الفصل الثامن : في جواب الأسئلة المتجهة على ما استفدناه و قررناه من كلام أئمتنا عليهم السلام و من كلام قدمائنا 

القسم : كتب اصول فقه أهل البيت   ||   الكتاب : الفوائد المدنية   ||   تأليف : الأمين الاسترابادي

الفصل الثامن

 

في جواب الأسئلة المتجهة على ما استفدناه و قررناه من كلام أئمتنا عليهم السلام و من كلام قدمائنا

 

كأحمد بن أبي عبد الله البرقي في كتاب المحاسن، و محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، و علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره، و محمد بن يعقوب الكليني في أول الكافي.

 

السؤال الأول

إن الفاضل المدقق محمد بن إدريس الحلي رحمه الله أخذ أحاديث من أصول قدمائنا التي كانت عنده و ذكرها في باب هو آخر أبواب كتاب السرائر.

و من جملة ما أخذه من جامع البزنطي صاحب الرضا عليه السلام هشام بن سلام عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إنما علينا أن نلقي عليكم الأصول، و عليكم أن تفرعوا.

أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : علينا إلقاء الأصول إليكم، و عليكم التفريع.

و الحديثان ناطقان بجواز الاجتهاد في نفس أحكامه تعالى.

و جوابه أن يقال :

هذان الحديثان موافقان لما حققناه سابقاً و استفدناه من كلامهم عليهم السلام لأن المراد منهما أن استنباط الأحكام النظرية ليس شغل الرعية، بل علينا أن نلقي إليهم نفس أحكامه تعالى بقواعد كلية و عليهم استخراج الأمور الجزئية عن تلك القواعد الكلية، مثال ذلك قولهم عليهم السلام : (إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام) و قولهم عليهم السلام : (كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) و قولهم عليهم السلام : (الشك بعد الانصراف لا يلتفت إليه) و قولهم عليهم السلام : (ليس ينبغي لك أن تنقض يقيناً بشك أبداً و إنما تنقضه بيقين آخر).

و هنا فائدة شريفة :

هي أن الأنظار العقلية قسمان :

قسم يكون تمهيده مادة الفكر فيه بل صورته أيضاً من جانب أصحاب العصمة، و قسم لا يكون كذلك.

فالقسم الأول : مقبول عند الله تعالى مرغوب إليه، لأنه معصوم عن الخطأ.

و القسم الثاني : غير مقبول، لكثرة وقوع الخطأ فيه، و إثبات النبي صلى الله عليه و آله رسالته على الأمة إما من باب أنه من باب بعد الإطلاع على معجزته يحصل القطع بدعواه بطريق الحدس كما يفهم من الأحاديث، أو من القسم المقبول من النظر و الفكر، و استخراج الرعية الفروع من القواعد الكلية المتلقاة منهم عليهم السلام من هذا القسم المقبول. هكذا ينبغي أن تحقق هذه المباحث و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

السؤال الثاني

إنه لا مفر للأخباريين عن العمل بالظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها، و ذلك لأن الحديث و لو كان صحيحاً باصطلاحهم و هو المقطوع بوروده عن أهل الذكر عليهم السلام قد يحتمل التقية، و قد يكون دلالته ظنية، و على التقديرين لا يحصل القطع.

و جوابه أن يقال :

أكثر أحاديثنا المدونة في كتبنا صارت دلالتها قطعية بمعونة القرائن الحالية أو المقالية و أنواع القرائن كثيرة :

من جملتها : أن الحكيم في مقام البيان و التفهيم لا يتكلم بكلام يريد به خلاف ظاهره، لا سيما من اجتمعت فيه نهاية الحكمة مع العصمة، و قد مر زيادة توضيح لذلك في كلامنا. و من جملتها : تعاضد الأخبار بعضها بعضاً. و من جملتها : خصوصيات أجزاء بعض الأحاديث. و من جملتها : قرينة السؤال و الجواب و الدلالة التي لم تصر قطعية بمعونة القرائن لا توجب الحكم عندهم و إنما توجب التوقف.

و أما احتمال التقية فغير قادح فيما حققناه لما سبق : من أنه يكفي أحد القطعين و من أن مناط العمل القطع بأن الحكم ورد عنهم عليهم السلام لا الظن بأنه حكم الله في الواقع.

و مما يدل على الفرق بين الجهتين ما ذكره الفاضل الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني – رحمهما الله تعالى – في كتاب المعالم، حيث قال – في مقام الرد على من تمسك في جواز العمل بخبر الواحد بأنه يفيد الظن فيكون معتبراً كما اعتبر الشارع شهادة العدلين لإفادتها الظن - : ليس الحكم في الشهادة منوطاً بالظن بل بشهادة العدلين فينتفي بانتفائها، فهي – كما أشار إليه المرتضى رضي الله عنه في معنى الأسباب أو الشروط الشرعية – كزوال الشمس و طلوع الفجر بالنسبة إلى الأحكام المتعلقة بهما. بخلاف محل النزاع، فإن المفروض فيه كون التكليف منوطاً بالظن انتهى كلامه – أعلى الله مقامه -.

و لنذكر مثالاً، فنقول : عند من يعمل بالدلالات الظنية و الاجتهادات الخرصية يجوز في الحديث الوارد في من احتلم في أحد المسجدين الإفتاء بإطلاق لفظه تارة و بتقييده أخرى بحسب القرائن الحالية بغالب الأحوال، و ذلك بحسب اختلاف آراء المجتهدين، فكل يعتمد على مقتضى ظنه من ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر. و عند الأخباريين المتمسكين بالتوقف أو اليقين يجوز الإفتاء بالقدر الذي دلالة لفظه عليه قطعية، و يجب التوقف عن الفتوى و العمل في القدر الزائد عليه. فعلى قول من رجح من أهل الاجتهاد جانب إطلاق اللفظ يجب التيمم و لو كان زمان الغسل أقل أو مساوياً لزمان التيمم و لم يحتج غسله على إزالة النجاسة في المسجد، بأن يكون نائماً في المسجد الحرام مثلاً فيحتلم فيدخل السيل فيه فيقوم من النوم و هو واقع جوف السيل. و على قول من رجح جانب القرينة يجب الغسل في الصورة المفروضة و يحرم التيمم. و على قول من تساوى الاحتمالان في نظره يجب التوقف عند بعض و الحكم التخيير عند بعض.

و على طريقة الأخباريين يجب التوقف عن تعيين أحد الاحتمالين لو لم تكن دلالة من خارج تعين أحدهما. و مصداق التوقف في بعض المواضع ترك الأفعال الوجودية، و في بعض المواضع الجمع بين الفعلين الوجوديين، و في بعض المواضع الإتيان بفعل وجودي مع الإطلاق في نيته أو مع ترديد مآله و مآل الإطلاق واحد أو مع ذكر الاحتياط في نيته. و مآل الكل واحد، كما سيجيء تحقيقه في كلامنا إن شاء الله تعالى.

و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لأنا نعلم اشتغال الذمة بأحد الفعلين الوجوديين و لا نعلمه بعينه، و نعلم أن حرمة الجمع بينهما مخصوصة بما إذا علمنا الفعل الواجب بعينه.

فإن قلت : كيف يكون بنيتهما؟

قلت : قصد القربة المطلقة في العبادات كافية، و لو تنزلنا عن ذلك المقام فله قصد الوجوب المطلق في كل واحد منهما، و مرادي من المطلق ما يعم الواجب بالأصالة و الواجب من باب المقدمة.

و لقائل أن يقول : قد علمنا جواز الغسل بل وجوبه من جهة وجوب مقدمة الواجب، و من المعلوم : أن الأمر بلاشيء لا يستلزم النهي عن أضداده الوجودية، و من المعلوم إجراء الغسل عن التيمم فإذا اغتسل سقط عنه التيمم (إذا خطر بباله تلك المقدمات).

و يرد عليه : أنه عسى أن لا يجزي الغسل و يتعين التيمم في حكم الله تعالى، فلا بد من الجمع بينهما لتحصيل اليقين ببراءة الذمة. و إذا تحير  الفقيه في وجوب صلاة الجمعة عليه في زمن الغيبة وجوباً عينياً و في وجوب صلاة الظهر بدلها، يجب عليه التوقف عن تعيين أحد الاحتمالين كما هو مقتضى الأحاديث، و مصداق هذا التوقف بحسب ظاهر النظر أيضاً الجمع بين الفعلين الوجوديين – عني صلاة الجمعة و صلاة الظهر – لأنا نعلم اشتغال الذمة بإحداهما و لا نعلمها بعينها، و نعلم أن الاشتباه ليس مسقطاً لوجوبها.

و قد ظهر عليك من ذلك أن حرمة الجمع بينهما مخصوصة بما إذا علمنا ما هو الواجب بعينه. على أن القاعدة الشريفة المتقدمة المستفادة من قوله عليه السلام : (إذا أصبتم بمثل هذا و لا تدرون فعليكم الاحتياط حتى تسألوا و تعلموا). و من حديث إطباق السماء المتضمن لوجوب الاحتياط بأن تصلي أربع صلوات إلى أربع جهات و من غيرهما، تقتضي وجوب الاحتياط بالجمع بين الفعلين الوجوديين في هذين الموضعين و أشباههما، و مصداقه عند النظر الدقيق الاكتفاء بصلاة الظهر بعد فوت وقت صلاة الجمعة، لقطعنا بأن صلاة الظهر حينئذ مبرئة للذمة، و بأنها غير بدعة، و يحتمل أن تكون صلاة الجمعة بدعة، لفقد بعض شرائطها. بخلاف ما إذا تحير الفقيه في تعيين قدر المسافة هل هو عند الشارع أربعة فراسخ أو ثمانية؟ فإن احتمال البدعة مشترك حينئذ بين القصر و الإتمام، و كذلك احتمال الوجوب. و بخلاف ما إذا تخير بين وجوب التيمم و بين وجوب الغسل للخروج عن المسجد، فإن احتمال البدعة و احتمال الوجوب مشترك بين الطرفين. فافهم فإن هذه من معظمات الدقائق و أحفظها تنتفع بها كثيراً.

 

السؤال الثالث

إنه قد ذكر المحقق الحلي في أصوله – و هو في أكثر أبوابه اختصار كتاب العدة لرئيس الطائفة مع زيادات و إيرادات من قبله، رجع عنها في أواخر عمره في كتاب المعتبر – في مقام الرد على ما نقلناه عن رئيس الطائفة (حيث قال : و الذي أذهب إليه و هو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين المتقدمين و المتأخرين و هو الذي اختاره سيدنا المرتضى قدس الله روحه، و إليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمه الله أن الحق في واحد و أن عليه دليلاً، من خالفه كان مخطئاً فاسقاً انتهى) : و أماما يفتقر إلى اجتهاد و نظر، فإنه يجب على المجتهد استفراغ الوسع فيه، فإن أخطأ لم يكن مأثوماً، و يدل على وضع الإثم عنه وجوه :

أحدها : أنه مع استفراغ الوسع يتحقق العذر فلا يتحقق الإثم.الثاني : أنا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الأحكام الشرعية اختلافاً شديداً حتى يفتي الواحد منهم بالشيء و يرجع عنه إلى غيره، فلو لم يرتفع الإثم لعمهم الفسق و شملهم الإثم، لأن القائل منهم بالقول إما أن يكون استفرغ وسعه في تحصيل ذلك الحكم أو لم يكن، فإن لم يكن تحقق الإثم، و عن استفرغ وسعه في تحصيل ذلك الحكم ثم لم يظفر ول م يعذر تحقق الإثم أيضاً.

الثالث : الأحكام الشرعية تابعة للمصالح، فجاز أن يختلف بالنسبة إلى المجتهدين كاستقبال القبلة، فإنه يلزم كل من غلب على ظنه أن القبلة في جهة أن يستقبل تلك الجهة إذا لم يكن له طريق إلى العلم، ثم تكون الصلاة مجزية لكل واحد منهم و إن اختلفت الجهات.

فإن قيل : لا نسلم أن مع استفراغ الوسع يمكن الغلط في الحكم، و ذلك لأن الواقعة لا بد فيها من حكم شرعي و لا بد من نصب دلالة على ذلك الحكم، فلو لم يكن للمكلف طريق إلى العلم بها لكان نصبها عبثاً، أو لما كان لذلك المخطئ طريق إلى العلم بالحكم مع تقدير استفراغ الوسع، و ذلك تكليف بما لا يطاق. و الجواب : قوله : لا بد من نصب دلالة.

قلنا : مسلم، لكن ما المانع أن يكون فرض المكلف مع الظفر بتلك الدلالة العمل بمقتضاها، و مع عدم الظفر بها يكون الحكم في الواقعة لا ذلك الحكم، و مثاله : جهة القبلة، فإن مع العلم بها يجب التوجه و مع عدم العلم يكون فرضه التوجه إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها جهة القبلة، و كذلك العمل بالبينة عند ظهور العدالة و خفاء الفسق و لو ظهر فسقها لوجب إطراحها، فما المانع أن تكون الأدلة التي وقع فيها النزاع كذلك؟ ألا ترى! أن العموم يخصص مع وجود المخصص و يعمل بعمومه مع عدم المخصص انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

و أقول : جوابه :

إن الوجه الثالث من الوجوه التي ذكرها المحقق مبني على مقدمة ظنية و على قياس أحكام الله تعالى على غيرها و كلاهما مردودان، و من المعلوم أن العمل بالظن في نفس أحكام الله تعالى ينتهي إلى تخريب الدين و إلى تصحيح ما وقع من الحروب من المنافقين و أعداء الدين – كما تقدم في كلامنا – و أن العمل بالظن في غير أحكامه تعالى كتعيين جهة القبلة و عدد الركعات و قيم المتلفات و أروش الجنايات لا ينتهي إلى ذلك.

و الوجه الأول أيضاً مردود، لأن خلاصته جارية فيمن كان في زمن الفترة و استفرغ وسعه و عمل بخلاف الشريفة، فإنه معذور كما تواترت به الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام مع أنه عمل بخلاف الشريعة. و الحل أن يقال : كونهم معذورين أعم من كون فعلهم مشروعاً، لجواز أن يكون سبب كونهم معذورين غفلتهم عن بعض القواعد الشرعية.

و حاصل النقض و الحل أن المعذورية قسمان :

قسم حاصل من تخلية الله تعالى جمعاً من عباده كما في أهل الفترة فإنه يكلفهم يوم القيامة لا في الدنيا، كما تواترت به الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام.

و قسم حاصل من طلب الله تعالى و العمل بالظن، و مدعاك القسم الثاني و دليلك يدل على القدر المشترك، فلو تم دليلك يلزم تحقق القسم الثاني في أهل الفترة.

و الوجه الثاني أيضاً مردود لما سنحققه، و من تأمل في قوله تعالى : (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) و في نظائره يقطع بأنه تعالى مهد طريقة كل من سلكها نجا من الغلط و الخطأ، و تلك الطريقة التمسك بأصحاب العصمة في كل ما يحتاج إليه من العقائد و الأعمال، و التوقف عند عدم الظفر بكلامهم عليهم السلام و من المعلوم : أن من لم يسلك هذه الطريقة ما استفرغ و سعه.

ثم أقول : عن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه فاستمع لما نتلو عليك من الكلام بتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام.

فنقول : الاختلاف في الفتاوى قسمان :

أحدهما : أن يكون سببه اختلاف ما بلغهم من الروايات.

و من المعلوم أن هذا النوع من الاختلاف لا يؤدي إلى تناقض، لابتناء أحد القولين على ما ورد من باب التقية – كما حققه رئيس الطائفة قدس سره و قد مر توضيحه و الاختلافات الواقعة بين قدمائنا الأخباريين و أصحاب الأئمة عليهم السلام من هذا القبيل، كما تقدم نقله عن رئيس الطائفة.

و ثانيهما : أن يكون سببه غير ذلك من الاستنباطات الظنية.

و من المعلوم : أنه لم يرد إذن من الله تعالى في ذلك، بل تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار بأن المفتي المخطئ ضامن و يلحقه وزر من عمل بفتياه و قال الله تعالى : (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

و من المعلوم : أن كل حكم تحتاج إليه الأمة قد أنزله الله في كتابه لكن لا تبلغه عقول الرجال، و قد بينه النبي صلى الله عليه و آله لأمته و بينه أمير المؤمنين عليه السلام كذلك.

و من المعلوم : أنه لا اختلاف فيما أنزل الله تعالى كما مر بيانه سابقاً، فكل من اختلف في الفتوى و لم يكن سببه ابتناء أحد قوليه على حديث وارد من باب التقية يكون حاكماً بغير ما أنزل الله.

و أقول : يمكن أن يقال : الجماعة التي وقع منهم القسم الثاني من الاختلاف – و هم جماعة قليلة نشئوا في زمن الغيبة الكبرى، أولهم : الأقدمان ابن الجنيد و ابن أبي عقيل فيما أظن، ثم بعدهما نسج على منوالهما الشيخ المفيد ثم ابن إدريس الحيل، ثم العلامة الحلي، ثم من وافقه من المتأخرين – معذورون من جهة غفلتهم عن أن سلوك طريقة الاستنباطات الظنية مناقض لما هو من ضروريات مذهبنا من أنه صلى الله عليه و آله بعدما جاء في كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة بحكم و خطاب قطعي و قد أودع كل ما جاء به عند الأئمة عليهم السلام أمر الناس بسؤالهم في كل ما لا يعلمون و الرد إليهم و التمسك بكلامهم عليهم السلام و هم عليهم السلام مهدوا أصولاً لرجوع الشيعة إليها، لا سيما في زمن الغيبة الكبرى.

و من القسم الثاني من الاختلاف ذهاب شيخنا المفيد – قد س الله سره – إلى جواز التمسك بالاستصحاب في نفس أحكامه تعالى و في نفيها، و قد مر توضيحه في مسألة من دخل في الصلاة بتيمم لفقد الماء ثم وجد الماء في أثنائها و ذهابه إلى أنه من دخل في الصلاة بتيمم ثم سبقه الحدث فأصاب ماء يتوضأ و يبني، بخلاف من دخل الصلاة بوضوء و سبقه الحدث فإنه يتوضأ و يستأنف الصلاة مع أنه تواترت الأخبار بأن الحدث في أثناء الصلاة بنقضها و الباعث له على ذلك أنه كان في بعض الأحاديث لفظ (أحدث) فسبق ذهنه إلى حمله على وقوع الحديث من المصلي و غفل عن احتمال أن يكون المراد مطر السماء، بل هذا الاحتمال أظهر لفظاً و معنىً، كما حققناه في بعض كتبنا.

و السبب الذي ذكره صاحب المعالم في صيرورة كثير من أحاديث أصحابنا مضمراً في تأليفات المتأخرين بعد كونه غير مضمر في أصول قدمائنا من أنه كانت عادة قدمائنا ذكر اسم الإمام المنقول عنه الحديث في أول الباب ثم ذكر الضمائر الراجعة إليه في سائر الأبواب، فلما نقل المتأخرون تلك الأحاديث إلى تأليفاتهم و غيروا ترتيب الأحاديث و التزموا أن لا يتصرفوا في عبارات القدماء أتوا بتلك الضمائر من غير سبق مرجعها، فصارت تلك الأحاديث مضمرة، جار في هذا الحديث و أشباهه.

هذا كله بعد التنزل عن حمله على التقية، و الصواب حمله على التقية، لأن أبا حنيفة ذهب إلى ذلك لكن ما خصص الحكم بالمتيمم.

و ذهابه إلى أنماء الأواني و لو كان كرا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة.

و ذهاب ابن الجنيد إلى جواز العمل بالقياس ثم رجع عنه.

و ذهاب بن أبي عقيل إلى عدم انفعال الماء القليل بورود النجاسة عليه.

 

السؤال الرابع

أن يقال : كيف عمل الأخباريين في فعل وجودي يحتمل أن يكون حراماً في الشريعة ظهرت فيه شبهة الحرمة – كحديث ضعيف – أو لم تظهر؟

و جوابه :

أن مقتضى قواعدهم وجوب التوقف، ومصداق التوقف ترك كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه، فيجب ترك ذلك الفعل و ترك تفسيق فاعله و إنما قلنا : هذا مقتضى قواعدهم، لأنه يستفاد :

من الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة.

و من الأحاديث المشتملة على وجوب التوقف والتثبت في كل واقعة لم نعلم حكمها.

و من الحديث الذي أخذه محمد بن إدريس الحلي عن أصل حسن بن محبوب و ذكره في آخر السرائر، و ذكره الإمام ثقة الإسلام في باب الكتمان، حيث قال محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : و الله إن أحب أصحابي إلي أورعهم و أفقههم و أكتمهم لحديثنا،و إن أسوأهم عندي حالاً و أمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا و يروى عنا فلم يعقله اشمأز منه و جحده و كفر من دان به، و هو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج و إلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا.

و من الحديث الذي ذكره الشيخ السعيد قطب الدين الراوندي قس سره في الرسالة التي صنفها لإثبات صحة أحاديث أصحابنا، حيث قال : قال الصادق عليه السلام : لا تكذبوا بحديث أتى به مرجئي و لا قدري و لا خارجي فنسبه إلينا، فإنكم لا تدرون لعله شيء من الحق فتكذبوا الله.

و أقول : قد جرت بيني و بين جمع من المنسوبين إلى العلم هذه الحكاية بعينها، فرأيتهم كلما رويت عندهم حديثاً من أحاديث أئمتنا و لم يجدوه موافقاً لما في كتب من يقول بالاجتهادات الظنية من متأخرين أصحابنا غضبوا و قدحوا فيه و فيمن يرويه و من يعمل به. و أسأل الله العفو و العافية.

لا يقال : مقتضى ما ذكره محمد بن علي بن بابويه في مبحث القنوت من كتاب من لا يحضره الفقيه و استدل به على جواز القنوت بغير العربي، حيث ذكر قال الصادق عليه السلام : (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) إباحة كل شيء ما لم يبلغنا فيه نهي.

و من المعلوم : أن المراد نهي يكون إتباعه واجباً، و المفروض فيما نحن بصدده عدم بلوغ ذلك النهي.

لأنا نقول : النهي قسمان : نهي خاص و نهي عام، و النهي العام قد بلغنا، إذ علمنا من الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة و من نظائره وجوب التوقف علينا في كل واقعة لم يكن حكمها بيناً عندنا، معللاً بأن الشريعة قد كملت و لم تبق واقعة خالية من حكم وارد من الله تعالى، و معللاً بالحذر عن ارتكاب المحرمات و الوقوع في الهلكات من غير علم.

و بهذا الجواب يندفع ما يتجه أن يقال : ذكر شيخنا الصدوق في كتاب التوحيد في باب الاستطاعة : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله عنه قال : حدثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : رفع عن أمتي تسعة : الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة.

و ذكر في باب التعريف و الحجة و البيان : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله عنه عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا سعد بن عبد الله عن القاسم بن محمد الإصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث النخعي القاضي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من عمل بما علم كفي ما لم يعلم.

و مقتضى هذه الأحاديث الشريفة أيضاً أن لا يتعلق بنا تكليف ما لم يبلغنا الخطاب الدال عليه.

وجه الاندفاع : أن الخطاب العام الدال على وجوب ترك كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه بلغنا، و هو الحديث المشتمل على حصر الأمور في اليقين و في الشبهة، و على وجوب ترك ما ليس بيقيني جوازه، و الأحاديث المشتملة على وجوب التوقف في كل واقعة لم نعلم حكمها بعينه.

لا يقال : يلزم من الحديث الذي ذكره ابن بابويه بطلان الحسن و القبح الذاتيين، كما ذهب إليه جمهور الأشاعرة حيث قالوا : لو عكس الله تعالى و جعل الكفر واجباً و خلافه حراماً لما كان قبيحاً و لا محالاً ذاتياً.

لأنا نقول : هنا مسألتان : إحداهما : الحسن و القبح الذاتيان.

و الأخرى : الوجوب و الحرمة الذاتيان.

و الذي يلزم من ذلك بطلان الثانية لا بطلان الأولى، و بين المسألتين بون بعيد.

ألا ترى أن كثيراً من القبائح العقلية ليس بحرام في الشريعة، و نقيضه ليس بواجب في الشريعة؟ و معنى القبيح العقلي : ما ينفر الحكيم عنه و ينسب فاعله إلى السفه، على ما ذكره المحقق الطوسي في بعض تصانيفه.

و قد سنح لي شيئان يؤيدان معنى هذا الحديث الشريف :

أحدهما : نقلي و هو قول الصادق عليه السلام : إن من قولنا : إن الله يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم، ثم أرسل غليهم رسولاً و أنزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى.

وجه التأييد أن هذا الحديث الشريف يدل على أنه لم يتعلق بأحد تكليف إلا بعد بلوغ الخطاب إليه. و أما قوله عليه السلام : (بما أتاهم و عرفهم) فيحتمل أن يكون إشارة إلى ما تواترت به الأخبار عنهم عليهم السلام : من أنه أخذ الإقرار بالربوبية من الأرواح في يوم (ألست بربكم) أو إلى ما يفهم من بعض الروايات : من أنه إذا أراد الله تعالى تعلق التكليف بأحد يلهمه بأنه موجوداً و بأنه واحد و بأنه له رضىً و سخط و بدلالات واضحة على ذلك و بأن مقتضى حكمته عز و جل أن يعين أحداً لتعليم الناس ما يرضيه و ما يسخطه، ثم يبلغه دعوى النبوة و المعجزة على وفقها و ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله من الواجبات و المحرمات، و حينئذ يتعلق به التكليف لا قبله. و من ثم وقع التصريح في مواضع من كتاب الكافي – منها باب الشك و منها باب من يعبد الله على حرف – بأن بعض من بلغتهم الدعوة أقروا بالشهادتين باللسان و شكوا في نبوة محمد صلى الله عليه و آله لا في التوحيد، فإنه دخلت معرفة التوحيد قلوبهم.

و ثانيهما : عقلي و هو أنه من المعلوم : أن هذه التكاليف الظاهرية الشرعية مشتركة بين من يقدر على الأفكار و الأنظار التي ذكرتها المعتزلة للخلاص عن شبهة لزوم إفحام الأنبياء عليهم السلام و بين من لم يقدر، فعلم أن مناط تعلق التكليف كلها السماع من الشارع، و علم عدم استقلال العقل بتعلق تكليف، و علم بطلان مذهب المعتزلة في هذه المسألة، فمعنى الحديث الذي ذكره ابن بابويه في مبحث القنوت : أنه لم يتعلق تكليف بأحد إلا بعد بلوغ الخطاب.

و اعلم أن مذهب جمهور الأشاعرة جواز الانعكاس. و أما مذهب بعضهم – كالفاضل المدقق بدر الدين الزركشي – فهو أن الحسن و القبح ذاتيان و الوجوب و الحرمة شرعيان، و أنه لا ملازمة بينهما، فقال في شرح جمع الجوامع :

تنبيهات :

الأول : المعتزلة لا ينكرون أن الله تعالى هو الشارع للأحكام، إنما يقولون : إن العقل يدرك أن الله تعالى شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها و مفاسدها، فهما عندهم مؤديان إلى العلم بالحكم الشرعي، و الحكم الشرعي تابع لهما لا عينهما، فما كان حسناً جوزه الشرع و ما كان قبيحاً منعه، فصار عند المعتزلة حكمان : أحدهما عقلي، و الآخر شرعي تابع له. فبان أنهم لا يقلون : إنه بمعنى العقاب و الثواب ليس بشرعي أصلا، خلافاً لما توهمه عبارة المصنف و غيره.

الثاني : ما اقتصر عليه المصنف من حكاية قولهم و المشهور، و توسط قوم فقالوا : قبحها ثابت بالعقل و العقاب يتوقف على الشرع، و هو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من أصحابنا و أبو الخطاب من الحنابلة و ذكره الحنفية و حكوه عن أبي حنيفة نصاً، و هو المنصور، لقوته من حيث الفطرة و آيات القرآن المجيد و سلامته من الوهن و التناقض.

فها هنا أمران : أحدهما : إدراك العقل حسن الأشياء و قبحها. و الثاني : إن ذلك كاف في الثواب و العقاب و إن لم يرد شرع، و لا ملازمة بين الأمرين بدليل (و ما كان ربك مهلك القرى بظلم) أي بقبح فعلهم (و أهلها غافلون) أي لم يأتهم الرسل و الشرائع، و مثله (لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) أي من القبائح فيقولوا (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً) انتهى كلام الفاضل الزركشي.

 

السؤال الخامس

أن يقال : كيف عملكم معشر الأخباريين في حديث ضعيف يدل على وجوب فعل وجودي؟

و جوابه أن يقال :

نوجب التوقف عن تعيين أحد المحتملات، و مصداقه في هذه المباحث أن لا يقع منه فعل أو قول أو ترك مبني على القطع بأحد المحتملات بعينه، و يجوز له أن يأتي بفعل أو قول أو ترك يجامع جميع المحتملات أو يجامع حال التردد و الشك فيها، فإذا دار الفعل بين الوجوب و الحرمة يجب عليه تركه ما دام كذلك، و إذا دار بين الوجوب و الندب و الكراهة فله فعله بنية مطلقة و له تركه، و يجب السؤال و التفتيش عن الحكم و نحن معذورون ما دمنا ساعين.

و من الموضحات لذلك قولهم عليهم السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

 

السؤال السادس

كيف عملكم في حديث صحيح يحتمل الوجوب و الحرمة كأمر يحتمل التهديد؟

و جوابه أن يقال :

نوجب التوقف، و مصداقه هنا الترك كما مر. و مما يوضح هذا المقام ما رواه ثقة الإسلام في كتاب الكافي، عن كتاب صفوان، عن معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم؟ فقالوا : ما ندري أعليك إحرام أم لا و أنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم؟ قال : إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، و إن لم يكن عليها وقت فلترجع على ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها.

و ما رواه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا على الوقت و هي لا تصلي، فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم، فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة و هي طامث حلال، فسألوا الناس، فقالوا : تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه و كانت إذا فعلت لم تدرك الحج، فسألوا أبا جعفر عليه السلام فقال : تحرم من مكانها قد علم الله نيتها.

وجه التوضيح : أنها تركت فعلاً واجباً في الواقع لاحتمال حرمته عندها و الإمام عليه السلام قررها على ذلك و لم ينكر عليها، بل استحسن نيتها بقوله عليه السلام قد علم الله نيتها.

 

السؤال السابع

أن يقال : كيف عملكم في حديث صحيح يحتمل الحرمة و الكراهة؟

و جوابه :

أنا نوجب التوقف. و قد مر بيان مصداقه.

 

السؤال الثامن

أن يقال : كيف عملكم في حديث صحيح يحتمل الوجوب و الندب؟

و جوابه أن يقال :

نوجب التوقف عن تعيين أحد الاحتمالين، ثم نقول : إن كان ظاهره الوجوب يجب فعله بنية مطلقة احتياطاً، و كذلك مع تساوي الاحتمالين، و إن كان ظاهره الندب و باطنه الوجوب فوجوبه موضوع عنا.

و بعد ما أحطت خبراً :

بالأحاديث الناطقة بوجوب التوقف و التثبت في كل واقعة لم يكن حكمها بيناً واضحاً.

و بقوله صلى الله عليه و آله في الحديث المتواتر بين الفريقين : إنما الأمور ثلاثة : أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيجتنب، و شبهات بين ذلك، و الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، و من ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ الشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم.

و بقول الكاظم عليه السلام في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، حيث قال، فقلت : إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال : إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا.

و بما روى الفريقان عنه صلى الله عليه و آله : دع ما يريبك إلى ما يريبك و من اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه.

و بقول الكاظم عليه السلام في مكاتبة عبد الله بن صباح : أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك.

و بقولهم عليهم السلام : ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

سهل عليك الجواب عن هذه المسألة.

و هنا فائدتان :

الأولى : أنه صلى الله عليه و آله حصر الأمور في ثلاثة : إحداها بين رشدها، و ثانيها بين غيها، و ثالثها ما ليس هذا و لا ذاك و سماها شبهة، فعلم من ذلك أن كل ما ليس بيقيني حتى الظني شبهة.

 

الفائدة الثانية : أنه في كلامهم عليهم السلام وقع إطلاق الجاهل على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكاً أو ظاناً، و الجاهل بهذا المعنى يجب عليه التوقف. و وقع إطلاقه على الغافل الذاهل ذهنه عن تصور المسألة. و الجاهل بالمعنى الأخير لا يجب عليه الاحتياط، و إلا لزم تكليف الغافل.

و قد وردت في هذا المعنى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السلام قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة، أهي ممن لا تحل له أبداً؟ فقال : لا، أما إذا كان فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. فقلت : بأي الجهالتين أعذر بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه أم بجهالته أنها في عدة؟ فقال : إحدى الجهالتين أعذر بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه أم بجهالته أنها في عدة؟ فقال : إحدى الجهالتين أهو من الأخرى، الجهالة بأن الله حرم عليه ذلك، و ذلك لأنه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت : هو في الأخرى معذوراً؟ قال : نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها. فقلت : و إن كان أحدهما متعمداً و الآخر بجهالة؟ فقال : الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبداً.

و إنما قلنا : إن المراد بالجاهل في هذه الصحيحة الغافل لا الظان و المتردد، لأنهما يقدران على الاحتياط، دون الغافل.

 

السؤال التاسع

أن يقال : كيف عملكم معاشر الأخباريين في الظواهر القرآنية مثل قوله تعالى : (و أوفوا بالعقود) و قوله تعالى : (أو لامستم النساء) و قوله تعالى : (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) و في ظواهر السن النبوية مثل قوله صلى الله عليه و آله : لا ضرورة و لا ضرار في الإسلام.

و جوابه أن يقال :

نحن نوجب الفحص عن أحوالهما بالرجوع إلى كلام العترة الطاهرة عليهم السلام فإذا ظفرنا بالمقصود و علمنا حقيقة الحال علمنا بهما، و إلا أوجبنا التوقف و التثبت، و لا نجوز التمسك بما تمسكت به العامة : من أنه صلى الله عليه و آله لم يخص أحداً بتعليم كل ما جاء به و بتعليم تفسير القرآن و ما جاء به من نسخ أو قيد أو تأويل أو تخصيص بل أظهر كل ما جاء به عند أصحابه و توفرت الدواعي على أخذه و نشره و لم تقع بعده صلى الله عليه و آله فتنة أوجبت إخفاء بعضه، و من أنه لولا ذلك لم تأخير البيان عن وقت الحاجة و للزم الإغراء بالجهل، و ذلك لما علم من المذهب ضرورة : من أنه صلى الله عليه و آله أودع كل ما جاء به عند العترة الطاهرة عليهم السلام و أمر الناس بسؤالهم و الرد – أي الرجوع – إليهم، و أي بيان أقوى من ذلك؟

و لنذكر أمثلة لوجوب التوقف و الاحتياط :

منها : إذا وقع النكاح لم نعلم صحته و فساده يجب على الزوج ترك الاستمتاع بها و ترك التزوج بخامسة و بأختها، ويجب على الزوجة أن لا تمكنه من نفسها و أن لا تتزوج بغيره، ويجب على الزوج أحد الأمور الثلاثة : غما طلاقها، و إما العقد الجديد، و إما الإنفاق عليها إن رضيت بمجرد الإنفاق، و إن طلبت أحد الأمرين الطلاق أو العقد الجديد يجب عليه، و لو امتنع من ذلك لوجب حبسه من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و من باب الدفاع. و لو هرب فراراً من أحد الأمرين و لم يتمكن منه فلقائل أن يقول : يستفاد من قوله صلى الله عليه وآله : (لا ضرر و لا ضرار في الإسلام) و من الحديث الشريف المتضمن لجواز أن يطلق الحاكم زوجة مفقود الخبر بعد الاستخبار عنه من باب مفهوم الموالفة المسمى بالقياس الجلي و القياس بطريق الأولى جواز أن يطلقها.

و منها : إذا وقع بيع بستان لا نعلم صحته يقوم أحد من باب الحسبة بعمارته، و لا يجوز للبائع و لا للمشتري التصرف في ثمرته و يجوز حفظها و بيعها من باب الحسبة إلى أن يظهر الحق، و لو كلف أحدهما الآخر باختيار أحد الأمرين من الإقالة و تجديد الصيغة الصحيحة يجب على الآخر ذلك.

و لو أبى أو هرب فراراً فقد مضى حكمها.

 

السؤال العاشر

كيف عملكم معاشر الأخباريين فيما إذا علمنا اشتغال الذمة بعبادة و تحيرنا في وجه الخلاص منها لجهلنا بكيفيتها؟

و جوابه :

أنا نوجب التوقف، و مصداقه هنا الاحتياط بالجمع بين الفعلين الوجوديين كما مر بيانهن مثاله : إذا عزم مسافر على إقامة عشرة ثم بدا له قبل أن يصلي صلاة تامة أو بعدها و لم يقطع بما هو حكم الله و لم يتمكن من سؤال عالم به، و يجب عليه الاحتياط بأن يجمع بين القصر و الإتمام، لدخوله تحت الأحاديث المتضمنة وجوب التوقف و التثبت، وتحت القاعدة الشريفة المستفادة من كلام الكاظم عليه السلام في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة و نظائرها، و يجب عليه الإمساك عن المفطرات بنية الاحتياط، كما مر في مسألة المتحير في وجوب صلاة الجمعة عليه أو صلاة الظهر مكانها.

لا يقال : الجمع بين القصر و الإتمام غير متلقى من الشارع، فيكون بدعة.

لأنا نقول : في الأحاديث المتضمنة لوجوب الاحتياط و لوجوب التوقف في كل واقعة لم نعلم حكمها بعينه إذن و تصريح بوجوب الجمع، و لا استبعاد في ذلك بل له نظائر في الشريعة.

من جملتها : من فاتته صلاة لا يعلمها بعينها.

و من جملتها : من يريد الصلاة في الثوبين المشتبهين.

و من جملتها : المتحير في تعيين جهة القبلة.

بخلاف ما إذا وجب على رجل وطء امرأته و اشتبهت بأجنبية، فإنه وجب عليه الترك، لأن وطء الأجنبية محرم مطلقاً. بخلاف الجمع بين القصر و الإتمام فإنه محرم عند العلم بوجوب إحداهما بعينها، لا مطلقاً.

 

السؤال الحادي عشر

كيف عملكم معاشر الأخباريين فيما إذا كانت الحيرة في غير أحكام الله تعالى؟

مثاله : قصد رجل مسافة و لم يعلم أنها بلغت الحد المعتبر شرعاً. و مثاله الآخر : أن نشك في هلال شهر رمضان أو هلال عيد الفطر أو هلال عيد الأضحى، أو أن الصوم يضر بالمريض أم لا، أو الحصرم على الكرم بلغ قدر النصاب أم لا.

جوابه :

أن كل صورة يكون تحصيل القطع فيها متعذراً أو متعسراً اكتفى الشارع فيها بالظن أو بالقطع بالعلامات المفيدة للظن، مثل استقبال جهة الكعبة، و مثل إضرار الصوم بالمريض، فيجب الفحص. و مع العجز يحتاط المتحير في القبلة، و يتمسك بالأصل المتحير في الإضرار و يبني على عدم الإضرار. و كل صورة يتمكن من القطع فيها من غير مشقة لا يتحمل مثلها عادة – كالهلال و كدخول وقت الصلاة و كبلوغ المسافة الحد المعتبر شرعاً و كبلوغ الإبل قدر النصاب المعتبر شرعاً – اعتبر أمراً حسياً من رؤية أو شهادة أو غيرهما فيجب الفحص. و مع العجز عن الظفر بالمقصود بني على العدم في هلال شهر رمضان و في هلال عيد الفطر و يحتاط في هلال عيد الأضحى، لاشتغال ذمته بإيقاع أفعال الحج في وقت معين و قد اشتبه عليه بالغيم.

هذا مقتضى الخيالات الأصولية التي قد تصيب و قد تخطئ كما هنا. و الحق أن حكم الأهلة الثلاثة واحد، و كلها داخل تحت القاعدة الشريفة المتواترة و هي قولهم عليهم السلام : (لا ينقض يقيناً بشك أبداً و إنما ينقضه بيقين آخر) فيحكم ببقاء الشهر الأول إلى أن يحصل اليقين بما يوجب شرعاً الحكم بدخول الشهر الثاني كشهادة عدلين أو إخبار صبي مفيد لليقين بقرينة مقامية. و أما أمرهم عليهم السلام بتكرير أعمال ليلة القدر إذا اشتبه الهلال بالغيم فهو كأمرهم عليهم السلام بصوم يوم الشك بنية شعبان.

و لا يدل على مشروعية الوقوف بعرفة مثلاً يوم الثامن إذا اشتبه الهلال احتياطاً لا بطريق الوجوب و لا بطريق الاستحباب، كما لا يدل على مشروعية صلاة العيد يوم التاسع مثلاً احتياطاً، إذ ليس وقوف مطلوب شرعاً يوم الثامن و لا صلاة عيد يوم التاسع. بخلاف أعمال ليلة القدر، فإنها مشروعة في غير ليلة القدر. و بخلاف الصوم فإنه مشروع في سلخ شعبان أيضاً. و يحتاط في مسألة المسافة بالجمع بين القصر و الإتمام، كما يحتاط في مسألة بلوغ الماء قدر الكر بالاجتناب عنه و التيمم.

و يتوقف في مسألة بلوغ الإبل البعيدة عنه قدر النصاب ليظهر حقيقة الحال. و الحديث الوارد في دخول وقت الصلاة المشتمل على قوله صلى الله عليه و آله : (تأخذ بالحائط لدينك) صريح في وجوب القطع في مسألة الوقت، كما أن الأحاديث الواردة في استقبال الكعبة صريحة في كفاية الظن في مسألة القبلة.

ثم أقول : انظر أيها اللبيب! كيف فرق الشارع بين الحيرة في نفس أحكامه و بين الحيرة في غير أحكامه؟ فأوجب التوقف في الأولى دائماً، و أوجب البناء على العدم تارة و البناء على الاحتياط تارة في الثانية، فلا مجال لما فعلته العامة و جمع من الخاصة في كثير من المسائل الأصولية من إجراء حكم مسألة التحير في غير أحكامه تعالى من البناء على العدم في مسألة التحير في نفس أحكامه تعالى.

 

السؤال الثاني عشر

هل يكون عندكم حكم هلال شهر رمضان و حكم بلوغ المال حد النصاب و حكم بلوغ المال قدر الاستطاعة للحج واحداً؟ يعني كما يجب في مسألة الهلال الفحص كذلك يجب هنا أم لا؟

جوابه

أنه ليس حكم المسألتين واحداً، و ذلك لأنه بلغنا وجوب صوم شهر معين من أشهر السنة فيجب رعاية ذلك فيجب الفحص، و لم يبلغنا أنه لا بد من بلوغ مالنا قدر النصاب أو قدر الاستطاعة في شهر من شهور السنة حتى يجب علينا الفحص عن ذلك، و إذا حدث في قلبنا ظن بلوغ المال قدر النصاب فله صورتان :

إحداهما : صورة يتعذر تحصيل القطع بالقدر الواجب فيها عادة كما في الحصرم. و الأخرى : لا يتعذر كما في الإبل.

و حكم الصورة الثانية حكم بلوغ المسافة الحد المعتبر شرعاً و حكم بلوغ الماء قدر الكر. و في الصورة الأولى يكفي الظن. و الحديث الوارد في باب الزكاة المتضمن خرص الأثمار على أصولها ثم ضمان المالك حصة الفقراء إذا أراد أن يتصرف فيها صريح في كفاية الظن في الصورة الأولى.

و توضيح المقام : أنا لا نحكم بوجوب الزكاة في الحصرم و في الإبل إلا بعد القطع ببلوغها قدر النصاب، لدخول هذه الواقعة تحت قولهم عليهم السلام : (لا ينقض يقيناً بشك أبداً) فإن الحالة السابقة القطع بعدم (وجود النصاب عندنا و بعدم) و جوب الزكاة في مالنا.

و بعدما قطعنا بذلك نفرق بين البابين في القدر الواجب بأن في أحدهما يكفي الظن كما في جهة الكعبة، دون الآخر كما في بلوغ الماء قدر الكر وكما في بلوغ المسافة قدر القصر.

و بعدما قطعنا بذلك نفرق بين البابين في القدر الواجب بأن في أحدهما يكفي الظن كما في جهة الكعبة، دون الآخر كما في بلوغ الماء قدر الكر و كما في بلوغ المسافة قدر القصر.

و من ظن أنه احتلم فبلغ يستحب أن يتفحص، كمن ظن أنه أصابت ثوبه نقطة من بول عند من يقول : باب خطاب الشارع إذا كان من باب الكراهة أو الندب يعم الصبي المميز، و عند من يقول باختصاص خطاب الشارع كله بالبالغ العاقل لا يستحب.

بقي الكلام فيمن ظن أنه كمل خمسة عشر سنة هل يجب عليه الفحص أم لا؟

و جوابه واضح، لأن تعلق التكليف إنما يكون بعد ثبوت البلوغ.

 

السؤال الثالث عشر

هل يكون حكم فعل بلغنا حديث ضعيف صريح في وجوبه و حكم فعل بلغنا حديث صحيح في أنه مطلوب غير صريح في وجوبه و ندبه واحداً من جهة جواز الترك؟

و جوابه :

أن للفرض الثاني صوراً :

إحداها : أن يكون الظاهر الوجوب و لم يكن نصاً فيه. و من المعلوم : أن الترك حينئذ من باب الجرأة في الدين، و تعيين الاحتمال الظاهر كذلك جرأة في الدين، فيجب الاحتياط في الفتوى و العمل.

و ثانيها : تساوي الاحتمالين. و هنا يجب التوقف عن تعيين أحدهما و مصداقه الاحتياط.

و ثالثها : أن يكون الظاهر الندب، و قد مضى حكمه سابقاً.

لا يقال : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن الكاظم عليه السلام في السؤال الثاني صريحة في وجوب الاحتياط في هذا الموضع أيضاً.

لأنا نقول : تلك الصحيحة وردت فيمن علم اشتغال الذمة بشيء و لم يعلم كيفيته بعينها. و رواية عبد الله بن صباح عن الكاظم عليه السلام وردت فيمن علم أن الصلاة واجبة عليه في وقت معين و لم يقطع بدخول ذلك الوقت.

فإن قلت : قوله صلى الله عليه و آله : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) شامل لما نحن فيه.

قلت : لا يوجب القطع، لجواز ن يكون المراد به العدول عن فعل وجودي يحتمل الحرمة إلى ما لا يحتمل الحرمة أو يكون المراد به الاستحباب كما ذهب إليه جمع من العامة و الخاصة.

و لك أن تقول : الفرض الأول و الصورة الثالثة من درجات تحت قوله عليه السلام : (ما حجب الله علمه عن العباد فو موضوع عنهم) و قوله عليه السلام : (رفع القلم عن تسعة أشياء ...) من جملتها (ما لا يعلمون) فنحن معذورون ما دمنا متفحصين و خرج عن تحتهما كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه بالحديث المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة و بنظائره. و من هنا ظهر عليك و انكشف لديك الفرق بين احتمال وجوب فعل وجودي و بين احتمال حرمته، بأنه لا يجب الاحتياط في المسألة الأولى و يجب الاحتياط في المسألة الثانية.

و من جملة الغرائب التي وقعت من جمع من متأخري الخاصة موافقاً للعامة! أنهم إذا رأوا خطاباً يحتمل وجوب فعل و استحبابه كالأحاديث الواردة في غسل الجمعة يفتون بأن المظنون أنه مندوب في حكم الله و يتمسكون في ذلك بالبراءة الأصلية، و كذلك إذا رأوا خطاباً يحتمل الحرمة و الكراهة يفتون بأن المظنون أنه مكروه في حكم الله تعالى للبراءة الأصلية و عدم ظهور مخرج عنها، و هم في غفلة عن دقيقة هي : أنا علمنا ورود حكم من الله تعالى في هذه الواقعة و لم نعلمه بعينه هل هو وجوب أو ندب أو حرمة أو كراهة، و من المعلوم : أن أحكامه تعالى تابعة للحكم و المصالح المظنونة له تعالى و لم يمكن أن يقال : مقتضى المصلحة موافقة البراءة الأصلية.

و بالجملة، التمسك بالبراءة الأصلية (إنما يتجه عند من لم يقل بالواجبات الذاتية و محرماتها، ثم على هذا المذهب) إنما يتجه قبل إكمال الدين أو بعده مع تجويز خلو بعض الوقائع عن حكم وارد من الله تعالى.

نعم، يمكن أن يقال بناء على ما نقله في كتاب العدة رئيس الطائفة عن سيدنا الأجل المرتضى – رضي الله عنهما 0 من أنه ذهب إلى أن في زمن الفترة الأشياء على الإباحة، بمعنى أنه لم يتعلق بأهل زمن الفترة شيء من التكاليف المخفية عنهم الواردة من الله تعالى، إذ تعلق التكليف يتوقف على بلوغ الخطاب عند الأشاعرة، و يتوقف على أحد الأمرين – تفطن العقل بالحكم. أو بلوغ الخطاب – عند المعتزلة و من وافقهم. و المفروض انتفاء الأمرين في زمن الفترة فانتفى تعلق التكليف : إن من لم يتفطن بحكم الله في واقعة لم يتعلق به ذلك الحكم. لكن هذا خلاف قواعدهم، لأنهم لم يبنوا فتاويهم على أن زمانهم زمان الفترة، بل يقولون : هكذا نزلت الشريعة. و بين المقامين بون بعيد.

و توضيح المقام : أن أهل الفترة معذورون لغفلتهم عن ورود الشريعة، و كذلك من علم إجمالاً و لم يعلم تفصيلها، و بعد العلم بالتفاصيل في أمهات الأحكام مثل (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) و مثل (لا تقف ما ليس لك به علم) و مثل (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) مع قوله تعالى : (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق) و غير ذلك لا يتجه العذر.

ثم اعلم أن التمسك بما اختاره السيد المرتضى الفترة في زمن إنما يجري في زمن الغيبة الكبرى في سقوط وجوب فعل وجودي و في الفتوى بسقوطه عنا ما دمنا جاهلين متفحصين. و لا يجري في سقوط حرمته، لأنا بلغنا القواعد الكلية الواردة عنهم عليهم السلام المشتملة على وجوب الاجتناب عن كل فعل وجوي لم نقطع بجوازه عند الله.

هكذا ينبغي أن تحقق هذه المباحث. و التكلان على توفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر عليهم السلام و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم، و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

 

السؤال الرابع عشر

إذا اغتسل رجل غسل يوم الجمعة و لم يكن على وضوء ثم شك في كون الوضوء بعد غسل الجمعة بدعة و في وجوبه بعده للصلاة و عجز عن تحصيل العلم بما هو حكم الله تعالى، كيف يكون حكمه؟

جوابه :

يجب عليه الوضوء، لأنه علم اشتغال ذمته بما يتوقف على الطهارة و لم يعلم تلك الطهارة بعينها، و الوضوء بعد الغسل بدعة إذا علم أن الغسل مغن عنه، و المفروض أنه جاهل بحكم الله تعالى متردد فيه. و كذلك إذا شك أحد في أن الذي خرج منه بول أو مني مع علمه بأنه أحدهما، يجب عليه الطهارتان، لما مر.

 

السؤال الخامس عشر

كيف عملكم في ماء وردت عليه نجاسة و نشك في بلوغه كراً و تعذر الاعتبار و الاختبار و انحصر الماء فيه، هل توجبون الجمع بين الطهارتين أو تكتفون بالتيمم أو بالوضوء بهذا الماء؟

جوابه :

أن مقتضى الأحاديث الواردة في باب الكر تعليق الحكم بنجاسة ذلك الماء على العلم بعدم بلوغه كراً و تعليق الحكم بطهارته على العلم ببلوغه كراً، و مقتضى هذين التعليقين و أيضاً مقتضى الروايات الدالة على وجوب التوقف في كل ما لم نعلم حكمه بعينه وجوب التوقف عن الحكمين. و من المعلوم : أن التوقف ملزوم للاجتناب عنه، فتعين الاكتفاء بالتيمم. و هذه المسألة عندنا كسائر ما نختاره من القطعيات.

لا يقال : الأصل عدم بلوغه كراً فيحكم بنجاسته.

لأنا نقول : يلزمك وجوب الاجتناب عمن باشره بزعم أنه علم كريته، و أيضاً هذا خلاف ظاهر النصوص، لأن ظاهرها تعليق الحكمين على العلمين، و أيضاً لا يصح استعمال لفظ (الأصل) هنا بشيء من معانيه، كما لا يخفى على اللبيب.

و لا يقال : الأصل طهارة الماء، و أيضاً تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأن كل شيء طاهر حتى يستيقن أنه قذر و بأنه كل ماء طاهر حتى يستيقن أنه قذر.

لأنا نقول : التمسك بالأصل و بتلك الأخبار إنما يتجه إذا لم نعلم طرو تلك الحالة، و بعد علمنا بطروها لا يتجه على أنا نقول : الروايتان الواردتان في الإناءين المشتبهين و الروايات الواردة في الثوبين المشتبهين و الواردة في اختلاط لحم المذكى بغير المذكى و الواردة في اختلاط الحلال بالحرام، موجبة للقطع بوجوب الاجتناب عن ذلك الماء و عن الإناءين المشتبهين.

ثم اعلم أن هنا أقساماً ثلاثة : المحكوم عليه بالطهارة، و المحكوم عليه بالنجاسة و المحكوم عليه بوجوب التوقف عن الحكمين و بوجوب الاجتناب عنه. و من المعلوم : أن الملاقي لأحد الثلاثة حكمه حكم أحد الثلاثة.

و للمتأخرين في هذه المسائل تدقيقات لا تشفي عليلاً و لا تروي غليلاً و الله الموفق للصواب.

 

فائدة

تختلف طريقة الاحتياط في أحكام الله تعالى بحسب قلة البضاعة في علم الحديث و كثرتها، و هذا يقتضي وجوب رجوع المتحير الواجب عليه الاحتياط إلى من هو أعلم منه، لأن هذا نوع من الاحتياط الواجب بقدر الإمكان. و مع العجز عن ذلك أو الغفلة عنه فهو موكول إلى طريقة تخطر بباله دفعاً للحرج البين الواضح.

و أما ظن ضرر الصوم بالمريض فقد يكون من الظنون الوجدانية المختصة بصاحب المرض، و قد يكون من الظنون المشتركة بين أهل الحيرة، ففي الصورة الأولى موكول إلى نفسه، وقع التصريح به في الأحاديث معللاً بقوله تعالى : (بل الإنسان على نفسه بصيرة).

و أما طريق حفظ أنواع الودائع فيختلف باختلاف الأمكنة و الأزمنة و بحسب تجاريب الناس، فيجب الرجوع فيه إلى ظن أهل الخبرة كما في خرص الأثمار، و مع الغفلة عن ذلك أو العجز عنه فهو موكول إلى ما يخطر بباله، و لا حاجة في جميع تلك الصور إلى قطع و يقين، لما مر من الفرق بين باب أحكام الله و بين باب غير أحكام الله تعالى.

و هنا دقيقة أخرى، و هي : أنه كثيراً ما تجامع براءة الذمة من الإثم اشتغال الذمة بقيمة الشيء أو بالدية. و لتكن هذه الفوائد على ذكر منك تنتفع بها في مواضع لا تعد و لا تحصى إن شاء الله تعالى.

 

السؤال السادس عشر

كيف عملكم فيمن شك بين حرمة عبادة و وجوبها عليه، كامرأة حاضت عند الميقات و شكت بين وجوب الإحرام عليها و بين حرمته و لم تجد عالماً بحكم الله تعالى تسأله، و كامرأة اشتبه عليها و على أهل الخبرة من النساء أن دمها دم الحيض أو العذرة أو القرحة فشكت في حرمة الصلاة و في وجوبها، و كفاقد الطهورين يشك بين وجوب الصلاة حينئذ و بين حرمتها و لم يجد عالماً بحكم الله ليسأله؟

و جوابه :

ما تقدم من وجوب التوقف و من أن مصداقه هنا ترك الفعل الوجودي لعدم القطع بجوازه. و قد مر أن تقريره عليه السلام المرأة التي تركت الإحرام عند الميقات لحيضها و جهلها بحكم الله فيها مؤيد لما ذكرناه من أن مصداق التوقف هنا ترك الفعل الوجودي. و أيضاً قد تواتر عن الأئمة الأطهار عليهم السلام : إياك أن تفتي الناس برأيك و تدين الله بما لا تعلم) و المتردد بين حرمة عبادة و وجوبها غير عالم بها، فليس له أن يدين الله بها. و لو كان الاستصحاب الذي اعتبرته الشافعية وجمع من متأخري الخاصة صحيحاً جارياً في أحكام الله تعالى، لما نطقت الأحاديث بخلافه في هذه المواضع. فعلم أن معنى قولهم عليهم السلام : (لا تنقض يقيناً بشك أبداً و إنما تنقضه بيقين آخر) كما مر و ينادي عليه موضع ورود ذلك الحديث و أشباهه أن الذي جعله الشارع ناقضاً لشيء إنما جعل اليقين ناقضاً، لا الظن به و لا الشك فيه.

 

السؤال السابع عشر

ما قولكم في حيوان خرج من البحر لم نعلم حكم الله فيه؟

و جوابه :

التوقف و مصداق الاجتناب عن أكله و ترك الإفتاء بحله و بحرمته، و ترك الإنكار على من أكله إذا احتمل علمه بحليته.لا يقال : قولهم عليهم السلام : (ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم) جار هنا.

لأنا نقول : من المعلوم أن المراد به أن ما حجب الله العلم بوجوبه عن العباد وجوبه موضوع عنهم، و قد مر تحقيقه. و كذلك ما حجب الله العلم بحرمته حرمته موضوعة عنهم، و ما حجب الله العلم بوجوب التوقف فيه التوقف فيه موضوع عنهم، و ها هنا وجوب التوقف معلوم بالروايات، و قد مر تحقيقه.

ثم أقول : ما اشتهر في كتب الشافعية و جمع من متأخري الخاصة كتمهيد القواعد للشهيد الثاني رحمه الله : من الفرق بين الطهارة و بين حلية الأكل، لأن النجاسة محصورة و ما ليس بنجس غير محصورة و مأكول اللحم محصور و غير مأكول اللحم غير محصور، فعلى هذه القاعدة يحكم بطهارته و بعدم حلية أكله كلام خطابي خيالي لا يجوز التمسك به في أحكام الله تعالى.

 

فائدة

الشيء الذي يجب علينا الاجتناب عنه لشبهة إذا لم يجتنب عنه غيرنا لا يجوز نهيه، لأن النهي عن المنكر إنما يكون مع علم الناهي بحرمته.

لا يقال : الوقوف عند الشبهة يجب عليه أيضاً.

لأنا نقول : ربما يكون هو في غفلة عنها أو ربما يعلم حاله.

و الجواب الأول مبني على أنه يجب على العالم تبليغ علمه و لا يجب عليه تبليغ ما اشتبه عليه.

 

السؤال الثامن عشر

ذكر الفاضل المدقق مولانا أحمد الأردبيلي قدس سره في أول تفسيره لآيات الأحكام : اعلم أن هنا فائدة لا بد قبل الشروع في المقصود من الإشارة إليها، و هي : أن المشهور بين الطلبة أنه لا يجوز تفسير القرآن بغير نص و أثر، حتى قال الشيخ أبو علي الطبرسي – قدس سره – في تفسيره الكبير : و اعلم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و آله و عن الأئمة عليهم السلام : (أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح و النص الصريح) و روى العامة عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال : (من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ) قالوا : وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب و سالم بن عبد الله و غيرهم. و القول في ذلك : أن الله سبحانه و تعالى ندب إلى الاستنباط و أوضح السبيل إليه و مدح أقواماً فقال : (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) و ذم أخرى على ترك تدبره و الإضراب عن التفكر فيه فقال : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) و ذكر أن القرآن منزل بلسان العرب فقال : (إنا جعلناه قرآنا عربياً) إلى أن قال : هذا و أمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر، فيكون معناه – إن صح – ن ممن حمل القرآن على رأيه و لم يعلم شواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل.

و قدر روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال : القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه.

و روي عن عبد الله بن عباس أنه قال قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر أحد بجهالته، و تفسير تعرفه العرب بكلامهم، و تفسير تعرفه العلماء، و تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى، فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن وجمل دلائل التوحيد. و أما الذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة و موضوع كلامهم. و أما الذي تعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه و فروع الأحكام. و أما الذي لا يعلمه إلا الله عز و جل فهو ما يجري مجرى الغيوب و قيام الساعة. تم كلامه.

أقول : تحرير الكلام إن الخبر محمول على ظاهره غير متروك الظاهر و أنه صحيح ما اعترف به فيئول كلامه، حيث قال صح عن النبي صلى الله عليه وآله.

بيانه : أن الشيخ أبا علي رحمه الله قال في أول تفسيره : التفسير معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل ، و التأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الآخر.و قيل : التفسير كشف المغطى، و التأويل انتهاء الشيء و مصيره و ما يؤول إليه أمره. و هما قريبان من الأولين، فالمعنى : من فسر و بين جزم و قطع بأن المراد من اللفظ المشكل مثل المجمل و المتشابه كذا، بأن يحمل المشترك اللفظي مثلاً على أحد المعاني من غير مرجح – و هو إما دليل نقلي كخبر منصوص أو آية أخرى كذلك أو ظاهر أو إجماع أو عقلي -. أو المعنوي المراد به أحد معانيه بخصوص بدليل غير الدليل المذكور على فرد معين، فقد أخطأ.

و بالجملة، المراد من التفسير الممنوع برأيه و بغير نص هو القطع بالمراد من اللفظ الذي غير ظاهر فيه من غير دليل بل بمجرد رأيه و ميله، واستحسان عقله من غير شاهد معتبر شرعاً، كما يوجد في كلام المبدعين، و هو ظاهر لمن تتبع كلامهم. و المنع منه ظاهر عقلاً، و النقل كاشف عنه، و هذا المعنى غير بعيد عن الأخبار المذكورة بل ظاهرها ذلك. انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

و أنا أقول : أولاً : كلام الفاضل الصالح – نور الله مرقده – ناطق بغفلته عن الأحاديث الواردة عن أهل الذكر عليهم السلام المتعلقة بأصول الفقه و المتعلقة بما يجب على الناس بعد موته صلى الله عليه و آله و المتعلقة بكتاب الله و المتعلقة بكلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو عدم إمعانه النظر فيها أو دخول شبهة عليه أوجبت طرح تلك الأحاديث أو تأويلها بزعمه. و ينبغي أن يحمل فعله على أحسن الوجوه التي ذكرناها، لأنه كان من عظماء المقدسين – قدس الله أرواحهم – و تلك الأحاديث الشريفة مع تواترها معنى صريحة في أن استنباط الأحكام النظرية من كتاب الله و من السنة النبوية شغلهم – سلام الله عليهم – لا شغل الرعية، معللاً بأنه صلى الله عليه و آله بأمر الله تعالى خص أمير المؤمنين و أولاده الطاهرين عليهم السلام بتعليم ناسخ القرآن و منسوخه و بتعليم ما هو المراد منه و بتعليم أن أية آية من القرآن باقية على ظاهرها و أية آية لم تبق منه على ظاهرها، و بأن كثيراً من ذلك مخفي عندهم عليهم السلام و بأن ما اشتهر بين العامة – من أن كل ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله من حكم و تفسير و نسخ و تقييد و غيرها أظهره بين يدي أصحابه و توفرت الدواعي على أخذه و نشره و لم تقع بعده عليهم السلام فتنة اقتضت إخفاء بعضها – غير صحيح.

و ثانياً : أن أحاديثهم عليهم السلام صريحة في أن مراده تعالى من قوله (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) و من نظائره أهل الذكر عليهم السلام خاصة لا صاحب الملكة من الرعية.

و أما كلام ابن عباس : فمعناه واضح لا غبار عليه، و هو أن معاني القرآن بعضها من ضروريات الدين يعرفه المسلمون كوجوب الصلاة و الزكاة و الحج إما من القرآن أو من غيره، وبعضها من ضروريات اللغة يعرفها كل عارف بها، و بعضها من النظريات لا يعلمها إلا العلماء.

و أقول : الظاهر أن مراده علماء آل محمد عليهم السلام لأنه من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام و الظاهر أنه تكلم موافقاً لما سمعه منه عليه السلام.

و في التهذيب – في باب الزيادات في القضاء و الأحكام – سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن حماد عن عاصم قال : حدثني مولى لسلمان عن عبيدة السلماني قال : سمعت علياً عليه السلام يقول : يا أيها الناس اتقوا الله! و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله قد قال قولاً آل منه إلى غيره، و قد قال قولاً من وضعه غير موضعه كذب عليه، فقام عبيدة و علقمة و الأسود و أناس معهم فقالوا : يا أمير المؤمنين فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف؟ فقال : يسأل عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام.

و في كتاب بصائر الدرجات – في باب أن الأئمة عليهم السلام أعطوا تفسير القرآن – محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن عاصم قال : حدثني مولى سلمان عن عبيدة السلماني قال سمعته يقول : يا أيها الناس اتقوا الله! و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله قد قال قولاً آل منه إلى غيره، من قال قولاً وضع على غير موضعه كذب عليه، فقال عبيدة و علقمة و الأسود و أناس معهم : يا أمير المؤمنين فما نصنع بما خبرنا في المصحف؟ فقال : سلوا عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام.

و أقول ثالثاً : ذكر العلامة أبو علي الطبرسي في أوائل مجمع البيان : روي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنه قال : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) و صح عنه صلى الله عليه و آله من رواية العام و الخاص أنه قال : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) و إنما أحذف أسانيد هذه الأحاديث إيثارا للتخفيف و لاشتهارها عند أصحاب الحديث ثم ذكر.

و اعلم أن الخبر قد صح  عن النبي صلى الله عليه و آله و عن الأئمة القائمين مقامه عليهم السلام أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح و النص الصريح، و روت العامة أيضاً عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال : (من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ) قالوا : و كره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب و عبيدة السلماني و نافع و سالم ابن عبد الله و غيرهم. و القول في ذلك : عن الله سبحانه و تعالى ندب إلى الاستنباط و أوضح السبيل إليه و مدح أقواماً عليه فقال : (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) و ذم آخرين على ترك تدبره و الإضراب عن التفكر فيه فقال : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) و ذكر أن القرآن منزل بلسان العرب فقال : (إنا جعلناه قرآناً عربياً) و قال النبي صلى الله عليه و آله : (إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه و ما خالفه فاضربا به عرض الحائط) فبين أن الكتاب حجة و معروض عليه، و كيف يمكن العرض عليه و هو غير مفهوم المعنى؟ فهذا و أمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر فيكون معناه إن صح : أن من حمل القرآن على رأيه و لم يعمل بشواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل، و قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : (إن القرآن ذلول ذو جوه فاحملوه على أحس الوجوه) و روي عن عبد الله بن عباس أنه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر أحد بجهالته و تفسير تعرفه العرب بكلامها و تفسير تعرفه العلماء و تفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل. فأما الذي لا يعر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن و جمل دلائل التوحيد، و أما الذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة و موضوع كلامهم، و أما الذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه و فروع الأحكام، و أما الذي لا يعلمه إلا الله فو ما يجري مجرى الغيوب و قيام الساعة انتهى كلام العلامة أبي علي الطبرسي قدس سره.

و أقول : أول كلامه قدس سره صريح في أنه لا يجوز تعيين مراد الله من العمومات ومن غيرها مما يقبل أن يصرف عن ظاهره و تعيين ناسخه من منسوخه إلا بدلالة أهل الذكر عليهم السلام. فعلم أن قوله : (و القول في ذلك ... الخ) داخل في حيز (قالوا ...) و أيضاً لو لم يكن داخلاً فيه يلزم التهافت بين أول كلامه و بين قوله : (إن صح) و كيف يظن بالعلامة الطبرسي مثل هذا الأمر الشنيع؟!

و أيضاً قد علمت سابقاً أن هذا المعنى مما تواترت به الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام و أيضاً يفهم من كتاب الاحتجاج للطبرسي قدس سره أن طريقته كانت طريقة قدمائنا، و لذلك فهو قدس سره في تفاسيره لم يعين مراد الله تعالى قط في موضع لم يكن فيه أثر عنهم عليهم السلام بل رواه عن رجل من مفسري العامة.

 

السؤال التاسع عشر

أن يقال : المتأخرون القائلون بجواز التمسك في أحكام الله تعالى النظرية بغير خطاب صحيح صريح قد تحيروا في كثير من المسائل التي تعم بها البلوى، كصلاة الجمعة في زمن الغيبة الكبرى، وكوجوب غسل الجنابة لنفسه أو لغيره، وكبعض مسائل باب الميراث و باب الطلاق، وكثير من مسائل باب الرضاع، و كقيود نيات العبادات كنية غسل الجنابة في أوائل ليالي شهر رمضان، و كصرف الخمس في زمن الغيبة الكبرى مع سعة طرق الاستدلالات في الاستنباطات الظنية عندهم، فإذا انسدت تلك الأبواب و ما بقي إلا باب واحد زادت الحيرة و كثر الإشكالات و الترددات.

جوابه أن يقال :

إن روعيت الأحاديث الواردة عن العترة الطاهرة عليهم السلام الموجودة في كتب الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم – و كتاب غيرهم من الثقات، و روعيت القرائن الموجبة للقطع بوروجها عنهم عليهم السلام كالقرينة العادية القاطعة بأن أصحاب الأئمة عليهم السلام مع وجود كثير من الأفاضل الأعلام و أصحاب التدقيق و الورع و التحقيق فيهم و مع شدة حرصهم في أخذ الأحكام عنهم عليهم السلام و في ضبطها و نشرها و حفظها و تأليفها و نقدها و تصحيحها كانوا متكنين من ذلك في مدة تزيد على مدة ثلاثمائة سنة، و القاطعة بأنهم لم يقصروا في ذلك بل ألفوا و صححوا و ضبطوا و نشروا، و كالقرينة العادية القاطعة بأن الأئمة الثلاثة – قدس الله أرواحهم – اقتفوا أثرهم في ذلك و أخذوا أحاديث كتبهم من أصولهم الصحيحة و لم يخلطوا بينها و بين ما ليس مأخوذاً منها من غير نصب علامة مميزة بينهما، فإن فيه تخريب الدين و قصدهم إرشاد المرشدين، و كاجتماع أخبار الأئمة الثلاثة بأن أحاديث كتبهم صحيحة بمعنى ثبوت ورودها عنهم عليهم السلام، و كتعاضد ذلك بما نقلناه عن السيد المرتضى و بما نقلناه عن المحقق الحلي و الفاضل صاحب كتابي المعالم و المنتقى – قدس الله أرواحهم – و بما نقلناه عن الفاضل محمد بن إدريس الحلي و بما نقلناه عن كتاب الكشي : من أنه اجتمعت العصابة في حق ثمانية عشر رجلاً من منصفي الأصول على تصحيح ما يصح عنهم. و من المعلوم : أن أصول جمع من متأخري هؤلاء كانت جامعة لجميع أحاديث جميع أبواب الفقه – كما يفهم من كلام المحقق الحلي في المعتبر و يقطع به المتتبع الماهر اللبيب – حق رعايتها لكان موضع الحيرة في المسائل التي تعم بها البلوى من النوادر. و جل هذه الإشكالات إنما نشأت من عدم رعايتها كما ينبغي، و سبب عدم الرعاية أحد الأمور الآتية :

منها : أن أهل الاستنباطات الظنية قصدوا الاطلاع على ما هو حكم الله في الواقع و لم يكتفوا بما يكفيهم في صحة العمل.

و منها : عدم رعايتهم القواعد الأصولية المذكورة في كلامهم عليهم السلام.و منها : ألفة أذهانهم باعتبارات عقلية أصولية ظنية حسبوها أدلة عقلية قطعية فيتحيرون في الجمع بينها و بين الأخبار الصحيحة الصريحة.

و منها : قلة تفكرهم في أطراف المباحث و عدم ظفرهم بالقرائن التي تحصل من تتبع الروايات و من اجتماعها في الذهن، و هي توجب القطع العادي في كثير من المواضع.

و منها : جمودة ذهن بعضهم.

و منها : قلة بضاعة بعضهم.

و منها : عدم استقامة طبع بعضهم – و الله المستعان – و للحروب رجال و للثريد رجال! و كل ميسر لما خلق له، والعلم نقطة كثرة الجاهلون، و الجاهل إما مفرط أو مفرط.

و أما اختلاف قدمائنا الأخباريين في بعض الفتاوى : فبسبب اختلاف ما بلغهم من أحاديثهم عليهم السلام و هذا النوع من الاختلاف لا ينتهي إلى تناقض، لابتناء أحد طرفي الاختلاف على ما ورد من جهة ضرورة التقية، كما حققه رئيس الطائفة قدس سره.

 

السؤال العشرون

أن يقال : إن رئيس الطائفة قد يطرح في كتابي الأخبار وغيرهما بعض الروايات التي يظهر من القرائن أنها من جملة الروايات المأخوذة من الأصول المعتمدة، معللاً بأنه ضعيف.

و جوابه :

أنه ليس المراد بالصحيح والضعيف في كلامهم و في كلام من تقدمه المعنى المراد منهما عند العلامة الحلي و من جاء بعده، بل للصحيح عندهم ثلاثة معان :

احدها : ما قطع بورود عن المعصوم.

و ثانيها : ذلك مع قيد زائد و هو إن لم يظهر معارض له أقوى منه في باب العمل.

و ثالثها : ما قطع بصحة مضمونه في الواقع أي أنه حكم الله في الواقع و لم يقطع بوروده عن المعصوم.

و كذلك للضعيف عندهم ثلاثة معان مقابلة لتلك المعان الثلاثة، يشهد بذلك اللبيب المنصف.

و توضيح المقام : أن الشيخ الطوسي صرح في كتاب العدة بأن كل حديث عمل به في كتبه أخذه من تلك الأصول التي وقع إجماع الطائفة على ورود كل ما فيها من الروايات عن أصحاب العصمة عليهم السلام و لم يعمل بغيره، و صرح بأنه قد طرح العمل ببعض الروايات لأن معارضه أقوى منه إما لأجل أنه موافق لروايات كثيرة أو لأجل أنه جمع بين ذلك الإجماع و بين قوة سنده. ومراده من الضعيف هذا المعنى لا أنه لم يثبت وروده عنهم عليهم السلام. يؤيد ذلك أنه كثراً ما يقول : هذا الحديث ضعيف لأنه شاذ، أي يخالف أحاديث أخر كثيرة.

 

السؤال الحادي و العشرون

أنه يلزم من حية تلك القواعد الأصولية المتقدمة المستفادة من كلام الأئمة عليهم السلام و من كلام قدمائنا و من الأدلة العقلية أن يكون العلامة الحلي و من جاء بعده و وافقه في أصوله، كالشهيدين و كالفاضل الشيخ علي و كالمقداد و السيوري و كالشيخ صلاح و الشيخ فلاح و الشيخ مفلح والشيخ مصلح و نظرائهم – رحمهم الله – في غفلة عن كثير من القواعد التي عليها مدار الشريعة المقدسة، مع أن كلام هؤلاء المشائخ المعظمين المكرمين الصائمين القائمين المشهورين المقتدين لعامة أهل بلادهم مؤيد بأصول أهل السنة و الجماعة المعروفين بالتحقيق والتدقيق، فإن مسائلهم الكلامية موافقة في الأكثر لما ذكرته فحول المعتزلة، و قواعدهم الأصولية و قواعد الدراية في الأكثر موافقة لما في كتب العامة فيجب ترك نصوص الأئمة عليهم السلام و ترك نصوص أصحابهم، لأن قول المجتهدين لا يرد و الرواية ترد، و لئلا يلزم غفلة هؤلاء المعظمين المجتهدين المعروفين بالفضل والصلاح.

و جوابه :

أن الأمر دائر بين الشيئين، بين نسبة الغفلة و المعذورية إلى هؤلاء المعروفين المحصورين في جماعة قليلة، و بين نسبة الغلط و الخطأ إلى الأئمة عليهم السلام و أصحابهم، فإن اختار أحد من المتعصبة الثانية أو ملزومها بعد علمه بالملازمة فالله حاكم بيني و بينه يوم القيامة.

و أقول : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه و من عمي فعليها و ما أنا عليكم بحفيظ. و لا يزال يخطر بالبال أن أظهر حقاً كنت أخفيه خوفاً من تعصب الفساق و الجهال، و لكن توكلت على الله فأظهرته، فإن رده الجاهلون فسيقبلها الماهرون، و إن ذمه الجهلة فسوف يمدحه الكلمة.

فأقول : من أغلاط العلامة الحلي : أنه في مقام ترويج مذهبه و الرد على السيد الأجل المرتضى و الرد على محمد بن إدريس الحلي والرد على المحقق الحلي في مسألة العمل بخبر الواحد المظنون العدالة نسب إلى جميع أصحاب الأئمة عليهم السلام أنهم كانوا يعملون في عقائدهم و أعمالهم بخبر الواحد المظنون العدالة الخالي عن القرائن المفيدة للقطع، و من المعلوم : أن في أصحاب الأئمة جمعاً ذكر الصادق عليه السلام في شأنهم أن هؤلاء أمناء الله في أرضه، لولا هؤلاء لاندرست آثار النبوة و قال في حقهم عليه السلام : لا يزال ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين.

و نسب إلى رئيس الطائفة ذلك أيضاً و تفرع على ذلك تناقضات في كلام رئيس الطائفة ذكرها المتأخرون كالشهيد الثاني في شرح رسالته في فن دراية الحديث مع أن المحقق الحلي قبل العلامة الحلي و الشيخ الفاضل الشيخ حسن بن الشهيد الثاني – قدس الله أرواحهم – بعد العلامة الحلي فسروا كلام رئيس الطائفة تفسيراً لا يرد عليه تناقض أصلاً على مقتضى تفسيرهما و رأينا كلام رئيس الطائفة في العدة صريحاً فيما فهمناه.

و من أغلاطه : أنه ذكر في أصوله ك أنه إذا جرت مخاصمة بين مجتهدين مبنية على اختلاف اجتهادهما يجب عليهم الرجوع إلى احد من الرعية ليفصل بينهما بقوله (حكمت) فإنه نصب لفصل الخصومات.

و من جملة أغلاطه : ما نقله عنه الشهيد الثاني في شرح الشرائع من قوله : أفنيت بهذا بمجرد رأي و لم أجد فيه نصاً أو أثراً.

و من جملة غلاط الفاضل الشيخ علي : أنه أمر أهل المشرق بأن يأخذوا الجدي خلف المنكب الأيمن و خرب المحاريب التي كانت في بلاد العجم من زمن أصحاب الأئمة من الأفاضل المحققين الماهرين في الفن الرياضي كفضل بن شاذان الذي صنف رسالة في قبلة البلدان سماها إزاحة العلة في معرفة القبلة.

و من المعلوم : أن هذا تبعيد عن الحق في أمر يدرك بالحس، فكيف يعتمد على فتاويه في الأمور النظرية العقلية الصرفة؟ و هذان الفاضلان و الشهيدان هم العمدة – بعد الشيخين الأقدمين ابن الجنيد وابن أبي عقيل و بعد محمد بن إدريس الحلي – في إجراء أكثر قواعد أصول العامة و قواعد فن دراية الحديث في أحاديث أهل البيت عليهم السلام و في أحكامهم. والجماعة الآخرون الذين وافقوا هذه الخمسة في طريقتهم بضاعتهم في العلوم قليلة و بينهم و بين تحقيق المباحث الغامضة الدينية الأصولية بون بعيد، هيهات هيهات أين الثريا من الثرى! و هؤلاء يمكن أن يكونوا معذورين لغفلتهم، و أما بعد ما نبهنا الناس على أنهم غفلوا عن كثير من القواعد الأصولية التي هي مدار الشريعة و ذهبوا إلى نقائضها، فلو وافقوا لعمهم الفسق و شملهم الإثم مع أنهم اعترفوا بأن ظن الميت كالميت.

(و من أغلاط جمع من أهل الاجتهاد والمعروفين بالفضل والصلاح : أنهم يقولون : سمعنا من مشائخنا متصلاً على أصحاب العصمة عليهم السلام أن الولد لرشده أو لغيه – بكسر اللام الأول و ضم اللم الثاني – مع أنكل من له أدنى معرفة باللغة يقطع ببطلان هذا و يقطع بأن هذا افتراء بلا امتراء على الأئمة عليهم السلام ومن المعلوم : أن مثل هذا صدر عنهم من باب الإسراع في الأمور وعدم التزامهم أن يكون كلامهم بعد التأمل والتفكر في أطراف الأمور. ثم بعد ما ظهر الحق ما رضيت نفوسهم بالاعتراف به، خوفاً من أن تنقص درجتهم عند جهال الناس، وجعل الرشد في مقابله وقع في كلام الله تعالى : (قد تبين الرشد من الغي) و وقع في أبواب أخر من الأحاديث كقوله صلى الله عليه و آله : (إنما الأمور ثلاثة : أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيجتنب، و شبهات بين ذلك) وكتب اللغة كنهاية ابن الأثير و غيرهما مصرحة بخلاف ما يحكيه عن الأئمة عليهم السلام هذا الحاكي)

و من أغلاط جمع منهم : أنهم يقولون في كثير من الأحاديث الواردة في كمية الكر : إنها خالية عن ذكر أحد الأبعاد الثلاثة، لكنه محذوف ليقاس المحذوف على المذكور، و الحذف مع القرينة شائع ذائع، و في هذا دلالة على إسراعهم في تفسير الأحاديث و في تعيين ما هو المراد منها، والدلالة على ذلك كله : أن أصح أحاديث هذا الباب هكذا : ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته.

وجه الدلالة : أنه يفهم اعتبار أربعة أشبار في العمق و ثلاثة في الآخرين، فلم تبق دلالة على أن حكم المحذوف حكم المذكور مع وجود هذا الاحتمال، و أنه يفهم من هذا الحديث الشريف أن المراد من أحد المذكورين في الأحاديث العمق و من الآخر السعة. و من المعلوم عند كل لبيب غير غافل : أن معنى (السعة) مجموع الطول و العرض، فلا حاجة على القول بالحذف. و من له أدنى معرفة بأساليب كلام العرب يعرف أنهم يقصدون بقولهم : (ثلاثة في ثلاثة) في الثوب و شبهه أنكل واحد من طوله و عرضه ثلاثة، و يقصدون به في الحياض و الآبار و شبهها أن كل واحد من سعته و عمقه ثلاثة.

و توضيح المقام : أن الكر في الأصل مكيال لأهل العراق. و إنما جرت عادة الأئمة عليهم السلام بذكر لفظ (الكر) في معرض بيان المعيار بين مقدار الماء الذي ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه و بين مقدار الماء الذي ليس كذلك، لأن مخاطبهم عليهم السلام كان من أهل العراق، و من المعلوم : أن الكر مدور مثل البئر، و من المعلوم : أن المناسب بمساحة المدور أن يذكر قطره و أن يذكر عمقه و غير مناسب ن يذكر طوله و عرضه و عمقه.

و من جملة أغلاط جمع منهم : أن بعضهم زعم أن محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني هو ابن بزيع، و زعم أن كل حديث في طريقه الكليني عن محمد بن إسماعيل مرسل، و يلزم من ذلك أن يكون الغمام ثقة الإسلام مدلساً في هذا الباب. و أن بعضهم زعم أن محمد بن إسماعيل هذا هو البرمكي صاحب الصومعة، مع أن في كتاب الكشي عبارات ناطقة بأنه النيسابوري.

و من جملة إسراعهم : أنم لم يطالعوا كتاب العدة و لا أصول المحقق ولا ما ذكره في أوائل المعتبر، و لم يطلعوا على ما هو المسطور فيها من أن أحاديث كتب أصحابنا مأخوذة من أصول أجمعت الطائفة المحقة على أنها معتمد عليها، و أجمعت على جواز العمل بها بتفصيل مذكور فيها. و لم يمنعوا النظر فيما ذكره الإمام ثقة الإسلام في أوائل كتاب الكافي : من أن أحاديث كتابه كلها صحيحة، و لا فيما ذكره رئيس الطائفة في أول الاستبصار.

و بالجملة، وقع تخريب الدين مرتين مرة يوم توفي النبي صلى الله عليه وآله و مرة يوم أجريت القواعد الأصولية و الاصطلاحات التي ذكرتها العامة في الكتب الأصولية و في كتب دراية الحديث في أحكامنا و أحاديثنا. و ناهيك أيها اللبيب؟ أن هذه الجماعة يقولون بجواز الاختلاف في الفتاوى من غير ابتناء أحدها على ضرورة التقية، و يقولون : قول الميت كالميت، مع أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن حلال محمد صلى الله عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة و لا اختلاف فيهما أبداً.

و مما يوضح هذا المقام ما في كتاب التهذيب لرئيس الطائفة – قدس الله سره – في باب القضاء سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال علي عليه السلام : لو قضيت بين رجلين بقضية ثم عادا إلي من قابل لم أزدهما على القول القول، لأن الحق لا يتغير.

و في باب (البدع و الرأي و المقائيس) من كتاب الكافي عن حريز، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلال و الحرام، فقال : حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال أبداً إلى يوم القيامة و حرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره و لا يجيء غيره.

و قال : و قال علي عليه السلام : ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة.

و في باب بعد ذلك الباب : عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : إن الله تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج غليه الأمة إلا أنزله في كتابه و بينه لرسوله صلى الله عليه و آله وجعل لكل شيء حداً و جعل عليه دليلاً يدل عليه وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً.

و فيه : عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : ما من شيء إلا و فيه كتاب أو سنة.

و عن المعلى بن خنيس قال قال أبو عبد الله عليه السلام : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا و له أصل في كتاب الله و لكن لا تبلغه عقول الرجال.

و عن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : كل شيء في كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله.

و لا أظن برجل يخاف الله أن يكون في ريب مما تلوناه، و كم من رجل حسبناه صالحاً، فلما ذكرنا عنده هذه الأحاديث تحرك عليه عرق العصبية و الحسد و عاند و كابر إما قبل التصور أو بعده. و الله الموفق.




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2373474

 • التاريخ : 20/05/2019 - 17:47