فصل في تحقيق جواز البداء عليه تعالى 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

فَصْلٌ

 

في تحقيق جواز البداء عليه تعالى

 

على مقتضى مذهب الامامية، ودفع ما شنع به العامة عليهم لخطأهم في تفسيره بالمعنى الشرعي، وهذا التحقيق يتوقف على مقدمة امام

المقصود وهي: انه لما كان البداء بالمد لغة بمعنى ظهور رأي لم يكن يقال: بدء الامر بدءواً ظهر وبدى له في هذا الامر بداء اي نشا له فيه رأي كما ذكره الجوهري وغيره، وكان هذا مما يشكل القول به في جناب الحق تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله، وهذا محال، ولذا شنع كثير من المخالفين على الامامية في ذلك نظراً الى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم حتى ان امام المشككين منهم لنصبه وعصبيته ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكياً عن سليمان بن جرير ان ائمة الرافضة، وضعوا القول بالبداء لشيعتهم فاذا قالوا انه سيكون لهم امر وشوكة ثم لا يكون الامر على ما اخبروه قالوا: بداء لله تعالى فيه، واعجب من هذا كله انه قد اغتر بهذا الكلام المحقق الاخواجا نصير الدين (رحمه الله) في كتابه نقد المحصل فأجاب موافقاً في نفي البداء لعدم احاطته كثيراً بالاخبار، لان الامامية لا يقولون بالبداء اصلاً وانما القول به ما كان الا في رواية رواها عن جعفر الصادق (عليه السلام) «انه جعل اسماعيل القائم مقامه بعده، فظهر من اسماعيل مالم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى (عليه السلام) فسأل عن ذلك فقال: بداء الله في اسماعيل»( ) وفي رواية اخرى «ما بداء الله في شيء مثلما بدأ في اسماعيل» وفي رواية، وعندهم ان خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً، فانظر الى هذا المعاند كيف اعمت العصبية عينه نسب الى ائمة الدين الذين لم يختلف مخالف ولا مؤالف في فضلهم وعلمهم وورعهم وكونهم اتقى الناس واعلاهم شأنا، ورفعة ومكاناً الكذب والحيلة والخديعة، ولم يعلم ان مثل هذه الالفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القران الكريم واخبار الطرفين كقوله تعالى (الله يستهزء بهم) ومكر الله ولنعلم، ويد الله، ووجه الله الى غير ذلك مما تقدم ذكره والكلام عليه، وقد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الامامية اكثر مما ورد في اخبارنا كخبر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) على اليهود واخبار عيسى (عليه السلام) وان الصدقة والدعاء يردان القضاء وغير ذلك وسننقل كلام طائفة من علمائهم المصرحة والمعترفة به بالمعنى الذي ذكرناه، الا انه بعد صرفه عن المعنى اللغوي خفي المعنى، وقد اضطربت فيه كلمات اصحابنا العلماء، ولنورد جملة من الاخبار والموارد به وكذلك الايات المعلنة به المفسرة لاخبار اهل البيت (عليه السلام) مثل قوله تعالى (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلاً واجل مسمّى عنده ثم انتم تمترون) ومثل قوله (لكل اجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) ومثل الاية التي وردت في الردّ على اليهود حيث قالوا: ان الله خلق الاشياء دفعة خلق حتم وقضاء، وليس له فيها شيء من البداء، ولا من النسخ وهي (قالت اليهود يد الله مغلولة غلّت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)( ). وأما الاخبار فكثيرة جداً.

فمنها ما رواه الصدوق في الامالي باسناده عن ابي بصير قال: «سمعت ابا عبدالله الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) يقول: ان عيسى روح الله مرّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء قيل: يا روح الله ان فلانة بنت فلانة تهدي الى فلان بن فلان في ليلتها هذه، قال: يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولمَ يا رسول الله؟ قال: لان صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بما قالت صدق الله وصدق رسوله وقال: اهل النفاق ما اقرب غدا، فلما اصبحوا جاؤا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله انّ التي اخبرتنا بها امس انها ميتة لم تمت؟ فقال عيسى(عليه السلام): يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب، فخرج زوجها، فقال له عيسى(عليه السلام): استاذن لي على صاحبتك، قال: فدخل عليها فاخبرها ان روح الله، وكلمته بالباب مع عدة قال: فتحذرت فدخل عليها، فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه قالت: لم اصنع شيئاً الا وقد كنت اضعه فيما مضى، انه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فنينله ما تقوته الى مثلها، وانه جاءني في ليلتي هذه وانا مشغولة بأمري واهلي في مشاغيل فهتف فلم يجبه احد، ثم هتف فلم يجبه، حتى هتف مراراً، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى انلته كما كنا نينله، فقال لها: تنحي عن مجلسك، فاذا تحت ثيابها افعى مثل جذع عاض على ذنبه فقال(عليه السلام): بما صنعت صرف عنك هذا» .

وفي العيون والكافي في الصحيح عن الريان بن الصلت قال: «سمعت الرضا (عليه السلام)يقول: ما بعث الله عزوجل نبياً الا بتحريم الخمر، وان يقر له بان الله يفعل ما يشاء».

وفي روضة الواعظين عن الاسدي عن الاسدي عن علي بن ابراهيم مثله.

وفي تفسير القمي في الصحيح ايضاً عن عبدالله بن مسكان عن ابي عبدالله (عليه السلام)في تفسير قوله تعالى (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلاً واجل مسمى عنده) قال: «الاجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذي فيه البداء يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير» ثم قال القمي في تفسيره ايضاً «وحدثني ياسر عن الرضا (عليه السلام)قال: ما بعث الله نبياً الا بتحريم الخمر، وان يقولوا بالبداء ان يفعل ما يشاء، وان يكون في تراثه الكندر».

وفي المحاسن بسند صحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام)«قال: ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاثاً: الاقرار لله بالعبودية، وخلع الانداد، وان الله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء».

وفي التوحيد بسند صحيح عن زرارة ايضاً عن أحدهما قال :«ما عبد الله عزوجل بشيء مثل البداء»، وفيه وفي الكافي ايضاً في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: «ما عظّم الله بمثل البداء» وفيهما ايضاً بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام) «وقال: ما بعث الله عزوجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبودية، وخلع الانداد، وان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء» وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم مثله وفي التوحيد والكافي بسند صحيح عن مرازم بن حكيم قال: «سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: ما تنبأ نبي قط حتى يقرّ لله تعالى بخمس: بالبداء، والمشيئة، والسجود، والعبودية، والطاعة». وفي المحاسن بسند لا يخلو عن ارسال عن مرازم ايضاً مثله، وفي التوحيد باسناده عن مالك الجهني: «قال سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الاجر ما فتروا عن الكلمة فيه».

قال شيخنا الصدوق في توحيده بعد ايراده لهذا الخبر ليس البداء كما تظنه جهال الناس بانه بداء ندامة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكن يجب علينا ان نقر لله عزوجل بانّ له البداء معناه ان له ان يبدو بشيء من خلقه فخلقه قبل شيء ثم يعدم ذلك الشيء ويبدء بخلق غيره او يامر بأمر ثم ينهى عن مثله او ينهى عن شيء ثم يامر بمثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرائع، وتحويل القبلة وعدة المتوفي عنها زوجها ولا يأمر الله تعالى عباده بامر في وقت ما، الا وهو يعلم ان الصلاح لهم في ذلك الوقت في ان يأمرهم بذلك، ويعلم ان في وقت اخر الصلاح لهم في ان ينهاهم في مثل ما امرهم به، فاذا كان في ذلك الوقت امرهم بما يصلحهم فمن اقرّ لله عزوجل بان له ان يفعل ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويخلق مكانه ما يشاء، ويقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، ويأمر بما يشاء كيف يشأ، فقد اقرّ بالبداء، وما عظّم الله عزوجل بشيء من الاقرار بان له الخلق والامر والتقديم والتأخير واثبات ما لم يكن ومحو ما قد كان، والبداء هو ردّ على اليهود لانهم قالوا: انّ الله قد فرغ من الامر، فقلنا: ان الله كل يوم في شأن يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يشاء، والبداء ليس من ندامة، وانما هو ظهور امر تقول العرب بداء اليّ شخص في طريق اي ظهر وقال عزوجل (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)اي ظهر لهم، ومتى ظهر لله تعالى من عبد صلة لرحمه زاد في عمره ومتى ظهر له نقيصة في رحمه نقص من عمره، ومتى ظهر له من عبد اتيان الزنا نقص من رزقه وعمره، ومتى ظهره له منه التعفف عن الزنا زاد في رزقه وعمره ومن ذلك قول الصادق (عليه السلام) «ما بداء الله كما بداء له في اسماعيل ابني» يقول ما ظهر لله امر كما ظهر له في اسماعيل ابني اذ اخترته قبلي ليعلم بذلك بانه ليس بامام بعدي، وقد روي لي من طريق الى الحسين الاسدي(رضي الله عنه) في ذلك شيء غريب وهو انه روي ان الصادق(عليه السلام)قال «ما بداء لله بداء كما بدى له في اسماعيل ابي اذ امر اباه بذبحه ثم فداه بذبح عظيم» وفي الحديث على الوجهين جميعاً عندي نظر الا اني اوردته لمعنى لفظ البداء، والله الموفق للثواب. وليس غرضه (رحمه الله) من قوله ان له ان يبد بشيء ان البدء مشتق من المهموز اذ قد صرح اخر بخلافه، وانما اراد ان هذا مما يتفرع عليه البداء كما هو مصرح به في خبر المروزي الاتي، وستعرف ايضاً انه لا استبعاد في صحة الخبرين الذين نفاهما، وخبر المروزي المشار اليه ما في العيون عن الرضا(عليه السلام) حيث قال لسليمان المذكور متكلم خراسان «ما انكرت من البداء يا سليمان والله عزوجل يقول (او لم ير الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا)ويقول عزوجل (وهو الذي بيده الخلق ثم يعيده) ويقول (بديع السموات والارض)ويقول عزوجل(يزيد في الخلق ما يشاء)ويقول (وبدأ خلق الانسان من طين) ويقول عزوجل (واخرون مرجون لامر الله اما يعذبهم واما يتوب عليهم)ويقول عزوجل (وما يعمّر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب)قال سليمان: هل رويت فيه عن ابائك شيئاً؟ قال: نعم رويت عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه قال: ان لله عزوجل علمين، علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه الا هو من ذلك يكون البداء، وعلماً علمه ملائكته ورسله والعلماء من اهل بيت نبيك يعلمونه، قال سليمان: احب ان تنزعه لي من كتاب الله عزوجل، قال: قال الله لنبيه (صلى الله عليه وآله)(فتول عنهم فما انت بملوم) اراد هلاكهم ثم بدى فقال (وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين)فقال سليمان: زدني جعلت فداك، قال الرضا(عليه السلام): لقد اخبرني ابي عن آبائه ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)قال: ان الله اوحى الى نبي من انبيائه ان اخبر فلان الملك اني متوفيه يوم كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعى الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا رب اجلني حتى يشب طفلي واقضي امري، فاوحى الله عزوجل الى ذلك النبي ان ائت فلاناً الملك، فاعلمه اني قد أنسيت اجله، وزدت في عمره خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي: يا رب انك لتعلم اني لم اكذب قط، فأوحى الله عزوجل اليه، انما انت عبد مأمور فابلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل ،ثم التفت الى سليمان، فقال: احسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب، فقال: اعوذ بالله من ذلك وما قالت اليهود قال: قالت اليهود (يد الله مغلولة)يعنون ان الله قد فرغ من الامر فليس يحدث شيئاً فقال الله عزوجل (غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا) ولقد سمعت قوماً سألوا ابي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن البداء، فقال: وما ينكر الناس من البداء، وان الله يقف قوماً يرجئهم لامره قال سليمان: الا تخبرني عن (انا انزلناه في ليلة القدر) في اي شيء انزلت؟ قال: يا سليمان ليلة القدر يقدر الله عزوجل فيها ما يكون من السنة الى السنة من حياة او موت او خير او شر او رزق، فما قدره في تلك الليلة فهو من المحتوم، قال سليمان: الان قد فهمت جعلت فداك فزدني، قال: يا سليمان ان من الامور اموراً موقوفة عند الله تعالى يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، يا سليمان ان عليّاً (عليه السلام)كان يقول العلم علمان، فعلم علمه الله ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله، فانه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه احد من خلقه يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ويثبت ما يشاء، قال سليمان للمأمون: يأ أمير المؤمنين لا انكر بعد يومي هذا البداء، ولا اكذب به ان شاء الله»( ) .

وفي الاحتجاج عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: «لولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان وما يكون، وما هو كائن الى يوم القيامة» وهي هذه الاية (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)( ).

وفي الامالي والتوحيد باسناد لا يخلو عن اعتبار عن الاصبغ بن نباتة عن علي(عليه السلام)مثله، وفي كتاب قرب الاسناد في الصحيح عن البزنطي قال: «قلت للرضا(عليه السلام) ان رجلاً من اصحابنا سمعني وانا اقول: ان مروان بن محمد لو سئل عنه صاحب القبر ما كان عنده منه علم فقال الرجل: انما عنى بذلك ابو بكر وعمر، فقال: لقد جعلهما في موضع صدق، قال جعفر بن محمد (عليه السلام): ان مروان ابن محمد لو سئل عنه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان عنده منه علم لم يكن من الملوك الذين سمّوا له، وانما كان امراً طرأ، قال ابو عبدالله، وابو جعفر، وعلي ابن الحسين، والحسين بن علي، والحسن بن علي، وعلي ابن ابي طالب(عليهم السلام) ولولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون الى ان تقوم الساعة (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)»( ) وهذا الحديث صدره من غوامض الاسرار المودعة في الاخبار، والظاهر انّ المراد منه ان مروان بن محمد هو الذي من خلفاء بني امية، وكانت خلافته من الامور الغريبة والاحوال العجيبة كما يظهر من السير والتواريخ القديمة والقريبة ان خلافته كانت من الامور البدائية التي لم تصل الى النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته فلو كان (صلى الله عليه وآله)سئل في حياته عن هذا الامر لم يكن له علم خاص بذلك، لان مروان لم يكن من الملوك التي سمّوا للنبي(صلى الله عليه وآله) فالمراد بصاحب القبر الرسول (صلى الله عليه وآله) ولما حمله السامع على الشيخين قال(عليه السلام) «قد جعل هذا الرجل هذين المطرودين في موضع صدق واكرمهما، حيث جعلهما جاهلين بهذا الامر حسب، وليسا بمعرض العلم في الامور المغيبة حتى ينفي خصوص ذلك عنهما» هكذا حقق هذا الخبر( )، وفي تفسير القمي في قول (وقالت اليهود يد الله مغلولة)الى قوله (بل يداه مبسوطتان) قال: «قالوا قد فرغ الله من الامر لا يحدث الله غيره ما قدره في التقدير الاول فرّد الله عليهم فقال (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) اي يقدم ويؤخر ويزيد وينقص، وله البداء والمشيئة»( )، ولا عبرة بما ذكره اكثر المفسرين من العامة والخاصة في تفسير هذه الاية من الوجوه( ) لانها غير منصوصة مثل قولهم: ان سبب النزول هو ان القوم انما قالوا ذلك على الالزام، فانهم لما سمعوا قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قالوا: فاذا احتاج الى القرض كان فقيراً عاجزاً، ومثله قولهم فيها ان القوم لما رأوا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غاية الشدة والفقر، قالوا: على سبيل الاستهزاء ان اله محمد فقير مغلول اليد، ومثله ايضاً قولهم: انه كان فيهم من كان على مذهب الفلاسفة وهو انه تعالى موجب لذاته، وان حدوث الحوادث عنه لا يمكن الا على نهج واحد وسنن واحد، وانه تعالى غير قادر على احداث الحوادث، فعبروا على عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغلّ اليد، الى غير ذلك من الوجوه التي لا ثمرة فيها الا التكلف، والحامل لهم على ذلك انكار البداء لعدم الرشد له والهدي .

وفي تفسير القمي ايضاً في الصحيح باسناده عن الفضيل بن يسار عن ابي جعفر(عليه السلام) «قال: قلت له: جعلت فداك بلغنا ان لال جعفر راية، ولال العباس رايتين، فهل انتهى اليك من علم ذلك شيء؟ قال: امّا آل جعفر فليس بشيء، ولا الى شيء، واما آل العباس فان لهم ملكاً مبطأ يقربون فيه البعيد، ويباعدون فيه القريب، وسلطانهم عسر ليس فيه يسر حتى اذا امنوا مكر الله، وامنوا عقابه صيح فهم صيحة لا يبقى لهم مثال، ولا يجمعهم ولا يسمعهم، وهو قول الله (حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازينت) قلت: جعلت فداك فمتى يكون ذلك؟ قال:اما انه لم يوقت لنا فيه وقت، ولكن اذا حدثناكم بشيء، فكان كما نقول فقولوا: صدق الله ورسوله، وان كان بخلاف ذلك، فقولوا: صدق الله ورسوله تؤجروا مرتين» الحديث( ).

وفيه في تفسير قوله تعالى (لكل اجل كتاب) في الصحيح عن ابن مسكان عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: «اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة الى سماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة، فاذا اراد الله يقدم شيئاً او يؤخره او ينقص شيئاً امر الملك ان يمحو ما يشاء ثم اثبت الذي اراد قلت: وكل شيء هو عند الله مثبت في كتاب؟ قال: نعم، قلت: فاي شيء يكون بعده؟ فقال: سبحان الله ثم يحدث الله تبارك وتعالى ما يشاء»( ). والاخبار الواردة في تحقيق البداء المفسرة للايات وغيرها اكثر من ان تحصى، وسيجي الكلام على متعلق البداء، وتبيين انه هو العلم الذي تفرد به ولم يطلع عليه ملائكته وانبيائه غالباً، وان محله اللوح الثاني، وهو لوح المحو والاثبات لا اللوح المحفوظ الذي هو امّ الكتاب، واما كلام العلماء منّا وبعض علماء العامة ممن اقرّ به على رغم انف اصحابه.

فمنها: ما ذكره السيد الداماد (قدس سره) في رسالة نبراس الضياء التي وضعها لتحقيق معنى البداء حيث قال: البداء بداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الامر التشريعي والاحكام التكليفية نسخ فهو في الامر التكويني، والمكونات الزمانية بداء، فالنسخ كانه بداء تشريعي، والبداء كأنه نسخ تكويني، ولا بداء في القضاء ولا بالنسبة الى جانب القدس الحق والمفارقات المحضة من ملائكة القدسية، وفي متن الدهر الذي هو ظرف طلق الحصول الدهر القار والثبات البات ووعاء عالم الوجود كله، وانما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو افق التقضي والتجدد وظرف التدريج والتعاقب وبالنسبة الى الكائنات الزمانية ومن في عالم الزمان والمكان واقليم المادة والطبيعة، وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات الامر التكويني وانتهاء اتصال الافاضة، ومرجعه الى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الافاضة الا انه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حد حصوله انتهى كلامه(قدس سره) وبحضرة القدس سره .

ومنها: ما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي، وشيخه ملا صدرا في شرحه على الاصول، وهو انّ القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الامور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الامور، بل انما ينتقش فيها الحوادث شيئاً فشيئاً، وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر، فان ما يحدث في العالم الكون والفساد، فانما هو من لوازم حركات الافلاك المسخرة لله تعالى ونتائج بركاتها فهي تعلم كلما كان كذا كان( ) فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث امر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، وربما تأخر بعض الاسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الاسباب لولا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب( ) ثم لما جاء اوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الاول فمحى عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الاخر مثلاً لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لاسباب تقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به، وكان موته بتلك الاسباب مشروطاً بان لا يتصدق، فتحكم اولاً بالموت، وثانياً بالبرء، واذا كانت الاسباب لوقوع امر ولا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان احدهما بعد لعدم مجيء اوان سبب ذلك الرجحان بعد  كان لها التردد في وقوع ذلك الامر ولا وقوعه، فينتقش فيها الوقوع تارة واللا وقوع اخرى، فهذا هو السبب في البداء والمحو والاثبات والتردد وامثال ذلك في امور العالم، فاذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي(صلى الله عليه وآله) او الامام(عليه السلام)وقرأ فيها بعض تلك الامور فله ان يخبر بما رآه بعين قلبه( ) او شاهده بنور بصيرته او سمع باذن قلبه، واما نسبة ذلك كله الى الله تعالى فلان كلها يجري في العالم الملكوتي انما يجري بارادة الله تعالى، بل فعلهم بعينه فعل الله تعالى حيث انهم (لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون) اذ لا داعي لهم على الفعل الا ارادة الله تعالى لاستهلاك ارادتهم في ارادته تعالى، ومثلهم كمثل الحواس للانسان كلما هم بامر محسوس امتثلت الحواس لما هم به، فكل كتابة تكون في هذه الالواح والصحف فهو ايضاً مكتوب لله تعالى بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الاول فيصح ان يوصف الله نفسه بامثال ذلك بهذا الاعتبار، وان كان مثل هذه الامور يشعر بالتغير والسنوح وهو تعالى منزه عنه، فان كلما وجد او سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته( ).

ومنها: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء انّ الامور كلها عامها وخاصها ومطلقها ومقيدها ومنسوخها وناسخها ومفرداتها ومركباتها واخباراتها وانشاءاتها بحيث لا يشد عنها شيء منتقشة في اللوح، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلوية والنفوس السفلية قد يكون الامر العام المطلق والمنسوخ جسماً تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيظان في ذلك الوقت ويتأخر المبين الى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، وهذه النفوس العلوية وما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو والاثبات، والبداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.

ومنها: ما ذكره السيد المرتضى(رضي الله عنه) في جواب مسائل اهل الراي وهو انه قال: المراد بالبداء النسخ وادعى انه ليس بخارج عن معناه اللغوي( ). وقريب منه ما ذكره شيخ الطائفة الطوسي في العدة الاصولية الا انه صرح بان اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع والتجوز قال: وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد على الصادقين(عليهم السلام)( ). ويمكن تطبيقه على الوجه الذي ذكره المحقق الداماد.

ومنها: ما ذكره الصدوق رئيس المحدثين عطر الله تربته في دار التخليد في كتاب التوحيد، وقد قدمنا لك تلك العبارة برمتها فكن على تذكر منها، ونظر وتسديد .

ومنها: ما ذكره شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) ايضاً في كتاب الغيبة بعد ايراد اخبار البداء حيث قال: الوجه في هذه الاخبار ان نقول: ان صحت انه لا يمتنع ان يكون الله تعالى قد وقت هذا الامر في الاوقات التي ذكرت فلما تجدد ما تجدد، وتغيرت المصلحة واقتضى تأخيره الى وقت اخر، وكذلك فيما بعد ويكون الوقت الاول، وكل وقت يجوز ان يؤخر مشروطاً بان لا يتجدد ما يقتضي المصلحة تأخيره الى ان يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء فيكون محتوماً، وعلى هذا تتناول ما روي في تنقيص الاعمار عن اوقاتها الى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم وغير ذلك، وهو تعالى وان كان عالماً بالامرين فلا يمتنع ان يكون احدهما معلوماً بشرط والاخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين اهل العدل، وعلى هذا يتناول ايضاً ما روي من اخبارنا المتضمنة للفظ البداء وتبيّن ان معناها النسخ على ما يريده جميع اهل العدل فيما يجوز فيه النسخ او تغير طريقها ان كان سبيله الخبر عن الكائنات، لان البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع ان يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظن خلافه او نعلم ولا نعلم شرطه، فمن ذلك ما رواه سعد عن ابن عيسى عن البزنطي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قال علي بن الحسين (عليه السلام) وعلي بن ابي طالب قبله، ومحمد بن علي وجعفر بن محمد(عليهم السلام) : كيف لنا بالحديث مع هذه الاية(يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) فاما من قال: ان الله تعالى لا يعلم الشيء الا بعد كونه فقد كفر، وخرج عن التوحيد»( ). وقد روى سعد بن عبدالله عن ابي هاشم الجعفري قال: «سأل محمد بن صالح الارمني ابا محمد العسكري (عليه السلام) عن قول الله عزوجل (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) فقال ابو محمد (عليه السلام)وهل يمحو الا ما كان، ولا يثبت الا ما لم يكن فقلت: في نفسي هذا خلاف ما يقول هشام بن الحكم انه لا يعلم الشيء حتى يكون ونظر اليّ ابو محمد (عليه السلام) فقال: تعالى الجبار العالم بالاشياء قبل كونها»( )، والحديث مختصر.

والوجه في هذه الاخبار ما قدمنا ذكره من تغير المصلحة فيه واقتضائها تأخير الامر الى وقت اخر على ما بيناه دون ظهور الامر له تعالى، فانا لا نقول به ولا نجوزه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً انتهى .

ومنها: ما اورده بعض الفضلاء في بعض رسائله من انه عبارة عن القضاء السابق اعتماداً على كلام ابن الاثير الشافعي في النهاية الاثيرية، وهو من البعيد غاية البعد عن ساحة تلك الاخبار المستفيضة التي قدمنا اكثرها، وهي مما تأباه أشد الاباء كما لا يخفى على الناظر فيها بعين الانصاف.

ومنها: اورد الفاضل النحرير المحقق ابن ابي جمهور الاحسائي في حواشيه على كتابه غوالي اللئالي وهو موقوف على تمهيد مقدمة هي: ان القضاء هو الامر الكلي الواقع في العالم العقلي المسمى بعالم الملكوت وعالم الغيب وعالم الامر واللوح المحفوظ، والقدر هو تفصيل ذلك القضاء الواقع في الوجود الخارجي والعالم الحسي المسمى بعالم الملك وعالم الشهادة وعالم التقدير( )، والفرق بين الامرين بيّن لا يكاد يشتبه، وبهذا يظهر معنى قول امير المؤمنين (عليه السلام) وباب مدينة سيد النبيين(عليهما السلام) «لما مرّ يوماً بجنب حائط مائل، فأسرع في المشي، فقيل له: اتفر يا امير المؤمنين من قضاء الله تعالى؟ قال: افرّ من قضاء الله الى قدره»( )، ويتضح ان مراده اني افر من ذلك الامر الكلي المشروط بشرائطه الى ما هو مقدر تابع للشرائط على ما يقتضيه العلم الالهي المتعلق به معنى، ويتضح قول النبي(صلى الله عليه وآله) «فرغ الله من اربع: الخلق والرزق والاجل والخلق» فلما سمع اليهود هذا قالوا: ان الله تعالى الان معطل لانه قد فرغ من الامور كلها فقال(عليه السلام) «كلا ليس الامر كذلك فانه يوصل القضاء الى القدر» ومعناه ان تفصيل الجزئي يجب مطابقته للامر الكلي ووقوعه على تربيته، ويسمى الاول علم القضاء، والثاني علم القدر، ويجوز الفراغ من القضاء الالهي، ولكن لا يجوز الفراغ من القدر التابع له، فان ايصال القضاء القدر ووقوع القدر بموجب القضاء واجب بل هو فعله وشأنه بحكم قوله تعالى (كل يوم هو في شأن)والقدر هو موطن البداء وتلك التجددات والتقضيات نتائجه .

ومنها: ما اختاره بعض المحققين من مشايخنا المتأخرين وهو اوضح الطرق واقربها الى الانطباق على الاخبار الواردة عن اهل البيت (عليهم السلام) وهو ان البداء المنسوب الى الله تعالى معناه ان يبدُ له في الشيء فيثبت بعد عدمه وتركه مختاراً مع علمه بأصله وعلمه بانه سيفعله في المستقبل لاغراض ومصالح وغايات سبق العلم بها على التفصيل ولا يحدث له من معلومها شيء لم يكن معلوماً له سابقاً ليلزم نسبة الجهل الى قدسه تعالى عن ذلك وكذلك يبدو له في الشيء فيمحوه بعدما اثبته دفعاً، لما اثبت مع العلم السابق به على التفصيل وليس بظهور شيء له غير معلوم عنده بل كل ذلك عن علم سابق مفصل عنده، كما يقتضيه وجوب الوجود وكمال العلم، ولا يبدُ له من جهل كما هو مصرح به في الروايات المنقولة عنهم(عليهم السلام) .

منها ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله (عليه السلام)«قال: ما بداء الله في شيء الا كان في علمه قبل ان يبدو له»( ).

ومنها ما روا ايضاً في الكتاب باسناده عن عمرو بن عثمان الجهني عنه (عليه السلام) «قال: انّ الله لم يبدُ له من جهل».

ومنها ما رواه عن منصور بن حازم: «قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام)هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالامس؟ قال: لا من قال هذا فاخزاه الله، قلت: أفرايت ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة الذي في علم الله؟ قال: بلى، قبل ان يخلق الخلق»( ) فالبداء منه سبحانه لمحو المثبت، واثبات غير المثبت مسبوق بعلمه الازلي، وليس البداء من جهل لان علمه الازلي السابق على الاكوان والازمان متعلق بكل كائن الى يوم القيامة سابق على جميع الخلق كما ثبت في موضعه، وليس البداء مخصوصاً بالمحو فقط بل يشمل الاثبات ايضاً كما سبقت اليه الاشارة وهو مفاد قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)( ) وهذا مصرح به في الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) حيث قالوا «وهل يجيء الا ما كان، وهل يثبت الا ما لم يكن»( ) قال: والظاهر ان مقالة البداء تكون في مقابلة من رفع الاختيار عن الله تعالى بمعنى ان شاء فعل، وان شاء ترك في استمرار الوجود، ويقول: بتحصل العلل التامة بمقارنة العناية الالهية في الازل فيما ينبغي في جميع الامور وكافة الشؤون فلا يتخلف شيء منها ليتجه فيه التبديل ويتفق فيه التغيير، وقد سبقت الاشارة الى ذلك كله في المقدمة وكذلك هو في مقابلة قول اليهود حيث قالوا: فيما حكى الله سبحانه عنهم (وقالت اليهود يد الله مغلولة)( )يعني انه قد فرغ من الامر فلا يحدث شيئاً بعد كما رويناه عن العالم(عليه السلام)وغيره (عليهم السلام)وقد سلف نقله فقال الله تعالى في الرد عليهم (غلّت ايديهم ولعنوا بما قالوا)( ) وليس معنى الاية ما اورده المخالفون في تفاسير كتفسير القاضي البيضاوي، وكتفسير الرازي وغيرهما وقد تقدم جملة من كلامهم( ) في ذلك ونبهنا على ما تكلّفوه لانه خلاف ما خرج من العيون الصافية، وما ورد عن العترة النبوية الهادية، وتفصيل هذا القول واجماله هو ما ذكره المجلسي في بحاره حيث قال: ولنذكر ما ظهر لنا من الايات والاخبار بحيث تدل عليه النصوص الصحيحة الصريحة ولا تأبى عنه العقول السليمة الصحيحة وبالله التوفيق وهو انهم(عليهم السلام) انما بالغوا في البداء رداً على اليهود الذين يقولون انّ الله قد فرغ من الامر وعلى النظام وبعض المعتزلة الذين يقولون: ان الله  خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الان معادن ونباتاً وحيواناً وانساناً ولم يتقدم خلق آدم على ما خلق اولاده والتقدم انما يقع في ظهورها لا في حدوثها وجودها، وانما اخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وعلى بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية، وبان الله تعالى لم يؤثر حقيقة الا في العقل الاول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه وينسبون الحوادث الى هؤلاء فنفو(عليهم السلام) ذلك واثبتوا انه تعالى (كل يوم هو في شأن) من اعدام شيء واحداث اخر واماتة شخص واحياء اخر الى غير ذلك لئلا يترك العباد التضرع الى الله ومسألته واطاعته والتقرب اليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم وليرجوا عند التصدق على الفقراء وصلة الارحام وبرّ الوالدين والمعروف والاحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك.

ثم اعلم ان الايات والاخبار تدل على انّ الله تعالى خلق لوحين اثبت فيهما ما يحدث من الكائنات، احدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه اصلاً، وهو مطابق لعلمه تعالى، والاخر لوح المحو والاثبات فيثبت فيه شيئاً ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على اولي الالباب مثلاً يكتب فيه ان عمر زيد خمسون سنة، ومعناه ان مقتضى الحكمة ان يكون عمره كذا اذا لم يفعل ما يقتضي طوله او قصره، فاذا وصل الرحم مثلاً يمحي الخمسون ويكتب مكانه ستون، واذا قطعها يكتب مكانه اربعون، وفي اللوح المحفوظ انه يصل وعمره ستون كما ان الطبيب الحاذق اذا طلع على مزاج شخص يحكم بان عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فاذا اشرب سموماً او قتله انسان فنقص من ذلك او استعمل دواء قوى مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب والتغير الواقع في هذا اللوح مسمّى بالبداء، اما لانه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء والاستهزاء والسخرية وامثالها او لانه يظهر للملائكة او للخلق اذا اخبروا بالاول خلاف ما عملوا اولاً واي استبعاد في تحقق هذين اللوحين وأية استحالة في هذا المحو والاثبات حتى يحتاج الى التأويل والتكلف ،وان لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الاحاطة بها مع ان الحكم فيه ظاهرة منها انه يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطلعين عليه لطفه تعالى بعباده وايصالهم في الدنيا الى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة .

ومنها: ان يعلم العباد باخبار الرسل والحجج (عليهم السلام) ان لاعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح امورهم، ولاعمالهم السيئة تأثيراً في فسادها فيكون داعياً لهم الى الخيرات صارفاً لهم عن السيئات فظهر ان لهذا اللوح تقدماً على اللوح المحفوظ من جهة لصيرورته سبباً لحصول بعض الاعمال فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله، فلا يتوهم انه بعدما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو والاثبات.

ومنها: انه اذا اخبر الانبياء والاوصياء احياناً من كتاب المحو والاثبات ثم اخبروا بخلافه يلزمهم الاذعان به، ويكون في ذلك تشديد للتكليف عليهم تسبيباً لمزيد الاجر لهم كما في سائر ما يبتلي الله عباده به من التكاليف الشاقة، وايراد الامور التي تعجز اكثر العقول عن الاحاطة بها، ويمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين على الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين .

ومنها: ان يكون هذه الاخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج اولياء الله وغلبة الحق وأهله كما روى في قصة نوح (عليه السلام) حين اخبروا بهلاك القوم ثم اخر ذلك مراراً، وكما روي في فرج اهل البيت(عليهم السلام) وغلبتهم لانهم(عليهم السلام) لو كانوا اخبروا الشيعة في اول ابتلائهم باستيلاء المخالفين وشدة محنتهم انه ليس فرجهم الا بعد الف سنة والفي سنة ليئسوا ورجعوا عن الدين، ولكنهم اخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، وربما اخبروهم بانه يمكن ان يحصل الفرج في بعض الازمنة القريبة ليثبتوا على الدين ويثابوا بانتظار الفرج كما مر في خبر امير المؤمنين صلوات الله عليه .

وروى الكليني عن محمد بن يحيى واحمد بن ادريس عن محمد بن احمد عن السيّاري عن الحسن بن علي بن يقطين عن اخيه الحسين عن ابيه علي بن يقطين قال: «قال لي ابو الحسن (عليه السلام): الشيعة تربي بالاماني منذ مائتي سنة، قال: وقال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا؟ قيل لنا فكان، وقيل لكم فلا يكون( )؟ قال: فقال له علي: ان الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير ان امركم حضر فاعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، وان امرنا لم يحضر فعللنا بالاماني، فلو قيل لنا: ان هذا الامر لا يكون الا الى مائتي سنة وثلثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامة الناس عن الاسلام، ولكن قالوا: ما اسرعه وما اقربه تالفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج»( ) وقوله «قيل لنا» اي في الخلافة العباسية، وكان من شيعتهم او في دولة ال يقطين، وقيل «لكم» اي في امر القائم(عليه السلام) وظهور فرج الشيعة .

وروى ايضاً باسناده عن الفضيل بن يسار عن ابي جعفر «قال: قلت: لهذا الامر وقت؟ قال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، انّ موسى (عليه السلام) لما خرج وافداً الى ربه واعدهم ثلاثين يوماً، فلما زاده على الثلاثين عشراً، قال قومه: قد اخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فاذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم، فقولوا: صدق الله، واذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم، فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين»( ). وقد جاءت اخبار كثيرة في كتاب النبوة في أبواب قصص نوح وموسى وشعيب(عليهم السلام)، وفي كتاب الغيبة( ) في هذا المعنى فاخبارهم(عليهم السلام) بما يظهر خلافه ظاهراً من قبيل المحملات والمتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها وبيانها وقولهم يقع الامر الفلاني الذي يأتي فعله ان كان كذا او ان لم يقع الامر الفلاني الذي فيه ولم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، فمعنى قولهم (عليهم السلام) «ما عبد الله بمثل البداء»( ) ان الايمان بالبداء من اعظم العبادات القلبية لصعوبة معارضة الوساوس الشيطانية فيه ولكونه اقراراً بان له الخلق والامر، وهذا اركان التوحيد او المعنى انه من اعظم الاسباب والدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت، وكذا قولهم «ما عظّم الله بمثل البداء»( ) تحتمل الوجهين وان كان الاول فيه اظهر، واما قول الصادق(عليه السلام) كما في الاخبار المتقدمة «لو علم الناس بالقول في البداء من الاجر ما فتروا عن الكلام فيه»( ) فلما مرّ ايضاً من ان اكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء اذ لو اعتقدوا ان كل ما قدر في الازل فلابد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شيء من مطالبهم، وما تضرعوا اليه وما استكانوا لديه ولا خافوا منه ولا التجأوا اليه الى غير ذلك من المطالب بما أومأنا اليه، وأما ان هذه الامور من جملة الاسباب المقدرة في الازل ان يقع الامر بها لا بدونها فمما لا يصل اليه عقول اكثر الخلق، فظهر ان هذا للوح وعليهم بما يقع فيه من المحو والاثبات اصلح لهم من كل شيء، واما علماء اهل الخلاف الذين ساعدونا على القول به في الجملة عند ارتكاب طريق الانصاف واجتناب منهج الاعتساف، فمنهم بعض شرّاح مشكاة المصابيح قال: اذا علم الله تعالى ان زيداً يموت سنة خمسمائة استحال ان يموت قبلها او بعدها، فاستحال ان تكون الاجال التي عليها علم الله ان تزيد او تنقص، فتعين تأويل زيادة العمر ونقصانه الواردين في الاخبار النبوية انهما بالنسبة الى ملك الموت او غيره ممن، وكل بقبض الارواح وامر بالقبض بعد اجال محدودة فانه تعالى بعد ان يأمره بذلك يمحو او يثبت في اللوح المحفوظ بما ينقص منه او يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء وهو معنى قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)( )، وعلى ما ذكر يحمل قوله تعالى (ثم قضى اجلاً واجل مسمى عنده)( ) فالاشارة بالاجل الاول الى ما في اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت، وبالاجل الثاني الى قوله (وعنده ام الكتاب)( ) وقوله تعالى (اذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)( ) انتهى ومن المستبين ان هذه الطريقة جارية في جميع انواع البداء وعامة أقسام المحو والاثبات، وهذا قريب مما اورده الفاضل الامين الاسترابادي عطر الله مرقده في بعض فوائده وقد ذكر امام المشككين في تفسيره الكبير في آية (يمحو الله ما يشاء)( ) وجوهاً من التفسير لا تنطبق الا على مذهبنا من البداء، وقد نسب لنا غيره وشنّع علينا، وذلك لجهله في مذهبنا او لشدة عصبيته وتوغله في التشييع، واما الكلام على ما يصح فيه البداء وما لا يصح فيه، وبيان تحقيقه فما قاله الشيخ عطر الله مرقده في الغيبة على اثر كلامه السابق الذي اشرنا اليه في ما سبق ما نصّه، فان قيل: هذا يؤدي الى ان لا نثق بشيء من أخبار الله تعالى، قلنا: الاخبار على ضربين ضرب لا يجوز فيه التغير في مخبراته فانا نقطع عليها لعلمنا بانها لا يجوز تغير الخبر في نفسه كالاخبار عن صفات الله تعالى وعن الكائنات فيما مضى او كالاخبار بانه يثيب المؤمنين، والضرب الاخر هو ما يجوز ما تغيره في نفسه لتغير المصلحة عند تغير شروطه، فانا نجوز جميع ذلك الاخبار عن الحوادث في المستقبل، الا ان يرد الخبر على وجه يعلم ان مخبره لا يتغير فحينئذ نقطع بكونه، ولاجل ذلك قرن الحتم بكثير من المخبرات، فاعلمنا انه مما لم يتغير اصلاً فعند ذلك يقطع به انتهى كلامه زيد اكرامه( )، وقضيته ان الاخبار الجزئية البتية المعلوم تحتم وقوعها الواردة على وجه يعلم ان مخبرها لا يتغير ولا يتبدل لا تقبل البداء ولا يتطرق اليها التغير والتبديل والمحو والاثبات، واما مالم يسلك به ذلك السبيل ولم ينتظم في مسلك ذلك القبيل من الاخبار، فيجوز البداء فيها ولا يستلزم ذلك عدم الوثوق باخباره تعالى كما ظنه السائل، وعلى هذا التفصيل عوّل بعض مشائخنا المحققين، وبهذا يندفع التدافع الذي اشرنا اليه في حديث مناظرة الرضا (عليه السلام)لسليمان بن حفص المروزي الذي نقلناه آنفاً من التوحيد، ويحصل التوفيق بين الكلامين الذين ظن تدافعهما وتنافيهما من لم يكن له قدم راسخ في التحصيل ولا سهم وافر من احداقة قائلاً ان قضية الكلام الاول المتضمن للبداء في خبر النبي بموته وقوع البداء في أخبار الانبياء(عليهم السلام)،وقضية الكلام الثاني امتناع البداء فيما علمه سبحانه انبياءه ورسله طبق صحيحة لفضيل بن يسار عن الباقر(عليه السلام) ووجه التوفيق ان الكلام الاول محمول على الاخبارات التي يجوز تغيرها في نفسها لتغير المصالح عند تغير شروطها وتبدل جهات حسنها وقبحها فيجوز فيها بالبداء كما ذكره الشيخ(رحمه الله) في الغيبة( ) ومن تأمل تأملاً صادقاً في سوق ذلك الكلام لم يمتنع عنده نظمه في ذلك القبيل وتسليكه في تلك السبيل، وبعد فالذي يستبين لي ان في تجويز البداء في اخبارات الانبياء والرسل (عليهم السلام) اذ لم تقترن بالتحتم والاينيات ولم ترد على وجه يعلم ان مخبرها لا يتغير وانه متعيّن التحتم متحتم التكوين ولم يزد على وجه الجزم واسلوب البت الصريح نظراً لاستلزامه التغير من الانبياء(عليهم السلام) واعزاء المتكلفين بالجهل، وتكذيب الانبياء والرسل معلوم ان الحكمة الالهية تأبى ذلك لما فيه من السفه ونقض الغرض، وقد اشار الى ذلك ابو جعفر الباقر (عليه السلام) في صحيحة الفضيل بن يسار المروية في الكافي حيث قال: «العلم علمان: علم علّمه ملائكته ورسله وأنبيائه، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه احد، يحدث فيه ما يشاء»( ) وفي العياشي عن الفضيل ابن يسار عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: «ان الله لم يدع شيئاً كان او يكون الا كتبه في كتاب، فهو موضوع بين يديه ينظر اليه، وما شاء منه قدم، وما شاء منه اخر، وما شاء منه كان، وما لم يشأ منه لم يكن»( ) .

وفي العياشي ايضاً عن الفضيل قال: «سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: من الامور امور محتومة جارية لا محالة، ومن الامور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء، ويمحو منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء لم يطلع على ذلك احد يعني الموقوفة، وأما ما جاءت الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا انبياءه ولا ملائكته»( ).

وفي العياشي ايضاً عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبدالله في قوله (ثم قضى اجلاً وأجل مسمى عنده)قال: «الاجل الذي غير مسمى موقوف يقدم منه ما شاء، ويؤخر منه ما شاء، واما الاجل المسمى فهو الذي ينزل مما يريد من ليلة القدر الى مثلها من قابل، فذالك قول الله (اذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)»( ).

وفيه عن حمران ابي عبدالله «قال سألته عن قول الله تعالى (ثم قضى اجلاً واجل مسمى عنده) ثم قال المسمى ما سمّى لملك الملكوت( ) في تلك الليلة، وهو الذي قال الله (اذا جاء اجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وهو الذي سمى لملك الموت في ليلة القدر، والاخر له فيه المشيئة ان شاء قدمه وان شاء اخره»( ) .

وفيه عن حمران ايضاً قال: «سألت ابا عبدالله عن قول الله تعالى (قضى اجلاً وأجل مسمى) قال: فقال: هما اجلان: اجل موقوف يصنع الله فيه ما يشاء، واجل محتوم»( ).

وفي رواية حمران ايضاً عنه (عليه السلام) «اما الاجل الذي هو غير مسمى عنده، فهو اجل موقوف يقدم فيه ما يشاء ويؤخر فيه ما يشاء، واما الاجل المسمى هو الذي يسمى في ليلة القدر»( ). والاخبار بهذا المعنى كثيرة الا انه قد جاء بازاء هذه الاخبار اخبار اخرى تدل على العكس منها مثل خبر الحصين المروي في العياشي ايضاً عن ابي عبدالله(عليه السلام) في قوله (قضى اجل وأجل مسمى عنده) قال: «ثم قال ابو عبدالله (عليه السلام): الاجل الاول هو ما نبذه الى الملائكة والرسل والانبياء، والاجل المسمى عند هو الذي ستره الله على الخلائق»( ). ومثله خبر ابن مسكان ايضاً فهما يدلان على ان الاجل الذي فيه البداء هو المسمى، وسائر الاخبار كما سمعت انه هو المقضي، ويشكل الجمع بينها الا ان يقال: صدر بعضها موافقاً لبعض العامة او انه اشبه على بعض الروات او انّ احد التأويلين من بطون الاية، وامّا كلام المفسرين في الاية سيما مفسري العامة فلهم اختلاف واقوال في تفسير الاجلين:

الاول: ان المقضى اجال الماضين والمسمى عنده اجال الباقين.

الثاني: ان الاول اجل الموت، والثاني اجل القيامة لان مدة حياتهم في الاخرة لا اخر لها.

الثالث: ان الاجل الاول ما بين ان يخلق الى ان يموت، والثاني ما بين الموت والبعث.

الرابع: ان الاول النوم، والثاني الموت.

الخامس: ان الاول ما انقضى من عمر كل واحد، والثاني مقدار مقدار ما بقي من عمر كل واحد.

السادس: وهو قول حكماء الاسلام لكل انسان اجلين: احدهما الاجال الطبيعية، والثاني الاجال الاخترامية، اما الاجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن العوارض الخارجية انتهت مدة بقائه الى الوقت الفلاني، واما الاجال الاخترامية فهي التي تحصل بالاسباب الخارجية كالغرق والحرق وغيرهما من الامور المنفصلة، ونحن بحمد الله في غناء عن هذه الوجوه بعد ورود تلك الادلة الصحيحة الصريحة المتكثرة المفصلة والموضحة للاجلين المذكورين في الاية مع ما يعضدها من الاخبار والرواية في خصوص بعض الوقائع والحوادث، وما جاء على وجه الكلية التي لم نذكر الا شطراً منها، وهي كما سمعت متطابقة في الدلالة على امتناع البداء في العلم الذي علمه ملائكته ورسله وانه سيكون البتة، وان كان قد ورد مطلقاً او عاماً الا انّ التعليل يومي الى الخصوص حيث علله بانه لا يكذب نفسه وملائكته ورسله، وهذا التعليل كما ترى يشعر بان ما لا ينجر بالاخرة الى تكذيب حججه ونقض عرضه، فلابأس بجواز البداء فيه كما تقدم في قضية الملك والنبي، فان عدم انجرار البداء فيها الى التكذيب ظاهر لا يخفى على ذي مسكة، ولاختلاف الدلالتين عموماً وخصوصاً اختلف كلام المحققين من علماءنا في المراد من ذلك، ولعل الاوجه تخصيص العموم بما ينجر الى التكذيب ونقض الغرض لتتلائم الاخبار ويتفق النظم والعقل في هذا المضما،ر ومن المتأخرين من خصص بما علمه الملائكة والرسل للتبليغ كلاحكام الدينية وما يحد وحدوها ويجري مجراها من الاخبارات التبليغية قال عطر الله مرقده في حواشي الاصول( ) في حل الخبر المذكور، ولعل المراد تقسيم العلم الى علم علمه الملائكة والرسل للتبليغ فما فيه من الاخبار سيكون البتة وعلم لم يامر بتبليغه كالمعدود من الغيب، وهذا علم مخزون لم ينزله على احد للتبليغ والمفاض منه ومن الداخل فيه على النفوس العلوية وما يتلوها يجري فيه التقدم والتأخر قال فقوله «فعلم عند الله مخزون» الى اخره تفصيل لقسمي علمه سبحانه فاحدهما العلم المخزون عنده سبحانه الذي لم يجعل احداً من خلقه مطلعاً عليه، وثانيهما العلم الذي علمه ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله للتبليغ والارسال فانه سيكون ولا يدخله التغيير لان دخول التغيير فيما يبلغه الرسل منه سبحانه ينجر الى تكذيب المخبر به والحكيم لا يفعل ما ينقض غرضه وينجر الى تكذيب ملائكته ورسله او لتكذيب نفسه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والعلم المخزون عنده يقدم منه ما يشاء فعله من المثبت في العلويات والمفاض على السفليات وغير المثبت المخزون ويدخله في الوجود ويؤخر ما يشاء وترك فعله سواء كان مثبتاً في كتاب المحو والاثبات أو لم يكن ويثبت ما يشاء اتيانه فيه ما لم يكن مثبتاً، ويمحو ما يشاء محوه منه بعدما كان مثبتاً فيه، وما في كتاب المحو والاثبات ليس معدوداً من علمه تعالى انما يفاض من علمه سبحانه سواء كان معلوماً او داخلاً فيه ذلك الكتاب على وفق الحكم حسب تهيؤ الكتاب لقبول ما هو متهيء له ولا يلحق المحو الا الداخل في معلومه من المفاض انتهى.

بقي هنا شيء وهو انه سمعت بما ظهر من الاخبار المتقدمة ان البداء لا يقع عليه فيما يصل الى الملائكة والانبياء(عليهم السلام) ويظهر في كثير منها وقوع البداء فيما وصل اليهم ايضاً، ويمكن الجمع بينهما بوجوه:

الاول: ان يكون المراد بالاخبار الاولة عدم وقوع البداء فيما وصل اليهم على سبيل التبليغ بان يؤمر تبليغه فيكون اخبارهم بها من قبل انفسهم لا على وجه التبليغ.

الثاني ان يكون المراد بالاولة الوحي، ويكون ما يخبرون به من جهة الالهام واطلاع نفوسهم على الصحف السماوية، وهذا اقرب من الاول .

الثالث: ان تكون الاولة محمولة على الغالب، فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة .

الرابع: ما اشار اليه الشيخ(قدس سره)( ) من ان المراد بالاخبار الاولة عدم وصول الخبر اليهم واخبارهم على سبيل الحلم، فيكون اخبارهم على قسمين: احدهما ما اوحى اليهم انه عن الامور المحسوسة، فهم يخبرون كذلك ولا بداء فيه، وثانيهما ما يوحى اليهم لا على هذا الوجه فهم يخبرون كذلك، وربما اشعروا ايضاً باحتمال وقوع البداء فيه كما قال امير المؤمنين(عليه السلام) بعد الاخبار بالسبعين( ) ويمحو الله ما يشاء، وهذا وجه قريب.

الخامس: ان يكون المراد باخبار الاولة لا يخبرون بشيء لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق لئلا يوجب تكذيبهم بل لو اخبروا بشيء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما اخبروا به كخبر عيسى(عليه السلام) والنبي(صلى الله عليه وآله) حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما.

وبقي هنا اخبار مشكلة غامضة تتعلق بالبداء قد وقع الكلام عليها من أئمة العلماء وفحول الجهابده من اهل التحقيق وأرباب الهدى:

منها: ما في الكافي والعياشي باسناديهما عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «سالته عن قول الله عزوجل (قضى اجلاً واجل مسمى عنده) قال هما اجلان: اجل محتوم، واجل موقوف»( ) قلت: الذي قضا قضاء مقترن بالامضاء اجل محتوم لازم ثابت، والذي سماه جعله معلماً بالعلامات في تقديره اجل موقوف، فان قضاه وامضاه حتم، وان قضى غيره قضى بالامضاء لم يقع سواء» وقد سلف  نقلاً عن بعض الاعلام من المخالفين في شرح مشكاة المصابيح ان الاشارة بالاجل الاول الى ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وهو قابل للنقصان والزيادة، وبالاجل الثاني الى قوله (وعنده ام الكتاب)وهو السابق في علمه، فيستحيل ان يزيد وينقص.

ومنها: ما رواه ايضاً عطر الله مرقده في الكتاب المذكور عن مالك الجهني قال: «سألت ابا عبدالله (عليه السلام)عن قول الله عزوجل (او لم ير الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) قال: لا مقدراً ولا مكونا، قال: وسألته عن قوله (هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) قال: كان مقدراً غير مذكور» لعل المراد بالخلق في الاية الاولى التقدير، ويمكن ان يراد به الاحداث لعيني كما جوزه بعض المحققين، فعلى الاول يكون معناه قدرنا الانسان او وجوده ولم يكن نوع الانسان مسبوقاً لكونه مقدراً او مكوناً في فرد، وعلى الثاني يكون معناه اوجدناه ولم يكن ايجاداً مسبوقاً بايجاد سابق فقوله في الاية الثانية «كان مقدراً غير مذكور» لعل المراد غير مثبت في كتاب المحو والاثبات او غير مذكور لما تحت اللوح المحفوظ او نحو ذلك.

ومنها: ما رواه ايضاً، وقد تقدم ذكره باسناده الى معلى ابن محمد قال: «سئل العالم(عليه السلام) كيف علم الله؟ قال: علم وشاء، وأراد وقدر، وقضى وأمضى، فامضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما اراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الارادة، وبارادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الامضاء، فالعلم متقدم المشيئة، والمشيئة ثانية والارادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالامضاء، فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شا،ء وفيما اراد لتقدير الاشياء، فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء، فالعلم بالمعلوم قبل كونه، والمشيئة في المشاء قبل عينه، والارادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء بالامضاء، وهو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون وريح ووزن وكيف وما دب ودرج، من انس وجن وطير وسباع، وغير ذلك مما يدرك بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فاذا وقع العين المفهوم من المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، فبالعلم علم الاشياء قبل، وبالمشيئة عرف من صفاتها وحدودها وأشباهها قبل اظهارها، وبالارادة ميز انفسها من الوانها وصفاتها، وبالتقدير قدر اقواتها وعرف اولها واخرها، وبالقضاء ابان للناس اماكنها ودلهم عليها، وبالامضاء شرح عللها وابان امرها، وذلك بتقدير العزيز العليم»( ). وقد شرحناه فيما سبق شرحاً وافياً فلا تكن في غفلة عنه، ونزيده هنا بياناً فنقول:

الظاهر من السؤال انه كيف علم الله أبعلم مستند الى الحضور العيني والشهود في وقته لوجود عيني او في وجود عيني كما في علومنا او يعلم مستند الى الذات سابق على خلق الاشياء متعلق بالمكونات قبل تكوينها، فاجاب(عليه السلام)بانّ العلم سابق على وجود المخلوق بمراتب فقال «علم وشاء وأراد وقدر، وقضى وامضا» فالعلم ما به ينكشف الشيء، والمشيئة ملاحظة باحوال مرغوب فيها توجب فينا ميلاً دون المشيئة له سبحانه لتعاليه عن التغيير والاتصاف بالصفة الزائدة، والارادة تحريك الاشياء نحوه بحركة نفسانية فينا، بخلاف الارادة فيه سبحانه، والقدر التحديد وتعيين الحدود، والقضاء والايجاد والامضاء هو الايجاد على وفق القضاء فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب .

وقوله (عليه السلام) «فامضا ما قضى» الى اخره اي فاوجد ما اوجب، واوجب ما قدر، وقدر ما اراد ثم زاده ايضاحاً وبياناً فقال: «فبعلمه كانت المشيئة» وهي مسبوقة بالعلم وبمشيئة كانت الارادة، وهي مسبوقة بالمشيئة، وبارادته كان التقدير، والتقدير مسبوق بالارادة، وبتقديره كان القضاء والايجاد، وهو مسبوق بالتقدير حيث لا ايجاب الا لمحدد الوقت معين الحدود بقضائه، وايجابه كان الامضاء، والايجاد والعلم متقدم على المشيئة، وهو الاول بالنسبة اليها، والمشيئة ثانية، والارادة ثالثة، والتقدير واقع وقوعاً سابقاً على القضاء والايجاب لله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، فان الدخول في العلم اول مراتب السلوك الى الوجود العيني وله البداء بعدم الايجاد فيما علم متى شاء ان يبدو، وفيما اراد وحرّك الاسباب نحو تقديره متى شاء قبل القضاء والايجاب، فاذا وقع والايجاب متلبساً بالامضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه وحصوله في الاذهان والاعيان، وفي المشاء والمشيئة قبل عينه ووجوه العيني الخارجي، ويمكن ان يكون المراد به الانشاء قبل الاظهار والادخال في الموجود العيني كما في اخر الحديث، وفي المراد الارادة قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها وحضورها العيني في أوقاتها، والقضاء بالامضاء هو المبرم الذي يلزمه وجود المقضي، وبقية شرح هذاالحديث يجب مراجعة مما سبق.

ومنها: ما رواه عطّر الله مضجعه في الكتاب المذكور عن الصادق (عليه السلام) في مرسلة جهم بن ابي جهم قال: «ان الله عزوجل اخبر محمداً (صلى الله عليه وآله) بما كان منذ كانت الدنيا، وبما يكون الى انقضاء الدنيا، واخبره بالمحتوم من ذلك، واستثنى عليه فيما سواه»، ولعل المراد منه انه تعالى اخبر بكليات كائنات وعظامها المعتد بشانها، وامهات الحوادث او بكلها على وجه كلي اجمالي، وقانون يستنبط فيه التفاصيل والجزئيات، ويمكن ان يكون مجازاً عن كمال استعداده(صلى الله عليه وآله) للانتقاش بالامور الغيبية، وايّا ما كان اما مرسلاً والعلاقة لا تخفى او استعارة تبعية، ويمكن خروج الكلام مخرج التمثيل، ثم لا يخفى عليك ان المستفاد من هذا الخبر ان المحتوم المثبوت من الاخبار ومتعلق المحو والاثبات وما فيه البداء، والاستثناء معلومان له (صلى الله عليه وآله) فما كان محتوماً مبتوتاً اخبر به على ذلك السبيل، وما كان فيه البداء والاستثناء ويرد فيه المحو والاثبات استثنى فيه ان اخبر به، وحينئذ لا يلزم التنفير ولا التكذيب، وهذا تفصيل قريب.




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2494812

 • التاريخ : 18/09/2019 - 01:35