتزلة.

و في كتاب الله تعالى : (و إذا أوحيت إلى الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين.

و في كتاب التوحيد لشيخنا الصدوق : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عبيد الله الدهقان، عن درست، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع : المعرفة و الجهل و الرضا و الغضب و النوم و اليقظة.

حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن الحسين، عن أبي شعيب المحاملي، عن درست بن أبي منصور، عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوا قبل أن يعرفهم، و للخلق على الله أن يعرفهم، و لله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوه.

حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن علي بن الحكم، عن أبان الأحمر، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال لي : اكتب، فأملى علي : إن من قولنا : إن الله يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم، ثم أرسل إليهم رسولاً و أنزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى، أمر فيه بالصلاة و الصوم فنام رسول الله صلى الله عليه و آله عن الصلاة، فقال : أنا أنيمك و أنا أوقظك فاذهب و صل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون : إذا نام عنها هلك، و كذلك الصيام أنا أمرضك و أنا أصححك فإذا شفيتك فاقضه. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : و كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق و لم تجد أحداً إلا و لله عليه الحجة و له فيه المشيئة، و لا أقول : إنهم ما شاءوا صنعوا. ثم قال : إن الله يهدي و يضل. و قال : و ما أمروا إلا بدون سعتهم، و في كل شيء أمر الناس به فهم يسعون له، و كل شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم، و لكن أكثر الناس لا خير فيهم. ثم قال : (ليس عل الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله و رسوله) فوضع عنهم (ما على المحسنين من سبيل و الله غفور رحيم، و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ...) الآية فوضع عنهم لأنهم لا يجدون.

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حماد بن عبد الأعلى قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام أصلحك الله! هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال، فقال : لا. قلت : فهل كلفوا المعرفة؟ قال : لا، على الله البيان لا يكلف الله نفساً إلا وسعها و لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها. و سألته عن قول الله عز و جل : (و ما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) قال :حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه.

و بهذا الإسناد عن يونس بن عبد الرحمن، عن سعدان يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله عز وجل لم ينعم على عبد بنعمة إلا و قد ألزمه فيها الحجة من الله عز وجل، فمن من الله عليه فجعله قوياً حجته عليه القيام بما كلفه و احتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه، و من من الله عليه فجعله موسعاً عليه فحجته عليه ماله، يجب عليه تعاهد الفقراء بنوافله، و من من الله عليه فجعله شريفاً في بيته جميلاً في صورته فحجته عليه أن يحمد الله على ذلك و أن لا يتطاول على غيره فيمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله. أبي رحمه الله قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول اجعلوا أمركم لله و لا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله و ما كان للناس فلا يصعد إلى الله. و لا تخاصموا الناس لدينكم، فإن المخاصمة ممرضة للقلب، إن الله عز و جل قال لنبيه صلى الله عليه و آله : (إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء) و قال : (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس، و إنكم أخذتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله إني سمعت أبي يقول : إن اله عز و جل إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره.

و حدثنا أب رضي الله عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال : إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة من نور و فتح مسامع قلبه و وكل به ملكاً يسدده، و إذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء و سد مسامع قلبه و وكل به شيطاناً يضله، ثم تلى هذه الآية : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء).

حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قال : أخبرنا أحمد بن الفضل بن مغيرة قال : حدثنا منصور بن عبد الله بن إبراهيم الأصفهاني قال : حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا أبو شعيب المحاملي، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن المعرفة أمكتسبة هي؟ فقال : لا، فقيل له : فمنع صنع الله عز و جل و عطائه هي؟ قال : نعم، و ليس للعباد فيها صنع، و لهم اكتساب الأعمال. و قال عليه السلام : أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين.

حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان، عن سليمان قال : كتبت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن أفعال العباد أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فكتب عليه السلام : أفعال العباد مقدرة في علم الله عز و جل قبل خلق العباد بألفي عام.

حدثنا أبي رضي الله عنه قال :حدثنا سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الأصفهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث النخعي القاضي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من عمل بما علم كفي ما لم يعلم.

حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن يحيى العطار قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن الحكيم قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المعرفة صنع من هي؟ قال : من صنع الله عز وجل ليس للعباد فيها صنع.

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله عز و جل احتج على الناس بما آتاهم و ما عرفهم.

حدثنا محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : (و ما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) قال :حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه، و قال : (فألهمها فجورها و تقواها) قال : يبين لها ما تأتي و ما تترك، و قال : (إنا هديناه السبيل إما شاكراً و إما كفورا) قال : عرفناه إما آخذاً و إما تاركاً، و في قوله عز وجل : (و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) و هم يعرفون.

حدثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم رحمه الله عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن بكير، عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز و جل : (و هديناه النجدين) قال : نجد الخير و نجد الشر.

أبي رحمه الله قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال : لا.

حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله عنه عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

و في الكافي – في باب بعد باب البيان و التعريف و لزوم الحجة – محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسين بن زيد، عن درست بن أبي منصور، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع : المعرفة و الجهل و الرضا و الغضب و النوم و اليقظة.

و في الكافي – في باب البيان و التعريف و لزوم الحجة – محمد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المعرفة من صنع من هي؟ قال : من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع.

و في الكافي – في باب حجج الله على خلقه – محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي شعيب المحاملي، عن درست بن أبي منصور، عن بريد بن معاوية عن أبي عبد اله عليه السلام قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوا، و للخلق على الله أن يعرفهم، و لله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا.

أقول : المراد من (المعرفة) اليقين الذي يقع في القلب من الله تعالى، و هو ليس من فعل القلب كما تواترت به الأخبار عنهم عليهم السلام و المراد من (القبول) الإقرار اللساني و الجناني و الأركاني، وهذا الإقرار المركب من أجزاء ثلاثة من أفعالنا الاختيارية و هو أحد معاني الإيمان، فإنه تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن الإيمان كله عمل و بأنه مركب من فعل اللسان و فعل القلب و الجوارح.

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال لي : اكتب، فأملى علي : أن من قولنا : إن الله يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم، ثم أرسل غليهم رسولاً و أنزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى ... إلى آخر الحديث. و قد تقدم نقله فاكتفينا بما تقدم.

و في الكافي : عن داود البرقي عن العبد الصالح عليه السلام قال : إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف.

حسن بن علي الوشاء قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : إن أبا عبد الله عليه السلام قال : إن الحجة لا تقوم لله عز و جل على خلقه إلا بإمام حتى يعرف.

محمد بن عمارة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف.

أبو بصير عن أحدهما عليه السلام قال، قال : إن الله عز وجل لم يدع الأرض بغير عالم، و لولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل.

و في الكافي – في باب إن السكينة هي الإيمان – محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز و جل : (أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) قال : هو الإيمان. قال : و سألته عن قول الله عز و جل : (و أيدهم بروح منه) قال : هو الإيمان.

أقول : المراد من الإيمان هنا نفس المعرفة. و يستفاد من كلامهم عليهم السلام إن الكفر جاء في كتاب الله بخمسة معان، و الإيمان جاء بمعان ثلاثة :

أحدها : نفس المعرفة التي يتوقف عليها حجية الأدلة النقلية، و هي من صنع الله.

و الثاني : الإقرار القلبي و اللساني على وفق تلك المعرفة، و هذا من صنع العبد.

و الثالث : طاعة الله تعالى قلباً و لساناً و جوارحاً في كل ما أوجب و حرم، و الأخير يزول بارتكاب صغيرة من الصغائر ثم يرجع بالتوبة كما وقع التصريح بهما في الأحاديث.

عنه، عن أحمد بن صفوان، عن أبان، عن الفضيل قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) هل لهم فيما كتب في قلوبهم صنع؟ قال : لا.

في كتاب المحاسن للثقة الجليل أحمد بن أبي عبد الله البرقي قدس سره : عنه، عن أبيه، عن صفوان قال : قلت للعبد الصالح عليه السلام : هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة؟ قال : لا، إنما هو تطول من الله. قلت : أفلهم على المعرفة ثواب إذا كانوا ليس فيهم ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال : لا، إنما هو تطول من الله عليهم و تطول بالثواب.

عنه، عن بن فضال، عن علي بن عقبة و فضل الأسدي، عن عبد الأعلى مولى بني سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال لم يكلف الله العباد المعرفة، و لم يجعل لهم إليها سبيلاً.

عنه، عن الحسن بن علي بن الوشاء، عن أبان الأحمر بن عثمان، عن فضل أبي العباس البقباق قال : سالت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل : (كتب في قلوبهم الإيمان) هل لهم في ذلك صنع؟ قال : لا.

عنه، عن الوشاء، عن أبان الأحمر، عن الحسن بن زياد قال : سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الإيمان هل للعباد فيه صنع؟ قال : لا و لا كرامة، بل هو من اله و فضله.

عنه، عن محمد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيوب الحر، عن الحسن بن زياد قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل : (حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم) هل للعباد بما حبب صنع؟ قال : لا و لا كرامة.

عنه، عن أبيه،عن فضالة بن أيوب، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل : (و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم) قال : كان ذلك معاينة لله فأنساهم المعاينة و أثبت الإقرار في صدورهم، و لولا ذلك ما عرف احد خالقه و لا رازقه و هو قول الله عز وجل : (و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله).

عنه، عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : فطرهم على معرفة أنه ربهم، و لولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم و لا من رازقهم.

عنه، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله  عليه السلام عن قول الله عز وجل : (و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) قال : ثبت المعرفة في قلوبهم و نسوا الموقف و سيذكرونه يوماً، و لولا ذلك لم يدر أحد من خالقه و لا من رازقه.

و في الكافي – في كتاب الإيمان و الكفر – باب آخر منه، فيه زيادة وقوع التكليف الأول : محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي و عقبة جميعاً، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله عز وجل خلق الخلق، فخلق من أحب مما أحب فكان ما أحب أن خلقه من طينة من النار، ثم بعثهم في الظلال. فقلت : و أي شيء الظل؟ فقال : ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئاً و ليس بشيء، ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز و جل، و هو قوله عز و جل : (و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم و أنكر بعضهم، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها و الله من أحب و أنكرها من أبغض و هو قوله : (و ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) ثم قال أبو جعفر عليه السلام : كان التكذيب ثم.

و في كاب التوحيد لشيخنا الصدوق محمد بن علي بن بابويه – في باب فطرة الله عز و جل الخلق على التوحيد – أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان،عن العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال التوحيد.

أقول : المراد من التوحيد هنا حصر خلاق العالم في شخص واحد معين.

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : التوحيد.

حدثنا محمد بن موسى المتوكل رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله عز وجل (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ما تلك الفطرة؟ قال : هي الإسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، فقال : (ألست بربكم) و فيه المؤمن و الكافر.

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم و يعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : فطرهم على التوحيد.

أبي رحمه الله قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : فطرهم على التوحيد.

أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله،عن أحمد و عبد الله ابني محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : فطرهم جميعاً على التوحيد.

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن حسان الواسطي، عن الحسن بن يونس، عن عبد الرحمن بن كثير مولى أبي جعفر عليه السلام عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل : (فطرة الله التي فطر الناس عليها)قال : التوحيد و محمد رسول الله و علي أمير المؤمنين.

أبي رحمها الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله،عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله ابن المغيرة، عن ابن مسكان،عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : أصلحك الله، قول الله عز و جل في كتابه : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال : فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة أنهربهم. قلت : و خاطبهم؟ قال : فطأطأ رأسه ثم قال : لولا ذلك لم يعلموا من ربهم و لا من رازقهم.

أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم و محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب و يعقوب بن يزيد جميعاً، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : (حنفاء لله غير مشركين به) و عن الحنيفية، قال : هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال : فطرهم على المعرفة.

قال زرارة : و سألته عن قول الله عز و جل (و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ...) الآية قال : أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرفهم و أراهم صنعه، و لولا ذلك لم يعرف أحد ربه. قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : (كل مولود ولد على الفطرة) يعني على المعرفة بأن الله عز و جل خالقه، فذلك قوله تعالى : (و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله).

حدثنا أبو أحمد أبو القاسم بن محمد بن أحمد السراج الهمداني قال : حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن إبراهيم السرنديبي قال حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن هارون الرشيد بحلب قال : حدثنا محمد بن آدم أبي أياس قال : حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : لا تضربوا أطفالكم على بكائهم، فإن بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله، و أربعة أشهر الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله، و أربعة أشهر الدعاء لوالديه.

و في كتاب الكافي – في باب فطرة الله على الخلق على التوحيد – أحاديث قريبة مما نقلناه عن كتاب التوحيد.

و في كتاب المحاسن للبرقي قدس سره : عن بعض أصحابنا، عن عباد بن صهيب، عن يعقوب،عن يحيى بن المساور، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال موسى بن عمران عليه السلام : يا رب، أي الأعمال أفضل عندك؟ فقال : حب الأطفال، فإن فطرتهم على توحيدي، فإن أمتهم أدخلتهم برحمتي جنتي.

و في الكافي – في باب الغيبة – زرارة بن أعين قال، قال أبو عبد الله عليه السلام : لا بد للغلام من غيبة. قلت : و لم؟ قال : يخاف و أومأ بيده إلى بطنه، و هو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، فمنهم من يقول : حمل، و منهم من يقول : مات أبوه و لم يخلف، و منهم من يقول : ولد قبل موت أبيه بسنتين. قال زرارة، فقلت : و ما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان؟ قال : ادع الله بهذا الدعاء : اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم عرفه قط، اللهم عرفني حجتك فنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.

و في الكافي – في باب دعائم الإسلام – عن عيسى بن السري أبي اليسع قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع أحد التقصير عن معرفة شيء، منها الذي من قصر عن معرفة شيء منها فسد عليه دينه و لم يقبل منه عمله، و من عرفها و عمل بها صلح له دينه و قبل منه عمله و لم يضق مما هو فيه لجهل شيء من الأمور جهله، فقال : شهادة أن لا إله إلا الله، و الإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه و آله و الإقرار بما جاء به من عند الله، و حق في الأموال الزكاة، و الولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد صلى الله عليه و آله. قال : فقلت له هل في الولاية شيء دون شيء فضل يعرف به لمن أخذ به؟ قال : نعم، قال الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و ولي الأمر منكم) و قال رسول الله صلى اله عليه و آله : (من مات و لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية) و كان رسول الله صلى الله عليه وآله و كان علياً عليه السلام. و قال الآخرون : كان معاوية ثم كان الحسن ثم كان الحسين. و قال الآخرون : يزيد بن معاوية و حسين بن علي و لا سواء. قال : ثم سكت ثم قال : أزيدك؟ فقال له حكم العور : نعم جعلت فداك! قال : ثم كان علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبا جعفر، و كانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر و هم لا يعرفون مناسك حجهم و حلالهم و حرامهم حتى كان أبو جعفر عليه السلام ففتح لهم و بين لهم مناسك حجهم وحلالهم و حرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس، و هكذا يكون الأمر. و الأرض لا تكون إلا بإمام و من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية. و أحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه – و أهوى بيده إلى حلقه – و انقطعت عنك الدنيا، تقول : لقد كنت على أمر حسن.

و في كتاب الجنائز من الكافي – في باب الأطفال – علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته هل سئل رسول الله صلى الله عليه و آله عن الأطفال؟ فقال : قد سئل فقال : (الله أعلم بما كانوا عاملين) ثم قال : يا زرارة هل تدري قوله : (الله أعلم بما كانوا عاملين؟) قلت : لا، قال لله فيهم المشيئة، إنه إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأطفال و الذي مات من الناس في الفترة و الشيخ الكبير الذي أدرك النبي صلى الله عليه و آله و هولا يعقل و الأصم والأبكم الذي لا يعقل و المجنون و الأبله الذي لا يعقل، فكل واحد منهم يحتج على الله عز و جل فيبعث الله إليهم ملكاً من الملائكة فيؤجج لهم ناراً ثم يبعث الله إليهم ملكاً فيقول لهم : إن ربكم يأمركم أن تثبتوا فيها، فمن دخلها كانت عليه برداً و سلاماً و أدخل الجنة و من تخلف عنها دخل النار.

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن غير واحد رفعوه أنه سئل عن الأطفال : فقال : إذا كان يوم القيامة جمعهم الله و أجج لهم ناراً و أمرهم أن يطرحوا أنفسهم فيها، فمن كان في علم الله تعالى أنه سعيد رمى بنفسه فيها و كانت عليه برداً و سلاماً، و من كان في علمه أنه شقي امتنع فيأمر الله بهم إلى النار، فيقولون : يا ربنا تأمر بنا إلى النار و لم تجر علينا القلم؟ فيقول الجبار : قد أمرتكم مشافهة فم تطيعوني فكيف لو أرسل رسلي بالغيب إليكم.

و في حديث آخر : أما أطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم و أولاد المشركين يلحقون بآبائهم، و هو قول الله تعالى : (الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم).

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الولدان، فقال : سئل عن رسول الله صلى الله عليه و آله عن الولدان و الأطفال، فقال : اله أعلم بما كانوا عاملين.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة،عن زرارة قال، قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في الأطفال الذين ماتوا قبل أن يبلغوا؟ فقال : سئل عنهم رسول الله صلى الله عليه و آله فقال : (الله أعلم بما كانوا عاملين) ثم أقبل علي و قال ك يا زرارة هل تدري ما عنى بذلك  رسول الله صلى الله عليه و آله ؟ قال، قلت : لا، فقال : إنما عنى كفوا عنهم و لا تقولوا فيهم شيئاً و ردوا علمهم إلى الله).

عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة،عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : (الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) قال، فقال : قصرت الأبناء عن عمل الآباء فألحقوا الأبناء بالآباء لتفر بذلك أعينهم.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام : أنه سئل عمن مات في الفترة و عمن لم يدرك الحنث و المعتوه، فقال : يحتج الله عليهم، يرفع لهم ناراً، فيقول لهم : ادخلوها فمن دخلها كانت عليه برداً و سلاماً و من أبى قال : ها أنتم قد أمرتكم فعصيتموني.

و بهذا الإسناد قال : ثلاثة يحتج عليهم : الأبكم و الطفل و من مات في الفترة فترفع لهم نار فيقال لهم : ادخلوها فمن دخلها كانت عليه برداً و سلاماً و من أبى قال تبارك و تعالى : هذا قد أمرتكم فعصيتموني.

و اعلم أن كثيراً من أحاديث باب الأطفال مذكور في كتاب التوحيد لابن بابويه و في كتاب من لا يحضره الفقيه له، فإن شئت فارجع إليهما و فيما نقلناه عن الكافي كفاية إن شاء الله تعالى.

و في كتاب الإيمان و الكفر من كتاب الكافي – في الباب الثالث من أبواب طينة المؤمن و الكافر – زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله تبارك و تعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذباً و ماء مالحاً أجاجاً فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً، فقال لأصحاب اليمين و هم كالذر يدبون : (إلى الجنة بسلام، و قال لأصحاب الشمال  إلى النار و لا أبالي، ثم قال : (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال : ألست بربكم و إن هذا محمد رسولي و إن هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا : بلى، فثبتت لهم النبوة، و أخذ لها الميثاق على أولي العزم أني ربكم و محمد رسولي و علي أمير المؤمنين و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزان علمي عليهم السلام و أن المهدي أنتصر به لديني و أظهر به دولتي و أنتقم به من أعدائي و أعبد به طوعاً و كرهاً، قالوا : أقررنا يا رب و شهدنا و لم يجحد آدم و لم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، و لم يكن لآدم عزم على الإقرار به، و هو قوله عز و جل : (و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزماً) قال : إنما هو فترك، ثم أمر ناراً فأججت، فقال لأصحاب الشمال : ادخلوها فهابوها، و قال لأصحاب اليمين : ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم برداً و سلاماً، فقال أصحاب الشمال : يا رب أقلنا، فقال : قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها، فثم ثبتت الطاعة و الولاية و المعصية.

و أقول : أحاديث هذه الأبواب لكثرتها بلغت حد التواتر المعنوي.

و في باب آخر بعده : صالح بن سهل، عن أبي عبد الله عليه السلام : أن بعض قريب قال لرسول الله صلى الله عليه و آله : بأي شيء سبقت الأنبياء و أنت بعثت بعدهم آخرهم و خاتمهم؟ فقال : إني كنت أول من آمن بربي و أول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، فكنت أنا أول نبي قال : بلى، بل فسبقتهم بالإقرار بالله عز و جل.

و أقول : هنا فوائد لا بد من التنبيه عليها :

الأولى : أنه يستفاد من هذه الأحاديث غلاط المعتزلة و الأشاعرة و من وافق المعتزلة من متأخري أصحابنا في مسألة أول الواجبات.

الثانية : أنه يستفاد من هذه منها أن قول المعتزلة و من وافقهم من أصحابنا في تحقيق كيفية بدء تعلق التكليف بعيد عن الحق نهاية البعد.

الثالثة : أنه يستفاد منها أن ما زعمه الأشاعرة : من أن مجرد تصور الخطاب من غير سبق معرفة إلهامية بخالق العالم و بأن له رضى و سخطاً و بأنه لا بد من معلم من جهته تعالى ليعلم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم كاف في تعلق التكليف بهم، ليس بصحيح.

الرابعة : أنه يستفاد منها أن العباد لم يكلفوا بتحصيل معرفة أصلاً و أنه على الله التعريف و البيان أولاً بإلهام محض، و ثانياً بإرسال الرسول و إنزال الكتاب و إظهار المعجزة على يده صلى الله عليه و آله و عليهم قبول ما عرفهم الله.

الخامسة : أن الحديث الشريف الذي نقلناه عن باب القرآن من كتاب التوحيد لابن بابويه يشتمل على فوائد لا تعد و لا تحصى :

من جملتها أن فيه تصريحاً بأن الإذعان القلبي المتعلق بالقواعد الإيمانية من الله تعالى و ليس من أفعالنا الاختيارية، و فيه وجهان :

أحدهما : كونه ميلاً قلبياً طبيعياً يترتب على المقدمات الفائضة على القلب من الله تعالى.

و ثانيهما : كونه مخلوقاً لله تعالى، و هو الحق، و هو صريح الأحاديث، و ذهب إليه المتأخرون من المنطقيين، كما نقله عنهم العلامة الرازي في شرح الشمسية إلا أنه من الأفعال القلبية و ذكر السيد الشريف في حاشية شرح الشمسية و غيرها : قد توهموا أن الحكم فعل من أفعال النفس الصادرة عنها، بناء على أن الألفاظ التي يعبر بها عن الحكم تدل على ذلك كالإسناد و الإيقاع و الانتزاع و الإيجاب و السلب و غيرها. و الحق أنه إدراك، لأنا إذا راجعنا إلى وجداننا علمنا أنا بعد إدراك النسبة الحكمية الاتصالية و الانفصالية لم يحصل لنا سوى إدراك أن تلك النسبة واقعة أي مطابقة لما في نفس الأمر، أو إدراك أنها ليست بواقعة أي غير مطابقة لما في نفس الأمر انتهى كلامه.

و هنا إشكال لا يزال كان يخطر ببالي في أوائل سني، و هو أنه كيف نقول بأن التصديقات فائضة من الله تعالى على النفوس الناطقة و منها كاذبة و منها كفرية، و هذا إنما يتجه على رأي جمهور الأشاعرة القائلين بجواز العكس – بأن يجعل الله كل ما حرمه واجباً و بالعكس – المنكرين للحسن و القبح الذاتيين، لا على رأي محققيهم و لا على رأي المعتزلة و لا على رأي أصحابنا.

اللهم إلا أن يقال : تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن الله يحول بين المرء و بين أن يجزم جزماً باطلاً فبقي الإشكال في الظن الباطل. و يمكن أن يقال : إنه من الميول القلبية. و الإنصاف أن الفرق بين الجزم و الظن بأن الجزم من الكيفيات النفسانية الفائضة على النفوس من المبدأ و الظن من الميول الطبيعية القلبية، بعيد عن الصواب. (فتبين أن كلاهما من الميول القلبية الطبيعية).

و أقول : لقائل أن يقول : الأحاديث السابقة صريحة في أن التصديقات القلبية الإيمانية التي يرتفع بها الشك مخلوقة لله تعالى و للعباد اكتساب الأعمال. و في الأحاديث تصريحات بأن من جملة نعماء الله تعالى على بعض عباده أنه يسلط عليه ملكاً ليسدده و يلهمه الحق، و من جملة غضب الله تعالى على بعض عباده أنه يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل. و أيضاً من المعلوم : أن خلق الإذعان الغير المطابق للواقع قبيح لا يليق به تعالى.

فالجواب الحق عن الإشكال أن يقال : التصديقات الصادقة فائضة على القلوب من الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة ملك و هي تكون جزماً و ظناً، والتصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان، و هي لا تتعدى الظن فلا تصل إلى حد الجزم (و لك أن تقول في جواب القائل : إن وسوسة الشيطان سبب لفيضان المفهومات و الظنون على القلوب من الله تعالى ككلام المضل من بني آدم، و ليست للشيطان قدرة على خلق المفهومات في نفوسنا و لا خلق الظن و لا للملك. و في خلق الظنون الصحيحة والفاسدة بحسب أسبابها منافع كثيرة و به ينتظم المعاش و المعاد، فلا نسلم أن خلقها قبيح، و إنما كان قبيحاً إذا اكتفى به و لم يخلق في القلوب يقيناً معارضاً له في باب ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و لم يكتف، وإذا لم يقع نهي عن إتباعه في العقائد و الأحكام الشرعية و قد وقع).

السادسة : أنه تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن (طلب العلم فريضة على كل مسلم) كما تواترت بأن المعرفة موهبية غير كسبية و إنما عليهم اكتساب الأعمال فكيف يكون الجمع بينهما؟

أقول : الذي استفدته من كلامهم عليهم السلام في الجمع بينهما : أن المراد بالمعرفة ما يتوقف عليه حجية الأدلة السمعية من معرفة صانع العالم و توحيده و أن له رضى و سخطاً، و ينبغي أن ينصب معلماً ليعلم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم و من معرفة النبي صلى الله عليه و آله. و المراد من العلم الأدلة السمعية كما قال النبي صلى الله عليه و آله : (العلم إما آية محكمة أو سنة متبعة أو فريضة عادلة) و في قول الصادق عليه السلام – المتقدم - : (إن من قولنا إن الله احتج على العباد بما آتاهم و عرفهم ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب و أمر فيه و نهى) و نظائره إشارة إلى ذلك. ألا ترى أنه عليه السلام قدم أشياء على الأمر و النهي فتلك الأشياء كلها معارف و ما يستفاد من الأمر و النهي، كله هو العلم.

السابعة : أن العامة قد روت عنه صلى الله عليه وآله قريباً مما تقدم، فالأشاعرة منهم ذهبوا إلى أن الله تعالى يخلق التوحيد و الكفر و الطاعة والمعصية في عباده. و يمكن أن يتوهم متوهم أن ظاهر بعض الآيات و بعض الروايات معهم. و ليس الأمر كذلك، بل معناهما أن الله تعالى كلف الأرواح كلهم صغيرهم وكبيرهم و كافرهم و مؤمنهم قبل تعلقهم بالأبدان مرة بثلاثة أشياء : الإقرار بالربوبية و النبوة و الولاية، فأقر بعضهم بكلها دون بعض، ثم كلف جمعاً منهم بعد تعلقهم بالأبدان مرة ثانية، فكل يعمل في عالم الأبدان على وفق ما عمل في عالم الأرواح.

و أما إنه تعالى هو المضل، فقد تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن الله تعالى يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة و لا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة، فلا بد من الجمع بينهما. و وجه الجمع – كما يستفاد من الأحاديث و إليه ذهب ابن بابويه – أن من جملة غضب الله تعالى على بعض العباد أنه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب و أناب يزيل الله تعالى تلك النكتة، و إلا فتنتشر تلك النكتة حتى تستوعب قلبه كله، فحينئذ لا يلتفت قلبه إلى موعظة و دليل.

لا يقال : من المعلوم : أنه مكلف بعد ذلك، و إذا امتنع تأثر قلبه يكون تكليفه بالطاعة من قبيل التكليف بما لا يطاق.

لأنا نقول : إن انتشار النكتة لا ينتهي إلى حد تعذر التأثر.

و مما يؤيد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة من أهل البيت عليهم السلام من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبداً.

ثم أقول : هنا دقيقة أخرى هي أنه (تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بانقسام غير السعيد إلى قسمين : المغضوب عليه والضالين و بانقسام الأمة إلى ثلاثة : المؤمن و الناصبي و الضال و في كلامهم عليهم السلام تصريح بأن المحسن من الضال يدخله الجنة بفضل رحمته، فمعنى كونه مضلاً : أنه يخلي بعض على ما هو عليه كما في الفترة. و يمكن أن يقال) : يستفاد من قوله تعالى : (و هديناه النجدين) أي نجد الخير و نجد الشر، و من نظائره من الآيات و الروايات : أن تصوير النجدين و تمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى، و الله عز و جل قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل، و قد لا يحول و يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه تعالى يتفرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير و الشر، فهذا معنى كونه تعالى هادياً و مضلاً.

و بالجملة، إن الله تعالى يقعد أولاً في أحد أذني قلب الإنسان ملكاً و في أحد أذنيه شيطاناً، ثم يلقي في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الله الملك عن قلبه ويخلي بينه و بين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، و هذا معنى كونه تعالى مضلاً لبعض عباده).

الثامنة : أنه وقعت مشاجرة عظيمة من غير فيصل بين المتأخرين من أصحابنا في تحقيق معنى الناصبي، فزعم بعضهم أن المراد به : من نصب العداوة لأهل البيت عليهم السلام. و ذهب بعضهم إلى أن المراد به من نصب العداوة لمذهب الإمامية. و في الأحاديث تصريحات بالثاني. و من قال بالأول كان قليل البضاعة في أحاديثنا الواردة في الأصوليين.

و من الأحاديث الصريحة فيما اخترناه ما نقله الشيخ الصدوق في كتاب العلل حيث قال : حدثنا محمد بن الحسن قال : حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول : أنا أبغض محمداً و آل محمد، و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنكم تتولونا و أنكم من شيعتنا.

و ما نقله محمد بن إدريس الحلي في آخر السرائر عن كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم مولانا أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليه السلام في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى، قال : كتبت إليه أسأله عن الناصب، هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب : من كان على هذا فهو ناصب.

و الأحاديث الصريحة في حصر المسلم في المؤمن و الناصبي و الضال و في تفسير الضال بمن لم يعرف مذهب الإمامية و لم ينصب العداوة له.

و يمكن جعل المناقشة بين الفريقين لفظية بأن يقال : المراد من نصب العداوة لأهل البيت عليهم السلام ما يعم نصب العداوة لهم بأعيانهم و نصب العداوة لهم تحت قاعدة كلية، مثل أن يقال نبغض كل من يبغض الشيخين.

التاسعة : أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأنه لا بد في كل زمان من معصوم منصوب من قبله تعالى، ليكون حجة على الناس أجمعين من لدن آدم عليه السلام إلى انقراض الدنيا فعلى هذا يكون معنى الفترة عندنا : استتار الإمام خوفاً من أشرار الناس استتاراً ينتهي إلى عدم بلوغ الدعوة إلى جمع من الناس، و إلى عدم تمكن جمع آخر من أخذ كل الأحكام منه عليه السلام.

العاشرة : أنه يستفاد من هذه الروايات أن أهل الفترة – أي القسم المتعارف منه و هو الذي من لم تبلغه الدعوة و من يحذوا حذوهم – لم يتعلق به تكليف أصلاً، أما بالمعارف فلأنها من الله تعالى مطلقاً، و أما بغيرها فلأنه يستفاد مما جاء به النبي صلى الله عليه و آله كما مر تحقيقه. و قد وقع من جميع الفرق غير الأخباريين من أصحابنا إفراط و تفريط في مسألة أهل الفترة، و السبب فيه أنهم لم يأخذوها من صاحب الوحي و اتكلوا على مجرد عقولهم فيها.

و اعلم أن الأصوليين وضعوا باباً لتحقيق أن الأفعال الاختيارية الغير الضرورية مع قطن النظر عن خطاب الشارع كيف يكون حكمها؟ ليفرعوا عليه حكم واقعة لم يبلغ العبد فيها خطاب من جهة الشارع سواء كان من أهل الفترة أو لم يكن.

فقال صاحب جمع الجوامع من الشافعية : حكمت المعتزلة العقل، فإن لم يقض فثالثها لهم الوقف عن الحظر و الإباحة.

و قال الزركشي في شرحه : هذا من المصنف تحرير لنقل مذهب الاعتزال، فإن الإمام الرازي عمم الخلاف بينهم في جميع الأفعال. و ليس كذلك، بل الأفعال الاختيارية عندهم تنقسم إلى ما يقتضي العقل فيها بحسن أو قبح، و تنقسم إلى الأحكام الخمسة بحسب ترجيح الحسن أو القبح و تعادلهما، و لا خلاف عندهم في هذا، و إليه أشار بقوله : (و حكمت المعتزلة العقل) أي فيما يقضي فيه العقل و دل عليه قوله بعد : (فإن لم يقض) و إنما الخلاف فيما لا يقضي العقل فيه بحسن و لا قبح كفضول الحاجات و النعمات هل هو واجب أو مباح أو على الوقف؟ ثلاثة مذاهب.

و القائلون بالحظر – كما قاله التلمساني – لا يريدون أنه باعتبار صفة في المحل، بل حظر احتياطي كما يجب اجتناب المنكوحة إذا اختلطت بأجنبية. و القائلون بالوقف أرادوا وقف خيرة. و طريق البحث معهم في هذه المسألة و التي قبلها أن كل احتمال عينوه و بنوا عليه حكماً قابلناهم بنقيضه، فتعارض شبه القائل بالإباحة شبه القائلين و شبه الواقفين من شبهما.

تنبيهات :

الأول : تحرير النقل عنهم هكذا تابع فيه الآمدي، قال القرافي و إطلاق الإمام الخلاف عنهم ينافي قواعدهم، فإن القول بالحظر مطلقاً يقتضي تحريم إنقاذ الغريق و نحوه، و القول بإباحة مطلقاً يقتضي إباحة القتل و الفساد. و أما ما لا يطلع العقل على مصلحته أو مفسدته، فيمكن أن يجيء فيه الخلاف.

الثاني : قوله : (و حكمت المعتزلة العقل) يقتضي أن مذهبهم أن العقل منشأ للحكم مطلقاً. و ليس كذلك، بل التحقيق و النقل عنهم أنهم قالوا : الشرع مؤكد لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأشياء و قبحها كحسن الصدق النافع و الإيمان و قبح الكذب الضار و الكفران، و ليس مرادهم أن العقل يوجب أو يحرم، و قد لا يستقل بذلك بل يحكم به بواسطة ورود الشرع بالحسن و القبح، كحكمه بحسن الصلاة في وقت الظهر و قبحها في وقت الاستواء.

الثالث :

 يتبادر إلى الذهن استشكال قول المصنف لهم، فإن الخلاف محكي أيضاً عن جماعة من أصحابنا كابن أبي هريرة و غيره. و الذي فعله المصنف هو الصواب، لأن الخلاف المحكي عن أصحابنا في ذلك غنما هو بمقتضى الدليل الشرعي الدال على ذلك بعد مجيء الشرع لا بمجرد العقل، و ليس خلافهم في أصل التحسين و التقبيح بالعقل، و صار الفرق بينهم و بين أصحابنا في هذا الخلاف من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنهم خصوا هذه الأقوال بما لا يقضي العقل فيه بحسن و لا قبح. و أما ما يقضي ينقسم إلى الأحكام الخمسة، و لهذا نسبهم أصحابنا إلى التناقض في قول من رجح الإباحة أو الحظر، لأن ذلك عندهم يستند إلى دليل العقل و فرض المسألة فيما لم يظهر للعقل حسنه و لا قبحه، و أما أصحابنا فأقوالهم في جميع الأفعال. هذا على طريقة الآمدي و من تابعه.

و الثاني : أن معتمدهم دليل العقل، و معتمد أصحابنا الدليل الشرعي، أما على التحريم كقوله تعالى : (يسألونك ماذا أحل لهم) و مفهومه أن المتقدم قبل الحل هو التحريم، فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر. و أما على الإباحة كقوله تعالى : (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) و قوله : (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) و ذلك يدل على الإذن في الجميع. و أما الوقف فلتعارض الأدلة بهذه المدارك الشرعية الدالة على الحال قبل ورود الشرائع فلو نرد هذه النصوص لقال الأصحاب : لا علم لنا بتحريم و لا إباحة، و لقالت المعتزلة : المدرك عندنا العقل فلا يضر عدم ورود الشرائع.

و الثالث : أن الواقفين أرادوا وقف حيرة كما قال التلمساني : و أما أصحابنا فأرادوا به انتفاء الحكم على ما سبق انتهى كلام بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع.

و في الشرح العضدي للمختصر الحاجبي : قد قسم المعتزلة الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضي العقل فيها بحسن و لا بقبح، و لهم فيها ثلاثة مذاهب : الحظر و الإباحة و الوقف عنهما، و إلى غيرها، و هو ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة من واجب و مندوب و محظور و مكروه و مباح، لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة فإما فعله حرام و إما تركه فواجب، و إن لم يشتمل عليه فإن اشتمل على مصلحة فإما فعله فمندوب أو تركه فمكروه، و إن لم يشتمل عليها أيضاً فمباح.

أما الحاظر فنقول له : لو كانت محظورة و فرضنا ضدين لا ثالث لهما كالحركة و السكون لزم التكليف بالمحال.

قال الأستاذ من ملك بحراً لا ينزف و اتصف بغاية الجود و أخذ مملوكه قطرة من ذلك البحر فكيف يدرك العقل تحريمها؟ و التقريب واضح، قالوا : تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم.

الجواب : أن حرمة التصرف في ملك الغير عقلاً ممنوع، فإنها تبتني على السمع، و لولا ورود السمع بها لما علم. و لو سلم كونها عقلية فذلك فيمن يلحقه ضرر بالتصرف في ملكه، و لذلك لا يقبح النظر في مرآة الغير و الاستظلال بجداره و الاصطلاء بناره و المالك فيما نحن فيه منزه عن الضرر. فمعارض و لو سلم بما في المنع من الضرر الناجز و دفعه عن النفس واجب عقلاً، و ليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس.

و أما المبيح فنقول له : إن أردت أن لا حكم بحرج في الفعل و الترك فمسلم، و إن أردت خطاب الشارع بذلك فلا شرع. و إن أردت حكم العقل بذلك فالمفروض أنه لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح في حكم الشارع بذل فإن ذلك معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبح و قد فرضه كذلك، فيلزمك التناقض، و مثله آت في المحرم. قالوا : خلق العبد و ما ينتفع به، فالحكمة تقتضي إباحته له تحصيلاً لمقصود خلقهما و إلا كان عبثاً خالياً عن الحكمة و أنه نقص.

الجواب : المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف، و الحل بأنه ربما خلقهما ليشتهيه فيصبر عنه فيثاب عليه، فلا يلزم من عدم الإباحة عبث.

و أما الواقف فنقول له : عن أردت أنك توقفت عن الحكم لتوقفه عن السمع فمسلم، و إن أردت به أنك توقفت لتعارض الأدلة ففاسد، لأنا بينا بطلانها فلا تعارض.

و قد يقال من قبل الحاظر : لا نسلم أن الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه لأنه يحكم بإباحة أحدهما قطعاً. و من قبل المبيح : الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه، إذ لا يدرك صفة محسنة أو مقبحة، و لا ينافي ذلك الحكم العام بالإباحة. و من قبل الواقف : أريد أن ثمة حكماً بأحدهما في نفسه فالبعض مباح و البعض محظور و لا أدري أيهما هو في الفعل المعين، و هو غير ما رددت فيه من الأمرين انتهى كلامه.

و أقول : أحكام الله تعالى الخمسة و الوضعية و الكلام النفسي عند الأشاعرة قديمان، و لتلك الأحكام تعلقان عندهم : تعلق عقلي قديم، و تعلق تنجيزي حادث يحدث عند اجتماع شرائط التكليف في العبد، و قبل ورود الشرائع لم يعلم عندهم هل لله عز و جل حكم أم لا؟ و على تقدير أن يكون لله تعالى حكم هل الكل الإباحة أو الكل الحرمة أو ملفق منهما؟ و هم اتفقوا على أن العبد بريء الذمة عن الأحكام كلها قبل بلوغ الخطاب إليه، و لو علم إجمالاً بقول نبي أن هناك أحكاماً.

و ذكر رئيس الطائفة قدس الله سره في كتاب العدة :

فصل : في ذكر حقيقة الحظر و الإباحة، و المراد بذلك. اعلم أن معنى قولنا في الشيء : (إنه محظور) أنه قبيح لا يجوز له فعله، إلا أنه لا يسمى بذلك إلا بعد أن يكون فاعله أعلم حظره أو دل عليه، و لأجل هذا لا يقال في أفعال الله تعالى: إنها محظورة لما لم يكن أعلم قبحها و لا دل عليه، و إن كان في أفعاله ما لو فعله كان قبيحاً، فكذلك لا يقال في أفعال البهائم و المجانين أنها محظورة لما لم يكن هذه الأشياء أعلم قبحها و لا دل عليه. و معنى قولنا : (إنه مباح) أنه حسن و ليس له صفة زائدة على حسنه، و لا يوصف بذلك إلا بالشرطين الذين ذكرناهما : من إعلام فاعله ذلك أو دلالته عليه. و كذلك لا يقال : إن فعل الله تعالى العقاب بأهل النار مباح لما لم يكن أعلمه و لا دل عليه و إن لم يكن لفعله العقاب صفة زائدة على حسنه، و هي كونه مستحقاً، و كذلك لا يقال في أفعال البهائم : إنها مباحة لعدم هذين الشرطين، و لأجل ذلك نقول : إن المباح يقتضي مبيحاً و المحظور يقتضي حاظراً. و قد قيل في حد المباح : هو إن لفاعله أن ينتفع به و لا يخاف ضرراً في ذلك لا عاجلاً و لا آجلاً، و في حد الحظر : إنه ليس له الانتفاع به و إن عليه في ذلك ضرراً إما عاجلاً أو آجلاً، و هذا يرجع إلى المعنى الذي قلناه.

فصل في ذكر بيان الأشياء التي يقال إنها على الحظر أو الإباحة و الفصل بينهما و بين غيرهما و الدليل على الصحيح من ذلك.

أفعال المكلف لا تخلو من أن يكون حسنة أو قبيحة، و الحسنة لا تخلو من أن يكون واجبة أو ندباً أو مباحاً، و كل فعل يعلم جهة قبحه بالعقل على التفصيل، فلا خلاف بين أهل العلم المحصلين في أنه على الحظر، و ذلك نحو الظلم و الكذب و العبث و الجهل و ما شاكل ذلك. و ما يعلم جهة وجوبه على التفصيل، فلا خلاف أيضاً أنه على الوجوب، و ذلك نحو وجوب رد الوديعة و شكر المنعم و الإنصاف و ما شاكل ذلك. و ما يعلم جهة كونه ندباً، فلا خلاف أيضاً أنه على الندب و ذلك نحو الإحسان و التفضل. و إنما كان الأمر في هذه الأشياء على ما ذكرناه، لأنها لا يصح أن تتغير من حسن إلى قبح و من قبح إلى حسن.

و اختلفوا في الأشياء التي يصح الانتفاع بها هل هي على الحظر أو على الإباحة أو على الوقف؟ فذهب كثير من البغداديين و طائفة من أصحابنا الإمامية إلى أنها على الحظر، و وافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء. و ذهب أكثر المتكلمين من البصريين – و هو المحكي عن أبي الحسن و كثير من الفقهاء – إلى أنها على الإباحة و هو الذي يختاره سيدنا المرتضى. و ذهب كثير من الناس إلى أنها على الوقف، و يجوز كل واحد من الأمرين فيه و ينتظر ورود السمع بواحد منهما. و هذا هو المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله و هو الذي يقوى في نفسي. و الذي يدل على ذلك أنه قد ثبت في العقول أن الإقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحاً مثل إقدامه على ما يعلم قبحه. ألا ترى أن من أقدم على الإخبار بما لا يعلم صحة مخبره جرى في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأن مخبره على خلاف ما أخبر به على حد واحد، و إذا ثبت ذلك و فقدنا الأدلة على حسن هذه الأشياء قطعاً ينبغي أن نجوز كونها قبيحة و إذا جوزنا ذلك فيها قبح الإقدام عليها.

فإن قيل : نحن نأمن قبحها، لأنها لو كانت قبيحة لم تكن إلا لكونها مفسدة، لأنه ليس لها جهة قبح يلزمها، مثل الجهل و الظلم و الكذب و العبث و غير ذلك، و لو كانت قبيحة للمفسدة لوجب على القديم أن يعلمنا ذلك و إلا قبح التكليف، فلما لم يعلمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك و ذلك يفيدنا الإباحة.

قيل : لا يمتنع أن تتعلق و المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على التفصيل، فيقبح الإعلام و يكون المصلحة لنا في التوقف في ذلك و الشك و تجويز كل واحد من الأمرين، و إذا لم يمتنع أن تتعلق المصلحة بشكنا و المفسدة بإعلامنا جهة الفعل لم يلزم إعلامنا على كل حاصل و صار ذلك موقوفاً على تعلق المصلحة بالإعلام أو المفسدة بالشك، فحينئذ يجب الإعلام و ذلك موقوف على السمع.

و ليس لأحد أن يقول : إن هذا الذي فرضتموه يكاد يعلم ضرورة تعذره، لأن الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحاً أو لا يكون كذلك، فإن كان قبيحاً فلا يكون كذلك للمفسدة، و إن لم يكن قبيحاً فذلك الحسن. و هذه قسمة مترددة بين النفي و الإثبات فكيف اخترتم أنتم قسماً ثالثاً لا يكاد يعقل؟ و ذلك أن الفعل كما قالوا لا يخلو من أن يكون قبيحاً أو لا يكون كذلك. و لكن لا يمتنع أن يكون للمكلف حالة أخرى يتعلق بها المفسدة و المصلحة، و هي الحالة التي يقطع فيها على جهة الفعل على التفصيل، و إذا كان ذلك جائزاً لم ينفعنا تردد الفعل في نفسه بين القبح و الحسن و احتجنا أن نراعي حال المكلف، فمتى وجدنا المصلحة تعلقت بإعلامه جهة الفعل وجب علينا ذلك فيه، و متى تعلقت المفسدة بذلك وجب ألا يعلم ذلك و كان فرضه الوقف و الشك و هو الذي لخصناه ينبغي أن يتأمل جيداً، فإنه يسقط معتمد القوم في أدلتهم، فربما لم يتصور كثير من الذين يتكلمون في هذا الباب ما بيناه،، و متى تأمله من يضبط الأصول وقف على وجه الصواب في ذلك.

فإن قيل : كيف يمكنكم أن تدفعوا حسن هذه الأشياء و نحن نعلم ضرورة حسن التنفس في الهواء و تناول ما يقوم به الحياة طول مدة النظر في حدوث العالم و إثبات الصانع و بيان صفاته، و على ما قلتموه ينبغي أن يمتنع في هذه الأوقات من الغذاء و غير ذلك، و ذلك يؤدي  إلى تلفه و عطبه، و من ارتكب ذلك علم بطلان قوله ضرورة.

قيل له : أما التنفس في الهواء فالإنسان ملجأ إليه مضطر و ما يكون ذلك حكمه فهو خارج عن حد  التكليف، فإن فرضوا فيما زاد على قدر الحاجة فلا نسلم ذلك بل ربما كان قبيحاً على جهة القطع، لأنه عبث لا فائدة فيه و لا نفع في ذلك يعقل.

و أما أحوال النظر فمستثناة أيضاً، لأنه في تلك الأحوال ليس بمكلف أن يعلم حسن هذه الأشياء و لا قبحها لأنه لا طريق له إلى ذلك، و إنما يمكنه ذلك إذا عرف الله تعالى بجميع صفاته و أنه ينبغي أن يعلمنا مصالحنا و مفاسدنا، فإذا علم جميع ذلك حينئذ تعلق فرضه بأن يعلم هذه الأشياء هل هي على الحظر أو على الإباحة؟ و في هذه الأحوال لا يجوز له أن يقدم إلا على قدر ما يمسك رمقه و تقوم به حياته.

و من أصحابنا من قال : إن في هذه الأحوال لا بد من أن يعلمه الله تعالى ذلك بسمع يبعثه غليه فيعلمه أن ذلك مفسدة يتجنبه أو مصلحة يجب عليه فعله أو مباح يجوز له تناوله. و على ما قررته من الدليل لا يجب ذلك، لأنه إذا فرضنا تعلق المصحلة و المفدسة بحلال المكلف لم يمتنع أن يدوم ذلك زماناً كثيراً، و يكون فرضه فيه كله الوقف و الشك و الاقتصار على قدر ما يمسك رمقه و حياته. و هذا الدليل الذي ذكرنا هو المعتمد في هذا الباب، و الذي يلي ذلك في القوة أن يقال : إذا فقدنا الدلالة على حظر هذه الأشياء و على إباحتها وجب التوقف فيها و تجويز  كل واحد من الأمرين.

و ليس يلزمنا أكثر من أن نبين أن ما تعلق به كل واحد من الفريقين ليس بدليل في هذا اللباب. فما استدل به من قال : إن الأشياء على الحظر قطعاً، أن قالوا : قد علمنا أن هذه الأشياء لها مالك، و لا يجوز لنا أن نتصرف في ملك الغير إلا بإذنه، كما علمنا قبح التصرف فيما لا نملكه في الشاهد.

و اعترض القائلون بالإباحة هذه الطريقة بأن قالوا : غنما قبح في الشاهد التصرف في ملك الغير لأنه يؤدي على ضرر مالكه، بدلالة أن ما لا ضرر عليه في ذلك جاز لنا أن نتصرف فيه، مثل الاستظلال بفيء داره و الاستصباح بضوء ناره و الاقتباس منها و أخذ ما يتساقط من حبه عند الحصاد، و غير ذلك، من حيث لا ضرر عليه في ذلك. فعلمنا أن الذي قبح من ذلك إنما قبح لضرر مالكه لا لكونه مالكاً، و القديم تعالى لا يجوز عليه الضرر على حال، فينبغي أن يسوغ لنا التصرف في ملكه.

و لمن نصر هذا الدليل أن يقول : غنما حسن الانتفاع في المواضع التي ذكرتموها لا لارتفاع الضرر، بل لأن هذه الأشياء لا يصح تملكها، لأن في الحائط ليس بشيء يملك إذا كان في طريق غير مملوك، و متى كان الفيء في ملك صاحبه قبح الدخول إليه، و كذلك القول في المصباح، فأما أخذ ما يتناثر من حبه، فلا نسلم أنه يحسن، فكيف نسلم و له أن يمنعه من ذلك و أن يجمعه لنفسه، و لو كان مباحاُ لم يجز له منعه منه : على أن العلة التي ذكروها من اعتبار دخول الضرر على مالكه كان ينبغي أن لا يسوغ له أخذ ما يتناثر من حبه، لأنا نعلم أن ذلك يدخل عليه فيه ضرر و إن كان يسيراً، فعلى المذهبين جميعاً كان ينبغي أن يقبح ذلك، على أن ذلك لو قبح لضرر لا لفقد الإذن من مالكه لكان ينبغي أن لو أذن فيه أن لا يحسن ذلك، لأن الضرر حاصل. و ليس لهم أن يقولوا : غنه يحصل له عوض أكثر منه من الثواب أو السرور عاجلاً، و ذلك إنا نفرض فيمن لا يعتقد العوض على ذلك من الملاحدة، و ليس هو أيضاً مما يسر به بل ربما شق عليه و اغتم به، و مع ذلك حسن التصرف منه إذا أذن فيه. و ليس لأحد أن يقول : عن دليل العقل الدال على إباحة هذه الأشياء يجري مجرى إذن سمعي، فجاز لنا التصرف فيها. و ذلك أن لمن نصر هذا الدليل أن يقول : لم يثبت ذلك، و لو ثبت لكان الأمر على ما قالوه. و نحن نتبع ما يستدل به أصحاب الإباحة و نتكلم عليه إن شاء الله تعالى.

و استدل كثير من الفقهاء على أن الأشياء على الحظر أو الوقف بقوله تعالى : (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) و بقوله : (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فقالوا : بين الله تعالى أنه لا يستحق أحد العقاب و لا يكون لله عليهم حجة إلا بعد إنفاذ الرسل. و ذلك يفيد أن من جهتهم يعلم حسن هذه الأشياء أو قبحها، و هذا لا يصح الاستدلال به من وجوده :

أحدها : أن ها هنا أموراً كثيرة معلومة من جهة العقل وجوبها و قبحها، مثل : رد الوديعة و شكر المنعم و الإنصاف و قضاء الدين و قبح الظلم و العبث و الكذب و الجهل و حسن الإحسان الخالص، و غير ذلك، فعلمنا أنه ليس المراد بالآية ما ذكروه، و متى ارتكبوا (أن) دفع هذه الأشياء (ليست) معلومة إلا بالسمع علم بطلان قولهم و كانت المسألة خارجة عن هذا الباب.

و منها : أن لله حججاً كثيرة غير الرسل من أدلة العقل الدالة على توحيده و عدله و جميع صفاته التي من لا يعرفها لا يصح أن يعرف صحة السمع، فكيف يقال : لا تقوم الحجة إلا بعد انفاذ الرسل؟ و المعني في الآيتين أن تحملا على أنه إذا كان المعلوم أن لهم ألطافا و مصالحاً لا يعلمونها إلا بالسمع وجب على القديم تعالى إعلامهم إياها، و لم يحسن أن يعاقبهم على تركها إلا بعد تعريفهم إياها، و لم تقم الحجة عليهم إلا بعد إنفاذ الرسل، و متى كان الأمر على ذلك وجبت بعثة الرسل، لأنه لا يمكن معرفة هذه الأشياء إلا من جهتهم.

و استدل من قال هذه الأشياء على الإباحة بأن قالوا : نحن نعلم ضرورة أن كل ما يصح الانتفاع به و لا ضرر على أحد فيه عاجلاً و لا آجلاً، فإنه حسن كما يعلم أن كل ما لا نفع فيه عاجلاً و لا آجلاً قبيح، فدافع أحد الأمرين كدافع الآخر، و إذا ثبت ذلك و كانت هذه الأشياء لا ضرر فيها عاجلاً و لا آجلاً فيجب أن تكون حسنة. قالوا : و لا يجوز أن يكون فيها ضرر أصلاً لأنه لو كان كذلك لم يكن إلا لكونها مفسدة في الدين، و لو كان كذلك لوجب على القديم تعالى إعلامنا ذلك، فلما لم يعلمنا ذلك علمنا أنها حسنة، و قد مضى في دليلنا ما يمكن أن يكون كلامنا على هذه الشبهة، و ذلك أنا قلنا : إن هذه الأشياء لا نأمن أن يكون فيها ضرر آجل، و إذا لم يأمن ذلك قبح الإقدام عليها كما لو قالوا : قطعنا أن فيها ضرراً.

و أجبنا عن قولهم : (إنه لو كان فيها ضرر لكان ذلك لأجل المفسدة و ذلك يجب على القديم إعلامنا إياه بأن قلنا : لا يمتنع أن تتعلق المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على وجه التفصيل و يكون مصلحتنا في الوقف و الشك و تجوز كل واحد من الوجهين في الفعل، و إذا كان ذلك جائزاً لم يجب عليه تعالى إعلامنا ذلك و جاز أن يقتصر بالمكلف على هذه المنزلة.

و استدلوا أيضاً بأن قالوا إذا صح أن يخلق تعالى الأجسام خالية من الألوان و الطعوم فخلقته تعالى للطعم و اللون لا بد أن يكون فيه وجه حسن، و لا يخلو ذلك من أن يكون لنفع نفسه أو لنفع الغير أو خلقها ليضر بها، و لا يجوز أن يخلقها لنفع نفسه لأنه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، و لا يحسن أن يخلقها ليضر بها، لأن ذلك قبيح الابتداء به، فلم يبق إلا أنه خلقها لنفع الغير، و ذلك يقتضي كونها مباحة.

و الجواب عن ذلك من وجوه :

أحدها : أنه إنما خلق هذه الأشياء إذا كانت فيها ألطاف و مصالح و إن لم يجز لنا أن ننتفع بها بالأكل بل نفعنا بالامتناع منها فيحصل لنا به الثواب، كما أنه خلق أشياء كثيرة يصح الانتفاع بها و مع ذلك فقد حظرها بالسمع مثل شرب الخمر و أكل الميتة و الزنا، و غير ذلك. و ليس لهم أن يقولوا : إن هذه الأشياء إنما حظرها لما كانت مفسدة في الدين و أعلمنا ذلك، و ليس كذلك ما يصح الانتفاع به و لا يعلم ذلك فيه، و ذلك أنا قد بينا أنه لا فرق بين أن يتعلق المصلحة بإعلامنا من جهة الفعل من قبح أو حسن فيجب عليه أن يعلمنا ذلك، و بين أن يتعلق المصلحة بحال لنا يجوز معها كل واحد من الأمرين، فيجب أن يقتصر بنا على تلك الحال، لأن المراعى حصول المصلحة و إذا ثبت ذلك لحق ثبات ما علمنا قبحه على طريق القطع و الثبات في أنه لا يحسن منا الإقدام عليه.

و منها : أن على مذهب كثير من أهل العدل إنما خلق الطعوم و الأراييح في الأجسام لأنها لا تصح أن يخلو منها فجرت في هذا الباب مجرى الأكوان التي لا يصح خلو الجسم منها. و خلق الجسم إذا ثبت أنه مصلحة وجب أن يخلق معه جميع ما يحتاج إليه في وجوده.

و منها : أن الانتفاع بهذه الأشياء قد يكون بالاستدلال بها على الله تعالى و على صفاته فليس الانتفاع مقصوراً على التناول فحسب.

و ليس لهم أن يقولوا : إنه كان يمكن الاستدلال بالأجسام على وحدانية الله تعالى و على صفاته، فلا معنى لخلق الطعوم، و ذلك أنه لا يمتنع أن يخلقها لما ذكرناه و إن كان الجسم يصح الاستدلال به و يكون ذلك زيادة في الأدلة.

و لسنا ممن يقول : لا يجوز أن ينصب على معرفته أدلة كثيرة، لأنا إن قلنا ذلك أدى إلى فساد أكثر الأدلة التي يستدل بها على وحدانية الله تعالى، فإذاً ينبغي أن يجوز أن يخلقها للاستدلال بها و ذلك يخرجها عن حكم العبث و يدخلها في باب ما خلقت للانتفاع بها.

و ليس لهم أن يقولوا : إذا صح الانتفاع من الوجهين بالاستدلال و التناول فينبغي أن يقصد به الوجهين، و ذلك أن هذا محض الدعوى لا برهان عليها، بل الذي يحتاج إليه أن يعلم أنه لم يخلقها غلا لوجه، فأما أن يقصد بها جميع الوجوه التي يصح الانتفاع بها فلا يجب ذلك، على أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن يفرض في أحد الوجهين مفسدة في الدين، فيحسن أن يخلقها للوجه الآخر و يعلمنا أن فيها فساداً في الدين متى تناولناها فيجب علينا أن نمتنع منها.

فإن قيل : إذا أمكن خلقها للوجهين و لم يقصدهما كان عبثاً من الوجه الذي لم يقصد الانتفاع به، و جرى ذلك مجرى فعلين يقصد بأحدهما الانتفاع و لا يقصد بالآخر ذلك فيكون ذلك عبثاً.

قيل له : ليس الأمر على ذلك، لأن الفعل الواحد إذا كان فيه وجه من وجوه الحكمة خردج من باب العبث و إذا كان له وجوه أخر كان يجوز أن يقصد، و ليس كذلك الفعلان، لأنه إذا قصد وجه الحكمة في أحدهما بقي الآخر خالياً من ذلك و كان عبثاً، و ليس كذلك الفعل الواحد على ما بيناه.

فإن قيل : الانتفاع بالاعتبار بالطعوم لا يمكن إلا بعد تناولها، لأن الطعم ليس مما يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة، فإذاً لا بد من تناوله حتى يصح الاعتبار به.

قيل : الاعتبار يمكن بتناول القليل منه و هو قدر ما يمسك الرمق و يبقى معه الحياة، و قد بينا أن ذلك القدر في حكم المباح، ول يس الاعتبار موقوفاً على تناول شيء كثير من ذلك. و يمكن أن يقال أيضاً : إنه يصح أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلف من سائر أجناس الحيوان، فإنه إذا شاهد أجناس الحيوان تتناول تلك الأشياء و يصلح عليها أجسامها أو ينفسد بحسب اختلافها و اختلاف طبائعها جاز معه أن يعتبر بذلك و إن لم يتناولها المكلف أصلاً.

و بمثل هذا أجاب المخالف من قال : نحن لا نفرق بين السموم و الأغذية، بأن قال : يرجع إلى حال الحيوانات التي ليست مكلفة إذا شاهدها يتناول أشياء ينتفع بها جعل ذلك طريقة إلى تجربته، فإن ذلك مما ينصلح عليه أيضاً جسمه.

و ذلك مثل ما أجبناه عن السؤال الذي أوردوه في هذا الباب و استدلوا أيضاً بقوله تعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق) و بقوله عز و جل : (أحل لكم الطيبات) و ما شاكل ذلك من الآيات. و هذه الطريقة مبنية على السمع. و نحن لا نمتنع من أن يدل دليل السمع على أن الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف، بل عندنا الأمر على ذلك و إليه نذهب، و على هذا سقطت المعارضة بالآيات.

و استدل كثير من الناس على أن هذه الأشياء على الحظر أو الوقف، بأن قالوا : قد علمنا أن التحرز عن المضار واجب في العقول، و إذا كان ذلك واجباً لم يحسن منا أن نقدم على تناول ما لا نأمن أن يكون سماً قاتلاً فيؤدي ذلك إلى العطب، لأنا لا نفرق بين ما هو سم و ما هو غذاء و إنما ننتظر في ذلك إعلام الله تعالى لنا ما هو غذاؤنا و الفرق بينه و بين السموم القاتلة.

و اعترض من خالف في هذا الاستدلال بأن قال : يمكننا أن نعلم ذلك بالتجربة، فإنا إذا شاهدنا الحيوان الذي ليس بمكلف يتناول بعض الأشياء فيصلح عليه جسمه علمنا أنه غذاء، و إذا تناول شيئاً يفسد عليه علمنا أنه مضار، فحينئذ اعتبرنا بأحوالهما.

و قال من نصر هذا الدليل : إن الحيوان يختلف طباعه، فليس ما يصلح الحيوان المستبهم يعلم أنه يصلح الحيوان الناطق، لأن ها هنا أشياء كثيرة تغذي كثيراً من الحيوان و يصلح عليها أجسامها و إن كان متى تناولها ابن آدم هلك، منها : أن الظبايا يأكل شحم الحنظل و يغذى به و لو أكل ذلك ابن آدم لهلك في الحال، و كذلك النعامة تأكل النار و تحصل في معدتها، و لو أكل ذلك ابن آدم لهلك في الحال، و كذلك يقال : إن الفأرة تأكل البيش فتعيش به و رائحة ذلك تقتل ابن آدم، فليس طبائع الحيوان على حد واحد و إذا لم يكن على حد واحد لم يجز أن نعتبر بأحوال غيرنا أحوال نفوسنا.

و لمن خالفهم في ذلك أن يقول : احسب أنه لا يمكن أن نعتبر بأحوال الحيوان المستبهم أحوال الحيوان من البشر، أليس لو أقدم واحد منهم على طريق الخطأ و الجهل على ما يذهبون إليه على تناول هذه الأشياء يعرف بذلك الخطأ ما هو غذاء و فرق بينه و بين السم، فينبغي أن يجوز لغيره أن يعتبر به و يجوز له بعد ذلك التناول منها و إن لم يرد سمع، لأنه قد أمن العطب و الهلاك. فالمعتمد في هذا الباب. ما ذكرناه أولاً في صدر هذا الباب. فهذه جملة كافية في هذا المعنى إن شاء الله تعالى انتهى ما أردنا نقله من كتاب العدة لرئيس الطائفة قدس الله سره.

و أنا أقول : ن شئت تحقيق المقام فاستمع لما نتلو عليك من الكلام، بتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام.

فأقول : يستفاد من ظواهر الآيات الكريمة و تصريحات الأحاديث الشريفة بطلان الوجوب و الحرمة الذاتيين، بل أقول : الدليل
العقلي قائم على ذلك بأن نقول : لو كان الوجوب و الحرمة بمعنى استحقاق العقاب ذاتيين لكانا جاريين في أفعاله تعالى، و من المعلوم المتفق عليه بطلانه. و القبيح الذاتي هو الفعل الذي يتصف بصفة إذا علمها الحكيم ينفر عنه كما أفاده سلطان المحققين نصير الدين الطوسي رحمه الله في الفصول النصيرية و كل من قال بالقبيح الذاتي بهاذ المعنى قال بأن لفاعله يستحق الذم في نظر الحكيم إذا فعله مع العلم باتصفاه بتلك الصفة. و منهم من زاد على ذلك فقال بأن فاعله يستحق العقاب أيضاً.

ثم اتفقوا على أن فاعله مع الغفلة على اتصافه بتلك الصفة معذور عند الحكيم، و اختلفوا في فاعله مع التردد في اتصافه بتلك الصفة هل هو معذور أم لا؟ فمنهم من قال بأنه معذور. و منهم من قال بأنه غير معذور فيستحق الذم و العقاب. ثم القائلون بالثاني افترقوا فرقتين في حكم المتردد فرقة قالت بالوقف و فرقة قالت بالحظر.

و أنا أقول :  القول بالحظر في حق المتردد باطل قطعاً، لأنه لا يجوز للمتردد نهي الغير عن فعله، لأن شرط النهي عن المنكر العلم بأنه منكر، و لأنه يحتمل أن يطلع فاعله في بعض الصور على ما لم يطلع عليه المتردد، فلا يجوز نهيه عنه، و لو كان محظوراً لجاز، لأن الكلام في المحظور القطعي لا المحظور الاجتهادي.

ثم أقول : من المعلوم أن من قال بالملازمة بين استحقاق الذم و بين استحقاق العقاب مع العلم باتصافه بتلك الصفة يلزمه أن يقول بالملازمة بينهما مع التردد في اتصافه بتلك الصفة. و الحق الذي لا ريب فيه عدم الملازمة بينهما، كما نقلناه عن الزركشي و اخترناه و أن حكم المتردد الوقف، لأنه من البديهيات الفطرية أن المحاظر مذموم و لو سلم، لا الحظر، لما حققناه آنفاً من عدم جواز أن ينهى عنه.

ثم أقول : وضع هذا الباب مما لا طائل تحته عندين لوجوه :

أحدها : أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن الحجة على الخلق أول الخلق و آخر الخلق أي لا يخلو الأرض عن معصوم حجة على الخلق أبداً، ثم في زمن الغيبة الكبرى يوفق الله تعالى بعض الرعية بفهم الأحاديث المسطورة في الأصول الممهدة في زمن حضور الأئمة عليهم السلام ليعمل الشيعة بها إلى قيام القائم عليه السلام و يمهد له أسباب تحصيل العلم بجميع ما يحتاج غليه الشيعة في أعمالهم و لو بحديث وارد من باب التقية أو دال على رعاية الاحتياط على كيفية مخصوصة. و الذي ظهر لي من الروايات : طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل وقت بقدر ما يحتاج غليه في ذلك الوقت،و لا يجب كفاية طلب العلم بكل ما يحتاج غليه الأمة كما قالته العامة، لأنه غير منضبط بالنسبة إلى الرعية، و التكليف بغير المنضبط محال كما تقرر في الأصول في مبحث علة القياس، بل يفهم من الروايات أن علم الرعية بجميع ذلك من المحالات.

نعم، مقتضى حكمته تعالى أن يوفق لكل وقت من أوقات الغيبة الكبرى رعيته لتحصيل الأحاديث المسطورة في الأصول الممهدة، لتدل الشيعة على الحق الصريح أو على الاحتياط على كيفية مخصوصة. و يجب كفاية على أهل هذه القدرة من كل قطر إذا احتاجوا إلى مسألة أن ينفروا غليه لأخذها أو يعرضوها عليه ليجيئهم جوابها من عنده، ثم لو لم يقدر أحد على الوصول إليه أو لم يبلغه خبره لكان حكمه مثل حكم من كان في زمن النبي صلى الله عليه و آله أو الإمام الظاهر – صلوات الله عليه -.

و ثانيهما : أن الروايات صريحة في أن (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) و في أن (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم) فالشريعة دلتنا على أنه كانت الأشياء قبلها على الإباحة الأصلية.

و ثالثها : أن الأحاديث الصريحة في وجوب التوقف بعد ورود الشريعة في كل واقعة لم يكن حكمها بينا و الصريحة في حصر الأمور بعد ورود الشريعة في ثلاثة و في وجوب التوقف بعد ورود الشريعة في الشق الثالث – و هو ما لم يكن حكمه بيناً – قد ذهبت بفائدة وضع هذا الباب. هكذا ينبغي أن تحقق هذه المباحث، و الله الموفق.

 

فائدة

إنما ورد في الأحاديث : (طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة) و لم يرد (على كل بالغ عاقل) لأن حكمته تعالى اقتضت أن يكون تعلق التكاليف بالناس على التدريج، بأن يكلفوا أولاً بالإقرار بالشهادتين، ثم بعد صدور الإقرار عنهم يكلفون بسائر ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله.

من الأحاديث الدالة على ذلك صحيحة زرارة المذكورة في الكافي – في باب معرفة الإمام و الرد إليه – عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال : عن الله عز و جل بعث محمداً صلى الله عليه و آله إلى الناس أجمعين رسول الله و اتبعه و صدقه فإن معرفة الإمام منا واجبة عليه، و من لم يؤمن بالله و برسوله و لم يتبعه و لم يصدقه و لم يعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام و هو لا يؤمن بالله و رسوله و يعرف حقهما؟ قال : قلت : فما تقول فيمن يؤمن بالله و رسوله و يصدق رسوله في جميع ما أنزل الله أيجب على أولئك حق معرفتكم؟ قال : نعم، أليس هؤلاء يعرفون فلاناً و فلاناً؟ قلت : بلى، قال : أترى أن الله تعالى هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ و الله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان، لا و الله! ما ألهم المؤمنين حقنا إلا الله عز و جل.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2373462

 • التاريخ : 20/05/2019 - 17:23