الفصل الأول : في إبطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى 

القسم : كتب اصول فقه أهل البيت   ||   الكتاب : الفوائد المدنية   ||   تأليف : الأمين الاسترابادي

الفصل الأول

في إبطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى

 

و فيه وجوه :

(أولها)

عدم ظهور دلالة قطعية على جواز الاعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى، و التمسك فيه بالظن يشتمل على دور ظاهر، مع أنه معارض بأقوى منه من الآيات الصريحة في النهي عن العمل بالظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى و الروايات الصريحة في ذلك. و قياسه على الظن المتعلق بالأمور العادية و الأمور الوجدانية أو الأفعال الصادرة عنا أو غيرها من الأمور التي ليست من باب أحكامه تعالى – كقيم المتلفات و أروش الجنايات و إضرار الصوم بالمريض و عدد الركعات الصادرة عنا وتعيين جهة القبلة – غير معقول مع ظهور الفارق. فإنه لولا اعتبار الظن في أمثال ما ذكرنا للزم الحرج البين، و لو اعتبر الظن في أحكامه تعالى لأدى إلى الحرب و الفتن كما هو المشاهد.

و توضيح المقام أن يقال : كل من قال بجواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محققي العامة و جمع من متأخري الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه في الإجماع. و اعترف بأنه لولا ذلك الإجماع لما جاز، للآيات و الروايات المانعة عن ذلك.

ففي الشرح العضدي للمختصر الحاجبي في مبحث الإجماع : المتمسك بالظن إنما يثبت بالإجماع و لولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من إتباع الظن انتهى كلامه. و مثل هذه العبارة مذكورة في التلويح للعلامة التفتازاني و قد نقلنا عن صاحب المعالم من أصحابنا : أن التعويل في الاعتماد على ظن المجتهد المطلق إنما هو على دليل قطعي، و هو إجماع الأمة عليه.

و أنا أقول : من المعلوم أن ثبوت الإجماع في هذا الموضع مفيد للقطع محل المنع، و سند المنع ما ورد في كلام الصادقين عليهم السلام : من أن حجية الإجماع من مخترعات العامة. و سنده الآخر أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بانحصار الطريق في أخذ هذا العلم في السماع عنهم عليهم السلام بواسطة أو بدونها. و سنده الآخر أنه تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بأنه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي النظري بالكسب و النظر لأنه يؤدي إلى اختلاف الآراء في الأصول و الفروع الفقهية كالمناكح و المواريث و الديات و القصاص و المعاملات – كما هو المشاهد – فتنتفي فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب، إذ فائدتهما كما هو المشهور بين علماء الإسلام دفع الاختلاف ليتم نظام المعاش. و أيضاً كل ما يؤدي إلى الاختلاف يؤدي إلى الخطأ لامتناع اجتماع النقيضين، و الحكيم المطلق – عز شأنه – أبى من أن يبني شريعته على ما يؤدي إلى الخطأ. و قد تسمك الإمام ثقة الإسلام في أول كتاب الكافي بالسند الثالث في إبطال بناء العقائد و الأعمال على المقدمات الجهلية الاستحسانية.

لا يقال : هم يزعمونها يقينية. لأنا نقول : لو كانت يقينية لما أدت إلى اختلاف أقوالهم في فن الكلام و في أصول الفقه و في المسائل الفقهية.

و لقد أفاد و أجاد المحقق الحلي قدس سره في أوائل كتاب المعتبر حيث قال : إنك مخبر في حال فتواك عن ربك و ناطق بلسان شرعه فما أسعدك إن أخذت بالجزم و ما أخيبك إن بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى : (و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون) و انظر إلى قوله تعالى : (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً و حلالاً قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون) و تفطن كيف قسم مستند الحكم إلى القسمين فما لم يتحقق الإذن فأنت مفتر.

و لقد أحسن و أجاد رئيس الطائفة محيي آثار العترة الطاهرة عليهم السلام حيث قال في موضع من كتاب العدة موافقاً لما نقلناه سابقاً من كتاب تهذيب الأحكام له و من كتاب العدة، و أما الظن فعندنا و إن لم يكن أصلاً في الشريعة تستند الأحكام إليه، فإنه تقف أحكام كثيرة عليه، نحو تنفيذ الحكم عند الشاهدين و نحو جهات القبلة و ما يجري مجراه. و قال في موضع آخر من كتاب العدة : و أما القياس و الاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما، و نحن نبين ذلك فيما بعد انتهى كلامه رحمه الله.

و أنا أقول : في بعض ما نقلنا عن رئيس الطائفة بحث، و الحق عندي ما نقله صاحب المعالم عن علم الهدى رضي الله عنه حيث قال : وجوب الحكم على القاضي بعد شهادة العدلين ليس من حيث أنها توجب حصول الظن، بل من حيث إن الشارع قال جعله سبباً لوجوب الحكم على القاضي، كما جعل دخول الوقت سبباً لوجوب الصلاة.

و إنما قلت : الحق فيه ما أفاده علم الهدى، لا ما ذكره رئيس الطائفة رحمه الله لأن كثيراً ما لا يحصل الظن بشهادتهما لمعارضة قرينة حالية، مع وجوب الحكم على القاضي حينئذ، و من المعلوم عند أولي الألباب : أن متعلق هذا الظن ليس من أحكامه تعالى كما أفاده رئيس الطائفة.

 

(الوجه الثاني)

قوله تعالى : (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق) مع قوله عز و جل : (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) و قوله تعالى (و لا تقف ما ليس لك به علم) و قوله تعالى (إن هم إلا يظنون) و (إن هم إلا يخرصون) و قوله تعالى : (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و غيرا من الآيات الشريفة. و تخصيص تلك الآيات بأصول الدين – كما وقع من الأصوليين بناءً على أن الضرورة ألجأت إلى التمسك في الفروع بالظن ما مطلقاً (بعد النبي صلى الله عليه و آله و لمن بعد عنه في زمانه) كما هو زعم العامة، أو في زمن الغيبة الكبرى كما هو زعم جمع من متأخري أصحابنا و لمن بعد عن الإمام في زمن حضوره كما هو زعم الفاضل المدقق الشيخ علي ومن وافقه من تبعته – خيال ضعيف سيجيء جوابه في كلامنا إن شاء الله تعالى.

 

(الوجه الثالث)

إن خلاصة ما استدلت به الإمامية على وجوب عصمة الإمام عليه السلام و هو (أنه لولا ذلك لزم أمره تعالى عباده بإتباع الخطأ و ذلك قبيح عقلاً) جارية في وجوب إتباع ظن المجتهد، فعلم أن ظنه ليس بواجب الإتباع، و إذا لم يكن واجباً لم يكن جائزاً، إذ لا قائل بالفصل.

و بعبارة أخرى : إذ الجواز هنا يستلزم الوجوب بإجماعهم، بل في كتاب المحاسن رسالة منقولة عن الصادق عليه السلام فيها استدل الصادق عليه السلام بهذا الدليل على امتناع العمل بظن المجتهدين و بخبر الواحد الخالي عن القرائن المفيدة للقطع و أشباههما. و هذا نقض أورده الفخر الرازي على الإمامية. و جوابه : أن هذا النقض لا يرد على الأخباريين، لأنهم لا يجوزون الاعتماد في أحكامه تعالى على الظن، و يرد على المتأخرين، ول يس لهم بحمد الله عن ذلك مفر!

 

(الوجه الرابع)

إن المسلك الذي مداركه غير منضبطة – و كثيراً ما يقع فيها التعارضات و اضطراب الأنفس و رجوع كثير من فحول العلماء عما به أفتى – لا يصلح لأن يجعله تعالى مناط أحكامه.

و من المعلوم : أن اعتبار ظن المجتهد المتعلق بنفس أحكامه تعالى مستلزم لتلك المحذورات، ألا ترى أن في كثير من المسائل تخطر ببال جمع من أهل الاستنباط أنواع من الترجيحات دون جمع و في وقت دون وقت.

و العامة اعترفوا بذلك في كتب الأصول، ففي شرح العضدي للمختصر الحاجبي في مبحث القياس : من شروط العلة أن تكون وصفاً ظاهراً منضبطاً في نفسه حتى تكون ضابطاً للحكمة لا حكمة مجردة، و ذلك لخفائها كالرضا في التجارة فنيطت بصيغ العقود لكونها ظاهرة منضبطة، أو لعدم انضباطها كالمشقة، فإن لها مراتب لا تحصى و تختلف بالأحوال و الأشخاص اختلافاً عظيماً.

ثم ليس كل مرتبة مناطق و لا يمكن تعيين مرتبة منها، إذ لا طريق إلى تمييزها بذاتها و ضبطها في نفسها، فنيطت بالسفر.

 

(الوجه الخامس)

إن المسلك الذي يختلف باختلاف الأذهان و الأحوال والأشخاص لا يصلح لأن يجعله تعالى مناط أحكام مشتركة بين الأمة إلى يوم القيامة.

 

(الوجه السادس)

إن الشريعة السهلة السمحة كيف تكون مبنية على استنباطات صعبة مضطربة؟

 

(الوجه السابع)

إنما فاسد أبتناء أحكامه تعالى على الاستنباطات الظنية أكثر من أن تعدو تحصى، من جملتها : أنه يفضي إلى جواز الفتن و الحروب بين المسلمين، و سد هذا الباب يؤدي إلى دفعها و التوقف و التثبت في الأمور الشرعية إلى ظهور الحق و اليقين.

ألا ترى أن علماء العامة و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ذكروا في مقام الاعتذار عن الحروق والفتن الواقعة بين الصحابة العدول الأخيار أن السبب فيها اختلاف اجتهاداتهم في أحكام الله تعالى؟ و من جملتها : أنه إذا وقعت خصمة دنيوية مبنية على اختلاف اجتهاد المتخاصمين في مال أو فرج أو دم لزم أن لا يجوز لأحدهما أن يأخذ قهراً على الآخر ما يستحقه في حكم الله تعالى. و ما قاله علماء العامة : من أنه إذا كانت خصومة المتخاصمين في قضية شخصية مبنية على اختلاف اجتهادهما يجب عليهما الرجوع إلى قاض منصوب من جهة السلطان فإذا قال القاضي : (حكمت بكذا) يجب أتباعه عليهما، مما لا يرضى به الذهن المستقيم و الطبع السليم، فكيف يرضى به الحكيم العليم؟

و من جملتها أنه يفضي إلى تجهيل المفتي نفسه أو إبطال القاضي حكمته إذا ظهر له ظن أو قطع مخالف لظنه السابق.

 

(الوجه الثامن)

إن الظن المعتبر عندهم ظن صاحب الملكة المخصوصة التي اعتبروها في معنى الفقيه و المجتهد، و أيضاً المعتبر عندهم من بذل الوسع في تحصيل الظن المعتبر عندهم قدر مخصوص منه، و لا يخفى على اللبيب أن الملكة المذكورة و القدر المشار إليه من بذل الوسع أمران مخفيان غير منضبطين، و قد مر أنهم اعترفوا بأن مثل ذلك لا يصلح أن يكون مناط أحكامه تعالى.

 

(الوجه العاشر)

 

الخطب و الوصايا المنقولة عن أمير المؤمنين و أولاده الطاهرين عليهم السلام الصريحة في أن كل طريق يؤدي إلى اختلاف الفتاوى من غير ضرورة التقية مردود غير مقبول عند الله من حيث إنه يؤدي إلى الاختلاف. و من المعلوم : أن هذا المعنى كما يشمل القياس و الاستحسان و الاستصحاب و أشبابهها يشمل الاستنباطات الظنية من كلام الله و كلام رسوله، مع أن الظن غير حاصل على مذهب الخاصة في كثير من تلك المواضع كما سنحققه، و إنما يحصل على مذهب العامة. و الصريحة في أنه يجب التوقف عند الشبهات المتعلقة بنفس أحكامه تعالى. و الصريحة في أن ماعدا القطع شبهة. و الصريحة في أنهلا يجوز الإفتاء و القضاء إلا لرجل يعض في العلم بضرس قاطع. و الروايات الصريحة في أن في كل واقعة حكم الله واحد و أن من أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية و أثم. و في أن المفتي المخطئ ضامن و لحقه وزر من عمل بفتياه.

ففي نهج البلاغة : و من كلام له عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا : ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها على خلاف قوله، ثم تجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً، و إلههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد، أفأمرهم الله سبحانه و تعالى بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله تعالى ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟ أم أنزل الله سبحانه و تعالى ديناً تاماً فقصر الرسول صلى الله عليه و آله عن تبليغه و أدائه؟ و الله سبحانه يقول : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) و فيه تبيان لكل شيء و ذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً و أنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : (و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) و أن القرآن ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا تفنى عجائبه و لا تنقضي غرائبه و لا تكشف الظلمات إلا به.

و أقول : المقدمتان القائلتان بأن كل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة نزل في القرآن، و بأنه لا اختلاف فيما نزل فيه، يستلزمان أن يكون كل من أفتى بحكمين مختلفين من غير ابتناء أحدهما على التقية مصداقاً لقوله تعالى : (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

ثم أقول : الكافر جاء بخمسة معان في كتاب الله تعالى، و تلك المعاني و ما هو المراد منها يستفادان من أحاديث كثيرة :

منها : ما ذكره الإمام ثقة الإسلام في باب وجوه الكفر عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له : أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله، قال : الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه :

فمنها : كفر الجحود و هو على وجهين : الكفر بترك ما أمر الله، و كفر البراءة و كفر النعم، فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية و هو قول من يقول : لا رب و لا جنة و لا نار، و هو قول صنف من الزنادقة يقال لهم : الدهرية، و هم الذين يقولون : و ما يهلكنا إلا الدهر، و هو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان (منهم) على غير تثبت منهم و لا تحقيق لشيء مما يقولون، قال الله تعالى : (إن هم إلا يظنون) إن ذلك كما يقولون، و قال تعالى : (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) يعني بتوحيد الله فهذا أحد وجوه الكفر.

و أما الوجه الآخر من الجحود على معرفة، و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنه حق قد استقر عنده، و قد قال الله تعالى : (و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلماً و علواً) و قال الله عز و جل : (و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) فهذا تفسير وجهي الجحود.

و الوجه الثالث من الكفر كفر النعم، و ذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر و من شكر فإنما يشكر لنفسه و من كفر فإن ربي غني كريم) و قال سبحانه : (لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد)و قال : (فاذكروني أذكركم و أشكروا لي و لا تكفرون).

و الوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز و جل به و هو قول الله عز و جل : (و إذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم و لا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم و أنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم و العدوان و إن يأتوكم أسارى تفادوهم و هو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم)، فكفرهم بترك ما أمر الله به و نسبهم إلى الإيمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده، فقال : (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون).

و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة، و ذلك قول الله عز و جل يحكي قول إبراهيم عليه السلام : (كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) يعني تبرأنا منكم، و قال يذكر إبليس و تبريه من أوليائه من الإنس يوم القيامة (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) و قال : (إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضاً) يعني تبرأ بعضكم من بعض.

و من كلامه عليه السلام في بعض خطبه : عباد الله! إن من أحب عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه، فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه و أعد القرى ليومه النازل به، فقرب على نفسه البعيد و هون الشديد، نظر فأبصر و ذكر فاستكثر، و ارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلاً و سلك سبيلاً جديداً قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلى من الهموم إلا هماً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله و عرف مناره و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها و من الحبال بأمتنها، و هو من اليقين على مثل ضوء الشمس قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور من إصدار كل وارد عليه و تصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات كشاف عشوات مفتاح مبهمات دفاع معضلات دليل فلوات، يقول فيفهم و يسكت فيسلم، قد أخلص لله فاستخلصه به، فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمها و لا مظنة إلا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه، يحل حيث حل ثقله و ينزل حيث كان منزله. و آخر قد تسمى عالماً فليس به، فاقتبس جهائل من جهال و أضاليل من ضلال و نصب للناس أشراكاً من حبائل غرور و قول زور، قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحق على أهوائه، يؤمن من العظائم و يهون كبير الجرائم، يقول : أقف عند الشبهات و فيها وقع، و يقول : أعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه و لا باب العمى فيصد عنه، فذلك ميت الأحياء فأين تذهبون! و أنى تؤفكون! و الأعلام قائمة و الآيات واضحة و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون و بينكم عترة نبيكم؟ و هم أزمة الحق و ألسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن و رودوهم ورود البهيم العطاش. أيها الناس! خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه و آله و سلم أنه يموت من مات منا و ليس بميت و يبلى من بلي منا و ليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون، و اعذروا من لا حجة لكم عليه و أنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر و أترك فيكم الثقل الأصغر و ركزت فيكم راية الإيمان و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام و ألبستكم العافية من عدلي و فرشت لكم المعروف من قول و فعلي و أريتكم كرائم الأخلاق من نفسي؟ فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر و لا يتغلغل إليه الفكر.

و من كلام له عليه السلام في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة و ليس لذلك بأهل : إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان : رجل و كله الله تعالى إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته. و رجل قمش جهلاً موضع في جهال الأمة عاد في أغباش الفتنة بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالماً و ليس به، بكر فاستكثر، من جمع ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن و اكتثر من غير طائل، جلس بسن الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً رثاً من رأيه ثم قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات لم يعض على العلم بضرب قاطع يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا مليء و الله بإصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شيء مما أنكره، و لا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً لغيره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم به من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، و تعج منه المواريث. إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالاً و يموتون ضلالاً ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته و لا سلعة أنفق بيعاً و لا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرف عن مواضعه، و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر.

و من خطبته عليه السلام : و ما كل ذي قلب بلبيب، و ما كل ذي سمع بسميع، و لا كل ذي ناظر ببصير، فيا عجباً! و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حجمها في دينها، لا يقتصون أثر نبي و لا يقتدون بعمل وصي، و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات على أنفسهم و تعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و أسباب محكمات.

و من كلامه عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام : دع القول فيما لا تعرف و الخطاب فيما لا تكلف، و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال. و اعلم يا بني إن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله و الاقتصار على ما فرضه الله عليك و الأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك و الصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر و فكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عما لا يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما كانوا علموا، فليكن طلب ذلك بتفهم و تعلم لا بتورط الشبهات و علق الخصومات، و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك و ترك كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع و تم رأيك و اجتمع و كان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك، و إن أنت لم تجمع لك ما تحب من نفسك و فراغ خبط أو خلط، و الإمساك عن ذلك أمثل، فتفهم يا بني وصيتي انتهى كلامه عليه السلام.

و في الكافي – في باب البدع و الرأي و المقائيس – محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه و علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام. و علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب، رفعه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : إن من أبغض الخلائق إلى الله عز و جل لرجلين : رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم و الصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد موته، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته. و رجل قمش جهلاً في جهال الناس عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس عالماً و لم يغن فيه يوماً سالماً، بكر فاستكثر (من جمع) ما قال منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضياً، ماضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، و إن خالف قاضياً سبقه لم يأمن أن يقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله، و إن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت،لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر و لا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهباً، إن قاس شيئاً بشيء لم يكذب نظره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له : لا يعلم، ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات ركاب شبهات خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، و لا يعض في العلم بضرس قاطع فينغم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء، يستحل بقضائه الفرج الحرام و يحرم بقضائه الفرج الحلال لا مليء بإصدار ما عليه ورد و لا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق.

و أنا أقول : من المعلوم أن هذه العبارات الشريفة صريحة في أن ما عدا اليقين شبهة، وجه الصراحة : أنها ناطقة بحصر الأمور في اليقين و الشبهة، فلو لم يكن الظن شبهة لزم بطلان الحصر و في أن كل طريق يؤدي إلى اختلاف الفتاوى من غير ضرورة التقية مردود غير مقبول عند الله تعالى.

و في كتاب من لا يحضره الفقيه قال الصادق عليه السلام : الحكم حكمان : حكم الله عز و جل، و حكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله عز و جل حكم بحكم الجاهلية، و من حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله عز و جل فقد كفر بالله تعالى.

و في كتاب الكافي – في باب طلب الرئاسة – عن أبي حمزة الثمالي قال، قال أبو عبد الله عليه السلام : إياك و الرئاسة! و إياك أن تطأ عقاب الرجال! قال قلت : جعلت فداك! أما الرئاسة فقد عرفتها، و أما أن أطأ أعقاب الرجال، فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال، فقال لي : ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.

و عن محمد بن سلم قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أترى لا أعرف خياركم من شراركم، بلى و الله! و إن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه، إنه لا بد من كذاب أو عاجز الرأي.

أقول : الكذاب : المفتري في باب الروايات عنهم عليهم السلام و عاجز الرأي : المفتي بظنونه.

و في كتاب الكافي – في باب أصناف القضاة – أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال : الحكم حكمان : حكم الله، و حكم الجاهلية، و قد قال الله عز و جل : (و من أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية).

علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : منحكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز و جل فهو كافر بالله العظيم.

و في باب (من حكم بغير ما أنزل الله عز و جل) : عدة من أصحابنا،عن سهل بن زياد،عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أي قاضٍ قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن داود بن فرقد قال : حدثني رجل عن سعيد بن أبي الخضيب البجلي قال : كنت معابن أبي ليلى مزاملة حتى جئنا إلى المدينة، فبينما نحن في مسجد الرسول صلى الله عليه و آله إذ دخل جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت لابن أبي ليلى تقوم بنا إليه، فقال : و ما تصنع عنده؟ فقلت : نسأله و نحدثه، فقال : قم، فقمنا إليه فسألني عن نفسي و أهلي، ثم قال : من هذا معك؟ قلت : ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له : أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟ قال : نعم، قال : تأخذ مال هذا فتعطيه هذا و تقتل هذا و تفرق بين المرء و زوجه لا تخاف في ذلك أحداً؟ قال : نعم، قال : فبأي شيء تقضي؟ قال : بما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه و آله و عن علي عليه السلام و عن أبي بكر و عمر، قال : فبلغك عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنه قال إن علياً أقضاكم؟ قال : نعم، قال : فكيف تقضي بغير قضاء علي و قد بلغك هذا؟ فما تقول إذا جيء بأرض من فضة و سماء من فضة ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال : رب إن هذا قضى بغير ما قضيت؟ قال : فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران ثم قال لي : التمس لنفسك زميلاً، و الله لا أكلمك من رأسي كلمة أبداً.

و في باب (أن المفتي ضامن) : علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : كان أبو عبد الله عليه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يرد شيئاً، فأعاد عليه المسألة فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي أو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام : هو في عنقه قال أو لم يقل، و كل مفت ضامن.

محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال : قال أبو جعفر عليه السلام  من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه.

و في الكافي في باب (النهي عن القول بغير علم) : محمد بن يحيى عن أحمد و عبد الله ابني محمد بن عيسى عليه السلام : أنهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال : أنهاك عن أن تدين الله بالباطل، و تفتي الناس بما لا تعلم.

علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : إياك و خصلتين! ففيهما هلك من هلك : إياك أن تفتي الناس برأيك و تدين بما لا تعلم.

الحسين بن محمد عن معلي بن محمد، عن علي بن أسباط، عن جعفر بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن زرارة بن أعين قال : سألت أبا جعفر عليه السلام ما حق الله على العباد؟ قال : أن يقولوا ما يعلمون و يقفوا ما لا يعلمون.

 

علي بن إبراهيم عن أبيه،عن أبن أبي عمير، عن يونس، عن أبي يعقوب إسحاق بن عبد الله، عن أبي عبد الله قال : إن الله خص عباده بآيتين من كتابه : أن لا يقولوا حتى يعلموا، و لا يردوا ما لا يعلمون،و قال عز و جل : (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) و قال (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله).

و في الكافي – في باب من عمل بغير علم – محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

و في الكافي – في باب النوادر – محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد الزهري، عن أبي جعفر عليه السلام قال : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه.

محمد ن أحمد بن محمد، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن حمزة ابن الطيار : أنه عرض على أبي عبد الله عليه السلام بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعاً منها قال : كف و اسكت، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما حق الله على خلقه؟ قال : أن يقولوا ما يعلمون، و يكفوا عما لا يعلمون فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى الله حقه.

أقول : من تدليسات العامة أنهم ذكروا في كتبهم الأصولية : أن العلم الشرعي هو التصديق المطلق المشترك بين القطع و الظن.

و في الكافي – في باب البدع و الرأي و المقائيس – محمد بن يحيى عن أحمد ابن محمد، عن الوشاء، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله و لا سنة فننظر فيها؟ فقال : لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر و إن أخطأت فقد كذبت على الله عز و جل.

علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال : حدثني جعفر عن أبيه عليه السلام أن علياً قال : من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس. قال : و قال أبو جعفر عليه السلام : من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، و من دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله حيث أحل و حرم فيما لا يعلم.

و في باب (دعائم الكفر و شعبه) علي بن إبراهيم عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل و من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه.

أقول : الذكر هو القرآن و المراد نسيان قوله تعالى : (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) و قوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) و نظائر ذلك من الآيات الشريفة.

ثم أقول : من المعلوم عند أولي الألباب أن مقتضى تلك الأحاديث أن كل فتوى لم تكن جامعة للصفتين : من المطابقة للواقع و الجزم بها فهي غير مرضية، و من المعلوم أن الفتوى المخالفة لما أنزل الله إذا وردت من باب التقية لا تجري فيها خلاصة ما يستفاد من تلك الأحاديث.

و في كتاب المحاسن للبرقي بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا لم يجحدوا و لم يكفروا.

و في كتاب المحاسن للبرقي – في باب النهي عن القول و الفتيا بغير علم – عنه، عن أبيه عن يونس بن عبد الرحمن، عن داود بن فرقد، عمن حدثه، عن عبد الله بن شبرمة قال : ما أذكر حديثاً سمعته من جعفر بن محمد إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال : قال أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه و آله (قال ابن شبرمة : و أقسم بالله ما كذب أبوه على جده و لا كذب جده على رسول الله) فقال قال رسول الله صلى الله عليه و آله : من عمل بالمقائيس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك.

و عنه، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان الأحمر، عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما علمتم فقولوا و ما لم تعلموا فقولوا : الله أعلم، إن الرجل لينتزع آية من القرآن يخر فيها أبعد مابين السماء و الأرض.

و في باب (المقائيس و الرأي) عنه، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم ابن سليمان قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : سمعت أبي يقول : ما ضرب الرجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر.

و في باب (التثبت) عنه، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا لم يجحدوا و لم يكفروا.

و في الكافي – في باب النهي عن القول بغير علم – عدة من أصحابنا عن أحمد ابن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان الأحمر عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا : الله أعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء و الأرض.

علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى، عن يونس بن داود بن فرقد، عمن حدثه، عن ابن شبرمة قال : ما ذكرته حديثاً سمعته من جعفر بن محمد عليه السلام إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه و آله قال ابن شبرمة : و أقسم بالله ما كذب أبوه على جده و لا جده على رسول الله صلى الله عليه و آله قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : من عمل بالمقائيس فقد هلك و أهلك.

و في كتاب المحاسن – في باب التثبت – أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن طيار : أنه عرض على أبي عبد الله عليه السلام بعض خطب أبيه، حتى إذا بلغ موضعاً منها قال له : كف، قال أبو عبد الله عليه السلام : اكتب، فأملي عليه : أنه لا ينفعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت فيه وردة إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد عنه.

عن أبيه عمن حدثه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال : إنه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت فيه و الرد إلى أئمة المسلمين، حتى يعرفوكم فيه الحق و يحملوكم فيه على القصد قال الله عز و جل : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

و في كتاب المحاسن – في باب المقائيس و الرأي – عنه، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن قوماً من أصحابنا قد تفقهوا و أصابوا علماً و رووا أحاديث فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم؟ فقال : لا، و هل هلك من مضى إلا بهذا و أشباهه؟

و في كتاب بصائر الدرجات تأليف محمد بن الحسن الصفار في فصل (فيه أمر الكتب) أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير، عن محمد ابن حكيم، عن أبي الحسن عليه السلام قال : إنما هلك من كان قبلكم بالقياس و إن الله تبارك و تعالى لم يقبض نبيه صلى الله عليه و آله حتى أكمل له جميع دينه في حلاله و حرامه فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته و تستغنون به و بأهل بيته بعد موته و أنه مخفي عند أهل بيته حتى أن فيه لأرش الخدش الكف.

و في الكافي – في باب الرد إلى الكتاب و السنة و أنه ليس شيء من الحلال و الحرام و جميع ما تحتاج إليه الناس إلا و قد جاء فيه كتاب أو سنة – عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : إن الله تبارك تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه و بينه لرسوله صلى الله عليه و آله و جعل لكل شيء حداً، و جعل عليه دليلاً يدل عليه، و جعل على من تعدى ذلك الحد حداً.

و عن سليمان بن هارون قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ما خلق الله عز و جل حلالاً و لا حراماً إلا و له حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق و ما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه و الجلدة و نصف الجلدة.

و في باب (البدع و الرأي و المقائيس) عن حريز، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلال و الحرام، فقال : حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة و حرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره و لا يجيء غيره.

و عن حماد عن أبي عبد الله عليه قال : سمعته يقول : ما من شيء إلا و فيه كتاب أو سنة.

و عن المعلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : ما من أمر مختلف فيه اثنان إلا و له أصل في كتاب، و لكن لا تبلغه عقول الرجال.

و عن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال، قلت له : أكل شيء في كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله أو يقولون فيه؟ قال : بل كل شيء في كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله.

و في باب (البدع و الرأي و المقائيس) عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال، قلت : أصلحك الله؟ أتى رسول الله صلى الله عليه و آله بما يكتفون به في عهده؟ فقال : نعم و ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة، فقلت : فضاع من ذلك شيء؟ فقال : لا هو عند أهله.

و عن أبي شيبة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة! إملاء رسول الله صلى الله عليه و آله و خط علي عليه السلام بيده، إن الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعد أن دين الله لا يصاب بالقياس.

و في كتاب ن لا يحضره الفقيه – في باب العتق و أحكامه – قال أمير المؤمنين عليه السلام : الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للأمة جميع ما تحتاج إليه.

و الحديث مذكور في كتاب الكافي و في تهذيب الحديث. و الظاهر أن المراد بيان الكل لوصيه عليه السلام و بيان البعض للرعية، و يمكن حمله على كل ما تحتاج إليه الأمة في عصره عليه السلام.

و في الكافي – في باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه – علي بن محمد و غيره سهل بن زياد و محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعاً، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمن حدثه قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : أيها الناس! اعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه.

و في الكافي – في باب سؤال العالم و تذاكره – علي بن محمد عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال : إن هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة.

علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيس، عن حريز، عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد العجلي قالوا : قال أبو عبد الله عليه السلام لحمران ابن أعين في شيء سأله : إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون.

و في كتاب المحاسن – في باب المقائيس و الرأي – عنه عن أبيه، ن درست ابن أبي منصور، عن محمد بن حكيم قال أبو الحسن عليه السلام : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها أنا – و وضع يده على فيه – فقلت : و لم ذاك؟ قال : لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده و ما يحتاجون إليه من بعده إلى يوم القيامة.

عنه عن علي بن إسماعيل الميثمي عن محمد بن حكيم عن أبي الحسن عليه السلام قال أتاهم رسول الله صلى الله عليه و آله بما يستغنون به في عهده و ما يكتفون به من بعده كتاب الله و سنة نبيه.

و في كتاب المجالس للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه قدس سره : حدثنا الشيخ الجلل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال : حدثنا محمد بن يعقوب قال : حدثنا أبو محمد القاسم بن العلاء، عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة و ذكروا كثرة اختلاف الناس فيه، فتبسم عليه السلام ثم قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن دينهم إن الله عز و جل لم يقبض بنبيه صلى الله عليه و آله حتى أكل له الدين و أنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، و بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما تحتاج إليه الناس كملاً، فقال عز و جل : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) و أنزل في حجة الوداع و هي في آخر عمره صلى الله عليه و آله : (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا) و أمر الإمامة من تمام الدين، و لم يمض عليه السلام حتى بين لأمته معالم دينهم و أوضح لهم سبيله و تركهم على قصد الحق، و أقام لهم علياً عليهم السلام علماً و إماماً و ما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بيه، فمن زعم أن الله عز و جل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله و من رد كتاب الله فهو كافر. فهل يعرفن قدر الإمامة و محلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم، إن الإمامة أجل قدراً و أعظم شأناً و أعلى مكاناً و أمنع جانباً و أبعد غوراً من أن تبلغه الناس بعقولهم أو أن ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم، إن الإمامة خص الله عز و جل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة و فضيلة شرفه بها و أشاد بها ذكرها إن الإمام أس الإسلام النامي و فرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و الجهاد و توفير الفيء و الصدقات و إمضاء الحدود و الأحكام و منع الثغور و الأطراف، الإمام يحل حلال الله و يحرم حرام الله و يقيم حدود الله و يذب عن دين الله و يدعو إلى دين ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجة البالغة، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد و لا يعادله عالم و لا يؤخذ منه بدل و لا له مثل و لا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منزلة و لا اكتساب اختصاص من المفضل الوهاب، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة و آراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعداً، قاتلهم الله أنى يؤفكون لقد راموا صعباً و قالوا إفكاً و ضلوا ضلالاً بعيداً و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين، رغبوا ن اختيار ما كان لهم الخيرة سبحان الله و تعالى عما يشركون). إن العبد إذا اختاره الله عز و جل لأمور عباده شرح صدره لذلك و أودع قلبه ينابيع الحكمة و ألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب و لا يحير فيه عن الصواب، و هو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطأ و الزلل و العثار خصه الله بذلك ليكون حجته على عباده و شاهده على خلقه، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم.

و الحديث الشريف بطوله مذكور في كتاب المجالس نقلنا طرفاً منه.

و في كتاب المحاسن – في باب إنزال الله في القرآن تبياناً لكل شيء – عنه، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عمن حدثه، عن المعلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا و له أصل في كتاب الله و لكن لا تبلغه عقول الرجال.

أقول : من المعلوم عند أولي الألباب أن هذه الأحاديث الشريفة ناطقة بأن كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي عن الله تعالى، فلم يبق شيء على مجرد إباحته الأصلية، فالتمسك بالبراءة الأصلية لا يجز في نفي أحكام الله تعالى.

ثم أقول : صرحوا عليهم السلام بوجوب التوقف فيما لم يقطع بحكم الله فيه و لا بحكم ورد عنهم عليهم السلام بوجوب التوقف فيما لم يقطع بحكم الله فيه و لا بحكم ورد عنهم عليهم السلام فلو جاز التمسك في نفي أحكام الله تعالى بالبراءة الأصلية لما أوجبوا التوقف، و الحديث النبوي المتواتر بين الفريقين المتضمن لحصر الأمور في ثلاثة أيضاً ناطق بوجوب التوقف فيما لم يكن حكمه بيناً واضحاً، فلم يبق مجال للتمسك بالأصل و لا بالاستصحاب، إذ من شرط التمسك بهما عدم بلوغ خطاب مخرج عنهما، لا خطاب خاص و لا عام.

و في أوائل الكافي في تفسير (إنا أنزلناه في ليلة القدر) روايات كثيرة نافعة يما نحن بصدده، من جملتها : عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل : و الله كذلك لم يمت محمد إلا و له بعيث نذير، قال : فإن قلت لا فقد ضيع رسول الله صلى الله عليه و آله من في أصلاب الرجال من أمته. قال السائل و ما يكفيهم القرآن؟ قال : بلى إن وجدوا له مفسراً قال و ما فسره رسول الله صلى الله عليه و آله؟ قال : بلى قد فسره لرجل واحد، و فسر للأمة شأن ذلك الرجل و هو علي بن أبي طالب عليه السلام قال السائل : يا أبا جعفر كان هذا أمر خاص لا يحتمله العامة؟ قال : أبى الله أن يعبد إلا سراً حتى يأتي إبان أجله الذي يظهر فيه دينه.

و في كتاب الاحتجاج للطبرسي – في احتجاج النبي صلى الله عليه و آله يوم الغدير على تفسير كتاب الله و الداعي إليه – ألا إن الحلال و الحرام أكثر من أن أحصيهما و أعرفهما، فآمر بالحلال و أنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم و الصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عز و جل في علي أمير المؤمنين عليه السلام و الأئمة من بعده. يا معاشر الناس! تدبروا القرآن و افهموا آياته و انظروا في محكماته و لا تتبعوا متشابهه، فو الله! لن يبين لكم زواجره و لا يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده.

و من كلامه عليه السلام المنقول في نهج البلاغة : و أردد إلى الله و رسوله ما يضلعك من الخطوب و يشتبه عليك من الأمور، فقد قال سبحانه لقوم أحب إرشادهم : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و إلى الرسول) فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، و الرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.

و في كتاب المحاسن – في باب المقائيس و الرأي – عنه، عن أبيه، عن الحسن ابن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن الطيار قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : تخاصم الناس؟ قلت : نعم قال : و لا يسألونك عن شيء إلا قلت فيه شيئاً؟ قلت : نعم، قال : فأين باب الرد إذاً؟

أقول : في هذه الرواية و أشباهها تصريح بتعذر المجتهد المطلق.

و في كتاب الكافي في كتاب الحجة – في باب الاضطرار إلى الحجة – محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : قلت للناس : أليس تزعمون أن رسول الله صلى الله عليه و آله كان هو الحجة من الله تعالى على خلقه؟ قالوا : بلى قلت : فحين مضى رسول الله صلى الله عليه و له من كان الحجة على خلقه؟ فقالوا : القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ و القدري و الزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم : من قيم القرآن؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم و عمر يعلم و حذيفة يعلم، قلت : كله؟ قالوا : لا، فلم أجد أحداً يقال إنه يعرف ذلك كله إلا علياً عليه السلام و إذا كان الشيء بين القوم فقال هذا : لا أدري، و قال هذا : لا أدري، و قال هذا : لا أدري، وقال : أنا أدري، فأشهد أن علياً عليه السلام كان قيم القرآن و كانت طاعته مفترضة و كان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و أن ما قال في القرآن فهو حق، فقال : رحمك الله.

و في أواسط كتاب الروضة من الكافي : عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد ابن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زيد الشحام قال : دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر عليه السلام فقال : يا قتادة إنك فقيه أهل البصرة؟ فقال : هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر عليه السلام بلغني أنك تفسر القرآن؟ قال له قتادة : نعم، فقال له أبو جعفر عليه السلام : فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت، و إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، و يحك يا قتادة! إنما يعرف القرآن من خوطب به. و الحديث الشريف طويل نقلنا منه موضع الحاجة.

و في كتاب المجالس لابن بابويه مسنداً إلى ابن عباس قال : صعد رسول الله صلى الله عليه و آله المنبر فخطب و اجتمع الناس إليه فقال : يا معاشر المؤمنين! إن الله عز و جل أوحى إلي أني مقبوض و أن ابن عمي علياً مقتول، فقال : و إني أيها الناس أخبركم خبراً إن عملتم به سلمتم و إن تركتموه هلكتم، إن ابن عمي علياً هو أخي و وزيري و هو خليفتي و هو المبلغ عني و هو إمام المتقين و قائد الغر المحجلين، إن استرشدتموه أرشدكم و إن اتبعتموه نجوتم و إن خالفتموه ظللتم و إن أطعتموه فالله أطعتم و إن عصيتموه فالله عصيتم، إن الله عز و جل أنزل علي القرآن، و هو الذي ن خالفه ضل و من ابتغى علمه عند غر علي فقد هلك، أيها الناس! اسمعوا قولي و اعرفوا حق نصيحتي و لا تخلفوني في أهل بيتي إلا بالذي أمرتم به، من طلب الهدى في غيرهم فقد كذبني. و الحديث الشريف بطوله مذكور في المجالس نقلنا منه موضع الحاجة.

و من كلامه عليه السلام في بعض خطبه المنقولة في نهج البلاغة : ثم اختار الله سبحانه و تعالى لمحمد صلى الله عليه و آله لقاءه و رضي له ما عنده فأكرمه عن دار الدنيا و رغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً صلى الله عليه و آله و خلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح و لا علم قائم، كتاب ربكم مبيناً حلاله و حرامه و فرائضه و فضائله و ناسخه و منسوخه و رخصه و عزائمه و خاصه و عامه و عبره و أمثاله و مرسله و محدوده و محكمه و متشابهه، مفسراً جمله مبيناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه و موسع على العباد في جهله، و بين مثبت في الكتاب فرضه معلوم في السنة نسخه و واجب في السنة أخذه مرخص في الكتاب تركه، و بين واجب بوقته و زائل في مستقبله و مبائن بين محارمه، من كثير أوعد عليه نيرانه أو صغير أرصد له غفرانه، و بين مقبول في أدناه و موسع في أقصاه.

و في الكافي روايات مذكورة في باب تفسير قوله تعالى : (و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم).

منها : عن أبي عبد الله عليه السلام الراسخون في العلم أمير المؤمنين و الأئمة من بعده عليه السلام.

و عن أحدهما عليهما السلام قال رسول الله صلى الله عليه و آله : أفضل الراسخين في العلم قد علمه الله عز و جل جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل، و ما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله، و القرآن خاص و عام و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه.

و روايات مذكورة في باب تفسير قوله تعالى : (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).

و في الكافي عن أبي الصباح قال : و الله لقد قال لي جعفر بن محمد عليه السلام : إن الله علم نبيه التنزيل و التأويل، فعلمه رسول الله صلى الله و آله علياً عليه السلام قال : و علمنا و الله، ثم قال : ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة.

و في كتاب المحاسن – في أوائل كتاب العلل – عن جابر بن يزيد الجعفي قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التفسير، فأجابني عليه السلام، ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت له : جعلت فداك كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غيرها هذا قبل اليوم؟ فقال : يا جابر،إن للقرآن بطناً و للبطن بطناً و له ظهر و للظهر ظهر، يا جابر ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية يكون أولها في شيء و آخرها في شيء، و هو كلام متصل متصرف على وجوه.

و في كتاب بصائر الدرجات – في باب أن الأئمة عليهم السلام أعطوا تفسير القرآن و التأويل – الفضل عن موسى بن القاسم، عن ابن أبي عمير أو غيره، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال : تفسير القرآن على سبعة أوجه : منه ما كان، و منه ما لم يكن بعد ذلك تعرفه الأئمة عليهم السلام.

و في كتاب بصائر الدرجات – في باب أن الأئمة عليهم السلام أوتوا العلم و أثبت في صدورهم – أحمد بن محمد بن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن هذا العلم انتهى إلي في القرآن ثم جمع أصابعه، ثم قال : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.

و في الكافي – في باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام و أنهم يعلمون علمه كله – قلت لأبي جعفر عليه السلام : (قل كفى بالله شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب) قال : إيانا عنى و علي أولنا أو أفضلنا.

و في الكافي – في باب أن الأئمة عليهم السلام ورثوا علم النبي و جميع علم الأنبياء و الأوصياء الذين من قبلهم – نحن المخصوصون في كتاب الله، و نحن الذين اصطفانا الله عز و جل و أوثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء.

و في كتاب بصائر الدرجات – في باب أن الأئمة عليهم السلام أعطوا تفسير القرآن – محمد بن الحسين عن محمد بن مسلم، عن ابن أذينة، عن أبان، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه و آله أجابني و إن ذهبت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليه آية في ليل و لا نهار و لا سماء و لا أرض و لا دنيا و لا آخرة إلا أقرأنيها و أملاها علي و كتبتها بيدي، و علمني تأويلها و تفسيرها و محكمها و متشابهها و خاصها و عامها و كيف نزلت و أين نزلت و فيمن أنزلت إلى يوم القيامة، و دعا الله أن يعطيني فهما و حفظاً فما نسيت آية من كتاب الله و لا على من أزلت.

أحمد بن الحسين عن أبيه عن بكر بن صالح، عن عبد الله بن إبراهيم بن عبد العزيز ابن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر الحميري قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال : كنت مع أبي الحسن عليه السلام بمكة، فقال له رجل : إنك لتفسر من كتاب الله ما لم تسمع، فقال : علينا نزل قبل الناس و لنا فسر قبل أن يفسر في الناس، فنحن نعرف حلاله و حرامه و ناسخه و منسوخه و في أية ليلة نزلت كم ن آية و فيمن نزلت و فيما نزلت، فنحن حكماء الله في أرضه و شهداؤه على خلقه، و هو قول الله تبارك و تعالى : (ستكتب شهادتهم و يسألن) فالشهادة لنا و المسألة للمشهود عليه، فهذا علم قد أنهيته.

و في كتاب الاحتجاج للطبرسي – في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على المهاجرين و الأنصار حكاية عن النبي صلى الله عليه و آله – أيها الناس! علي بن أبي طالب فيكم بمنزلتي، فقلدوه دينكم و أطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده جميع ما علمني الله عز و جل من علمه و حكمه، فاسألوه و تعلموا منه و من أوصيائه بعده.

و في احتجاج الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام على الجماعة المنكرين فضله و فضل أبيه بحضرة معاوية، قال عليه السلام : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال في حجة الوداع أيها الناس! إني تركت فيكم ما لم تضلوا بعدي : كتاب الله و عترتي أهل بيتي، ثم قال : و المعول علينا في تفسيره.

و في الكافي – في باب بعد باب الإسلام قبل الإيمان – عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن أناساً تكلموا في هذا القرآن بغير علم، و ذلك إن الله تبارك تعالى يقول : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم ..... الآية) فالمنسوخات من المتشابهات والمحكمات من الناسخات.

و في أول كتاب الروضة من الكافي : محمد بن يعقوب الكليني قال : حدثني علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله عليه السلام و عن محمد بن إسماعيل بن بزيع،عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر،عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه و أمر بمدارستها و النظر فيها و تعاهدها و العمل بها، و كانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

قال : و حدثني الحسن بن محمد عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن إسماعيل بن مخلد السراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خرجت هذه الرسالة عن أبي عبد الله عليه السلام إلى أصحابه. و هذه الرسالة الشريفة طويلة بأجمعها مذكورة في الروضة نحنن ننقل منها موضع الحاجة.

قال عليه السلام : أيتها العصابة المرحومة المفلحة! إن الله عز و جل أتم لكم ما أتاكم من الخير، و اعلموا أنه ليس من علم الله و لا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى و لا رأي و لا مقائيس، قد أنزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شيء، و جعل للقرآن و تعلم القرآن أهلاً لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى و لا رأي و لا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه و خصهم به و وضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها، و هم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم، و هم الذين من سألهم – و قد سبق في علم الله أن يصدقهم و يتبع أثرهم – أرشدوه و أعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه و إلى جميع سبل الحق، و هم الذين لا يرغب عنهم و عن مسألتهم و عن علمهم الذي أكرمهم الله به و جعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الأظلة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر  الذين آتاهم الله علم القرآن و وضعه عندهم و أمر بسؤالهم، و أولئك الذين يأخذون بأهوائهم و آرائهم و مقائيسهم حتى دخلهم الشيطان، لأنهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، و حتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الأمر حراماً و جعلوا ما حرم الله في كثير من الأمر حلالاً، فذلك أصل ثمرة أهوائهم، و قد عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه و آله قبل موته، فقالوا : نحن بعد ما قبض الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و آله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد ما قبض الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و آله و بعد عهده الذي عهده إلينا و أمرنا به مخالفاً لله و رسوله صلى الله عليه و آله فما أحد أجرأ على الله و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك و زعم أن ذلك يسعه! و الله إن الله على خلقه أن يطيعوه و يتبعوا أمره في حياة محمد صلى الله عليه و آله و بعد موته، هل يستطيع أولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحداً ممن أسلم مع محمد صلى الله عليه و آله أخذ بقوله و رأيه و مقائيسه؟

فإن قال : نعم فقد كذب على الله و ضل ضلالاً بعيداً، و إن قال : لا لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه و هواه و مقائيسه فقد أقر بالحجة على نفسه و هو ممن يزعم أن الله يطاع و يتبع أمره بعد قبض رسول الله صلى الله عليه و آله. و قد قال الله عز و جل و قوله الحق : (و ما محمد إلا سول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين) و ذلك لتعلموا أن الله يطاع و يتبع أمره في حياة محمد صلى الله عليه و آله و بعد قبض الله محمداً صلى الله عليه و آله و كما لم يكن لأحد من الناس مع محمد صلى الله عليه و آله أن يأخذ هواه و لا أيه و لا مقائيسه خلافاً لأمر محمد صلى الله عليه و آله فكذلك لم يكن لأحد من بعد محمد صلى الله عليه و آله أن يأخذ بهوه و لا رأيه و لا مقائيسه انتهى ما أردنا نقله من الرسالة الشريفة.

و أقول : يستفاد من هذه الرسالة الشريفة أربعة مطالب :

أحدها : أن علم القرآن و انتزاع الأحكام النظرية منه من خواصهم عليهم السلام.

و ثانيها : أن حجية الإجماع من تدابير العامة و اختراعاتهم.

و ثالثها : أن بناء الفتاوى على الرأي – أي الاجتهاد الظني – غير جائز.

و رابعها : أن من خالف في فتواه ما أنزل الله فقد ضل ضلالاً بعيداً. فاعتبوا يا أولي الألباب.

و منها ما في أواخر كتاب الروضة من الكافي أحمد بن محمد، عن سعيد بن المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن أبيه قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام – و رواها غيره بغير هذا الإسناد، و ذكر أنه خطب بذي قار – و الخطبة الشريفة بطولها مذكورة في الروضة و نحن ننقل منها موضع الحاجة :

ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق و لا أظهر من الباطل و لا أكثر من الكذب على الله و رسوله صلى الله عليه و آله و ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته و لا سلعة أنفق بيعاً و لا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرف عن مواضعه، فالكتاب و أهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس و ليسوا فيهم و معهم و ليسوا معهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه و لم يعرفوا الناس و ليسوا فيهم و معهم و ليسوا معهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه و لم يعرفوا من الكتاب إلا خطه. و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، و لن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، و لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، و لن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، و لن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع و التكلف و رأيتم الفرية على الله و رسوله و التحريف لكتابه و رأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون. إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه فعلم بالعلم جهله و بصر به عماه و سمع به صممه و أدرك به علم ما فات و حي به بعد إذ مات و أثبت عند الله عن ذكره الحسنات و محى به السيئات و أدرك به رضواناً من الله تراك و تعالى، فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة، فإنهم خاصة نور يستضاء بهم و أئمة يقتدى بهم، و هم عيش العلم و موت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون للدين و لا يختلفون في، فهو بينهم شاهد صادق و صامت ناطق، فهم من شأنهم شهداء بالحق و مخبر صادق لا يخالفون الحق و لا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله سابقة و مضى فيهم من الله عز وجل حكم صادق، و في ذلك ذكرى للذاكرين، فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية و لا تعقلوه عقل رواية، فإن رواة الكتاب كثير و رعاته قليل، و الله المستعان.

و في كتاب المحاسن – في باب أنزل الله في القرآن تبياناً لكل شيء – عنه، عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالة : و أما ما سألت من القرآن فذلك أيضاً من خطراتك المتفاوتة المختلفة، لأن القرآن ليس على ما ذكرت و كل ما سمعت فمعناه غير ما ذهبت إليه، و إنما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يتلونه حق تلاوته و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه، فأما غيرهم فما أشد استشكاله عليهم و أبعده من مذاهب قلوبهم! و لذلك قال رسول الله صلى الله عليه و آله : (إنه ليس شيء بأبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن) و في ذلك تحير الخلائق أجمعون إلا من شاء الله، و إنما أراد الله بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه و صراطه، و أن يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن أمره، و أن يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم، ثم قال : (و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فأما عن غيرهم فليس يعلم ذلك أبداً و لا يوجد، و قد علمت أنه لا يستقيم أن يكون الخلق كلهم ولاة الأمر، إذاً لا يجدون من يأتمرون عليه و لا من يبلغونه أمر الله و نهيه، فجعل الله الولاة خواص ليقتدى بهم من لم يخصصهم بذلك، فافهم ذلك إن شاء الله تعالى. و إياك و تلاوة القرآن برأيك! فإن الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الأمور و لا قادرين عليه و لا على تأويله إلا من حده و بابه الذي جعله الله له، فافهم إن شاء الله تعالى و اطلب الأمر من مكانه تجده إن شاء الله تعالى.

و في كتاب المحاسن – في باب المقائيس و الرأي – عنه، عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالة إلى أصحاب الرأي و المقائيس :

أما بعد، فإن من دعا غيره إلى دينه بالارتياء و المقائيس لم ينصف و لم يصب حظه، لأن المدعو إلى ذلك لا يخلو أيضاً من الإرتياء و المقائيس، و متى ما لم يكن بالداعي قوة في دعائه على المدعو لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعو بعد قليل، لأنا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقاً لمعلم و لو بعد حين، و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه إلى رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون، و لو كان ذلك عند الله جائزاً لم يبعث الرسل بما فيه الفصل و لم ينه عن الهزل و لم يعب الجهل، و لكن الناس لما سفهوا الحق و غمطوا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك دون رسله و القوام بأمره و قالوا : لا شيء غلا ما أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا فولاهم الله ما تولوا و أهملهم و خذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون، و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم يبعث الله إليهم فاصلاً لما بينهم و لا زاجراً عن وصفهم، و إنما استدللنا أن رضا الله غير ذلك ببعثه الرسل بالأمور القيمة الصحيحة و التحذير عن الأمور المشكلة المفسدة، ثم جعلهم أبوابه و صراطه و الأدلاء عليه بأمور محجوبة عن الرأي و القياس. فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لم يزدد من الله إلا بعداً و لم يبعث رسولاً قط و إن طال عمره قابلاً من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعاً مرة و تابعاً أخرى، و لم ير أيضاً فيما جاء به استعمل رأياً و لا مقياساً حتى يكون ذلك واضحاً عنده كالوحي من الله. و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجى أن أصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون، و إنما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل. فإياك أيها المستمع أن تجمع عليك خصلتين : إحداهما القذف بما جاش به صدرك و إتباعك لنفسك إلى غير قصد و لا معرفة حد، و الأخرى استغناؤك عما فيه حاجتك و تكذيبك لمن إليه مردك، و إياك و ترك الحق سأمة و ملالة و انتجاعك الباطل جهلاً و ضلالة، لأنا لم نجد تابعاً لهواه جائراً عما ذكرنا قط رشيداً، فانظر في ذلك.

أقول : غير خاف على اللبيب أن خلاصة ما ذكره عليه السلام جارية في مطلق الاستنباطات الظنية سواء كانت من باب القياس و الاستحسان و الاستصحاب أصالة البراءة من الأحكام الشرعية، أو من باب غيرها من المدارك التي اعتبرتها العامة و جماعة من الخاصة.

و من أعجب العجائب! أن شيخنا الشهيد رحمه الله ذكر في كتاب الذكرى : أن أصالة البراءة تفيد القطع و اليقين مع أنها لا تفيد الظن على مذهب أهل الحق، و هو أنه لم تخل واقعة عن حكم قطعي وارد من الله تعالى. فاعتبروا يا أولي الأبصار!

و في الكافي – في باب اختلاف الحديث – عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن ابان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال : قلت لأمير المؤمنين عليه السلام : إني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئاً من تفسير القرآن و أحاديث عن النبي صلى الله عليه و آله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و آله أنتم تخالفوهم فيها، و تزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه و آله متعمدين و يفسرون القرآن بآرائهم؟ قال : فأقبل علي فقال : قد سألت فافهم الجواب :

إن في أيدي الناس حقاً و باطلاً و صدقاً و كذباً و ناسخاً و منسوخاً و عاماً و خاصاً و محكماً و متشابهاً و حفظاً و وهماً، و قد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله على عهده حتى قام خطيباً فقال : (أيها الناس! قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ثم كذب عليه من بعده. و إنما آتاكم الحديث من أربعة، ليس لهم خامس :

رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم و لا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله متعمداً، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه و لم يصدقوه، و لكنهم قالوا : هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه و آله و رآه و سمع منه و أخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، و قد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم، فقال عز و جل : (و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم) ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان فولوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا، و إنما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله شيئاً لم يحمله على وجهه و وهم فيه و لم يتعمد كذباً، فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه و يقول : أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، و لو علم هو أنه وهم لرفضه.

و رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً أمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله مبغض للكذب خوفاً من الله و تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه و آله لم ينسه، بل حفظ  ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه و علم الناسخ والمنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإن أمر النبي صلى الله عليه وآله مثل القرآن ناسخ و منسوخ و خاص و عام و محكم و متشابه قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه و آله الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاص مثل القرآن و قال الله عز و جل في كتابه : (ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا) فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى الله به و رسوله عليه السلام و ليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله و لا يستفهمه حتى أن كانوا يحبون أن يجيء الأعرابي و الطارئ فيسأل رسول الله صلى الله عليه و آله حتى يسمعوا. و قد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه و آله كل يوم دخلة و كل ليلة دخله فيخليني فيها أدور معه حيث دار، و قد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله أكثر ذلك في بيتي و كنت إذا دخلت عليه ببعض منازله أخلاني و أقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عن فاطمة و لا أحد من بني. و كنت إذا سألته أجابني و إذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و آله آية من القرآن إلا أقرأنيها و أملاها علي فكتبتها بخطي، و علمني تأويلها وتفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها و خاصها و عامها، و دعا الله عز و جل أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب الله و لا علماً أملاه علي و كتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال و لا حرام و لا أمر و لا نهي كان أو يكون و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه و حفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدري و دعا الله لي أن يملأ قلبي علماً و فهماً و حكماً و نوراً، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت و أمي! منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً و لم يفتني شيء لم أكتبه، أفتتخوف علي النسيان و الجهل فيما بعد؟ فقال : لا لست أتخوف عليك النسيان و الجهل.

و من كلامه عليه السلام المذكور في نهج البلاغة – و قد سأله سائل عن أحاديث البدع و عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر – فقال عليه السلام : إن في أيدي الناس حقاً و باطلاً و صدقاً وكذباً و ناسخاً و منسوخاً و خاصاً و محكماً و متشابهاً و حفظاً و وهماً، و قد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله على عهده حتى قام خطيباً فقال : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) و إنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس إلى آخر ما مر نقله من الكافي.

و في كتاب المجالس لابن بابويه حدثنا محمد بن المتوكل قال : حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه قال : حدثنا أبي عن الريان بن الصلت، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قال الله عز وجل :  ما آمن بي من فسر برأيه كلامي و ما عرفني من شبهني بخلقي و ما على ديني من استعمل القياس في ديني.

و في كتاب المحاسن للبرقي – في باب أنزل الله القرآن تبياناً لكل شيء – عنه قال : حدثني مرسلاً قال : قال أبو جعفر عليه السلام : عن القرآن شاهد الحق و محمد صلى الله عليه و آله لذلك مستقر، فاتقوا الله فإن الله قد أوضح لكم أعلام دينكم و منار هداكم، فلا تأخذوا أمركم بالوهن و لا أديانكم هزواً فتحدض أعمالكم و تخطئوا سبيلكم، و لا تكونوا أطعتم الله ربكم أثبتوا على القرآن الثابت، و كونوا في حزب الله تهتدوا و لا تكونوا في حزب الشيطان فتضلوا، يهلك من هلك و يحيى من حي، و على الله البيان، بين لكم فاهتدوا، و بقول العلماء فانتفعوا، و السبيل في ذلك كله إلى الله، فمن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

و في كتاب الكافي – في باب الاضطرار إلى الحجة – علي بن إبراهيم عن أبيه، عمن ذكره، عن يونس بن يعقوب قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال : إني رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : كلامك من كلام رسول الله أو من عندك؟ فقال : من كلام رسول الله صلى الله عليه و آله و من عند، فقال أبو عبد الله عليه السلام : فأنت إذاً شريك رسول الله صلى الله عليه و آله؟ قال : لا، قال : فسمعت الوحي عن الله عز وجل يخبرك؟ قال : لا، قال : فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال : لا، فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلي فقال : يا يونس بن يعقوب هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم، ثم قال : يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته، قال يونس : فيا لها من حسرة! فقلت : جعلت فداك! إنس سمعتك تنهى عن الكلام و تقول : ويل لأصحاب الكلام! يقولون : هذا ينقاد و هذا لا ينقاد و هذا ينساق و هذا لا ينساق و هذا نعقله، و هذا لا نعقله فقال أبو عبد الله عليه السلام : إنما قلت : فويل لهم إن تركوا ما أقول و ذهبوا إلى ما يريدون. ثم قال لي : اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله، قال : فأدخلت حمران بن أعين و كان يحسن الكلام و أدخلت الأحول و كان يحسن الكلام و أدخلت هشام بن سالم و كان يحسن الكلام و أدخلت قيس بن الماصر و كان عندي أحسنهم كلاماً و كان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين عليه السلام فلما استقر بنا المجلس و كان أبو عبد الله عليه السلام قبل الحج يستقر أياماً في جبل في طرف الحرم في فازة له مضروبة، قال : فأخرج أبو عبد الله عليه السلام رأسه من فازته فإذا هو ببعير يخب فقال : هشام و رب الكعبة! قال : فظننا أن هشاماً رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة له، قال : فورد هشام بن الحكم و هو أول ما اختطت لحيته و ليس فينا إلا من هو أكبر منه سناً، قال : فوسع له أبو عبد الله و قال : ناصرنا بقلبه و لسانه و يده، ثم قال : يا حمران كلم الرجل، فكلمه فظهر عليه حمران، ثم قال : يا طاقي كلمه، فكلمه فظهر عليه الأحول، ثم قال : يا هشام بن سالم كلمه فتعارفا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام لقيس الماصر : كلمه فكلمه فأقبل أبو عبد الله عليه السلام يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي، فقال للشامي : كلم هذا الغلام – يعني هشام – بن الحكم – فقال : نعم، فقال لهشام : يا غلام سلني في إمامة هذا، فغضب هشام حتى ارتعد! ثم قال للشامي : يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟ فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه، قال : ففعل بنظره لهم ماذا؟ قال : أقام لهم حجة و دليلاً كيلا يتشتتوا أو يختلفوا يتألفهم و يقيم أودهم و يخبرهم بفرض ربهم، قال : فمن هو؟ قال رسول الله صلى الله عليه و آله قال هشام : فبعد رسول الله من؟ قال : الكتاب و السنة، قال هشام : فهل ينفعنا اليوم الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا؟ قال الشامي : نعم، قال : فلم اختلفت أنا و أنت و صرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك؟ قال : فسكت الشامي، فقال أبو عبد الله عليه السلام للشامي : ما لك لا تتكلم؟ قال الشامي : إن قلت لم نختلف كذبت و إن قلت أن الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه، و إن قلت قد اختلفنا و كل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذاً الكتاب و السنة إلا أن لي هذه الحجة. فقال أبو عبد الله عليه السلام : سله تجده ملياً، فقال الشامي : يا هذا من أنظر لخلقه أربهم و أنفسهم؟ فقال هشام : ربهم أنظر لهم منهم لأنفسهم فقال الشامي : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يقيم أودهم و يخبرهم بحقهم من باطلهم؟ قال هشام : في وقت رسول الله صلى الله عليه وآله أو الساعة؟ قال الشامي : في وقت رسول الله صلى الله عليه و آله و الساعة من؟ فقال هشام : هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء و راثة عن أب عن جد، فقال الشامي : فكيف لي أن أعلم ذلك؟ قال هشام : سله عما بدا لك، قال الشامي : قطعت عذري فعلي السؤال. فقال أبو عبد الله عليه السلام : يا شامي، خبرك كيف كان سفرك و كيف كان طريقك؟ كان كذا و كذا، فأقبل الشامي يقول : صدقت أسلمت لله الساعة، فقال ابو عبد الله عليه السلام بل آمنت بالله الساعة، إن الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون و الإيمان عليه يثابون فقال الشامي : صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله و أنك وصي الأوصياء.

ثم لتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى حمران فقال : تجري الكلام على الأثر فتصيب، و التفت على هشام بن سالم فقال : تريد الأثر و لا تعرفه، ثم التفت إلى الأحول فقال : قياس رواغ تكسر باطلاً بباطل غلا أن باطلك أظهر، ثم التفت إلى قيس الماصر فقال : تتكلم و أقرب ما تكون من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و آله أبعد ما تكون منه، تمزج الحق مع الباطل و قليل الحق يكفي عن كثير الباطل، أنت و الأحول قفازان حاذقان. قال يونس : فظننت و الله أنه يقول لهشام قريباً مما قال لهما. ثم قال يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذ هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس، فاتق الزلة و الشفاعة من ورائها، إن شاء الله تعالى.

و في كتاب اختيار الشيخ من رجال الكشي – قدس الله سرهما – حدثني محمد بن مسعود، قال : حدثني علي بن محمد بن بريد القمي، قال : حدثني محمد بن أحمد بن يحيى، قال : حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن هشام، قال : حدثني محمد بن حماد عن الحسن بن إبراهيم، قال : حدثني يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، عن هشام بن سالم قال : كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من أصحابه فورد رجل من أهل الشام فاستأذن فأذن له فلما دخل سلم، فأمره أبو عبد الله عليه السلام بالجلوس ثم قال له : حاجتك أيها الرجل؟ قال : بلغني أنك عالم بكل ما تسأل عنه فصرت إليك لأناظرك، فقال أبو عبد الله عليه السلام – بعد كلام طويل - : يا أخا أهل الشام إن الله أخذ ضغثاً من الحق و ضغثاً من الباطل فمغثهما ثم أخرجهما إلى الناس، ثم بعث أنبياء يفرقون بينهما ففرقهما الأنبياء و الأوصياء، فبعث الله الأنبياء ليفرقوا ذلك، و جعل الأنبياء قبل الأوصياء ليعلم الناس من يفضل الله و من يختص، و لو كان الحق على حدة و الباطل على حدة كل واحد منهما قائم بشأنه ما احتاج الناس إلى نبي ول ا وصي، و لكن الله خلطهما و جعل تفريقهما إلى الأنبياء و الأئمة من عباده، فقال الشامي : قد أفلح من جالسك.

و في الكافي – في باب الضلال – علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن هاشم صاحب البريد، قال أبو عبد الله عليه السلام : أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا.

و في باب (القوم يجتمعون على الصيد و هم محرومون) علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى جميعاً، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان الجزاء بينهما و على كل واحد منهما جزاء؟ فقال : لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد، قلت : إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال : إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا.

علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن بن الحجاج مثله. ور واه رئيس الطائفة في التهذيب بسند آخر.

و في باب (من مات و ليس له إمام من أئمة الهدى عليهم السلام) مسنداً عن المفضل بن عمر قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله تعالى البتة إلى العناد، و من ادعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك، و ذلك الباب المأمون على سر الله المكنون.

أقول : قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن المشرك قسمان : أحدهما من قال بشريك له تعالى في العبادة و الآخر من قال بشريك له تعالى في الطاعة بأن يقلده فيما يحل و يحرم، و الظاهر أن المراد في هذا المقام و في نظائره الثاني.

و في كتاب المحاسن للبرقي – في باب الأهواء – عنه عن أبيه رحمه الله عن القاسم بن محمد الجوهري، عن حبيب الخثعمي و النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن حبيب قال : قال لنا أبو عبد الله عليه السلام : ما أحد أحب إلى منكم، إن الناس سلكوا سبلاً شتى : منهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و إنكم أخذتم بأمر له أصل.

و في حديث آخر لحبيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الناس أخذوا هكذا و هكذا، فطائفة أخذوا بأهوائهم، و طائفة قالوا بآرائهم، و طائفة قالوا بالرواية، و إن الله تعالى هداكم لحبه و حب من ينفعكم حبه عنده.

أقول : المراد من الهواء أن يفتي بشيء من غير أن يتمسك بدليل ظني عليه.

و المراد من الرأي أن يفتي بشيء متمسكاً بدليل ظني.

و في الكافي – في باب أصناف الناس – علي بن محمد، عن سهل بن زياد و محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمن حدثه ممن يوثق به قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : إن الناس آلوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ثلاثة : آلوا إلى عالم على (سبيل) هدى من الله قد أغناه الله بما علم عن علم غيره، و جاهل مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا و فتن غيره، و متعلم من عالم على سبيل هدى من الله و نجاة، ثم هلك من ادعى و خاب من افترى.

الحسين بن محمد الأشعري عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الناس ثلاثة : عالم و متعلم و غثاء.

علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول :" يغدوا الناس على ثلاثة أصناف : عالم و متعلم و غثاء، فنحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء.

أقول : هذه الأحاديث صريحة في انحصار الناس في ثلاثة بعده صلى الله عليه و آله أصحاب العصمة عليهم السلام و من التزم أن يأخذ كل مسألة يجوز الخطأ فيها عادة من العقائد و الأعمال منهم عليهم السلام و من التزم أن يأخذ كل مسألة يجوز الخطأ فيها عادة من العقائد و الأعمال منهم عليهم السلام و من لا يكون لا هذا و لا ذاك، و صريحة في أن القسم الثلاث مردود، فانظر و تدبر في أن من يتمسك في الاعتقادات بالمقدمات العقلية القطعية بزعمه و في الأعمال بالخيالات الظنية بزعمه – كأصالة البراءة من الأحكام الشرعية، و كاستصحاب الحكم بالسابق على الحالة الطارئة، و كالعمومات و الإطلاقات مع احتمال أن تكون مخصصة أو مقيدة في الواقع أو بغير ذلك من الأدلة المفيدة للظن بزعمه – دخل في أي الأقسام الثلاثة؟ و لا تكن من المعاندين، و التكلان على التوفيق.

و في باب (ثواب العالم و المتعلم) محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الذي يعلم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلم و له الفضل عليه، فتعلموا العلم من حملة العلم و علموه إخوانكم كما علمكموه العلماء.

و في باب (صفة العلم و فضله و فضل العلماء) محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن العلماء ورثة الأنبياء، و ذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً و لا ديناراً و إنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.

علين بن محمد عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكون، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : لا خير في العيش إلا لرجلين : عالم مطاع و مستمع واع.

محمد بن الحسن و علي بن محمد عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه و آله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال : ما هذا؟ فقيل : علامة، فقال و ما العلامة؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها و أيام الجاهلية و الأشعار العربية، قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه، ثم قال النبي صلى الله عليه و آله : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، و ما خلاهن فهو فضل.

و روى محمد بن يعقوب الكليني و رئيس الطائفة قدس الله سرهما بسندهما عن ضمرة بن أبي ضمرة، عن أبيه، عن جده قال قال أمير المؤمنين عليه السلام : أحكام المسلمين على ثلاثة : شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى.

أقول : معنى هذا الحديث : أن اختلاف المتخاصمين عند القاضي إما ناش من الجهل بحكم الله، أو ناش من ذكر أحدهما قضية شخصية و إنكار الآخر إياها، فعلى الأول جواب القاضي أن يأتي بحديث عن أئمة الهدى، و على الثاني جوابه طلب الشاهد من الدعي أو طلب اليمين من المنكر.

و في كتاب الشيخ العالم الورع الصدوق أبي عمرو محمد بن عبد العزيز الكشي رحمه الله محمد بن مسعود قال حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب، قال : حدثني العمركي، قال : حدثني أحمد بن شيبة، عن يحيى بن المثنى، عن علي بن الحسن و زياد، عن حريز قال : دخلت على أبي حنيفة و عنده كتب كادت تحول فيما بيننا و بينه، فقال لي : هذه الكتب كلها في الطلاق قال، قلت : نحن نجمع هذا كله في حرف، قال : ما هو؟ قال، قلت : قوله تعالى : (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن و أحصوا العدة) فقال لي : و أنت لا تعلم شيئاً إلا برواية؟ قلت : أجل، قال لي : ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته ألف درهم فأدى تسعمائة و تسعة و تسعين درهماً ثم أحدث – يعني الزنا – فكيف نحده؟ فقلت : عندي بعينها حديث حدثني محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام : أن علياً كان يضرب بالسوط و بثلثه و بنصفه و ببعضه و بقدر أدائه. فقال لي : ما لي لا أسألك عن مسألة لا يكون فيها شيء، فما تقول في جمل أخرج من البحر؟  فقلت : إن شاء الله (فليكن جملاً و إن شاء) فليكن بقرة إن كانت عليه فلوس أكلناه، و إلا فلا.

و اعلم أن انحصار طريق العلم بنظريات الدين في الرواية عنهم عليهم السلام و عدم جواز التمسك في العقائد التي يجوز الخطأ فيها عادة بالمقدمات العقلية و في الأعمال بالاستنباطات الظنية من كتاب الله أو من سنة رسوله أو من الاستصحاب أو من البراءة الأصلية عن الأحكام الشرعية أو من القياس أو من إجماع المجتهدين و أشباهها، كان من شعار متقدمي أصحابنا أصحاب الأئمة عليهم السلام حتى صنفوا في ذلك كتباً، و من الكتب المصنفة في ذلك (كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد) ذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن علي بن إسحاق.

و من الموضحات لما ذكرناه ما رواه رئيس الطائفة بسنده عن خراش، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت : جعلت فداك! إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال : ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه.

قلت : جماعة من متأخري أصحابنا قالوا : هذه الرواية متروكة الظاهر من حيث تضمنها سقوط الاجتهاد بالكلية.

و أنا أقول : هي محمولة على ظاهرها، ومعناها سقوط الاجتهاد في نفس أحكام الله تعالى بالكلية فكأنه عليه السلام قال : إن الجاهل بحكم الله في مسألة الإطباق لا يحتاج على أن يجتهد فيها، بل له مندوحة عن ذلك و هي سلوك طريق التوقف و الاحتياط كما تواترت به الأخبار عنهم عليهم السلام في كل مسألة لم يكن حكم الله فيها بيناً واضحاً.

و في الكافي – في باب سؤال العالم و تذاكره – علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر الأحول، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقهوا و يعرفوا إمامهم، و يسعهم أن يأخذوا بما يقول و إن كان تقية.

أقول : هذا الحديث الشريف و نظائره صريحان في أنه يجوز للرعية أن تعتمد على قول إمامه في العقائد أيضاً، كمسألة القضاء و القدر.

محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة و محمد بن مسلم و بريد العجلي قالوا : قال أبو عبد الله عليه السلام لحمران بن أعين في شيء – سأله : غنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون.

و في كتاب الكافي – في باب نص الله عز و جل و رسوله على الأئمة عليهم السلام واحداً فواحداً – أحاديث صريحة فيما نحن بصدد بيانه، من تلك الجملة قال النبي صلى الله عليه و آله : إن تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا : كتاب الله عز و جل و أهل بيتي عترتي، أيها الناس اسمعوا و قد بلغت، إنكم ستردون علي الحوض فأسألكم عما فعلتم في الثقلين، و الثقلان : كتاب الله جل ذكره و أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتهلكوا و لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، فوقعت الحجة بقول النبي صلى الله عليه و آله و بالكتاب الذي يقرأه الناس. فلم يزل يلقي فضل أهل بيته بالكلام و بين لهم بالقرآن، قال جل ذكره : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قال : الكتاب (هو) الذكر، و أهله آل محمد عليهم السلام أمر الله عز و جل بسؤالهم و لم يؤمروا بسؤال الجهال، و سمى الله عز و جل القرآن ذكراً، فقال تبارك و تعالى : (و أنزلنا غليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). و قال عز و جل ( و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون) و قال عز و جل : (و لو ردوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فرد الأمر – أمر الناس – إلى أولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم و بالرد إليهم.

و في الكافي في باب (معرفة الإمام و الرد إليه) : عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : أبى الله أن تجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً و جعل لكل سبب شرحاً و جعل لكل شرح علماً و جعل لكل علم باباً ناطقاً عرفه من عرفه و جهله من جهله ذاك رسول الله صلى الله عليه و آله و نحن.

و في الكافي – في باب أن الأئمة عليهم السلام هم الهداة – عدة من أصحابنا عن أحمد ابن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد و فضالة بن أيوب، عن موسى ابن بكر، عن الفضيل بن يسار قال : سالت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : (و لكل قوم هاد) فقال كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم.

و عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل : (إنما أنت منذر و لكل قوم هاد) فقال : رسول الله صلى الله عليه و آله المنذكر، و لكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله، ثم الهداة من بعده علي ثم الأوصياء واحد بعد واحد.

و في الكافي روايات مذكورة في تفسير قوله عز و جل : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) و في تفسير قوله تعالى : (إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون).

منها : رواية فضيل عن أبي عبد الله عليه السلام : الذكر القرآن، و نحن قومه ونحن المسئولون.

و منها : رواية الوشاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سمعته يقول : قال علي بن الحسين عليه السلام : على الأئمة من الفرض ما ليس على شيعتهم، و على شيعتنا ما ليس علينا، أمرهم الله عز وجل أن يسألوا قال : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فأمرهم أن يسألونا، و ليس علينا الجواب، إن شئنا أبنا و إن شئنا أمسكنا.

و منها : رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : كتبت إلى الرضا عليه السلام كتاباً فكان في بعض ما كتبت قال الله عز و جل : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) و قال الله عز وجل : (و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون) فقد فرضت عليهم المسألة و لم يفرض عليكم الجواب؟ قال، قال الله تعالى : (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم و من أضل ممن اتبع هواه).

و أنا أقول : مضمون هذه الرواية الشريفة متواتر معنى. و ما اشتهر في كتب العامة و كتب أصول الخاصة : من أنه لا يجوز تأخير البيان – كما هو الواقع – عن وقت الحاجة إنما يتجه على مذهب العامة، حيث قالوا بعده صلى الله عليه و آله لم تقع فتنة انتهت إلى إخفاء بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه و آله فذكره في كتب أصول الخاصة من باب العجلة و قلة التأمل في أسرار المسألة.

و من المعلوم : أن هذه الرواية الشريفة المتواترة معنى و كل فتوى واردة منهم عليهم السلام في باب التقية ناطقة ببطلان تلك القاعدة الأصولية، و كم من قاعدة أصولية أبطلناها بأحاديث متواترة عن العترة الطاهرة عليهم السلام. و الله ولي التوفيق.

لا يقال : البيان من باب التقية نوع من البيان، لأنا نقول أولاً : معنى القاعدة بيان ما هو الواقع. و ثانياً : أنه قد لم يرد عنهم عليهم السلام جواب أصلاً.

لا يقال : فيلزم الحرج حينئذ على شيعتهم. لأنا نقول : طريق الاحتياط مسلك واسع و الناس ملهمون برعايته عند حيرتهم في كل ما يهتمون به.

و في كتاب بصائر الدرجات لعمدة المحدثين محمد بن الحسن الصفار قدس سره روايات ناطقة بما نحن بصدده – في باب أن الأئمة عليهم السلام عندهم أصول العلم ورثوه عن رسول الله صلى الله عليه و آله و لا يقولون برأيهم – من تلك الجملة :

يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : لو حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، و لكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه صلى الله عليه و آله فبينها لنا.

أقول : إذا كان الاعتماد على الرأي أي الظن مفضياً إلى الخطأ من أصحاب العصمة فيكون في غيرهم بالطريق الأولى مفضياً إلى الخطأ و الضلالة.

و في كتاب المجالس لابن بابويه : حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله، قال : حدثنا سلمة بن الخطاب، قال : حدثنا أبو طاهر محمد بن تسنيم الوراق، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لأصحابه معاشر أصحابي! إن الله جل جلاله يأمركم بولاية علي بن أبي طالب و الاقتداء به، فهو وليكم و إمامكم من بعدي، لا تخالفوه فتكفروا و لا تفارقوه فتضلوا، إن الله جل جلاله جعل علياً علماً بين الإيمان و النفاق، فمن أحبه كان مؤمناً ومن أبغضه كان منافقاً، إن الله جل جلاله جعل علياً وصيي و منار الهدى بعدي، فهو موضع سري و عيبة علمي و خليفتي في أهلي، على الله أشكو ظالميه من أمتي و صلى الله على رسوله محمد و آله الطاهرين و سلم كثيراً.

حدثنا أبي، قال : حدثنا سعد بن عبد الله، قال : حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال : حدثنا علي بن أسباط، قال : حدثنا علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه قال : يا أبا بصير نحن شجرة العلم و نحن أهل بيت النبي و في دارنا مهبط جبرائيل و نحن خزان الله و نحن معادن وحي الله، و من تبعنا نجا و من تخلف عنا هلك حقاً على الله عز و جل.

و من خطب أمير المؤمنين عليه السلام المنقولة في كتاب نهج البلاغة : و ناظر قلب اللبيب به يبصر أمده و يعرف غوره، و نجده داع دعا و راع رعى، فاستجيبوا للداعي و اتبعوا الراعي، قد خاضوا بحار الفتن و أخذوا بالبدع دون السنن، و أرز المؤمنون و نطق الضالون المكذبون، نحن الشعار و الأصحاب و الخزنة و الأبواب، و لا تؤتى البيوت على من أبوابها، فمن أتاها من غير بابها سمي سارقاً.

أقول : المراد من (الداعي) سيد المرسلين، ومن (الراعي) أمير المؤمنين صلى الله عليهما و على أولادهما الطاهرين.

و أقول : من المعلوم أنه لم يرد منهم عليهم السلام إذن في التمسك في نفس أحكامه تعالى أو نفيها بالاستصحاب أو بالبراءة أو بظواهر كتاب الله أو بظواهر سنة نبيه صلى الله عليه وآله من غير معرفة ناسخها من منسوخهما و عامهما من خاصهما و مقيدهما من مطلقهما و مأولهما من غير مأولهما من جهتهم عليهم السلام فمن تمسك بتلك الأمور كان سارقاً. و هذا بعد التنزل عن الأحاديث الناطقة بأنهم منعوا عن ذلك.

و في الكافي – في باب تذاكر الإخوان – محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم و ذكراً لأحاديثنا، و أحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم و نجوتم و إن تركتموها ظللتم و هلكتم، فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعيم.

و في الكافي – في باب دعائم الإسلام – علي بن إبراهيم، عن أبيه و عبد الله بن الصلت جميعاً، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : بني الإسلام على خمسة أشياء، ثم قال : ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز و جل يقول : (من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أما لو أن رجلاً قام ليله و صام نهاره، و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان. و الحديث الشريف طويل نقلنا منه موضع الحاجة.

و في كتاب المحاسن للبرقي – في باب الشرائع – عنه عن أبي طالب، عن عبد الله بن الصلت، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال : بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية، و الولاية أفضلهن لأنها مفتاحهن و الوالي هو الدليل عليهن. قال : ثم قال : ذروة الإسلام و سنامه و مفتاحه وباب الأشياء و رضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله تعالى يقول : (من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أما لو أن رجلاً قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثواب و لا كان من أهل الإيمان. ثم قال : أولئك المحسن منهم يدخله الله في الجنة بفضل رحمته.

و في الكافي – في باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة عليهم السلام – أحاديث ناطقة بما نحن بصدده :

منها : قال أبو جعفر عليه السلام لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة : شرقا و غربا فلا تجدان علماً صحيحاً غلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت. ما قال الله للحكم : (و إنه لذكر لك و لقومك) فليذهب الحكم يميناً و شمالاً، فو الله لا يؤخذ العلم غلا من أهل البيت نزل عليهم جبرائيل عليه السلام.

و في كتاب الاحتجاج للطبرسي – في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على المهاجرين و الأنصار حكاية عن النبي صلى الله عليه و آله – أيها الناس! علي بن أبي طالب فيكم بمنزلتي، فقلدوه دينكم و أطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده جميع ما علمني الله عز و جل من علمه و حكمه، فاسألوه و تعلموا منه ومن أوصيائه بعده.

 

الوجه الحادي عشر

أن نقول : ذهبت العامة إلى العمل بالظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بعدمها، و على دوام العمل يظنون أربعة من مجتهديهم دون غيرهم من المجتهدين الأقدمين . و العلامة و من وافقه من أصحابنا وافقوا العامة في المقام الأول و خالفوهم في المقام الثاني، فقالوا قول الميت – أي ظنه – كالميت و يلزم الفريقين أحد الأمرين : إما القول بأن مظنونات المجتهدين ليست من شريعة نبينا صلى الله عليه و آله و إما القول بأن حلالها و حرامها لا يستمران إلى يوم القيامة، و قد تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه صلى الله عليه و آله حرام إلى يوم القيامة بل هذا من أجلى ضروريات الدين.

 

الوجه الثاني عشر

إنهم صرحوا بأن محل الاجتهاد مسألة لم تكن من ضروريات الدين و لا من ضروريات المذهب و لم تكن لله دلالة قطعية عليها. و نحن قد أثبتنا أن الله عز وجل في كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة حكماً معيناً و دليلاً قطعياً عليه، و أن كل الأحكام و الدلالات القطعية عليها – أي النصوص الصريحة فيها – محفوظ عند معادن وحي الله و خزان علمه و الناس مأمورون بطلبها من عندهم عليهم السلام.

 

فائدة

الإمام ثقة الإسلام قدس سره في كتاب الكافي ذكر باباً يشتمل على أنهم عليهم السلام أمرونا بالتمسك بالأحاديث المسطورة عنهم في الكتب في زمن الغيبة الكبرى ثم ذكر بابين : في أحدهما أبطل التقليد و في الباب الآخر أبطل الرأي أي الاجتهاد. و العلامة الحلي و من وافقه غفلوا عن الأبواب الثلاثة و عن أشباهها.

 

فائدة

أقول : يتلخص من كلام أهل التحقيق من الأصوليين : أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى أقسام أربعة ضروريات الدين، و ضروريات المذهب، و نظري نصب الله تعالى عليه دلالة قطعية، و نظري نصب الله تعالى عليه دلالة ظنية لا قطعية، و أن موضع الاجتهاد و كذلك موضع التقليد إنما هو القسم الرابع.

و تحقيق المقام : أن ضروري الدين – على ما سمعناه من محققي مشائخنا قدس الله سرهم – هو الذي علماء ملتنا و علماء غير ملتنا يعرفون أنه مما جاء به نبينا صلى الله عليه و آله كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج. و على قياس ذلك ضروري المذهب هو الذي علماء مذهبنا و علماء غير مذهبنا يعرفون أنه مما قال به صاحب مذهبنا كبلطان العول و التعصيب. و قد ظهر عليك و انكشف لديك مما ذكرناه معنى نظيرهما، و قد مر أن طائفة من الأصوليين يقولون : إن موضع الاجتهاد مسألة ليس لله فيها حكم، و طائفة يقولون ليس لله فيها دلالة أصلاً على حكمه.

 

فائدة

ضروريات الدين ليست ضرورية بالمعنى المصطلح عليه عند المنطقيين و ذلك لوجهين :

أحدهما : أنهم حصروا الضروريات في الست و ليس علمنا بوجوب الصلاة مثلاً داخلاً في الست.

و ثانيهما : أن علمنا بها إنما يحصل بالنص، و من هنا انكشف لديك أن ضروري الدين و ضروري المذهب و نظيرهما من اصطلاحات الأصوليين.

و بالجملة، معنى ضروري الدين ما يكون دليله واضحاً عند علماء الإسلام بحيث لا يصلح لاختلافهم فيه بعد تصوره. و معنى ضروري المذهب ما يكون دليله واضحاً عند علماء المذهب بحيث لا يصلح الاختلاف فيه.

 

فائدة شريفة في كثير من المواضيع نافعة

قد كان كثير من المسائل في الصدر الأول من ضروريات الدين ثم صار من نظرياته في الطبقات اللاحقة بسبب التلبيسات التي وقعت و التدليسات التي صدرت، و من هذا الباب خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و مما يوضح هذا المقام ما تواترت به الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام من انقسام الناس بعده صلى الله عليه و آله في الصدر الأول إلى مؤمن و مرتد و من انقسامهم في الصدر اللاحق إلى المؤمن و الضال و الناصبي من غير ارتداد، كما قال الله عز و جل : (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين).

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2429360

 • التاريخ : 16/07/2019 - 23:16