الباب الثالث: في اللواحق 

القسم : مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور   ||   الكتاب : الرسالة الصلاتية   ||   تأليف : الشيخ يوسف آل عصفور البحراني

الباب الثالث: في اللواحق

وفيه مقاصد

المقصد الأول: في القضاء


    يجب قضاء الصلاة اليومية على كل مكلف فاتته عمداً كان أو سهواً، وعلى أي حال كان، ما لم يكن الفوات لصغر أو جنون أو كفر إصلي أو حيض أو نفاس اجماعاً في الجميع نصاً وفتوى، وإغماء على الأشهر الأظهر وقيل بوجوب القضاء عليه مطلقاً، وقيل أنه يقضي آخر أيام إفاقته إن أفاق نهاراً أو آخر ليلته إن أفاق ليلاً، والأخبار في هذه المسألة على غاية من الاختلاف مع كثرتها وصحة أكثرها فبعض صرح بقضاء جميع ما فاته حال الإغماء، وبعض صرّح بقضاء ثلاثة أيام، وبعض صلاة يوم واحد، والأظهر حملها على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما دل على السقوط، وفي كل ما يزيل العقل جهلاً أو لضرورة أو يؤدي إلى الاغماء إشكال ، وظاهر المشهور أنه غير موجب القضاء لعذر الجهل أو لضرورة ودليله من الأخبار غير واضح بل ظاهر اطلاق أخبار القضاء وعمومها يشمله واستند بعضهم في المغمى عليه، وفيه أن جملة من تلك الأخباار قد صرحت بأن الاغماء اعاة المرض ويويده ما علل به في جملة أخرى منها أيضاً بأن ما غلب عليه الله أولى بالعذر وهو ظاهر في كون الاغماء من جهة الله تعالى لا من قبل المكلف.

    ومن هذا التعليل ربما يفهم أيضاً وجوب القضاء على الحائض والنفساء إذا كان ذلك عن شرب الدواء لذلك، وإن كان ظاهرهم الاتفاق  على خلافه عملاً باطلاق أخبار الحيض والنفاس مع أن جملة من محققيهم صرحوا بأن الأحكام المودعة في الأخبار إنما تحمل على الأفراد الشايعة المتكررة المتبادرة عند الاطلاق دون الفروض النادرة الوقوع وبموجب ذلك يجب حمل اطلق تلك الأخبار على غير هذه الصورة المفروضة مما هو المتعارف من صدور الحيض والنفاس من قبل الله تعالى كما هو العادة الجارية، وبالجملة فالأحوط عندي وجوب القضاء في المسألة المذكورة.

    والمشهور بين الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه أن فاقد الطهورين لا يجب عليه الأداء لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة ولا صلاة إلا بطهور كما في الصحيح، وأما القضاء فقد اختلفوا فيه على قولين أحدهما السقوط أيضاً، والآخر القول بوجوب القضاء وهو الأقرب  إلا أن الأحوط حيث أن المسألة عارية من النص عليها بالخصوص هو الصلاة أداء ثم القضاء بعد زوال العذر.

    ثم انه قد اختلف الأصحاب (رضي الله عنهم) في وجوب تقديم الصلاة الفائتة على الحاضرة وعدمه على أقوال، أحدها: وهو المشهور بين المتقدمين هو القول بالمضايقة المحضة وهو وجوب صلاة الفائتة ساعة ذكرها متحدة كانت أو متعددة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة، فلا يجوز له صلاة الحاضرة إلا عند ضيق الوقت لو كان عليه فوايت متعددة، وقيل وهو من المتقدمين أيضاً بالمواسعة بل استحبابه، والمشهور بين المتأخرين هو هذا القول لكنهم صرحوا باستحباب الفايتة، وقيل بوجوب تقديم الفايتة المتحدة واستحباب المتعددة، وقيل بوجوب تقديم الفايتة إذا ذكرها في يوم الفوات إتحدت أو تعددت والأظهر عندي من هذه الأقوال هو القول الأول وهو الذي عليه المعوّل  لدلالة الآية والروايات الصحيحة عليه، وقبول ما دل على المواسعة للتأويل مع ضعفه عن المعارضة، وأما القولان الأخيران فلا وجه لهما يعتمد عليه، ولو فاتته فريضة واحدة من الفرائض اليومية وكانت مشتبهة بما يوافقها عدداً قضى العدد مردداً في النية بين الفرائض المحتملات إن ظهراً فظهر وإن عصراً فعصر وإنا عشاءً فعشاء مخيراً في الجهر والاخفات.

    ولو اشتبهت بما يخالفها في العدد كأن يشك بين كون الفايتة ظهراً أو مغرباً أو صبحاً وجب عليه الاتيان بالفرائض الثلاث، ولو شك في فريضة من الفرائض الخمس فإنه يأتي بأربع مرددة بين الرباعيات الثلاث وثلاثية ينوي بها المغرب وثنائية ينوي بها الصبح، وقيل هنا بوجوب الفرائض الخمس ، والأول الأظهر ويقضي فائتة السفر قصراً وإن كان في السفر، ويقضي الصحيح فايتة المرض على الكيفية التي عليها المريض، ولا يؤخرها إلى حال الصحة.

    ويستحب قضاء الراتبة اليومية استحباباً مؤكداً لا سيما فايتة الصحة حتى ورد من ترك القضاء تشاغلاً بالدنيا لقي الله وهو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

    وإنه مع تعذر القضاء عليه يتصدق عن كل ركعتين بمد ويقضي ولي الميت وهو أولى الناس بميراثه  ما فاته مطلقاً أي لعذر كان أو لا لعذر في مرض الموت أم لا عملاً بالطلاق وللاصحاب أيضاً هنا اختلاف في القاضي والمقضي والمقضي عنه والأظهر ما ذكرناه.


المقصد الثاني: في صلاة الجماعة

    وهي مستحبة في الصلاة اليومية استحباباً مؤكداً، وقد ورد في الحث عليها حتى استفاضت الأخبار باستحقاق حرق بيت تاركها عليه مع تهاونه بها، وسقوط عدالته، ووجوب هجرانه، وجواز غيبته، مضافاً إلى ما ورد فيها من الثواب العظيم والأجر الجسيم، وهي واجبة في الجمعة والعيدين مع وجود الشرائط المعتبرة هناك، والأشهر تحريمها في الناغلة إلا في الاستسقاء والعيدين مع اختلال الشروط، وكذا الغدير على قول، وإعادة المنفرد جماعة.

    وأقلها اثنان أحدهما إمام والآخر مأموم، ويشترط في الإمام شروط منه الذكورة إذا أم ذكوراً اتفاقاً نصاً وفتوى، ومنها البلوغ احتياطاً، والمشهور اشتراط البلوغ، وقيل يجوز امامة الصبي المميز المراهق، وروايات الجواز أرجح من روايات المنع، فلذا جعلنا شرط البلوغ احتياطاً ، وقيل بجواز امامته بمثله وقيل مطلقاً، لكن في النافلة ولم نقف لهما على دليل، ومنها أن يكون مؤمناً عدلاً عاقلاً رجماعاً هنا نصاً وفتوى، وقد اختلف أصحابنا (رضي الله عنهم) في معنى العدالة هنا على أقوال أظهرها عندي وفاقاً لجمع متأخري المتأخرين أنها عبارة عن حسن الظاهر حسبما دلت عليه صحيحة عبدالله ابن أبي يعفور، والمراد بحسن الظاهر أن يكون الإنسان معروفاً بالقيام بالواجبات العلمية والعملية والقلبية والقالبية مجتنباً للمحرمات كذلك غير مصر على شيء من الصغائر فضلاً عن الكبائر، ملازماً للجماعة والصلاة في أوقاتها فمتى كان معروفاً بذلك معلوماً سلوكه تلك المسالك ثبتت عدالته وأجيزت شهادته، وصحّت جماعته، ولا بد من نوع معاشرة وصحبة تطلع على ذلك ومنها أن يكون طاهر المولد بلا خلاف أيضاً نصاً وفتوى، وفي اشتراط حريته وسلامته من البرص والجذام والعمى قولان أظهرهما العدم في الأول والأخير والاشتراط في الوسط فيجوز الصلاة خلف العبد والأعمى إذا كان له من يسدده إلى القبلة، وتحرم الصلاة خلف الأخيرين ، والمشهور جواز امامة المرأة بمثلها بل عليه الاجماع وقيل بالمنع مطلقاً في الفرائض، والجواز في النوافل، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار، والمسألة لا تخلو من اشكال والأحوط المنع  مطلقاً.

    ويشترط في صحتها عدم الحائل بين الامام والمأموم، وكذا بين المأمومين بعضهم مع بعض على وجه يمنع المشاهدة، ولا بأس بالحائل في ائتمام النساء بالرجل، ويشترط أيضاً عدم علو الإمام بما يعتد به فلا يضر العلو يسيراً وقيل بالكراهة إلا إذا كانت الأرض مبسوطة فيجوز أن يقف الإمام في المكان المرتفع منها، والمراد بالأرض المبسوطة أن يكون ارتفاعها منبسطاً لا نتوا ظاهراً أما بالعكس وهو وقوف الامام في مكان أخفض من مكان المأموم فلا بأس وإن كان الأفضل  المساواة، ويشترط عدم التباعد بين الرمام والمأمومين، وكذا بين المأمومين بعضهم مع بعض بما لا يتخطّى عادة وقدر بمسقط جسد الانسان إذا سجد، والمشهور عندهم الرجوع في البعد المنهي عنه إلى العرف، وهو بعيد وقيل انه عبارة عمّا يمنع المشاهدة والاقتداء بأفعال الامام وهو أبعد، وقيل يجوز البعد بثلاثمائة ذراع وهو أبعد وأبعد والأصح ما ذكرناه أولاً وفاقاً لجملة من متأخري المتأخرين، ومن هنا صرح بعضهم بأن الأحوط للبعيد من المأمومين أن لا يحرم حتى يحرم من هو أقرب ممن يزول التباعد المذكور وهو كذلك .

    ويشترط أيضاً عدم تقدم المأموم على الإمام وهذا الحكم وإن لم نقف فيه على نص إلا أنه المستفاد من أخبار الجماعة لأنها قد صرحت بالمساواة إن كان المأموم واحداً، والمتأخر عن الامام إن كان أكثر فجواز التقديم لا دليل عليه، والعبادة توقيفية، يقتصر فيها على الكيفية الواردة في الشرع مضافاً ذلك إلى إجماع الأصحاب على الحكم المذكور، والمشهور بين الأصحاب استحباب وقوف المأموم الواحد، إذا لم يكن إمرأة عن يمين الإمام محاذياً له وتأخر الأزيد من واحد، وقيل بوجوب ذلك ، وظواهر الأخبار تعضد هذا القول، والاحتياط يقتضي المحافظة عليه، وأما المرأة فإنه يجب تأخرها وإن كانت واحدة، ويشترط أيضاً المتابعة في الأفعال دون الأقوال على الأشهر الأظهر، وقيل بالوجوب في الأقوال أيضاً، والأحوط ذلك إلا تكبيرة الإحرام فإنه يجب المتابعة فيها إجماعاً فلو تقدم فيها على الإمام بطلت صلاته، ولو تقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود أو في الرفع منهما فالمشهور، إنه إن كان تقدمه عامداً فإنه يجب عليه البقاء على حاله حتى يلقه الإمام وإن كان تقدمه ساهياً أو ظاناً وجب عليه الرجوع إلى الإمام، وزيادة الركن هنا مغتفرة بالنص الدال على الرجوع مطلقاً، وفي المسألة تفاصيل لا تليق بهذا الاملاء، وقد استوفيناها في شرح الرسالة الصلاتية من أرادها فليرجع إليها.

    ويشترط أيضاً اتحاد النوع بأن يكون صلاة الإمام وصلاة المأموم من نوع واحد فلو اختلف كالصلاة اليومية مع صلاة الآيات أو العيدين أو بالعكس لم يجز الاقتداء، ولا يشترط اتحاد الصنف كالمتنفل بالمفترض وبالمعكس والمقصر بالمقيم وبالعكس فإنه لا مانع من الاقتداء هنا، كما دلت عليه الأخبار ولا يشترط الاتحاد في عدد الركعات كالصبح بالظهر، وبالعكس وخلاف ابن بابويه هنا حيث نقل عنه اشتراط الكمية شاذ تدفعه الأخبار، فلا يلتفت إليه وقد اشتهر الخلاف في حكم قراءة المأموم خلف الإمام جوازاً أو تحريماً في الجهرية والاخفاتية وتعددت الأقوال في المسألة حتى أنه قيل لم يبلغ خلاف في مسألة من مسائل الفقه إلى ما بلغ إليه الخلاف في هذه المسألة، والذي تحقق عندي من الأدلة هو تحريم القراءة على المأموم في أوليي الإمام في صلاة جهرية كانت أو اخفاتية إلا في الجهرية التي لا يسمع فيها صوت الامام ولو همهمته فإنه يتخير في القراءة وعدمها ورن كان الأفضل القراءة وفي أوليي المسبوق إذا اتفقتا أو أحدهما مع أخيرتي الامام فإن الأظهر عندي وجوب القراءة على المأموم  ولا خلاف في ادراك الركعة مع الامام قبل تكبيرة الركوع، والمشهور أنه تدرك معه بعد الركوع أيضاً، وقيل أنه تفوت المتابعة، ولا يجوز الدخول حينئذٍ، والأول أظهر، وأما بعد الرفع من الركوع، وكذا حال التشهد فالمشهور أستحباب الدخول معه، والمتابعة فيما يأتي به من الأفعال ثم بعد قيام الامام لما بقي من صلاته إن بقي شيء أو بعد تسليمه إن كانت تلك الركعة آخر صلاته فإنه يجب على المأموم إعادة النية وتكبيرة الاحرام للزوم زيادة الركن أو الواجب عمداً في الصلاة لو اعتد بما أتى به وقيل أنه يكفي بتلك النية الأولى والاحرام الأول والزيادة مغتفرة بالنص والأحوط عندي أنه لا يدخل في هذا الحال مع الامام لأن أدلة المسألة لا تخلو من اضطراب  والمشهور أن القدوة لا تفوت بفوات المتابعة في ركن بمعنى أنه لو تأخر المأموم عن الإمام في ركوع أو سجود ولم يلحقه إلا بعد فوات الركن فإنه لا تبطل قدوته لو كان متعمداً بل ولو كان في ركعتين أيضاً بل يركع أو يسجد ويلحق به في باقي صلاته، والأظهر عندي البطلان في الصورة المذكورة إلا إن كان تأخيره لعذر من سهو أو زحام يمنعه الركوع والسجود والأشهر الأظهر أن العالم بفسق الإمام أو حدثه أوكفره أو نحو ذلك من الأمور الموجبة البطلان القدوة بعد تمام الصلاة معه لا يعيد بل صلاته صحيحة، وقيل بوجوب الإعادة وهو ضعيف ترده صحاح الأخبار ولو علم بذلك في أثناء الصلاة عدل إلى نية الانفراد وأتم صلاته منفرداً.


    تذنيب: في نبذ من مستحبات صلاة الجماعة منها أنه لو تشاح الأئمة في التقدم للأمام فإنه يستحب تقديم من اختاره المأمومون ولو اختلفوا وأراد كل قوم تقديم إمام فليس لهم ذلك بل يرجع إلى مراتب الترجيح بين أولئك فصاحب المنزل في منزله، وصاحب السلطان أي الامارة من قبل امام الحق أحق بالتقديم في منزله وسلطانه إجماعاً نصاً وفتوى فيما أعلم، والمشهور أيضاً أن صاحب الراتبة في مسجد أحق بذلك ودليله لا يخلو من مناقشة وإن كان الأحوط ذلك  ثم إنه يقدم الأعلم الأفقه على الأظهر وفاقاً لجملة من محققي متأخري المتأخرين وإن كان خلاف ما هو المشهور فإنهم قدموا هنا الأقرأ على الأعلم والأدلة العقلية والنقلية تدفعه، ثم مع التساوي في هذه المرتبة يقدم الأقرأ، وفي تفسير المغنى المراد به اجمال فهل المراد به الأجود اتقاناً للحروف وأشد إخراجاً لها من مخارجها كما ذكره بعض أو باضافة الأعرافية بالأصول والقواعد المقررة بين القراء كما قيل أيضاً أو الأكثر قرآناً وقراءة كما يشير إليه بعض الأخبار أو الأجود بحسب طلاقة اللسان وحسن الصوت وجودة المنطق واللحن احتمالات  ثم مع التساوي في ذلك فالأكبر سناً  قالوا بمعنى علو سنه في الإسلام، وقد ذكر الأصحاب في هذه المراتب أيضاً الاقدام هجرة والظاهر أنه لا تحقق له في غير وقته صلى الله عليه وآله، والخبر بهذه المراتب منقول عن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  فالظاهر قصر هذه المرتبة على زمانه وما قرب منه، وأما ما تكلفه أصحابنا في تفسير معنى الهجرة باعتبار الترجيح بهذه المرتبة في الأزمان المتأخرة، فالظاهر بعده وعدم استقامته.

    ومنها أنه يستحب اقامة الصفوف أي جعلها معتدلة لا اعوجاج فيها، ومنها اختصاص ذوي المزية وأهل الفضل بأول الصفوف لأجل أنه إن نسي الإمام أو تعايا قوموه، وإن أصابه حادث قدّم بعضهم، ومنها سد الخلل والفروج في الصفوف ليكون الصف متصلاً مملواً، ومنها أن الأفضل للإمام أن يصلي صلاة أضعف من خلفه.

    ومنها أن الأفضل له أن يقوم حتى يتم المسبوق خلفه، ومنها أن يسمع من خلفه جميع الأذكار ويتزكد في التشهد وأن الأفضل للمأموم أن لا يسمع الإمام شيئاً من أذكاره ومنها القيام للصلاة عند قول المقيم  قد قامت الصلاة .

    ومنها عدم التفل حال الإقامة بمعنى أنه لا يشرع في النافلة في ذلك الوقت، وأما لو كان في نافلة ثم أقيمت الصلاة فإنه يتمّها بغير مراهة، ومنها نقل الفريضة إلى النافلة لأجل إدراك الركعة أيضاً، ومنها التسبيح حال قراءة الإمام في الصلاة الاخفاتية، وكذا وردت الرخصة به في الجهرية أيضاً، لكن ينبغي أن يكون خفياً لا يمنع الانصات، ومنها تنبيه الإمام إذا أخطأ وتقويمه رذا تعايا، ومنها أن يعيد من صلى منفرداً صلاة جماعة مع قوم مبتدذين بالصلاة إماماً كان أو مأموماً وفي إعادة الجماعة الذين قد صلّى كل واحد منهم منفرداً جماعة بحيث يأتم بعضهم ببعض إشكال ينشأ من أن مورد الأخبار وإنما هو من صلى منفرداً ثم وجد جماعة مبتدئين الصلاة فإنه يستحب له الصلاة جماعة بأن يؤمهم، ويصلي بهم أو يأتم بإمامهم فالمعادة إنما هي رحدى الصلاتين لا الجميع، وأشكل منه إعادة الجامع أي من صلى جماعة ثم وجد جماعة أخرى فيصلي معهم جماعة استحباباً، وقد قيل بالاستحباب في الموضعين وهو مشكل لما عرفت من الخروج عن موضع النصوص، ولا سيما الثاني إذ العبادات توقيفية يجب الوقوف فيها وجوباً واستحباباً على ما رسمه صاحب الشريعة.

المقصد الثالث: في صلاة السفر

    تسقط أخيرتا الصلاة الرباعية في السفر اتفاقاً نصاً وفتوى، وكذا تسقط نافلتها بشروط:

    أحدها: قصد ثمانية فراسخ متصلة أو ملفقة من الذهاب والإياب والفرسخ ثلاثة أميال بلا خلاف، والميل  أربعة آلاف ذراع، فلو قصد أقل من ذلك ثم بعد بلوغ مقصده قصد أقل أيضاً وهكذا كطالب الآبق والحاجة حتى يرجع متى وجد ذلك فإنه يجب عليه التمام وإن قطع مسافات بهذه الكيفية، نعم متى أراد الرجوع فإن كان قدر ذلك المسافة ثمانية فراسخ وجب لتقصير لتحقق المسافة المذكورة.

    وفي قصد الأربعة خاصة خلاف والمشهور أنه إن أراد الرجوع ليومه أو ليلته وجب عليه التقصير وإلا فالتمام، وقيل بوجوب التقصير إن قصد الرجوع كما في الأول ولو لم يقصد الرجوع ليومه أو ليلته فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وقيل بهذا القول أيضاً إلا أنه خص التخيّر بالصلاة ومنع من التقصير في الصوم، وبالتخيير لقصد الرجوع ليومه، وقيل بالتخيير مطلقاً قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد، وقيل أنه إن قصد الرجوع في ضمن العشرة وجب التقصير وإلا فلا، فهذه ستة أقوال في المسألة وهذا الاختلاف ناشئ عن اختلاف الأنظار في الجمع بين الأخبار الواردة في هذا المضمار، والأظهر عندي منها هو القول الأخير وفاقاً لبعض المتقدمين وجملة من محققي متأخري المتأخرين.

    وثانيها: إستمرار القصد أي البقاء على قصده وعدم العدول عنه إلى أن تحصل المسافة التي هي الثمانية والأربعة مع إرادة الرجوع وحينئذ فلو رجع عن القصد الأول قبل بلوغ ذلك انقطع سفره ووجب عليه التمام وكذا لو بقي متردداً بين السفر وعدمه كمنتظر الرفقه ان جاؤوا سافر وإلا فلا يجب عليه الاتمام سواء بقي في محله أو رجع إلى وطنه وهل يقضي للصلاة التي صلاها بعد السفر، وقيل الرجوع أو التردد أم لا، المشهور العدم وهو الأوفق بمقتضى الأصول الشرعية لأنها صلاة شرعية مأمور بها في ذلك الوقت وللرواية الصحيحة الدالة على ذلك وقيل بوجوب القضاء واستدل عليه ببعض الأخبار الضعيفة السند وحملها الأصحاب على الاستحباب جمعاً إلا أن في المسألة رواية صحيحة صريحة دالة على وجوب القضاء لم يذكرها أحد من الأصحاب أوجبت الاشكال في هذا الباب فالاحتياط عندي واجب بالقضاء  لذلك.

    وثالثها: ان لا ينقطع سفره بأحد القواطع الثلاثة المشهورة وهي إقامة العشرة الأيام فما زاد أو وصول منزل قد استوطنه ستة أشهر وقيل باستيطانه كل سنة ستة أشهر  والأول أظهر وفي غيره من العقارات تردد أحوطه الجمع بين القصر والاتمام أو مضي ثلاثين يوماً متردداً في الخروج وعدمه بقوله غداً أخرج أو بعد غد وهكذا حتى تمضي المدة المذكورة.

    ورابعها: أن لا يكون السفر عمله والمشهور عباير الأصحاب التعبير عن ذلك بكثير السفر  وهو من يزيد سفره على حضره، وفي الجمع بين كلامهم في هذه المسألة وبين أخبار المسألة غاية الاشكال، فلو كان السفر عمله كالملاح والمكاري والراعي ونحوهم وجب عليه بعد مضي العشرة إذا أراد انشاء السفر التقصير ، والمشهور بين الأصحاب عموم هذا الحكم لغير المكاري من كثير السفر والموجود في الرواية التي هي مستند هذا الحكم المكاري خاصة ثم انهم قد ذكروا أنه يرجع إلى التمام بعد السفرة الثالثة وقيل بعد الثانية  والنص مجمل، والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال كما أوضحناه في شرح الرسالة الصلاتية.

    وخامسها: كون السفر سائغاً وجائزاً شرعاً بمعنى أن لا يكون معصية فلو كان كذلك فإنه لا يقصر صاحبه، بل يجب عليه التمام اتفاقاً نصاً وفتوى، ولو كان أصل قصد السفر معصية ثم في أثناء السفر عدل عن تلك النية إلي نية الطاعة فإنه يجب عليه التقصير حينئذ أن كان الباقي مسافة لأنه سفر شرعي ولو كان السفر طاعة ثم عدل في أثنائه إلى قصد المعصية بذلك السفر زال الحكم الأول ووجب عليه التمام لعدم المشروعية، ولو عدل بعد ذلك عن المعصية إلى الطاعة رجع إلى حكمه الأول، وهل يشترط هنا كون الباقي مسافة أيضاً قيل نعم لبطلان المسافة الأولى بقصد المعصية  بعدها، وقيل لا وهو الأظهر وعليه الأكثر لأن المانع من التقصير  رنما هو المعصية، وقد زالت والرواية أيضاً.

    وسادسها: بلوغ محل الترخّص فقيل بلوغه يكون في حكم أهل البلد، والمراد من محل التخص هو الموضع الذي لا يسمع فيه أذان البلد الذي خرج منه أو لا يرى أهل البيوت يعني من كان في آخر خطة البلد من الأشخاص بحيث يتوارون عن نظره فلا يراهم فإذا كان كذلك وجب عليه الصلاة قصراً، وفي عبارات الأصحاب هنا ما يوجب الاشكال، والاختلاف التام بين العلامتين المذكورتين حيث أنهم اعتبروا تواري البيوت نفسها عن المسافر وخفاؤها عن نظره وهو في غاية البعد عن خفاء الأذان وذلك لأنه لا يحصل إلا بقطع مسافة كثيرة تزيد على خفاء الأذان، وأما ما ذكرناه وهو المفهوم من النص الوارد في المسألة فهو قريب من خفاء الأذان، وكيف كان فما ذكرناه في هذه المسألة من هذا الشرط هو المشهور، وقيل أنه يقصّر بمجرد خروجه من منزله هذه جملة الشرائط في وجوب التقصير على المسافر، ولو جهل المسافر وجوب التقصير عليه فصلى تماماً صحت صلاته لموضع الجهل على الأشهر الأظهر، وقيل بوجوب الاعادة عليه في الوقت  وهو ضعيف، ولو صلى كذلك ناسياً فالأظهر الأشهر الإعادة في الوقت  دون خارجه، وقيل بالاعادة مطلقاً، ولو جهل من وجب عليه التمام وجوب التمام عليه فصلى قصراً كمن دخل بلداً ونوى الاقامة بها، ولم يعلم أن نية الاقامة موجبة لوجوب التمام عليه فصلى قصراً فالأظهر صحة صلاته  أيضاً، وقيل بالعدم لعدم حصول الامتثال المقتضي للاجزاء وهو ضعيف، والنص الصحيح حجة عليهم وألحق بعضهم بالجاهل هنا ناسي الإقامة، فحكم بإنه لا إعادة عليه ولم أقف له على دليل ، إذا مورد النص الجاهل خاصة، ومن دخل من سفره فإنه لا يجب عليه الاتمام حتى يجاوز محل الترخص بحيث يسمع الأذان أو يرى أهل البيوت على المشهور، وقيل أنه لا يتم إلا إذا دخل منزله وأكثر الأخبار تدل على هذا القول، وما تأولها به الأصحاب بعيد فالقول به هو الأظهر ، والقول بالتخيير جمعاً بين الدليلين غير بعيد، والأشهر الأظهر ان من كان في أحد الأماكن الأربعة المشهورة، فإنه يتخير بين القصر والاتمام، والاتمام أفضل  وقيل بوجوب القصر كغيرها من الأماكن وقيل يطرد الحكم بالمشاهد الشريفة والضرايح المقدسة فيتخير فيها  أيضاً والمعتمد الزول، ومن نوى الاقامة في بلد وعرض له الرجوع عنها إلى إرادة السفر فإن لم يصل فريضة من الفرائض المقصورة على التمام فإنه يبقى على حكم القصر، وإن صلى فريضة على التمام وجب عليه الصلاة تماماً حتى يقصد السفر على الوجه المتقدم والشروط المقررة.

    ومن أقام في بلد جاز له الخروج إلى ما دون الترخص، أما لو خرج بعد العشرة أو في أثنائها إلى ما دون المسافة مما يزيد على محل الترخص، فرن عزم على العود إلى محل الاقامة بعد خروجه ونوى الإقامة ثانياً أتم في الذهاب والاياب وفي الموضع الذي ذهب إليه، وإن لم ينو الإقامة هناك أقول: فقيل بأنه يقصر بمجرد خروجه معللاً ذلك بأنه يبطل حكم البلد بالمفارقة فيعود إليه حكم التقصير، وهذا التعليل ضعيف وقيل بوجوب الاتمام في الذهاب والمقصد، والتقصير في الرجوع وفي البلد حتى يسافر منها لأنه برجوعه صار قاصداً للمسافة، وهذا القول على اطلاقه مشكل لأنه إن تم فإنما يتجه بالنسبة إلى من كان قصده بعد الرجوع إلى السفر، وإلا فلو لم يكن كذلك بأن كان ذاهلاً أو متردداً في السفر وعدمه فإنه لا يتجه ما ذكره وقيل أنه يبقى على التمام ذهاباً وإياباً وفي البلد التي يرجع إليها حتي يقصد مسافة لأنها صارت في حكم بلده ، والمسألة عارية من النص الدال على حكمها صريحاً، والاحتياط فيها مطلوب وإن أمكن الترجيح في بعض شقوقها إلا إنه لا يبلغ إلى حد يوجب الفتوى به، ومن دخل عليه الوقت في بلده وسافر ولم يصل إلى أن تجاوز محل الترخص أو بالعكس بأن دخل عليه الوقت في السفر ثم ترك الصلاة حتى دخل البلد، فاللأصحاب (رضوان الله عليهم) فيها أقوال مختلفة لاختلاف النصوص الواردة في المسألة فقيل باعتبار حال الأداء في الموضعين ليصلي قصراً في الصورة الأولى لأنه في وقت أداء الفريضة مسافر فيصلي صلاة السفر ويصلي تماماً في الصورة الثانية، لأنه في ذلك الوقت حاضر فيجب عليه التمام وهذا هو الأظهر عندي، وعليه العمل وقيل بالتخيير بالموضعين بين القصر والاتمام، وقيل بالتفصيل بسعة الوقت وعدمها فإن اتسع الوقت صلى تماماً وإلا صلى قصراً في الموضعين، وقيل انه يتعبر بحال الوجوب في الشق الأول، وبحال الأداء في الثاني وعلى هذا القول يتم في الحالين، وقيل بعكسه ويقصر في الحالين والأصح عندي كما عرفت هو الأول لصحة دليله وصراحته وتطرق التأويل إلى باقي أدلة هذه الأقوال لعدم الصراحة فيها ، ويستحب جبر الصلاة المقصورة بالتسبيحات الأربع وهي  :سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر  بأن يقولها في دبر الصلاة المقصورة ثلاثين مرة.




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496506

 • التاريخ : 20/09/2019 - 14:37