خاتمة فيما ينتظم في هذا المسلك 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

خاتمة

 

فيما ينتظم في هذا المسلك

 

تحقيق زيادة العمر ونقصانه، وتحقيق الاجل المحتوم والوقوف وبيانه، وقد استفاضت الاخبار بذلك وصرحت به الاي من قرآنه قال الله عزوجل

(وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب)( ) ونحوها آية المحو والاثبات وآية الاجلين وقد تقدم كمال تبيانه، وانها نازلة في البداء، وان كان على جهة الاجمال، وقد فسرته السنّة واشارت الى محله ومكانه، وقد استفاض بين الخاصة والعامة (صلى الله عليه وآله) قال «لا يرد القضاء الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البرّ»( ) اخرجه في مشكاة المصابيح عن سلمان الفارسي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من طريقهم، ومن طرقنا بهذا المضمون مما لا يحصى( )، وان تغايرت الالفاظ والعبارات، وقد اضيف الى ذلك الصدقات كما في كثير من الروايات، وقد استفاضت الاخبار ايضاً بل تواتر واشتهر ان قطع الرحم يوجب قصر العمر وعن زين العابدين(عليه السلام) بطرق عديدة وكذلك عن جملة من ابنائه بل عن ابائه «ان الذنوب التي تعجل الفناء هو قطيعة الرحم»( ) وامثال ذلك كثير، وانت تعلم ان بعض ما اوردنها ما في الطرق السابقة في تحقيق البداء جارية فيه كافلة بمضمونه، وفي الكشاف للزمخشري، ومعالم التنزيل للبغوي وغيرهما من تفاسير القوم انه ينبغي ان يكون العمر اربعين سنة مثلاً فان حجّ وغزا فعمره ستون سنة، فاذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر، واذا افرد احدهما فلم يتجاوز الاربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون قال البغوي في معالم التنزيل بعد نقل ذلك: فقيل للقائل: ان الله تبارك وتعالى يقول (فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)( ) فقال هذا اذا حضر الاجل، واما قبل ذلك فيجوز ان يزداد وينقص وقرأ (ان ذلك على الله يسير)( )، وقد سمعت ما في شرح المشكاة بعضهم خذلهم الله مما مر لفظه، وهي ان الاجال التي عليها علم الله يستحيل ان تزيد وتنقص، وان الزيادة المذكورة انما هي النسبة الى ملك الموت او غيره ممن وكّل بقبض الارواح بعد اجال محدودة، فانه عز شأنه بعد امره بذلك او اثباته في اللوح المحفوظ ينقص منه او يزيد على  ما سبق به علمه، وحمل على ذلك اية المحو والاثبات واية الاجلين ونحوه ذكر النووي في شرح صحيح مسلم ولما خفي بمعنى زيادة العمر نقصانه على بعض فضلا المخالفين تحمل لذلك محامل بعيدة هي بالاعراض عنها خليقة سديدة كقوله في قوله (عليه السلام) «لا يزيد في العمر الا البر»( ) ان اذا ابرّ فلم يضع عمره مكانه زاد فيه، وهو مما يمجّه الذوق السليم وياباه العقل المستقيم، ولبعض علمائنا المحققين في تحقيق ذلك كلام طويل طويناه على غره لانه يطول المقام بذكره، ويقرب من تحقيق البداء تحقيق اجابة الدعاء وتفقه مع ان القدر كائن البتة، وقد استفاضت الاخبار بانه «لا يرد القضاء الا الدعاء» ففي الكافي بسند عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «الا ادلكم على شيء لم يستثن فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت: بلى، قال:الدعاء يرد القضاء، وقد ابرم ابراماً، وضم اصابعه»( ) وعن الكاظم (عليه السلام)«عليكم بالدعاء فان الدعاء والطلب الى الله يرد البلاء، وقد قدر وقضى فلم يبق الا امضاؤه، وكلما زاد( ) الله وسئل صرفه»( ) وقال (عليه السلام): «ان الدعاء يرد ما قدر وما لم يقدر، قلت: ما قدر قد عرفت، فما لم يقدر؟ قال: حتى لا يكون»( ) وانت بمعونة ما اسلفناه من تحقيق البداء بمعانيه الصحيحة لا يشتبه عليك وجه ذلك.

وجملة القول فيه يجوز ان يكون البلاء مشروطاً بعدم الدعاء والدعاء سبباً لبعض الخيرات الحقيقة، وشرطاً لفيظان الرشحات الالهية وسنوح النفحات السبحانية على حد ما قدمناه في زيادة العمر ونقصانه بصلة الارحام وقطعها، وقال ابو حامد الغزالي: ان قيل: ما فائدة الدعاء مع ان القضاء لا مرد له، فاعلم ان من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، والدعاء سبب لرد البلاء، ووجوه الرحمة كما ان الترس سبب لرد السلام وليس من شرط الاعتراف بالقضاء انه لا يحمل السلاح، وقد قال تعالى (ولياخذوا حذرهم واسلحتهم)( )، وقال بعض فحول المخالفين في شرح صحيح مسلم في بيان قوله (صلى الله عليه وآله)«لا يرد القضاء الا الدعاء» المراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول البلايا ويتوقاه، فاذا وفق للدعاء دفع الله عنه، فيكون تسميته قضاء مجازاً، ويزيد توضيحه ما سئل عنه (صلى الله عليه وآله)«ارايت في الرقية نستر فيها» الى قوله «قال هي من قدر الله، فقد امر الله بالدعاء وندب اليه» مع علم الخلق بان القدر كائن لان الحقيقة المقدور وجوداً وعدماً مخفية عندهم، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل. وقال الشيخ الرئيس في التعليقات( )، والشيخ ميثم في شرح النهج سبب اجابة الدعاء توافي الاسباب معاً بالحكمة الالهية وهي ان يتوافي سبب دعاء رجل مثلاً فيما يدعو فيه، وسبب وجود ذلك الشيء معاً عن الباري تعالى. فان قيل: فهل كان يصح وجود ذلك الشي من دون الدعاء. قلنا: لا لان علتها واحدة وهي الباري تعالى وهو الذي تعالى، وهو الذي جعل سبب ذلك الشيء العاء كما جعل سبب صحة هذا المريض  شرب الدواء بما لم يشرب الدواء لم يصح، فكذلك الحال في الدعاء وموافاة ذلك الشيء، فلحكمة ما توافيا معا على حسب ما قدر وقضى، فالدعاء واجب وتوقع الاجابة واجب، فان ابتغاءنا للدعاء يكون سببه من هناك ويصير دعاءنا سبباً للاجابة وموافاة الدعاء لحدوث الامر المدعو لاجله انتهى، وهو كما ترى اعتراف صريح بنفع الدعاء وتأثيره في الاجابة على ابلغ وجه واكده لكن بعض مقدماته فلسفية محضة، ومن المهمات هنا بيان التردد المنسوب له تعالى في قوله عزّ شأنه في الحديث القدسي، وفي الدعاء المروي في التعقيب بعد الصلاة الذي رواه المخالف والمؤالف وهو «ما ترددت في شيء انا فاعله، كترددي في وفاة المؤمن يكره الموت، واكره مساءته»( ) وصورته في القواعد الشهيدية وفي دعاء التعقيب كما في المصباح، وفلاح السائل «ما ترددت في شيء انا فاعله، كترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، واكره مساءته ولا يكون الا ما أريد»( )، وفي بعضها «ولابد لها منه» لكن الرواية الاولى هي رواية ابان بن تغلب عن الامام الباقر(عليه السلام) كما في الكافي( ) والمخالفون قد رووه عن النبي(صلى الله عليه وآله) كما في جامع الاصول، والفتوحات، والفصوص والمشكاة وغيرها، وقال شيخنا البهائي في كتاب الاربعين ان هذا الحديث من الاحاديث المشهورة المتفق عليها من اهل الاسلام( )، وقد تقدم في بيان معاني البداء في الطريق.

الثاني: المنقول عن بعض اعاظم المتأخرين في شرح الاصول( ) وجه هذا التردد هو انه اذا كانت الاسباب لوقوع امر اولا وقوعه متكافيئة ولم يحصل للقوي المنطبقة الفلكية العلم برجحان احدهما بعد لعدم مجيء او ان سبب ذلك الرجحان بعد كان التردد في وقوع ذلك الامر ولا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة والا وقوع اخرى، فهذا هو السبب في التردد وبين صحة نسبة ذلك اليه سبحان في بقية كلامه فتذكره وقال السند السيد والعلامة الاوحد مولانا مير محمد باقر الداماد (قدس سره) في بيان ذلك، اعلم ان التردد في امر بكون سببه تعارض الامر الداعي المرجح في الطرفين فاطلق المسبب هناك واريد السبب، ومقرر الكلام ان قبض روح المؤمن بالموت خير بالقياس الى نظام الوجود وشر من حيث مساءته، فهذه الشرية العرضية الاضافية اقوى ضروب الشريات بالعرض وأشد افرادها والافاعيل الالهية خيراتها الجزيلة بالذات كثرة وشريتها الاضافية بالعرض قليلة لشرف المؤمن وكرامته عند الله سبحانه، وبعبارة اخرى وقوع العقل بين طرفي الخير بالذات ولزومه للخيرات الكثيرة والشرية بالعوض وبالاضافة الى طائفة من الموجودات، هو المعبر عنه بالتردد اذ الخيرية تدعو الى فعل يفعل، والشرية الى عدمه فيودي الى تردد ما فاذا المعنى ما وجدت شرية في شيء من الشرور بالعرض اللازمة لخيرات كثيرة في افاعيلي مثل شرية مسآءة عبدي المؤمن من جهة الموت وهو من الخيرات الواجبة بالحكمة البالغة الالهية، فما في الشرور بالعرض اللازمة للخيرات الكثيرة اقوى شرية واعظم من هذا الشر بالعرض، ولكن راية الخير الكثير، والحكمة البالغة التامة في ذلك احكم واقوى واعظم واقوم انتهى كلامه اعلى الله مقامه، وهو امتن كلام حرر في هذا المقام وذكر شيخنا البهائي عطّر الله مرقده في عليّين في شرح كتابه الاربعين فيه وجوهاً( ) اخر:

الاول: ان في هذا الكلام اضماراً، والتقدير لو جاز عليّ التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة عبدي المؤمن.

والثاني: انه لما جرت العادة بان يتردد الشخص في مسآءة من يحترمه ويوقره كالصديق الوفي والخل الصفي، وان لا يتردد في مسآءة من ليس له عنده قرب ولا حرمة كالعدو والحية والعقرب، بل اذا خطر بالبال مسآءته اوقعها من غير تردد ولا تأمل صحّ ان يعبر بالتردد في مساءة الشخص عن توفيره واحترامه وبعدمهما عن ادلة واحتقاره، فقوله سبحانه «ما ترددت في شيء انا فاعله»الى اخره المراد، والله اعلم ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.

الثالث: انه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة ان الله سبحانه يظهر العبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبة في الارتحال( ) الى دار القرار فيقل تاذيه به ويصبر راضياً بنزوله راغباً في حلوله، فاشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد ان يؤلم حبيبه لما تعقبه نفع عظيم فهو يتردد في انه كيف يوصل ذلك الالم اليه على وجه يقل تاذية به، فلا يزال يظهر له الرغبة فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة والراحة العظيمة الى ان يتلقاه بالقبول ويعده من الغنائم المودية الى ادراك المأمول( )، ونقل شيخنا الشهيد عطر الله مضجعه في قواعده عن بعض من عاصره بان التردد انما هو في الاسباب بمعنى ان الله تعالى يظهر للمؤمن أسباباً يغلب ظنّه على دنو الوفاة ليصير على الاستعداد له ثم يظهر له اسباباً تبسط امله فيرجع الى عمارة دنياه بما لا يدينه له، ولما كانت هذه الحال بصورة التردد اسند التردد اليه تعالى من حيث انه فاعل للتردد في العبد وهو مأخوذ من كلام بعض القدماء الباحثين عن أسرار كلام الله تعالى، وهو ان التردد في اختلاف الاحوال في تقدير الاجال، وفيه من التمحل ما لا يخفى، وقيل: ان الله تعالى يورد على المؤمن أسباب الموت حالاً بعد حال ليؤثر الموت فيقبضه مريداً له وايراد تلك الاحوال المراد بها غاياتها من غير تعجيل بالعنايات من القادر على التعجيل يكون تردداً بالنسبة الى قادر المخلوقين فهو بصورة المتردد، وان لم يكن ثم تردده، ويؤيده الخبر المروي ان ابراهيم (عليه السلام) لما اتاه ملك الموت ليقبض روحه وكره ذلك اخرّه الله تعالى الى ان رأى شيخا هما يأكل ولعابه يسيل على لحيته، فاستفضع ذلك واحب الموت وكذلك موسى (عليه السلام) وهذا الوجه ذكره الشهيد الاول ايضاً في قواعده ولهم فيه ايضاً توجيهات غير ما ذكرناها يطول المقام بذكرها، وقد افرد شيخنا في درره النجفية درة للكلام على هذا الحديث استطرد ذكر التوجيهات كلها الا ما شذ منها، وفيما ذكرنا كفاية لمن حذف البداية وأخذ الغاية.

 

« تتمة

تلائم مباحث البداء في تحقيق معنى النسخ وفي احكامه، ودفع شبهات من انكره وكابر مقتضى عقله لجهله، وضاهى اليهود في عقيدته وفعله، وبيان وجه الحكمة في ذلك وهو عبارة عن رفع حكم شرعي بدليل شرعي ووجه جوازه ان الاحكام تتبع المصالح، وهي مختلفة بحسب الاوقات والاشخاص، وقد دل عليه الكتاب والسنة فقال عزّ من قائل (ما ننسخ من اية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وكم في القرآن من آية ناسخة ومنسوخة وفي تفسير العسكري قال (عليه السلام) في آية (ما ننسخ من آية) قال: قال «محمد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): ما ننسخ من اية بان نرفع حكمها (او ننسها) بان ترفع رسمها، وقد تلى( ) وعن القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد ايضاً، قال (سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله) ان ينسيك فرفع عن قلبك ذكره (نأت بخير منها)يعني بخير لكم منها، فهذه الثانية اعظم لثوابكم، واجل لصلاحكم لان الاية المنسوخة (او مثلها) اي مثلها في الصلاح لكم لانا لا ننسخ ولا نبدل الا وغرضنا في ذلك مصالحكم ثم قال يا محمد الم تعلم (ان الله على كل شيء قدير لانه قدير) يقدر على النسخ وغيره الم تعلم (ان الله له ملك السموات والارض) وهو العالم بتدبيرها ومصالحها وهو يدبركم بعلمه (وما لكم من دون الله من ولي) باصلاحكم اذ كان العالم بالمصالح هو الله عزوجل دون غيره، ولا تصير ومالكم ناصر ينصركم من مكره، ان اراد الله انزاله بكم او عذابه، ان اراد احلاله بكم، وقال محمد بن علي الباقر (عليه السلام): ومما قدر الله عليه النسخ والتنزيل لمصالحكم ومنافعكم لتؤمنوا ويتوفر عليكم الثواب بالتصديق بها فهو يفعل ما يشاء مما فيه صلاحكم والخيرة لكم ثم قال: الم تعلم يا محمد ان الله له ملك السموات والارض فهو يملكهما بقدرته ويصرفهما تحت مشيئته، فلا مقدم لما اخر، ولا مؤخر لما قدم، ثم قال الله تعالى وما لكم يا معشر اليهود والمكذبين بمحمد(صلى الله عليه وآله) والجاحدين لنسخ الشرائع من دون الله سوى الله تعالى من ولي يلي مصالحكم ان لم يدلكم ربكم للمصالح، ولا نصير ينصركم من الله يدفع عنكم عذابه، وذلك ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما كان بمكة امره الله تعالى ان يتوجه نحو بيت المقدس في صلوته يجعل الكعبة بينه وبينها اذا امكن، واذا لم يتمكن استقبل البيت المقدس كيف كان فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك دون مقامه بها ثلاث عشرة سنة، فلما كان بالمدينة، وكان متعبداً باستقبال بيت المقدس استقبله، وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً وجعل قوم من مردة اليهود، يقولون: ما درى محمد اكيف صلى حتى يتوجه الى قبلتنا، ويأخذ في صلاته بهدينا ونسكنا، فاشتد ذلك على رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما اتصل به عنهم، وكره قبلتهم، واحب الكعبة، فجاءه جبرئيل(عليه السلام) فقال له: امر الله يا جبرئيل، وددت لو صرفني الله عن بيت المقدس الى الكعبة فقد تاديت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم، فقال جبرئيل: فاسال ربك ان يحولك اليها، فانه لا يردك عن طلبتك، ولا يخيبك من بغيتك، فلما استتم دعاءه صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته، فقال اقرأ يا محمد قد (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) الايات فقالت اليهود عند ذلك (ما ولاهم عن قبلته التي كانوا عليها) فأجابهم الله احسن جواب فقال (قل لله المشرق والمغرب) وهو يملكهما، وتكليفه التحول الى جانب كتحويله لكم الى جانب اخر (يهدي من يشاء الى صراط مستقيم) هو مصلحتهم وتوديهم طاعتهم الى جنات النعيم، فقال ابو محمد (عليه السلام): وجاء قوم من اليهود الى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت اليها اربع عشرة سنة ثم تركتها الان، فحقاً كان ما كنت عليه فقد تركته الى باطل، فانما يخالف الحق الباطل او باطلاً كان ذلك، فقد كنت عليه طول هذه المدة، فما يؤمننا ان تكون الان على باطل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):بل ذلك كان حقا، وهذا حق يقول الله (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم)اذا عرف صلاحكم يا ايها العباد في استقبال المشرق امركم، واذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب امركم به، وان عرف صلاحكم في غيرهما امركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده، وقصده الى مصالحكم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): قد تركتم العمل يوم السبت ثم علمتم بعده سائر الايام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، افتركتم الحق الى الباطل او الباطل الى حق او الباطل الى باطل او الحق الى حق، قولوا كيف شئتم فهو قول محمد (صلى الله عليه وآله) وجوابه لكم، قالوا: بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق، فقال رسول الله فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق، فقالوا: يا محمد فبدا لربك فيما كان امرك به بزعمك من الصلاة الى بيت المقدس حتى نقلك الى الكعبة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما بدا له عن ذلك فانه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطاً، ولايستحدث رأياً يخالف المتقدم، جل عن ذلك ولا يقع عليه ايضاً مانع يمنعه من مراده، وليس يبدوا الا لمن كان هذا وصفه، وهو عزوجل متعال عن هذه الصفات علواً كبيراً، ثم قال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله): ايها اليهود اخبروني عن الله أليس يمرض ثم يصح، ويصح ثم يمرض أبدا له في ذلك، اليس يحيي ويميت ابدا له في كل واحد من ذلك، فقالوا: لا، قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمداً بالصلاة الى الكعبة بعد ان تعبده بالصلاة الى بيت المقدس، وما بدا له في الاول، ثم قال: اليس الله يأتي بالشتاء في اثر الصيف، والصيف في اثر الشتاء، ابدا له في كل واحد من ذلك، قالوا: لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكذلك الله لم يبدأ له في القبلة، قال: ثم قال: اليس قد الزمكم في الشتاء ان تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة، والزمكم في الصيف ان تحترزوا من الحر والبرد فبدا له في الصيف حتى امركم بخلاف ما امركم به في الشتاء، قالوا: لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): فكذلك الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء ثم تعبدكم في وقت اخر لصلاح اخر يعلمه بشيء اخر، فاذا اطعتم الله في الحالتين استحققتم ثوابه (ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله) يعني اذا توجهتم بامره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا عباد الله انتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، الا فسلموا لله امره تكونوا من الفائزين، فقيل: يابن رسول الله فلم امر بالقبلة الاولى؟ فقال: لما قال الله (ومن جعلنا القبلة التي كنت عليها) وهي بيت المقدس (الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) الا لنعلم ذلك منه وجودا بعد ان علمناه سيوجد، وذلك ان هواء اهل مكة كان في الكعبة، فاراد الله ان يبين متبع محمد(صلى الله عليه وآله)من مخالفيه باتباع القبلة التي كرهها ومحمداً، يأمر بها، ولما كان هواء اهل المدينة في البيت المقدس امرهم بمخالفتها، والتوجه الى الكعبة ليبين من يوافق محمداً فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه ثم قال (وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله) انما كان التوجه الى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة الا على من يهدي الله فعرف ان الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه»( )وهذا الحديث قد اخذ باطراف الاحتجاج والادلة على اثبات النسخ، وهدم أس شبههم، وبسط القول فيه فهو غنية عن باقي الاخبار، وكلام الاصحاب في بيان هدم حججهم، ولكن لابد من ايراد ما تمسكوا به ايضاً ليكون اجلى في الرد في العياشي عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله (ما ننسخ من اية او ننسها نأت بخير منها أو مثلها)قال: «الناسخ ما حول والمنسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعد كقوله (يمحو الله ما يشاء) قال فيفعل الله ما يشاء، ويحول ما يشاء مثل قوم يونس اذ بدأ له فرحمهم، ومثل قوله (فتول عنهم فما انت بملوم) قال ادركتهم رحمة»( ) .

وفي العياشي ايضاً عن عمر بن يزيد قال: «سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله (ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها) قال: كذبوا ما هكذا هي اذا كان ينسخها ويأتي بمثلها كيف ينسخها، قلت: هكذا قال الله، قال: ليس هذا قال تبارك وتعالى، قلت: فكيف؟ قال قال: ليس فيها الف، ولا واو قال (ما ننسخ من اية او ننسها نأت بخير منها مثلها) يقول ما نميت من امام أو ننسى ذكره نأت بخير منه من صلبه مثله»( ). وقد اختلف القائلون بالنسخ في معناه فقيل: انه ما تقدم، وهو رفع الحكم الشرعي بمثله على سبيل تراخي، وقيل: هو بيان لانتهاء الحكم، وهذا الخلاف مبني على اصل قد اختلفوا في تحقيقه في الاصول، وهو ان الامر هل يقتضي الدوام بذاته ام لا؟ فان قلنا: بالاول كان النسخ رفعاً للحكم لبقائه بالامر السابق ودوامه بمقتضى عليته، وان قلنا: بالثاني كان النسخ بياناً لا رافعاً، لان الامر السابق كان منقطعاً من حيث ذاته لعدم المقتضى لكن كانت نهاية انقطاعه غير معلومة لنا فبين بالنسخ وانقطاع المدة وانتهاء الحكم بنفسه فارتفاعه لا بالنسخ بل بانقطاعه بانتهاء مدته، واما جوازه فمعلوم عقلاً ايضاً خصوصاً على رأي العدلية اذ الاحكام عندهم معللة بالمصالح، وهي صفات عارضة لها فجاز تغيرها بتغير الاوقات والاشخاص اذ يجوز ان يكون ما هو مصلحة في وقت وبحسب شخص مفسدة في اخر والاخر خصوصاً على القول بانه بيان بانتهاء المدة، اذ الخطاب السابق ذو غاية معينة ينتهى بانتهائها فيزول بذاته، ويرد الخطاب الثاني بياناً لانتهائها، وبهذا يندفع ما قيل: ان المنسوخ ان كان حسنا قبح رفعه، وان كان قبيحاً قبح الامر به وبانه يستلزم اجتماع الحسن والقبح اذ باعتبار الامر بتحقق الاول، وباعتبار النهي يتحقق الثاني، اذ ذلك انما يلزم على تقدير اتحاد الوقت والشخص، اما مع اختلافهما فلا، وقد صرح بهذا كله في حديث تفسير العسكري المتقدم( )على ابلغ وجه وأكده ومع جوازه عقلاً فقد وقع سمعاً في جميع الشرائع، اذ قد ثبت التحريم لاشياء على نوح ثبت تحليلها لادم على ما جاء في التوراة، واحل لنوح تاخير الختان بعد ان كان فورياً على غيره، وحرم الجمع بين الاختين في شريعة موسى بعد ان كان مباحاً لنوح، وحرم على لسان موسى كثيراً مما احل لنوح، فان تمسكوا بما رووه عن موسى من قوله «تمسكوا بالسبت ابداً» رد بكذب الحديث فانه من الاحاديث المختلقة قد نسب اختلافه الى ابن الراوندي، ولو سلم فالتأييد لا يقتضي الدوام بل يدل على تطاول الازمنة وامتداد المدة كما هو عندهم في قوله «في التوراة، كل عبد خدم سبع سنين يعرض عليه العتق، فان ابى اثقبت اذنه، واستخدم ابداً مع انه جاء فيها يستخدم العبد سبعين سنة ثم يعتق» مع ان هذا الحديث لم يتواتر لانقطاع تواتره بواقعة بخت نصر فانه قتلهم الا من شذ منهم، ولهذا اختلفوا بعد ذلك في التوراة على ثلاث نسخ مختلفة، هذا وتحقيق الكلام في النسخ على ما تقرر في القواعد الحكمية مما يقرب من التحقيق في البداء، ولنزيده وضوحاً بما ذكره بعض المحققين في بعض مؤلفاته وهو: ان الامتداد الزماني الذي هو اصل التغيرات، والتبدلات المحيط بجميع الحوادث الكونية اذا اعتبرته تجده شيئاً واحداً متصلاً محيطاً بجميع الحوادث المتعاقبة، فاذا تحدثت في احوالها وجدت التعاقب فيها باعتبار حضور حدود الامداد وغيبوبتها عنك باعتبار ملاحظتك اياها من تحت الزمان المحيط، فاذا اعتبرت ذلك الى من لا تحيط به الازمنة اضمحل المتعاقب هناك، فلا تبدل ولا تغير وبسطه ان الامتداد الزماني بما يشتمل عليه كالخط لا اجزاء فيه فعلاً، وتعاقب الحوادث الواقعة تحت حيطته نسبتها اليه كنسبة الاشياء المفروضة في الخط، لان الحركات الفلكية متحدة شخصاً لان المراد بها التوسط بين الاوضاع الفرضية فيرتسم في القوة الخيالية امتداد خيالي هو الحركة بمعنى القطع والزمان مقدار ذلك الامتداد الخيالي فمن حيث انه لا جزء للامتداد لم يكن ثم للزمان جزء تلك الحركة مستتبعة لحركات المواد العنصرية في كيفياتها وكيانها فهو ايضاً حركة واحدة مستمرة تحد وحدّ والحركة الفلكية دواماً واستمراراً فكما لا جزء في الفلكية في الفعل كذلك لا جزء في العنصر به بالفعل، وحينئذ نقول: نسبته الصور المتعاقبة على المواد العنصرية نسبة الاجزاء الفرضية في الحركات الفلكية، وكذلك نسبة الكيفيات والكميات المتعاقبة من الحركتين، فلما لم يكن الكيفيات والكميات الحاصلة فيها موجودة بالفعل كذل لم تكن الصور الحاصلة في المادة بسبب تلك الحركة موجودة بالفعل، فما يظهر عند الحس من وجود تلك الصور واستمرارها وبقائها زماناً ومدة مثلما يظهر من استمرار الكيفيات والكميات في الحركتين، فان شيئاً منها لما لم يستمر ولا يبقى كذلك الصور لا تبقى ولا تستمر، ان قلت: الحس يكذب ذلك لانا نشاهد هذا البقاء مدة، قلت: ان التفاوت لقلته لا يظهر للحس فيخيل له امر واحد مستمر كما يخيل عندهم مدار الحركة المستلزمة للامتداد الذي هو مبدأ هذه التغيرات، فاذا اتقنت هذه الاصول اطلعت على بعض غوامض اسرار كثيره بل على نفائس دقائق الكونين وفيه يظهر سر النسخ اذ الاحكام المتعلقة بالاديان كالاحكام المتعلقة بالاكوان فكما ان التعاقب والتغير في الثانية بسبب الوقوع تحت حيطة الزمان كذلك الاولى، اذ منشأ الاحكام الدينية من الكلام الذي منشأه القدرة الايجادية التي هي منشأه التكوين، وكل منهما واجب الاطاعة الا انهما في الثانية وجوباً طبيعياً يمتنع التخلف عنه عقلاً، وفي الاول وجوباً وضعياً يمتنع التخلف عنه شرعاً، فحكمة النسخ وغايته مراعاة المصالح باعتبار ما يناسب العناية التي هي مقتضى خصوصيات الازمنة وما يقارنها من الاستعدادات، كما ان حكمة التكوين مراعاة المصالح بسوق الاشياء الى كمالاتها على مقتضى العناية، فحقيقة النسخ مقارنة بعض الحدود المفروضة في الحكم التشريعي المستمر للحدود المفروضة في الحكم الايجادي المستمر بحيث يحصل الانطباق على مقتضى كل واحد منها في المصلحة الناشئة عن العناية الازلية، فافهمه موفقاً فانه سر عظيم فلا تفوتك نكته ودوره المشتملة على دفع الوساوس والشبهات الا ان اهل الظاهر في غناء عن ذلك السر بما ورد عن ائمتهم(عليه السلام) وما ابدوه من الحكم المترتبة على النسخ التي لا تصل اليها العقول بدون متابعتهم صلوات الله عليهم.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496277

 • التاريخ : 20/09/2019 - 06:53