الفصل التاسع : في تصحيح أحاديث كتبنا 

القسم : كتب اصول فقه أهل البيت   ||   الكتاب : الفوائد المدنية   ||   تأليف : الأمين الاسترابادي

الفصل التاسع

في تصحيح أحاديث كتبنا

 

بوجوه ، تفطنت بها بتوفيق الملاك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام و بجواز التمسك بها لكونها متواترة بالنسبة إلى مؤلفيها، و في بيان القاعدة الشريفة التي وضعوها عليهم السلام للخلاص عن الحيرة في باب الأحاديث المتعارضة البالغة حد التعادل أو غير البالغة، و في نصيحة لطيفة، فنقول بالله التوفيق و بيده أزمة التحقيق :

الوجه الأول

من الوجوه الدالة على صحة أحاديث الكتب الأربعة – مثلاً – باصطلاح قدمائنا : إنا نقطع قطعاً عادياً بأن جمعاً كثيراً من ثقات أصحاب أئمتنا – و منهم الجماعة الذين أجمعت العصابة على أنهم لم ينقلوا إلا الصحيح باصطلاح القدماء – صرفوا أعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في أخذ الأحكام عنهم عليهم السلام و تأليف ما يسمعونه منهم عليهم السلام و عرض المؤلفات عليهم السلام ثم التابعون لهم تبعوهم في طريقتهم و استمر هذا المعنى إلى زمن الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم -.

الوجه الثاني

إنا نعلم أنه كانت عند قدمائنا أصول من زمن أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمن الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم – كانوا يعتمدون عليها في عقائدهم و أعمالهم، و نعلم علماً عادياً أنهم كانوا متمكنين من استعلام حالة تلك الأصول و أخذ الأحكام منهم عليهم السلام بطريق القطع و اليقين. و نعلم علماً عادياً أنهم كانوا عالمين بأنه مع التمكن من القطع و اليقين في أحكام الله تعالى لا يجوز الاعتماد على ما ليس كذلك و أنهم لم يقصروا في ذلك، و استمر هذا المعنى إلى زمن الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم – فعلم أن تلك الأحاديث كلها صحيحة باصطلاح القدماء.

 

الوجه الثالث

إن مقتضى الحكمة الربانية و شفقة سيد المرسلين و الأئمة عليهم السلام بالشيعة أن لا يضيع من كان في أصلاب الرجال منهم و يمهد لهم أصولاً معتمدة يعملون بما فيها في زمن الغيبة الكبرى.

 

الوجه الرابع

إنه تواترت الأخبار بأنهم عليهم السلام أمروا أصحابهم بتأليف ما يسمعونه منهم و ضبطه و نشره لتعمل به الشيعة في زمن الغيبة الكبرى و أخبروا بوقوعه.

 

الوجه الخامس

إن أكثر أحاديثنا موجودة في أصول الجماعة التي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، أي على أنهم لم ينقلوا إلا الصحيح، و للعلم بوجودها في تلك الأصول طرق، من جملتها : ن نقطع بقرينة المقام أن الطريق المذكور للحديث إنما هو طريق إلى الأصل المأخوذ منه الحديث، و تلك القرينة وافرة في كتابي الشيخ و كتاب من لا يحضره الفقيه بل في كتاب الكافي أيضاً عند النظر الدقيق. و قد ذكرهم شيخنا الثقة الجليل الصدوق أبو عمرو الكشي – قدس الله سره – في كتابه فقال ، قال الكشي : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر عليهم السلام و أصحاب أبي عبد الله عليه السلام و انقادوا لهم بالفقه، فقالوا : أفقه الأولين ستة : زرارة، و معروف بن خربوذ، و بريد، و أبو بصير الأسدي، و الفضل بن يسار، و محمد ابن مسلم الطائفي : قالوا : و أفقه الستة زرارة، و قال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي : أبو بصير المرادي، و هو ليث بن البختري.

حدثنا الحسين بن حسن بن بندار القمي قال ك حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمي قال : حدثني محمد بن أبي عبد الله المسمع قال حدثني علي بن حديد و علي بن أسباط عن جميل بن دراج قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أوتاد الأرض و أعلام الدين أربعة محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، و ليث بن البختري المرادي، و زرارة بن أعين.

و بهذا الإسناد عن محمد بن عبد الله المسمعي، عن علي بن أسباط، عن محمد ابن سنان، عن داود بن سرحان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إني لأحدث الرجل بحديث و أنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، إني أمرت قوماً أن يتكلموا و نهيت قوماً، فكل يتأول لنفسه يريد المعصية لله تعالى و لرسوله، فلو سمعوا و أطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي عليه السلام أصحابه، إن أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً و أمواتاً، أعني : زرارة، و محمد بن مسلم، و منهم ليث المرادي، و بريد العجلي، هؤلاء قوامون بالقسط، هؤلاء قوالون بالصدق، هؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون انتهى كلامه قدس سره.

ثم قال في موضع آخر بعد ذلك : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء و تصديقهم لما يقولون و أقروا لهم بالفقه – من دون أولئك الستة الذين عددناهم و سميناهم – ستة نفر : جميل بن دراج، و عبد الله بن مسكان، و عبد الله بن بكير، و حماد بن عيسى، و حماد بن عثمان، و أبان ابن عثمان : قالوا : و زعم أبو إسحاق الفقيه – يعني ثعلبة بن ميمون – أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج، و هم أحداث أصحاب أبي عبد الله عليه السلام.

ثم قال في موضع آخر بعد ذلك : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا عليه السلام أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء و تصديقهم و أقروا لهم بالفقه والعلم، و هم ستة نفر آخرون دون الستة النفر الذين ذكرناهم في ِأصحاب أبي عبد الله عليه السلام منهم : يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيى بياع السابري، و محمد بن أبي عمير، و عبد الله بن المغيرة، و الحسن بن محبوب، و أحمد ابن محمد بن أبي نصر : و قال بعضهم مكان الحسن بن محبوب : الحسن بن علي بن فضال و فضالة بن أيوب، و قال بعضهم مكان ابن فضال : عثمان بن عيسى، و أوفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى انتهى كلامه.

و أقول : مستند الإجماع الذي نقله الكشي في حق هذه الجماعة الروايات الناطقة بأنهم معتمدون في كل ما يروون.

و بهذا التحقيق ظهر عليك و انكشف لديك : أن ما ذكره رئيس الطائفة في كتاب العدة : من أنه أجمعت الطائفة على صحة مراسيل جمع من الرواة كما أجمعوا على صحة مسانيدهم مبني على ورود الروايات الناطقة بأنهم معتمدون في كل ما يروون.

و المتأخرون – كالشهيد الثاني في شرح رسالته في فن دراية الحديث – تكلموا على الإجماع الثاني، و سببه قلة تتبعهم و استعجالهم في التأليفات و اشتغالهم بها قبل أن يحققوا المباحث، و بناؤهم تصانيفهم على المقدمات المألوفة المشهورة التي يوجد مصداقها في أحاديث العامة و في رواة أحاديثهم، كما صرح بذلك ولد الشهيد الثاني، و قد مر نقله عنه.

 

الوجه السادس

توافق أخبار الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم – في صحة أحاديث كتبهم و لا يقدح في ذلك اشتمال طرق كثير منها على من تغير حاله من الاستقامة إما بانتحال المذاهب الفاسدة أو بظهور الكذب منه و طرو الاختلال عليه بعد أن كان ثقة مستقيماً. و يؤيدهم ما تقدم نقله عن السيد الأجل المرتضى رضي الله عنه.

 

الوجه السابع

إنه لو لم يكن أحاديث كتبنا مأخوذة من الأصول المجمع عليها لزم أن يكون أكثر أحاديثنا غير صالحة للاعتماد عليها، و العادة قاضية ببطلانه.

 

الوجه الثامن

إن كثيراً ما يطرح رئيس الطائفة الأحاديث الصحيحة باصطلاح المتأخرين و يعمل بنقائضها الضغينة، باصطلاح المتأخرين، فلولا ما ذكرناه لما وقع من مثل رئيس الطائفة ذلك عادة.

 

الوجه التاسع

إن كثيراً ما يعتمد رئيس الطائفة على طرق ضعيفة مع تمكنه من طرق أخرى صحيحة. فلولا ما ذكرناه لما وقع ذلك من مثله عادة.

 

الوجه العاشر

إن رئيس الطائفة صرح في كتاب العدة و في أول الاستبصار بأن كل حديث عمل به مأخوذ من الأصول المجمع على صحة نقلها. و نحن نقطع عادة بأنه ما كذب.

 

الوجه الحادي عشر

إن شيخنا الصدوق قدس سره ذكر مثل ذلك بل أقوى منه في أوائل كتاب من لا يحضره الفقيه. و نحن نقطع عادة بأنه ما كذب. و كذلك نقول في حق الكافي للإمام ثقة الإسلام.

 

الوجه الثاني عشر

إنا قطعنا قطعاً عادياً في حق أكثر رواة أحاديثنا بقرينة ما بلغنا من أحوالهم أنهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث، و الذي لم نقطع في حقه بذلك كثيراً ما نقطع بأنه طريق إلى أصل الثقة الذي أخذ الحديث منه. و الفائدة في ذكره مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية، و دفع طعن العامة بأن أحاديثكم ليست معنعنة بل مأخوذة من كتب قدمائكم و من أصولهم. و من جملة القرائن على ما ذكرناه أن الإمام ثقة الإسلام صرح في أول الكاف بصحة جميع أحاديثه و مع ذلك كثيراً ما يذكر في أوائل الأسانيد من ليس بثقة.

بقي احتمال السهو و هو يندفع تارة بتعاضد بعض الروايات ببعض، و تارة بقرينة تناسب أجزاء الحديث، و تارة بقرينة السؤال و الجواب و تارة بقرائن أخرى.

و بعد التنزل عن المقام السابق نقول على سبيل الاستظهار : نحن قطعنا قطعاً عادياً بأن تلك المسائل المذكورة في كتب حديثنا عرضت على الأئمة عليهم السلام و سئلوا عنها و بأنهم عليهم السلام أجابوا عنها و بأن أجوبتهم عليهم السلام موجودة في تلك الأحاديث المتداولة بين أصحابنا، و اللازم من ذلك أن يكون كل تلك الأحاديث جوابهم أو بعضها. فإن لم ينقل في مسألة إلا حديث واحد أو نقلت فيها أحاديث متوافقة لم يبق إشكال، و إن نقلت فيها أحاديث متخالفة فللتميز علامات يعرفها الماهر في أحاديثهم عليهم و سندلك على باب واسع فيه إن شاء الله تعالى بتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام.

و أما كون الكتب الأربعة (و نظائرها) متواترة النسبة إلى مؤلفيها – قدس الله أرواحهم – و أن هذا التواتر يفيد القطع الإجمالي و أن القطع التفصيلي بخصوصيات الأحاديث يحصل بالقرائن المقامية كاتفاق النسخ كما في كتاب الله تعالى، فهو أظهر من أن يظهر من أن يرتاب فيه لبيب منصف.

و مما يوضح ذلك ما ذكره صاحب المعالم حيث قال قدس سره في كتاب المعالم الإجازة في العرف إخبار إجمالي بأمور مضبوطة معلومة مأمون عليها من الغلط و التصحيف و نحوهما، و ما هذا شأنه لا وجه للتوقف في قبوله، و التعبير عنه بلفظ (أخبرني) و ما في معناه مقيداً بقوله : (إجازة) تجوز مع القرينة فلا مانع منه. و مثله آت في القراءة على الراوي، لأن الاعتراف إخبار إجمالي، و لم يلتفتوا إلى الخلاف في قبوله و إنما ذكر بعضهم أن قبوله موضع وفاق.

إذا عرفت هذا، فاعلم أن أثر الإجازة بالنسبة إلى العمل إنما يظهر حيث لا يكون متعلقها معلوماً بالتواتر و نحوه ككتب أخبارنا الأربعة، فإنها متواترة إجمالاً، و العلم بصحة مضامينها تفصيلاً يستفاد من قرائن الأحوال، و لا مدخل للإجازة فيه غالباً، و إنما فائدتها حينئذ بقاء اتصال سلسلة الإسناد بالنبي و الأئمة عليهم السلام و ذلك أمر مطلوب مرغوب إليه للتيمن كما لا يخفى انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

و إنما ذكرنا ذلك لتحقيق المقام الذي زلت فيه أقدام أقوام من فحول الأعلام لا لحاجتنا إليه فإني قد قرأت أصول كتاب الكافي و كل تهذيب الحديث و غيرهما على أعلم المتأخرين بعلم الحديث و الرجال و أورعهم و هو سيدنا الإمام العلامة و القدوة الهمام الفهامة قدوة المقدسين أعظم المحققين الميرزا محمد الاستربادي و هو قد قرأ على شيخه و قرأ شيخه على شيخه متصلة إلى أصحاب العصمة عليهم السلام كما ذكره في آخر كتاب الرجال – نور الله مرقده – و لي طرق أخرى من مشايخ أخر – قدس الله سرهم – منهم السيد و السند و العلامة الأوحد صاحب كتاب المدارس قدس سره.

و أما القاعدة الشريفة التي وضعوها عليهم السلام للخلاص عن الحيرة في باب الأحاديث المتعارضة فقد نطقت بها أحاديث بالغة حد التواتر المعنوي، مع صحة كثير منها في ظاهر الأمر و زعم المتأخرون أيضاً، و صحة كلها عند التحقيق و عند قدمائنا و لا يمكنني استقصاؤها.

و لنذكر ما يحضرني الآن منها، فمن تلك الجملة ما في كتاب الاحتجاج للطبرسي – في مبحث احتجاج أبي عبد الله الصادق عليه السلام – روى الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم عليه السلام فترد إليه.

و روى عن سماعة بن مهران قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام قال، قلت : يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا عنه؟ قال : لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأله عنه. قال، قلت : لا بد أن يعمل بأحدهما؟ قال : خذ بما فيه خلاف العامة.

و روى عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام قال، قلت للرضا عليه السلام : تجيئني الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال : ما جاءك عنا فاعرضه على كتاب الله عز و جل و أحاديثنا، فإن كان ذلك يشبههما فهو منا و إن لم يكن يشبههما فليس منا. قلت : يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلم نعلم أيهما الحق؟ قال : إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.

و في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمد بن عبد الله الحميري رحمه الله إلى صاحب الزمان عليه السلام : يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر؟ فإن بعض أصحابنا قال : لا يجب عليه تكبيرة و يجزيه أن يقول : بحول الله و قوته أقوم و أقعد في الجواب عن ذلك حديثان :

أما أحدهما : (فإذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير). و أما الحديث الآخر : فإنه روى (إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى) و بيهما أخذ من باب التسليم كان صواباً.

و من تلك الجملة : صحيحة علي بن مهزيار، قال : قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه السلام في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم أن صلهما في المحمل و روى بعضهم أن لا تصلهما إلا على الأرض، فأعلمني كيف تصنع أنت؟ لأقتدي بك في ذلك. فوقع عليه السلام موسع عليك بأية عملت.

و في الكافي ك علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى و الحسن بن محبوب جميعاً، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه.

و في رواية أخرى : بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك.

و ذكر محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي في كتاب غوالي اللآلي – الذي ألفه في سنة سبع و تسعين و ثمانمائة – روى العلامة مرفوعاً إلى زرارة ابن أعيتن قال : سألت الباقر عليه السلام فقلت : جعلت فداك! يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال عليه السلام : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر. فقلت : يا سيدي أنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال عليه السلام : خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك. فقلت : إنهما معاً عدلان مرضيان موثقان؟ فقال : انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم، فإن الحق فيما خالفهم. فقلت : ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال : إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط. فقلت : غنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال عليه السلام : إذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر.

و في رواية أنه عليه السلام قال : إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله انتهى كلامه رحمه الله.

و ذكر الشيخ السعيد قطب الدين شيخ الإسلام أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي قدس سره في الرسالة التي صنفها في بيان أحوال أحاديث أصحابنا و إثبات صحتها :

أخبرنا الشيخان محمد و علي ابنا علي بن عبد الصمد، عن أبيهما، عن أبي البركات علي بن الحسين، عن أبي جعفر بن بابويه : أخبرنا أبي، أخبرنا سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال الصادق عليه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله عز و جل، فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه.

و عن ابن بابويه أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن الحسن الصفار، و أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن رجل، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسين بن السري، قال أبو عبد الله عليه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم.

و عن ابن بابويه : أخبرنا محمد بن موسى بن المتوكل، أخبرنا علي بن الحسين السعدابادي، حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قلت للعبد الصالح عليه السلام : هل يسعنا فيما يرد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال عليه السلام : لا و الله لا يسعكم إلا التسليم لنا، قلت : فيروى عن أبي عبد الله عليه السلام شيء و يروى عنه خلافه فبأيهما نأخذ؟ قال : خذ بما خالف القوم، و ما وافق القوم فاجتنبه.

و عن ابن بابويه : أخبرنا أبي، أخبرنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما أنتم و الله على شيء مما هم فيه و لا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنفية على شيء.

و عن ابن بابويه : أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن داود بن الحصين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : و الله، ما جعل الله لأحد خيرة في إتباع غيرنا، و أن من وافقنا خلاف عدونا و من وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا و لا نحن منهم.

و عن ابن بابويه : أخبرنا محمد بن موسى بن المتوكل، أخبرنا علي بن الحسين السعدابادي، أخبرنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن عبيد الله قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فانظروا ما يخالف منهما العامة فخذوه، و انظروا ما يوافق أخبارهم فدعوه.

و عن ابن بابويه : اخبرنا أبي، أخبرنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة و على كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فدعوه. انتهى ما أردنا نقله عن رسالة قطب الدين الرواندي.

و في آخر كتاب السرائر من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم مولانا أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام : محمد بن علي بن عيسى قال سألته عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك صلوات الله عليهم قد اختلف علينا فكيف العمل به على اختلافه أو الرد فيما اختلف فيه؟ فكتب : ما علمتم أنه قولنا فألزموه و ما لم تعلموه فردوه إلينا.

و في كتاب المجالس للشيخ الأجل أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله : بسنده عن عمرو بن شمر عن جابر قال : دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام و نحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا، فودعناه و قلنا له : أوصنا يا بن رسول الله صلى الله عليه و آله فقال عليه السلام : ليعن قويكم ضعيفكم، و ليعطف غنيكم على فقيركم، و لينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه، و اكتموا أسرارنا و لا تحملوا الناس على أعناقنا. و انظروا أمرنا، و ما جاءكم عنا فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به و إن لم تجدوه موافقاً فردوه، و إن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردوه إلينا نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا.

أقول : في هذا الحديث الشريف و أشباهه إشارة إلى أن مرادهم عليهم السلام من العرض على كتاب الله عرض الحديث الذي جاء به غير الثقة على واضحات كتاب الله أي التي تكون من ضروريات الدين أو من ضروريات المذهب، بقرينة قوله عليه السلام : (و إن اشتبه الأمر عليكم) و بقرية ما تقدم من الأحاديث الدالة على وجوب التوقف عند كل مسألة لم يكن حكمها بيناً واضحاً.

و في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام لشيخنا الصدوق محمد بن علي بن بابويه حدثنا أبي و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد – رضي الله عنهما – قالا : حدثنا سعد بن عبد الله قال : حدثني محمد بن عبد الله المسمعي قال : حدثني أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الرضا عليه السلام يوماً، و قد أجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى الله عليه و آله في الشيء الواحد، فقال عليه السلام : ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله صلى الله عليه و آله فاتبعوا ما وافق نهي النبي صلى الله عليه و آله و أمره. و ما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عاقه رسول الله صلى الله عليه و آله و كرهه و لم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الإتباع و الرد على رسول الله صلى الله عليه و آله. و لا تقولوا فيه بآرائكم. و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا.

قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله : كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سيء الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث، و إنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة و قد قرأته عليه و لم ينكره و رواه لي.

و الحديث الشريف بطوله مذكور في كتاب عيون الأخبار نحن ذكرنا موضع الحاجة منه.

و في الكافي – في باب اختلاف الحديث – محمد بن يحيى، عن محمد ابن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً و إن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت و قد أمر الله تعالى أن يكفر به، قال الله عز و جل : (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به) قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثناً و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً على الله، و هو على حد الشرك بالله. قلت : فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال : الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أروعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال : قلت : فإنهما عدلان مرضيان عند روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، و إنما الأمور ثلاثة : أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيتجنب، و أمر مشكل بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم. قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة وخالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة. قلت : جعلت فداك! أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة و الآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت : جعلت فداك! فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر. قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال : إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

 و روى رئيس الطائفة – في التهذيب – بسنده عن عبد الملك بن أعين قال : حج جماعة من أصحابنا فلما وافوا المدينة و دخلوا على أبي جعفر عليه السلام فقالوا : إن زرارة أمرنا بأن نهل بالحج إذا أحرمنا، فقال لهم : تمتعوا. فلما خرجوا من عنده دخلت عليه فقلت : جعلت فداك! و الله لئن لم تخبرهم بما أخبرت به زرارة ليأتين الكوفة و ليصبحن بها كذاباً. قال : ردهم علي، قال : فدخلوا عليه فقال : صدق زرارة، ثم قال أما و الله! لا يسمع هذا بعد اليوم أحد مني.

و روى بسنده عن إسماعيل الجعفري قال : خرجت أنا و ميسر و أناس من أصحابنا فقال لنا زرارة : لبواب الحج، فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام فقلنا : أصلحك الله! إنا نريد الحج و نحن قوم صرورة – أو كلنا صرورة – فكيف نصنع؟ فقال : لبوا بالعمرة. فلما خرجنا قدم عبد الملك بن أعين فقلت له : ألا تعجب من زرارة قال لنا : لبوا بالحج و إن أبا جعفر عليه السلام قال لنا لبوا بالعمرة؟ فدخل عليه عبد الملك بن أعين فقال له : إن أناساً من مواليك أمرهم زرارة أن يلبوا بالحج عنك و أنهم دخلوا عليك فأمرتهم أن يلبوا بالعمرة، فقال أبو جعفر عليه السلام : يريد كل إنسان منهم أن يسمع على حدة أعدهم علي فدخلنا فقال : لبوا بالحج، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله لبى بالحج.

و في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام : حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي و محمد بن موسى البرقي و محمد بن علي ماجيلويه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد السياري قال حدثنا علي بن أسباط قال : قلت للرضا عليه السلام : يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ قال، فقال : ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه.

و في كتاب القضايا من تهذيب الحديث عن علي بن أسباط قال : قلت له : يحدث الأمر من أمري لا أجد بداً من معرفته، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد استفتيه، فقال ائت فقيه البلد إذا كان ذلك فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه.

أقول : من جملة نعماء الله تعالى على الطائفة المحقة : أنه خلى بين الشيطان و بين علماء العامة ليضلهم عن الحق في كل مسألة نظرية، ليكون الأخذ بخلافهم لنا ضابطة كلية نظير ذلك ما ورد في حق النساء : شاوروهن و خالفوهن.

و في الكافي – في باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان و ما يكون – عن ضريس الكناسي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول و عنده أناس من أصحابه : عجبت من قوم يتولونا و يجعلونا أئمة و يصفون أن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلى الله عليه و آله ثم يكسرون حجتهم و يخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم! فينقصونا حقنا و يعيبون ذلك على من أعطاه الله تعالى برهان حق معرفتنا و التسليم لأمرنا.

و في باب الشرك : عن عميرة عن أبي عبد اللف عليه السلام قال سمعته يقول : أمر الناس بمعرفتنا و الرد غلينا و التسليم لنا، ثم قال : و إن صاموا و صلوا و شهدوا أن لا إله إلا الله و جعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين.

أقول : قد تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن المشرك قسمان : مشرك في العبادة و مشرك في الطاعة و يمكن أن يكون المراد هنا الثاني.

و في باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه و آله : عن أبي إسحاق النحوي قال دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسمعته يقول : عن الله عز و جل أدب نبيه على محبته فقال : (و إنك لعلى خلق عظيم) ثم فوض إليه فقال عز وجل : (و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا) و قال عز و جل : (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ثم قال : و إن نبي الله فوض إلى علي و الأئمة فسلمتهم أنتم و جحدوا الناس، فو الله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، و أن تصمتوا إذا صمتنا، و نحن فيما بينكم و بين الله عز و جل، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا.

و أقول : هنا فوائد :

الفائدة الأولى

من المعلوم عند أولي الألباب : أن هذه الأحاديث ناطقة بجواز العمل بخبر الثقة في الرواية، و من المعلوم : أن حكم باب الفتاوى أضيق من باب الشهادة في قضية جزئية، إذ على الأول تبنى جزئيات كثيرة إلى يوم القيامة بخلاف الثاني، و لأنه يجب في باب الفتاوى العلم و القطع بأحد الأمرين – كما حققناه سابقاً – بخلاف القضايا الجزئية، و من المعلوم : أن في باب الشهادات لا بد من العدلين، فعلم أن خبر الثقة في الرواية أقوى من شهادتهما.

الفائدة الثانية

إن أحاديث هذا الباب صريحة فيما اختاره رئيس الطائفة من جواز العمل بخبر الواحد الثقة في الرواية و استدل عليه بإجماع الطائفة، و نحن نستدل عليه بهذه الروايات المتواترة و بالروايات الواردة في وكلاء الصاحب عليه السلام المشتملة على الأمر بالأخذ عنهم، لأنهم ثقات و أشباه ذلك. و إذا لاحظنا هذه الروايات مع ما أثبتناه من أنه لا بد في باب الفتاوى من أحد القطعين ينتج أن خبر الثقة في الرواية يفيد القطع العادي، كما حققناه سابقاً و جعلناه من أنواع القرائن المفيدة للقطع بصحة الخبر، لا بصحة مضمون الحديث.

الفائدة الثالثة

إنه يفهم من هذه الأحاديث الشريفة : أن من جملة نعماء الله تعالى على هذه الطائفة أنه جل جلاله جوز لهم العمل بكل ما ورد من أصحاب العصمة و لو كان وروده من باب التقية.

الفائدة الرابعة

إنه يفهم من بعض تلك الأحاديث أنه إذا لم نطلع على أحد الوجوه المرجحة المذكورة فيها يجب التوقف عن تعيين أحد الطرفين قولاً و فعلاً إلى لقاء صاحبنا عليه السلام و يفهم من بعضها أنه حينئذ نحن مخيرون في العمل بأيهما نريد من باب أن كل ما ورد منهم عليهم السلام يجب علينا تسليمه و لو كان وروده في الواقع من باب التقية و الشفقة على الرعية، لا من باب أن حكم الله الواقعي التخيير، و لا من باب أنه إذا تعارضت الأمارات في نظر المجتهد فهو مخير في العمل بأيتهما أراد كما هو مذهب من يعمل بالظن في نفس أحكامه تعالى.

و قد تحير الطبرسي في كتاب الاحتجاج و ابن جمهور الإحسائي في كتاب غوالي اللآلي في الجمع بينهما. و الذي فهمت أنا من كلامهم عليهم السلام أنه إن كان مورد الحديثين المختلفين العبادات المحضة كالصلاة فنحن مخيرون في العمل. و إن كان غيرها من حقوق الآدميين من دين أو ميراث أو وقف على جماعة مخصوصين أو فرج أو زكاة أو خمس فيجب التوقف عن الأفعال الوجودية المبنية على تعيين أحد الطرفين بعينه.

و الإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني – قدس الله سره – ذكر في كتاب الكافي ما يدل على العمل بالحديث الدال على التخيير و قصده قدس سره ذلك عند عدم ظهور شيء من المرجحات المذكورة في تلك الأحاديث. و ينبغي أن يحمل كلامه على ما إذا كان مورد الروايتين العبادات المحضة، بقرينة أنه قدس سره ذكر بعد ذلك في باب اختلاف الحديث مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في المتخاصمين في دين أو ميراث، الناطقة بأنه مع عدم ظهور شيء من المرجحات المذكورة يجب الإرجاء إلى لقاء الإمام عليه السلام.

الفائدة الخامسة

إن هذه الرواية الشريفة مشهورة بين متأخري أصحابنا بمقبولة عمر بن حنظلة بناء على أن علماء الرجال لم يوثقوه. لكن الشهيد الثاني رحمه الله وثقه في شرح رسالته في فن دراية الحديث. و اعترض عليه ولده الشيخ حسن – قدس سرهما – في كتاب المنتقى، حيث قال : من عجيب ما اتفق لوالدي قدس سره أنه قال في شرح بداية الدراية : إن عمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب عليه بتعديل و لا جرح، و لكنه حقق توثيقه من محل آخر فوجدت بخطه رحمه الله في بعض مفردات فوائده ما صورته : عمر ابن حنظلة غير مذكور بجرح و لا تعديل، و لكن الأقوى عندي أنه ثقة، لقول الصادق عليه السلام في حديث الوقت : إذاً لا يكذب علينا و الحال أن الحديث الذي أشار إليه ضعيف الطريق فتعله به في هذا الحكم مع ما علم من انفراده به غريب! و لولا الوقوف على الكلام الأخير لم يختلج في الخاطر أن الاعتماد في ذلك على هذه الحجة انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

و أنا أقول : لنا مندوحة عن التمسك بما تمسك به العلامة و من وافقه في إثبات صحة بعض الأحاديث من كون راويه إمامياً عدلاً ضابطاً، و ذلك لتصريح ابن بابويه في أول كتاب من لا يحضره الفقيه بأن كل ما فيه صحيح حجة بينه و بين الله تعالى، يعني أنه قاطع بوروده عن أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم – بتواتر أو بقرينة إجماع أو بغيرهما ول و كان وروده في الواقع من باب التقية و الشفقة على الرعية.

و صرح الإمام ثقة الإسلام في أول الكافي بقريب من ذلك.

و هذه الرواية الشريفة مذكورة فيهما و عمل بها رئيس الطائفة – قدس الله سره – مع تصريحه في مواضع من كتاب العدة في الأصول بأن كل حديث عمل به في كتاب من كتبه أخذه من الأصول المجمع على صحة نقلها. و إنا قطعنا قطعاً عادياً بأن أمثال هذه الدعاوى لم تصدر عن أمثال هؤلاء الأجلاء إلا في الأمور الصحيحة البينة الواضحة التي لا تصلح لأن يرتاب فيها أحد.

و بالجملة، كتاب من لا يحضره الفقيه كاف لنا في حصول القطع العادي بورود الحكم عنهم عليهم السلام في جميع أبواب الفقه، فما ظنك إذا انضم إليه كتاب الكافي مع ما ذكره مصنفه في أوائله من صحة كل ما فيه، و إذا انضم إليه كتاب رئيس الطائفة مع ما ذكره مصنفهما من أنه لم يعمل إلا بالأحاديث المأخوذة من الأصول المجمع على صحتها و بعد التنزل عن هذا المقام، أقول : هذه الرواية متواترة المعنى.

و أما النصيحة اللطيفة فأقول كأني أنظر إلى جماعة من الجهلة المنتسبين إلى العلم من عربي و عجمي ينكرون ما استفدناه من كلام أصحاب العصمة – صلوات الله و سلامه عليهم – إما من اعوجاج الذهن، أو جموده و البلادة، أو من الحسد و الشقاوة.

فلنتبارك ببعض النصائح المذكورة في أوائل كتاب المعتبر حيث قال :

إن في الناس : المستعبد نفسه لشهوته، المستغرق وقته في أهويته، مع إيثاره الاشتهار بآثار الأبرار، و اختياره الاتسام بسمة الأخيار، إما لأن ذلك في جبلته أو لأنه وسيلة إلى حطام عاجلته فيثمر هذان الخلقان نفاقاً غريزياً و حرصاً على الرئاسة الدينية طبيعياً، فإذا طهرت لغيره فضيلة عليه خشي غلبة المزاحم و منافسة المقاوم، ثم يمنعه نفاقه عن المكافحة فيرسل القدح في زي المناصحة، و يقول : لو قال كذا لكان أقوم، أو لم يقل كذا لكان أسلم، موهماً أنه أوضح كلاماً أو أرجح مقاماً. فإذا ظفرت بمثله فليشغلك الاستعادة بالله من بليته عن الاشتغال بإجابته، فإنه شر الرجال و أضر على الأمة من الدجال! فكأني بكثير ممن ينتحل هذا الفن يقف على شيء من مقاصد هذا الكتاب فيستشكله و يحيل فكره فيه فلا يحصله، فينزله بذهنه الجامد على التأويل الفاسد و يدعو إلى متابعته، لظنه الإصابة، فهو كما قيل : (أساء سمعاً فأساء إجابة) فعليك بإمعان النظر فيما يقال، مستفرغاً وسعك في رد الاحتمال، فإذا تعين لك الوجه فهناك فقل و إلا فاعتصم بالتوقف، فإنه ساحل الهلكة، و إنك مخبر في حال فتواك عن ربك و ناطق بلسان شرعه، فما أسعدك إن أخذت بالجزم! و ما أخيبك إن بنيت على الوهم! فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى : (و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون) و انظر إلى قوله : (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً و حلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون). و تفطن كيف قسم مستند الحكم إلى قسمين، فما لم يتحقق الإذن فأنت مفتر. انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2373471

 • التاريخ : 20/05/2019 - 17:37