الباب الثاني في اعمال الحج وفيه مقاصد 

القسم : مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور   ||   الكتاب : منسك الحج   ||   تأليف : الشيخ يوسف آل عصفور البحراني

المقصد الأول:
    استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) استحباباً مؤكداً ويتأكد ذلك زيادة في حق الحاج ويجبر الناس على ذلك لو تركوها كما يجبرون على الاذان، ومنع ابن ادريس كما نقل عنه ضعيف، وذلك للأخبار مثل صحيحة حفص بن البختري وهشام بن سالم ومعاوية بن عمار وغيرهم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال:     «لو انّ الناس تركوا الحج لكان على الولي ان يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) لكان على الولي ان يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فان لم يكن لهم اموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين» .

    وكذا ما رواه الكليني عن ابن الحجر الاسلمي عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): من أتى مكة حاجاً لم يزرني الى المدينة جفوته يوم القيامة» الحديث.

    وعن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «انما أُمروا الناس ان يأتوا هذه الاحجار فيطوفوا بها ثم يأتون فيخبرون بولايتهم، ويعرضوا علينا نصرتهم».

    وعن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تمام الحج لقاء الإمام» الى غير ذلك من الأخبار الدالة على استحباب زيارتهم(عليهم السلام) .

    ثم قال: أقول: وهذه الأخبار وان كان موردها حال حياتهم (عليهم السلام) إلا انه لا فرق بين الحياة والموت بالنسبة اليهم صلوات اللّه عليهم (فانهم احياء عند ربهم يرزقون)يشاهدون كل من ورد الى قبورهم ويشهد لذلك :

    ما رواه الشيخ في التهذيب عن يزيد بن عبدالملك عن أبيه عن جدّه قال: «دخلت على فاطمة (عليها السلام) فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما غدا بك؟ قلت: طلب البركة، قالت: اخبرني أبي وهو ذا، هو انه مَن سلّم عليه وعلى ثلاثة أيّام أوجب اللّه له الجنّة، قلت لها: في حياته وحياتك؟ قالت: نعم، وبعد موتنا»([53]).

    اذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلفت الأخبار في استحباب البدء بالحج ثم زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) أو العكس فروي في الكافي عن البرقي عن أبيه قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): أبدأ بالمدينة أو بمكة؟ قال: ابدأ بمكة واختم بالمدينة، فانه أفضل»([54]) .

    وكذا صحيح العيس وفي موثقة سدير عنه (عليه السلام) قال: «ابدأوا بمكة واختموا بنا» هذا مع الاختيار والتمكن من الأمرين بالبدء بمكة وإلا مع الحج عن طريق المدينة فالبدأة به أفضل لئلا يخترم دون ذلك أو لا يتفق له الرجوع على تلك الطريق الأولى وبهذا جمع الشيخ والصدوق (قدس سره) .

    أما عن ثواب زيارتهم (عليهم السلام) في الحياة أو بعد الموت فهي اكثر من ان تحصى ولابأس بنقل بعضها تيمناً منها:

    صحيحة أبان عن السدوسي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه: من أتاني زائراً كنت شفيعه يوماً القيامة»([55]).

    وعن زيد الشحام قال: «قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام): ما لمن زار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: كمن زار اللّه فوق عرشه، قال: قلت: فما لمن زار واحد منكم؟ قال: كمن زار رسول اللّه» وقريب اليه عدّة اخبار .

 

المقصد الثاني
    يستحب لقاصدي المدينة المشرفة المرور بمسجد الغدير ودخوله والصلاة فيه والاكثار من الدعاء وهو موضع الذي نصّ فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) على امامة أمير المؤمنين وخلافته بعده، ووقوع التكليف بها، وان كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه (صلى الله عليه وآله) قبل ذلك اليوم إلا ان التكليف الشرعي والايجاب الحتمي انما وقع في ذلك اليوم، وكانت تلك النصوص المتقدمة من قبيل التوطئة لتوطن النفوس عليها وقبولها بعد التكليف بها، فعن أبان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «يستحب الصلاة في مسجد الغدير لأن النبي (صلى الله عليه وآله) أقام امير المؤمنين (عليه السلام) وهو موضع أظهر اللّه عزوجل فيه الحق»([56]).

    وفي صحيحة الحجاج فقال: «صل فيه فانّ فيه فضلاً كثيراً وكان أبي يأمر بذلك» .

    ويستحب النزول بمعرس والصلاة ركعتين فيه وهو الذي نام فيها النبي (صلى الله عليه وآله) وهو مسجد يقرب من مسجد الشجرة مما يلي القبلة وقد أجمع الأصحاب على النزول فيه والصلاة فيه تأسياً بالنبي (صلى الله عليه وآله) ولو تجاوزه استحب الرجوع لصحيحة معاوية([57]) وفي رواية ابن فضل الأمر بالتعريس وهو الاضطجاع فيه وغيرها من الاخبار الآمرة للرجوع مع النسيان ولكن في الرجوع من مكة الى المدينة دون العكس، وذلك لصحيحة معاوية المتقدمة وغيرها.

 

المقصد الثالث
    للمدينة حرم وهو من ظل عائر الى وعير لا يعضد شجره ولا يصاد ما بين الحرمين منه، وهي حرّة ليلي، وحرة واقِم، بكسر القاف اسم لحصن هناك، وهما جبلان بين المشرق والمغرب والحرم بريد في بريد ويستفاد من مرسلة الخراز([58]) حيث حددت الحرم بذلك والبريد اثنا عشر ميلاً، واختلف الأصحاب في وجه النهي هل للتحريم أم الكراهة، قولان الأول نسبه في المدارك الى الأكثر مؤذناً بالاجماع عليه وقيل بالكراهة بدعوى كونه مشهور بين الأصحاب مع التفصيل بين قطع الشجر والصيد بعدم الخلاف في الأول دون الثاني .

    وما وقفت عليه من الأخبار([59]) كلها متفقة الدلالة في تحريم قطع الشجر، وانما اختلفت في الصيد كما ذكره الشهيد الثاني ولكن بعد التأمل في الأخبار يكون ما ذهب اليه الشيخ من التحريم في الصيد والشجر هو الظاهر من الاخبار ومفاد الاحتياط .

 

المقصد الرابع
    قد اتفقت الاخبار وكلمات الاصحاب على انه يستحب لزائر المدينة بعد الدخول اكثار الصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا سيما في الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر الى طرف الظلال وأن يأتي المنبر ويمسح مما يليه، وان يأتي المساجد الشريفة بالمدينة كمسجد قبا، ومسجد الفتح، ومسجد الاحزاب، ومسجد الفضيخ وهو الذي ردت فيه الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومشربة امّ ابراهيم (عليه السلام) وقبور الشهداء في احد ولاسيما قبر حمزة (رض) ففي صحيح معاوية قال: «قال ابو عبداللّه (عليه السلام): اذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فأتي المنبر وامسح بيدك واخذ برمانيته، وهما السفلوان وامسح عينك ووجهك به، فانه يقال انه شفاء العين، وقم عنده فحمد اللّه وأثني عليه واسأل حاجتك فان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة» الحديث([60])وعن بعض شراح الحديث قال: انه موضع قبر فاطمة (عليها السلام) .

    أما حدّ الروضة ففي صحيحة ابن مسكان: «الى طرف الظلال وحدّ المسجد الى الاسطوانتين عن يمين المنبر الى الطريق مما يلي سوق الليل».

    وفي رواية مولى آل سام قال: «قلت لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله): كم كان مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: كان ثلاثة مائة آلاف وستمائة ذراعاً مكسرة»([61]).

    قال في المغرب: الذراع المكسر ست قبضات، وهو ذراع العامّة وانما وصفت بذلك لأنها نقصت عن ذراع الملك بقبضة، وهو بعض الاكاسرة، وكان ذراعه سبع قبضات وغيرها من الاخبار، ومضمون هذه الاخبار فضل الصلاة في مسجده (صلى الله عليه وآله) .

    ففي الصحيح وغيره عن أبي صامت قال: «قال ابو عبداللّه (عليه السلام): صلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) تعدل بعشرة الاف صلاة»([62]) ومثلها عن هارون، فمن الاخبار الدالة على استحباب زيارة المساجد مثل صحيحة معاوية قال: «قال ابو عبداللّه (عليه السلام): «لا تدع اتيان المشاهد كلها مسجد قبا فانه المسجد (الذي أسس على التقوى من اول يوم)ومشربة امّ ابراهيم (عليه السلام) ومسجد الفضيخ وقبور الشهداء ومسجد الاحزاب وهو مسجد الفتح، قال: وبلغنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان اذا أتى قبور الشهداء قال: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وليكن فيما تقول عند مسجد الفتح :

    يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين اكشف همي وغمي وكربي كما كشفت عن نبيك غمّه وهمّه وكربه، وكفيته هول عدوّه في هذا المكان».

    أمّا اماكن تلك المساجد فقد ذكر في القاموس عن مشربة ام ّ ابراهيم (عليه السلام) قال: ومنها مسجد امّ ابراهيم (عليه السلام) الذي يقال له مشربة أمّ ابراهيم (عليه السلام) وهو مسجد بقبا شمالي مسجد بني قريظة قريب من الحقة الشرقية في موضع يعرف بالدشت، وقال: وليس عليه بناء ولا جدار وانما عريصة صغيرة بين نخيل طولها عشرة أذرع وعرضها اقل منه بنحو ذراع وقد حوط عليها برصم لطيف من الحجارة السود، وقال: ومنها مسجد الفضيخ.... ويعرف بمسجد الشمس اليوم وهو شرقي مسجد قبا على شفير الوادي مرصوم بحجارة سود، وهو مسجد صغير وسبب تسميته بمسجد الشمس كما ذكره الخبر عن ليث المرادي ـ وفيه ـ حديثاً حدّثني به امير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الموضع فأبكاني قائلاً: وما هو، قلت: كنت أنا وأمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المسجد فقال لي: «ترينا هذه الوهده! قلت: نعم، قال: «كنت أنا ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قاعدين فيها اذ وضع رأسه في حجري حتى غطّا وحضرت صلاة العصر فكرهت ان احرك رأسه عن فخذي فأكون قد أذيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حتى ذهب الوقت وفاتت، فانتبه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يا علي صليت؟ قلت: لا، قال: ولما ذاك؟ قلت: كرهت ان اوذيك، قال: فقام واستقبل القبلة ومدّ يديه كلتيهما وقال: اللّهم ردّ الشمس وقتها حتى يصلي علي، فرجعت الشمس» الحديث([63]).

    وقال([64]): ومنها مسجد الفتح وهو مسجد على قطعة من جبل سلع من جهة الغرب، وغربيه وادي بطحان، انتهى .




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496422

 • التاريخ : 20/09/2019 - 11:09