فصل في أنه تعالى لا يجوز عليه الرؤية البصرية 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

فصل

 

في أنه تعالى لا يجوز عليه الرؤية البصرية

 

وهذا مما اجمعت عليه الامامية كما دلت عليه الايات القرآنية والاخبار المتواترة الجلية وهو مذهب اهل الاعتزال قاطبة، وذهب المشبهة

والكرامية الى جواز رؤيته تعالى في الجهة والمكان لكونه تعالى عندهم جسماً كما سمعت، وذهبت الاشاعرة وقاطبة الى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة والجهة والمكان، والكل من هؤلاء قد تمسك بأدلة وشبه سنأتي على نقضها بعد تحريرها.

اما دليل المحيلين للرؤية مطلقاً: كالامامية والمعتزلة والخوارج فتمسكوا( ) بانه لو جاز رؤيته تعالى لرايناه الان والتالي باطل بطلاناً ظاهراً، اما بيان الشرطية فهو انه لو جاز رؤيته تعالى لجاز في الحالات كلها انه ـ اعني جواز الرؤية ـ حكم ثابت له اما لذاته أو لصفة لازمة لذاته فلا يتصور انفكاكه عنه في شيء من الازمنة فجازت رؤيته الان قطعاً، واذا جاز رؤيته الان لزم ان نراه الان، لانه اذا اجتمعت شرائط الرؤية في زمان وجب حصول الرؤية في ذلك الزمان والا لجاز ان يكون بحضرتنا جبال شاهقة، ونحن لا نراها، وهذه سفسطة رافعة للثقة عن القطعيات. وشرائط الرؤية تسعة( )امور:

الاول: سلامة الحاسة ولذلك يختلف مراتب الابصار بحسب اختلاف سلامة الابصار، وينتفي بانتفائها.

والثاني: كون الشيء جائز الرؤية مع حضوره للحاسبة.

والثالث: مقابلته للباصرة في جهة من الجهات او كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآءت.

والرابع: عدم غاية الصغر فان الصغر جداً لايدركه البصر قطعاً .

والخامس: عدم غاية اللطافة بان يكون كثيفاً اي ذا لون في الجملة، وان كان ضعيفاً.

والسادس: عدم غاية البعد وهو مختلف بحسب قوة الباصرة وضعفها.

والسابع: عدم غاية القرب فانّ المبصر اذا التصق بسطح البصر بطل ادراكه بالكلية .

والثامن: عدم الحجاب الحائل وهو الجسم الملون المتوسط بينهما .

والتاسع: وهو الذي لم يتعرض له في الاكثر، وان كان لازم الاشتراط وهو ان يكون مضيئاً بذاته او بغيره، ثم لا يعقل من هذا الشرائط في حق رؤية الله الا سلامة الحاسة وصحة الرؤية لكون الست البواقي منها مختصة بالاجسام، وهما حاصلان الان .

الثاني: توقف الرؤية على المقابلة كما هو معلوم من الضرورة بالتجربة هي او ما في حكمها نحو المرئي في المرآة وانها اي المقابلة مستحيلة في حق الله تعالى لتنزهه عن المكان والجهة.

الثالث: ان شرطها الانطباع، وهي ان الرؤية انطباع صورة من المرئي في الحاسة وهو على الله محال اذ لا يتصور له صورة تنطبع في حاسة.

واما الادلة السمعية من الكتاب والسنة فكثيرة ولكن السنة على الايات القرانية فلنكتف بذكرها لاشتمالها عليها وهو على بعض الادلة العقلية المومأ اليها فيما تقدم ففي كتاب الامالي في الصحيح عن ابن بزيع عن الرضا(عليه السلام) في قول الله عزوجل (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار)قال: «لا تدركه أوهام القلوب، فكيف تدركه ابصار العيون»( ) وهذه الاية التي اشتمل عليها الخبر احدى الدلائل التي تمسك بها النافون للرؤية وقرّروها بوجهين، احدها: ان ادراك البصر عبارة شائعة في الادراك بالبصر اسناداً للفعل الى الالة والادراك بالبصر هو الرؤية بمعنى الاتحاد المفهومين او تلازمها، والجمع المعرف باللام عنه عدم قرينة العهدية للعموم والاستغراق باجماع اهل العربية والاصول وائمة التفسير، وبشهادة استعمال الفصحاء وصحة الاستثناء، والله سبحانه قد اخبر انه لا يراه احد في المستقبل فلو رأه المؤمنون في الجنة لزم الكذب في قوله تعالى، وهو محال، وعورض بان اللام في الجمع لو كان للعموم والاستغراق كما ذكرتم كان قوله تدركه الابصار موجبة كلية وقد دخل عليها النفي فرفعها هو رفع الايجاب الكلي، ورفع الايجاب الكلي سلب جزئي، ولو لم يكن للعموم كان قوله (لا تدركه الابصار)سالبة مهملة في قوة الجزئية، فكان المعنى لا تدركه بعض الابصار، ونحن نقول بموجبه حيث لا يراه الكافرون، ولو سلّم فلا نسلم عمومه في الاحوال والاوقات، فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جميعا بني( )الادلة. واجيب عن ذلك بانه قد تقرر في موضعه ان الجمع المحلا باللام عام نفياً واثباتاً في المنفي والمثبت كقوله تعالى (وما الله يريد ظلماً للعباد وما على المحسنين من سبيل) حتى انه لم يرد في سياق النفي في الكتاب الكريم الا بمعنى عموم النفي، ولم يرد لنفي العموم اصلاً، نعم، قد اختلف في النفي الداخل على لفظ كل لكنه في القرآن المجيد ايضاً بالمعنى الذي ذكرناه كقوله تعالى (والله لا يحب كل مختال فخور) الى غير ذلك من الايات وقد اعترف بما ذكرناه في شرح المقاصد( ) وبالغ فيه، واما منع عموم الاحوال والاوقات فلا يخفى فساده فان النفي المطلق الغير المقيد لا وجه لتخصيصه ببعض الاوقات اذ لا ترجح لبعضها على بعض، وهو أحد الادلة على العموم عند علماء الاصول، وايضاً صحة الاستثناء دليل عليه، وهل يمنع احد صحة قولنا: ما كلمت زيداً الا يوم الجمعة، ولا اكلمه الا يوم العيد فقال الله تعالى (ولا تعضلوهن) الى قوله (الا ان يأتين)( ) وقال (ولا تخرجوهن) الى قوله (الا ان يأتين)( ) وايضاً كل نفي ورد في القرآن بالنسبة الى ذاته تعالى فهو للتأييد وعموم الاوقات سيما في مثل هذه الاية في الامالي باسناده من الموثق من اسماعيل ابن الفضل قال: «سألت ابا عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، يا ابن الفضل ان الابصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الالوان والكيفيات» .

وفي التوحيد والعيون والامالي بسند حسن عن الهروي قال: «قلت لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه اهل الحديث ان المؤمنين يزورون ربّهم في منازلهم في الجنة؟ فقال: يا ابا الصلت ان اللّه تبارك وتعالى فضل نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله) على جميع خلقه من النبيين والملائكة، وجعل طاعتهم طاعته ومتابعته متابعته، وزيارتهم في الدنيا والاخرة زيارته» ثم ساق حديثاً طويلاً الى ان قال: «وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله)من ابغض اهل بيتي وعترتي لم يراني ولا اكراه يوم القيامة قال (عليه السلام) ان فيكم من لا يراني بعد ان يفارقني، يا ابا الصلت ان الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يدرك الابصار ولا الاوهام» الخبر( )، ورواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلاً مثله وفي الامالي بسند صحيح عن ابن ابي عمير عن ابراهيم الكرخي قال: «قلت للصادق (عليه السلام) ان رجلاً رأى ربه عزوجل في منامه فما يكون ذلك؟ فقال: ذلك رجل لا دين له، ان الله تبارك وتعالى لا يرى في اليقضة، ولا يرى في المنام، ولا في الدنيا ولا في الاخرة»( ) .

وفي الاحتجاج في خبر الزنديق الذي سأل امير المؤمنين (عليه السلام) عما توهمه من التناقض في القران قال (عليه السلام): «وأما قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) ذلك في موضع ينتهى فيه اولياء الله عزوجل بعدما يفزع من الحساب الى نهر يسمى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون من اخر فتنضر وجوههم، فيذهب عنهم كل قذىً ووعث، ثم يؤمرون يدخلون الجنة، فمن هذا المقام ينظرون الى ربهم كيف يثيبهم ومنه يدخلون الجنة( ) فذلك قوله (الى ربها ناظرة) والناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة الم تسمع الى قوله تعالى (فناظرة بم يرجع المرسلون) اي منتظرة بم يرجع المرسلون واما قوله (ولقد راه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى) يعني محمداً (عليه السلام) حين كان عنده سدرة حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله وقوله في اخر الاية (ما زاغ البصر وما طغى لقد راى من آيات ربه الكبرى) راى جبرئيل(عليه السلام) في صورته مرتين هذه المرة ومرة اخرى، وذلك ان خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم وصورتهم الا رب العالمين» الخبر( ) .

وفي الاحتجاج ايضاً عن يونس بن ظبيان قال: «دخل رجل على ابي عبدالله(عليه السلام)فقال له: ارايت الله حين عبدته؟ قال له: ما كنت اعبد شيئاً لم اره، قال: وكيف رأيته؟ قال:لم تره الابصار بمشاهدة العيان، ولكن راءته القلوب بحقائق الايمان لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس معروف بغير تشبيه»( ) وفي الاحتجاج ايضاً عن عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله(عليه السلام) في قوله (لا تدركه الابصار) قال: «احاطة الوهم ألاترى الى قوله (قد جاءتكم بصائر من ربكم) ليس يعني بصر العين (فمن أبصر فلنفسه) ليس يعني من البصر (ومن عمى فعليها) ليس يعني عمى العيون، انما عنى احاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب، الله اعظم من ان يرى بالعين»( ) . ورواه الصدوق في التوحيد بسند صحيح عن عبدالله بن سنان مثله وقوله(عليه السلام) «الله اعظم من ان يرى بالعين» في هذين الخبرين تفريع على ما سبق اي اذا لم يكن مدركاً بالاوهام فيكون اعظم من ان يكون مدركاً بالعين. ويحتمل ان يكون المعنى انه اعظم من ان يشك او يتوهم فيه انه مدرك بالعين حتى يتعرض لنفسه فيكون دليلاً على ان يكون المراد بالابصار الاوهام .

وفي الاحتجاج عن احمد بن اسحاق قال: «كتبت الى ابو الحسن علي بن محمد (عليه السلام)أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق؟ فكتب (عليه السلام) لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفد فيه البصر، فمتى انقطع الهواء عدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي وجوب اتصال الضبابين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه، فثبت انه لا يجوز عليه سبحانه الرؤية بالابصار، لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات»( ) .

وفي التوحيد بسند صحيح عن احمد بن اسحاق قال: «كتبت الى ابي الحسن الثالث(عليه السلام) أسأله عن الرؤية، وما فيه الناس؟ فكتب لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفد به البصر، فاذا انقطع الهواء، وعدم الضياء عن الرائي والمرئي وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات»( )، ومعنى هذا الحديث  انه قد استدل (عليه السلام)على نفي جواز الرؤية البصرية بانها تستلزم كون المرئي جسمانياً ذا جهة، وذلك لانه لابد ان يكون بين الرائي والمرئي هواء ينفده البصر، وعلى هذا تكون الرؤية بخروج الشعاع، وان امكن ان يكون كتابه عن تحقق الابصار بذلك وتوقفه عليه، فاذا لم يكن بينهما هواء وانقطع الهواء وعدم الضياء الذي هو من شرائط الرؤية عن الرائي والمرئي لم الرؤية بالبصر، وكان في ذلك اي في كون الهواء بين الرائي والمرئي الاشتباه يعني شبه كل منهما بالاخر، يقال اشتبه اذا اشبه كل منهما بالاخر يقال: اشتبها اذا اشبه كل منهما الاخر، لان الرائي متى ساوى المرئي وماثله في النسبة الى السبب الذي اوجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه ومشابهة احدهما الاخر في توسط الهواء بينهما، وكان في ذلك التشبيه اي كون الرائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزاً، ذا صورة وضعية، فان كون الشيء في طرف مخصوص من ظرفي الهواء وتوسط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة ومتحيزاً وذا وضع وهو المراد بقوله «لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات». ويحتمل ان يكون ذلك تعليلاً لجميع ما ذكر من كون الرؤية متوقفة على الهواء الى آخر ما ذكرو حاصله يرجع الى ما ادّعاه جماعة من اجل الحق من العلم الضروري، بان الادراك المخصوص المعلوم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن ان يتعلق بما ليس في جهة والا لم يكن للبصر مدخل فيه ولا كسب لرؤيته، بل المدخل في ذلك للعقل فلا وجه حينئذ لتسميته ابصاراً.

والحاصل ان الابصار بهذه الحاسة يستحيل ان يتعلق بما ليس في جهة بديهة والا لم يكن لها مدخل فيه، وهم قد جوزوا الادراك بهذه الجارحة الحاسة، وايضاً هذا النوع من الادراك ويستحيل ضرورة ان يتعلق بما ليس في جهة مع قطع النظر عن ان يتعلق بهذه الحاسة يستدعى الجهة والمقابلة، وما ذكره الفخر الرازي( ) من ان الضروري لا يصير محلاً للخلاف وان الحكم المذكور مما يقتضيه الوهم ويعين عليه، وهو ليس مامونا لظهور خطائه في الحكم بتجسم الباري تعالى لتحيزه، وما ظهر خطأ مرة فلا يؤمن، بل يتهم، ففاسد لان خلاف بعض العقلاء في الضروريات جائز كالسوفسطائية والمعتزلة في قولهم بانفكاك الشيئية والوجود، وثبوت الحال، واما قوله بانه حكم الوهم الغير المأمون فطريف جداً لانه منقوض بجميع احكام العقل لانه ايضاً مما ظهر خطاؤه مراراً وجميع الهدسيات والحسابيات، وايضاً مدخلية الوهم في الحكم المذكور ممنوع، وانما هو عقلي صرف عندنا، وكذلك ليس كون الباري تعالى متحيزاً مما يحكم به ويجزم بل هو تخيلي يجري سائر الاكاذيب في ان الوهم وان صوره دخيلة الينا لكن العقل لا يكاد يجوزه، بل يحيله ويجزم ببطلانه، وكون ظهور الخطأ مرة سبباً لعدم ائتمان الخطى واتهامه ممنوع ايضاً والا قدح في الحسيات وسائر الضروريات، وقد تقرر بطلانه في موضعه في رد شبه القادحين في الضروريات .

وفي التوحيد والكافي بسند صحيح عن صفوان بن يحيى قال: «سالني ابو قرة المحدث ان أدخله الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فاذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والاحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال ابو قرة: انّا روينا ان الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين نبييّن، فقسم لموسى(عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله) الرؤية، فقال ابو الحسن(عليه السلام) فمن المبلغ عن الله عزوجل الى الثقلين الجن والانس (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار) (ولا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء)( ) محمد (صلى الله عليه وآله) قال: بلى، قال فكيف يجيء رجل الى الخلق جميعاً، فيخبرهم انه جاء من عند الله، وانه يدعوهم الى الله بامر الله ويقول (لا تدركه الابصار) (ولا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء) ثم يقول: انا رأيته بعيني، وأحطت به علما وهو على صورة البشر، اما يستحيون ما قدرت الزنادقة ان ترميه بهذا يكون يأتي عن الله بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه اخر، قال ابو قرة: فانه يقول (ولقد راه نزلة اخرى) فقال ابو الحسن (عليه السلام): ان بعد هذه الاية تدل تعلى( ) ما راى حيث قال (ما كذب الفؤاد ما راى) يقول ما كذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله) ما رات عيناه ثم اخبر بما راى فقال (لقد رأى من ايات ربه الكبرى) فآيات الله غير الله وقد قال (ولا يحيطون به علماً) فاذا رأته الابصار، فقد احاطت به العلم وقعت المعرفة، فقال ابو قرة: فتكذب الرواية( )، فقال ابو الحسن(عليه السلام): اذا كانت الروايات مخالفة للقران كذبت بها، وما اجمع المسلمون عليه انه لا يحاط به علم ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شيء»( ) .

واعلم ان المفسرين قد اختلفوا في تفسير تلك الايات اعني قوله (ما كذب الفؤاد ما رآه) فاحتملوا كون ضمير الفاعل في رأى راجعاً الى النبي (صلى الله عليه وآله) والى الفؤاد قال القاضي البيضاوي في تفسيره: ما كذب الفؤاد ما رأى ببصره من صورة جبرئيل أو الله اي ما كذب الفؤاد بصره بما حكاه له فان الامور القدسية تدرك اولاً بالقلب ثم ينتقل منه الى البصر او ما قال فؤاده لما رأءه لم اعرفك، ولو قال ذلك كان كاذباً لانه عرفه بقلبه كما رأه بصره او ما رأه بقلبه، والمعنى لم يكن تخيلاً كاذباً، ويدل عليه انه (عليه السلام)سئل هل رأيت ربك فقال: «رأيته بفؤادي» وقريء ما كذب اي صدقه ولم يشك فيه (افتمارونه على ما يرى)افتجادلونه عليه من المرأى وهو المجادلة انتهى( ) قوله تعالى (ولقد راه نزلة اخرى) قال الرازي في تفسيره( ) يحتمل الكلام وجوهاً ثلاثة:

الاول: الرب تعالى، والثاني: جبرئيل، والثالث: الاية العجيبة الالهية انتهى اي ولقد رأه نازلاً نزلة اخرى، فيحتمل نزوله(صلى الله عليه وآله) ونزول مربّيه، فاذا عرفت محتملات تلك الاية عرفت استخافة استدلالهم بها على جواز الرؤية ووقوعها بوجوه:

الاول: يحتمل ان يكون المرئي جبرئيل اذ المرئي غير مذكور في اللفظ، وقد اشار امير المؤمنين(عليه السلام) الى هذا الوجه في الخبر السابق، وروى مسلم في صحيحه باسناده عن زرارة عن ابن عبدالله قال:«(ما كذب الفؤاد ما رأى) قال: رأه جبرئيل له ستمائة جناح»( ) . وروى ايضاً باسناده عن ابي هريرة (ولقد رآه نزلة اخرى) قال «رأه جبرئيل(عليه السلام) بصورته له الخلقة الاصلية»( ).

الثاني: ما ذكره(عليه السلام) في هذا الخبر، وهو قريب من الاول، لكنه اعمّ من الثالث: ان يكون ضمير الرؤية راجعاً الى الفؤاد فعلى تقرير رجوع الضمير الى الله عزوجل لا فساد فيه. الرابع: على تقرير ان يكون ارجاع الضمير اليه(عليه السلام) وكون المرئي هو الله تعالى، المراد بالرؤية غاية مرتبة المعرفة ونهاية الانكشاف، واما استدلاله(عليه السلام) بقوله تعالى (ليس كمثله شيء) فهو اما لان الرؤية تستلزم الجهة والمكان وكونه جسماً أو جسمانياً او لان الصورة التي تحصل منه في المدركة يشبهه قوله(عليه السلام) حيث قال: اي اولاً قبل هذه الايات، وانما ذكر عليه ذلك لبيان ان المرئي قبل هذه الاية غير مفسر بل انما يفسره ما سيأتي بعدها قوله(عليه السلام) «وما اجمع المسلمون عليه» اي اجتمع المسلمون على حقية مدلول ما في الكتاب مجملاً ، والحاصل الكتاب قطعي السند متفق عليه بين جميع الفرق فلا يعارضه الاخبار المختلفة المتخالفة التي تفردتم بروايتها، ثم اعلم انه (عليه السلام) اشار في هذا الخبر الى دقيقة غفل عنها الاكثر، وهي ان الاشاعرة وافقونا في ان كنهه تعالى يستحيل ان يتمثل في قوة عقلية حتى ان المحقق الدواني نسبه الى الاشاعرة موهماً اتفاقهم عليه وجوزو ارتسامه وتمثله في قوة جسمانية وتجويز ادراك القوة الجسمانية لها دون العقلية بعيد عن العقل مستغرب واشار (عليه السلام) الى ان كل ما ينفي العلم بكننه تعالى من السمع ينفي الرؤية ايضاً، وان الكلام ليس في رؤية عرض من اعراضه تعالى، بل في رؤية ذاته وهو نوع من العلم بكنهه تعالى .

وفي التوحيد في الصحيح عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لما اسري بي الى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قط، فكشف لي فاراني الله عزوجل من نور عظمته ما أحب»( ).

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح عن ابي هاشم الجعفري عن ابي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: «سألته عن الله عزوجل هل يوصف؟ فقال: اما تقرأ القرآن، قلت: بلى، قال: اما تقرأ قوله عزوجل (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار) قلت: بلى، قال فتعرفون الابصار، قلت: بلى، قال: وما هي، قلت: ابصار العيون، فقال:ان اوهام القلوب اكبر من ابصار العيون فهو لا تدركه الاوهام، وهو يدرك الاوهام، ومعنى اكبرية اوهام القلوب اعمّها ادراكاً، فهو اولى للتعرض لنفيه»( ) .

وفي التوحيد عن ابي هاشم الجعفري ايضاً قال: «قلت لابي جعفر بن الرضا (عليهما السلام)(لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار) قال: يا ابا هاشم اوهام القلوب ادق من ادراك العيون، انت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدركها ببصرك، فاوهام القلوب لا تدركه، فكيف ابصار العيون»( ) .

ورواه في الاحتجاج ايضاً عن الجعفري مثله، وفي التوحيد باسناد صحيح عن مرازم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربه عزوجل يعني بقلبه»( ) وتصديق ذلك ما مرّ من الروايات وما سياتي كما في خبر محمد بن الفضيل المروي في التوحيد قال: «سألت ابا الحسن (عليه السلام) هل راى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربّه عزوجل؟ فقال: نعم، بقلبه رأى اما سمعت الله عزوجل يقول (ما كذب الفؤاد ما رأى) لم يره بالبصر رأه بالفؤاد»( ) .

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن حفص بن سالم او غيره قال: «سألت ابا عبدالله (عليه السلام)عن قول الله عزوجل (لقد رأى من ايات ربه الكبرى) قال: رأى جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح، قد ملا ما بين السماء والارض»( ) .

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن يعقوب بن اسحاق قال: «كتبت الى ابي محمد (عليه السلام)أسأله كيف يعبد العبد الرب، وهو لا يراه فوقع؟ (عليه السلام) ياابا يوسف جل سيدي ومولاي، والمنعم عليّ وعلى ابائي ان يرى، قال: وسألته هل يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربه فوقع؟ (عليه السلام) ان الله تبارك وتعالى ارى رسوله بقلبه من نور عظمته ما احب»( ) .

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح عن صفوان عن ابن حميد قال: «ذاكرت ابا عبدالله(عليه السلام) فيما يرون من الرؤية، فقال: الشمس جزءً من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزءً من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءً من نور السرادقات( ) فان كانوا صادقين فليملؤا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب»( ) ولعل قوله (عليه السلام) «الشمس جزء من سبعين جزء» الى اخره تمثيل وتنبيه على عجز القوى الجسمانية، وبيان لان لادراكها حداً لا تتجاوزه. ويحتمل ان يكون تنبيهاً بضعف القوى الظاهرة على ضعف القوى الباطنة اي لا يقدر بصرك في رأسك على تحديق النظر الى الشمس فكذلك لا تقدر عين قلبك على مطالعة شمس ذاته وانوار تجلاله، والاول اظهر .

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح عن البزنطي عن ابي الحسن الموصلي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: «جاء حبر الى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا امير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت لعبد رباً لم اره، قال: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان»( ).

وفيه باسناده عن ابي بصير عن ابي عبدالله(عليه السلام) «قلت له اخبرني عن الله عزوجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم، وقد راءه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم (الست بربكم قالوا بلى)ثم سكت ساعة، ثم قال: وانّ المؤمنين ليرونهم في الدنيا قبل يوم القيامة الست تراه في وقتك هذا، قال ابو بصير، فقلت له جعلت فداك افاحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فانك اذا حدثت به فانكره منكر جاهل لمعنى ما تقوله، ثم قدر ان ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون»( ) .

وفي الامالي والتوحيد باسناده عن عبدالله بن عباس في قوله عزوجل (فلما افاق قال سبحانك اني تبت اليك وانا اول المؤمنين) قال: «يقول سبحانك تبت اليك من ان اسألك رؤية، وانا اول المؤمنين بانك لاترى»( ).

قال الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد بعد ذكره لهذا الخبر ان موسى(عليه السلام) علم ان الله عزوجل لا يجوز عليه الرؤية، وانما سأل الله عزوجل ان يريه ينظر اليه عن قومه حين الحوا عليه في ذلك فسأل موسى (عليه السلام) ربه ذلك من غير ان يستأذنه (فقال ارني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه) في حال تدكدكه فسوف تراني، ومعناه انك لا تراني ابداً لان الجبل لا يكون ساكناً متحركاً في حال ابداً، وهذا مثل قوله عزوجل (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) ومعناه انهم لا يدخلون الجنة ابداً كما لا يلج الجمل في سم الخياط ابداً فلما تجلى ربه للجبل اي ظهر للجبل باية من آياته، وتلك الاية نور من التي خلقها القى منها على ذلك الجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً من هول تدكدك ذلك الجبل على عظمه وكبره فلما افاق قال: (سبحانك تبت اليك) اي رجعت الى معرفتي بك عادلاً عما حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية ولم تكن هذه الرؤية من ذنبه لان الانبياء لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولم يكن الاستئذان قبل السؤال بواجب عليه لكنه كان أدباً ان يستعمله ويأخذ به نفسه متى اراد ان يسأله على انه قد روى قوم انه قد استأذن في ذلك فأذن له ليعلم قومه بذلك ان الرؤية لا تجوز على الله عزوجل وقوله (وانا أول المؤمنين) يقول انا اول المؤمنين من القوم الذين كانوا معه وسألوه ان يسال ربه ان يريه ينظر اليه بانك لاترى، والاخبار التي رويت في هذا المعنى واخرجها مشايخنا في مصنفاتهم عندي صحيحة، وانما تركت ايرادها في هذا الباب خشية ان يقرأها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عزوجل وهو لا يعلم، والاخبار التي ذكرها احمد بن محمد بن عيسى في نوادره والتي اوردها محمد بن احمد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردها الا مكذب بالحق او جاهل به والفاظها الفاظ القران، ولكل خبر معنى ينفي التشبيه والتعطيل ويثبت التوحيد، وقد امرنا الائمة صلوات الله عليهم ان لا نكلم الناس الا على قدر عقولهم، ومعنى الرؤية هنا الواردة في الاخبار العلم، وذلك ان الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فاذا كان يوم القيامة كشف للعباد من ايات الله واموره في ثوابه وعقابه ما تزول به الشكوك ويعلم حقيقة قدرة الله عزوجل وتصديق ذلك في كتاب الله (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) فمعنى ما روى في الحديث انه عزوجل يرى ان يعلم علماً يقيناً كقوله عزوجل (الم تر الى ربك كيف مد الظل) وقوله (الم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه) وقوله (الم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت)وقول (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل) واشباه ذلك من رؤية القلب وليست من رؤية العين، واما قول الله عزوجل (فلما تجلى ربه للجبل) فمعناه لما ظهر عزوجل للجبل بآية من آيات الاخرة التي يكون بها الجبال سراباً، والتي ينسف بها الجبال نسفاً تدكدك الجبل فصار تراباً لانه لم يطق حمل تلك الاية، وقد قيل: انه بدا له نور الشمس( ) وتصديق ما ذكرته ما حدثنا به تميم القرشي عن ابيه عن حمدان بن سليم عن علي بن محمد بن الجهم قال: «حضرت مجلس المامون وعنده الرضا علي بن موسى (عليه السلام)فقال له المأمون يا بان رسول الله اليس في قولك ان الانبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن ايات من القرآن فكان فيما سال ان قال له فما معنى قول الله عزوجل (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربّه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني)الاية كيف يجوز ان يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم ان الله لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا (عليه السلام): ان كليم الله موسى ابن عمران علم انّ الله تعالى عن ان يرى بالابصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيّا رجع الى قومه، فاخبرهم ان الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة الف رجل ثم اختار منهم سبعين الفاً، ثم اختار منهم سبعة الاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه فخرج الى طور سيناء فاقامهم في سفح الجبل وصعد موسى(عليه السلام) الى الطور وسأل الله تعالى ان يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق واسفل ويمين وشمال ووراء وأمام لان الله تعالى احدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا لن نؤمن لك بان هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا فقال موسى: يا رب ما أقول لبني اسرائيل اذا رجعت اليهم، وقالوا انك ذهب بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله اياك، فاحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: انك لو سألت الله ان يريك( ) تنظر اليه لاجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فتعرفه حق معرفته فقال موسى(عليه السلام): يا قوم ان الله لا يرى بالابصار ولا كيفية له، وانما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى (عليه السلام): يا رب انك قد سمعت مقالة بني اسرائيل، وانت أعلم بصلاحهم فأوحى الله جل جلاله اليه يا موسى اسألني ما سألوك فلن اواخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام): (رب أرني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه) وهو يهوي (فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل) باياته (جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما افاق قال سبحانك تبت اليك) يقول رجعت على معرفتي بك عن جهل قومي (وأنا اول المؤمنين)منهم بانك لاترى، فقال المأمون: لله درك يا ابا حسن»( ) الخبر.

وفي العيون عن تميم القرشي مثله، وفي التوحيد باسناده عن عبدالله بن يونس عن ابو عبدالله (عليه السلام) قال: «بينا امير المؤمنين(عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة اذ قام اليه رجل يقال له ذعلب درب اللسان بليغ في الخطاب شجاع القالب، فقال: يا امير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت اعبد رباً لم أره، قال: يا امير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان»( ) .

وفي المحاسن في الصحيح عن البزنطي عن رجل من اهل الجزيرة عن ابي عبدالله (عليه السلام) «ان رجلاً من اليهود أتى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي هل رأيت ربك؟ فقال: ما كنت بالذي اعبد الهاً لم أره، ثم قال: لم تراه العيون في مشاهدة الابصار غير ان الايمان بالغيب بين عقد القلوب»( ) .

وفي المحاسن ايضاً عن الاشعث ابن حاتم قال: «قال ذو الرئاستين قلت لابي الحسن الرضا: جعلت فداك اخبرني فيما اختلف فيه الناس من الرؤية؟ فقال: بعضهم لا يرى، فقال: يا ابا العباس من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه، فقد اعظم الفرية على الله، قال الله تعالى (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) هذه الابصار ليست هي الاعين انما هي الابصار التي في القلوب لا تقع عليه الاوهام ولا يدرك كيف هو»( ) .

وفي كتاب روضة الواعظى :«سأل محمد الحلبي الصادق (عليه السلام) فقال: رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله)ربه قال: نعم رأه بقلبه، واما ربنا جل جلاله فلا تدركه ابصار حدق الناظرين، ولا يحيط به أسماع السابعين، وسأل الصادق (عليه السلام): هل يرى الله في المعاد؟، فقال: سبحانه وتعالى عما ذلك علواً كبيراً ان الابصار لا تدرك الا ماله لون نور( ) وكيفية والله تعالى خالق الكون والكيفية»( ) .

وفي كتاب كفاية الاثر في الصحيح عن هشام بن سالم او ابن الحكم قال: «كنت عند الصادق جعفر بن محمد اذ دخل عليه معاوية بن وهب، وعبدالملك بن اعين فقال له معاوية بن وهب: يابن رسول الله ما تقول في الخبر الذي روي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) راى ربه على اي صورة رآه وعن الحديث الذي رووه ان المؤمنين يرون ربهم في الجنة على اي صورة يرونه فتبسم(عليه السلام) ثم قال: يا معاوية ما اقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة او ثمانون سنة يعيش في ملك الله، ويأكل من نعمة الله، ولا يعرف الله حق معرفته، ثم قال(عليه السلام): يا معاوية ان محمداً(صلى الله عليه وآله)لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان، وان الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر فقد كفر بالله وآياته، لقول رسول الله من شبه الله بخلقه فقد كفر، ولقد حدثني ابي عن ابيه عن الحسين بن علي قال: سئل أمير المؤمنين(عليه السلام) قيل يا اخا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: وكيف اعبد من لم أره لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، واذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر، فانّ كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق، ولابد للمخلوق من الخالق فقد جعلته اذاً محدثاً مخلوقاً، ومن شبهه فقد اتخذ مع الله شريكاً، ويلهم او لم يسمعوا يقول الله تعالى (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) وقوله (لن تراني ولكن انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه جعله دكاً) وانما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط، فتدكدكت الارض، وصعقت الجبال فخر موسى صعقاً اي ميتاً، فلما افاق وردّ عليه روحه قال: سبحانك تبت اليك من قول من زعم انك ترى، ورجعت الى معرفتي بك، بانّ الابصار لا تدركك، وانا اول المؤمنين واول المقربين لانك ترى ولا تُرى، وانت بالمنظر الاعلى ثم قال (عليه السلام): ان افضل الفرائض وأوجبها على الانسان معرفة الرب والاقرار له بالعبودية وحد المعرفة ان يعرف انه لا اله غيره ولا شبيه له ولا نظير، وان يعرف انه قديم مثبت موجود غير فقيد موصوف من غير شبيه ولا مبطل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وبعده معرفة الرسول والشهادة بالنبوّة، وأدنى معرفة الرسول (عليه السلام)الاقرار بنبوته، وانما اتى به من كتاب أو نهي أو أمر فذلك من الله عزوجل، وبعده معرفة الامام الذي يأتم به بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر، وأدنى معرفة الامام انه عدل نبي الا درجة النبوّة ووارثه، وان طاعته طاعة الله، وطاعة رسول الله والتسليم له في كل امر والرد اليه والاخذ بقوله، ويعلم ان الامام بعد رسول الله(عليه السلام) علي بن ابي طالب(عليه السلام) وبعده الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين» ثم ساق الحديث في باقي الائمة(عليهم السلام) الى الحجة(عليه السلام)من ولد الحسين ثم قال: «يا معاوية جعلت لك اصلاً في هذا فاعمل عليه فلو كنت تموت على ما كنت عليه كنت اسوء الاحوال، فلا يغرنك قول من زعم انّ الله يرى بالبصر، قال: وقد قالوا اعجب من هذا او لم ينسبوا ادم الى المكروه او لم ينسبوا ابراهيم الى ما نسبوه أو لم ينسبوا داود الى ما نسبوه من حديث الطير او لم ينسبوا يوسف الصديق الى مانسبوا من حديث لزليخا او لم ينسبوا موسى(عليه السلام) الى ما نسبوا من القتل ولم ينسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ما نسبوا من حديث زيد اولم ينسبوا علي ابن ابي طالب الى ما نسبوا من حديث القطيفه، انهم ارادوا بذلك توبيخ الاسلام ليرجعوا على اعقابهم اعمى الله ابصارهم كما أعمى قلوبهم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً»( ).

وفي التوحيد والكافي باسناديهما الصحيح عن محمد بن عبيدة قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) أسأله عن الرؤية، وما ترويه العامة والخاصة، وسألته ان يشرح لي ذلك فكتب(عليه السلام) بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فاذا جاز ان يرى الله عزوجل بالعين وقعت بالمعرفة ضرورة ثم لا تخلو تلك من ان تكون ايماناً او ليست بايمان، فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايماناً فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بايمان لانه ضده، فلا يكون في الدنيا احد مؤمناً، لانهم لم يروا الله عزوجل وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايماناً لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الا كتساب ان تزول او لا تزول في المعاد، فهذا دليل على ان الله عزوجل لا يرى بالعين اذ العين تؤدي الى ما وصفناه»وحيث انّ هذا الحديث قد سلك فيه الامام طريق البرهان والالزام لاولئك العوام أو غير ظاهر المرام سلك فيه العلماء الاعلام مسالك شتى في حله وتوجيهه بحسب ما يلائم المقام، ولنذكر بعضها لان الاتيان بجميعها مما يطول به الكلام :

المسلك الاول: منها وهو الاقرب الى الافهام، وان كان بعيداً من سياق الكلام، ولقد كان شيخنا محمد تقي المجلسي يرويه عن جملة من مشايخه الاعلام هو ان المراد انه اتفق الجميع اي جميع العقلاء من مجوزي الرؤية ومحيليها لا تمانع ولا تنافي بينهم على ان المعرفة من جهة الرؤية ضرورة اي كل ما يرى يعرف بانه على ما يرى وانه متصفة بالصفات التي يرى عليها ضرورة، فحصول معرفة المريء بالصفات التي يرى عليها ضروري، وهذا الكلام يحتمل وجهين:

احدهما: كون قوله من جهة الرؤية خبر اي ان المعرفة بالمريء يحصل من جهة الرؤية ضرورية.

وثانيها: تعلق الظرف بالمعرفة، وكون قوله ضرورة خبراً اي المعرفة الناشئة من جهة الرؤية ضرورة اي ضرورية، والضرورة على الاحتمالين: يحتمل الوجوب والبداهة، وتقرير الدليل على ان حصول المعرفة من جهة من جهة الرؤية ضروري فلو جاز ان يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية عند الرؤية ضرورةً، فتلك المعرفة لا تخلوا اما ان تكون ايماناً او لا تكون ايمانا، وهما باطلان، لانه ان كانت ايماناً لم تكن المعرفة الحاصلة في الدنيا من جهة الاكتساب ايماناً لانهما متضادان فان المعرفة الحاصلة بالاكتساب انه ليس بجسم وليس في مكان وليس بمتكمم ولا متكيف والرؤية بالعين لا يكون الا بادراك صورة متحيزة من شأنها الانطباع في مادة جسمانية، والمعرفة الحاصلة من جهتها معرفة بالمرئي لانه متصف بالصفات المدركة في الصورة فهما متضادتان لا يجتمعان في المطابقة للواقع، فان كانت هذه ايماناً لم تكن تلك ايماناً فلا يكون في الدنيا مؤمن، لانهم لم يروا الله عزّ ذكره وليس لهم الا المعرفة من جهة الاكتساب فلو لم يكن ايماناً لم يكن في الدنيا مؤمن، وان لم تكن بالمعرفة التي من جهة الرؤية ايماناً اي اعتقاداً مطابقاً للواقع، وكانت المعرفة الاكتسابية ايماناً لم تخل هذه المعرفة من التي من جهة الاكتساب من ان تزول من جهة الرؤية لتضادهما ولا تزول، لامتناع زوال الايمان في الاخرة، وهذه العبارة ايضاً تحتمل ثلاثة وجوه:

احدها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال عند الرؤية والمعرفة من جهتها لتضادهما والزوال مستحيل لا يقع لامتناع زوال الايمان في الاخرة.

وثانيها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال، وعدم الزوال ويكون متصفاً بكليهما في المعاد عند وقوع الرؤية والمعرفة من جهتها، لامتناع اجتماع الضدين، وامتناع زوال الايمان في المعاد والمستلزم لامتناع النقيضين مستحيل.

وثالثها: لم تخل هذه المعرفة من الزوال، وعدم الزوال، ولابد من احدهما، وكل منهما محال، واما بيان ان الايمان لا يزول في المعاد بعد الاتفاق والاجتماع عليه ان الاعتقاد الثابت المطابق للواقع الحاصل بالبرهان مع معارضة الوساوس الحاصلة في الدنيا يمتنع زواله عند ارتفاع الوساوس الواقع( ) على ان الرؤية عند مجوزيها انما تقع للخواص من المؤمنين والكل( ) منهم في الجنة فلو زال ايمانهم لزم كون غير المؤمن اعلا درجة من المؤمن، وكون الاحط مرتبة اكمل من الاعلى درجة، وفساده ظاهر. واعلم ان هذه الاحتمالات الثلاثة انما هي على ما في الكافي من «الواو» واما على ما في التوحيد من كلمة «أو» فالاخير متعين، ثم اعلم ايضاً انه يرد على هذا الحل ان من لم يسلم امتناع الرؤية كيف يسلم كون الايمان المكتسب منافياً لها، وان ادعى الضرورة في كون الرؤية مستلزمة لما اتفقوا على امتناعه فهو كاف في اثبات المطلوب، الا ان يقال: انما اورد هكذا بيانا لكثرة الفساد وايضاحا للمراد او يقال: لعله(عليه السلام) كان قد بين للسائل امتناع الرؤية بالدلائل، فلما ذكر السائل ما ترويه العامة في ذلك بين امتناع وقوع ما ثبت لنا بالبراهين امتناعه وامنا به بهذا الوجه .

المسلك الثاني: ان حاصل الدليل ان المعرفة من جهة الرؤية غير متوقفة على الكسب والنظر والمعرفة في دار الدنيا ومتوقفة عليه ضعيفة بالنسبة الى الاولى فتخالفتا مثل الحرارة القوية والحرارة الضعيفة، فان كانت المعرفة من جهة الرؤية ايماناً لم تكن المعرفة من جهة الكسب ايمانا كامل، لان المعرفة من جهة الرؤية اكمل منها، وان لم يكن ايماناً ليلزم سلب الايمان عن الرائيين، لامتناع اجتماع المعرفتين في زمان واحد في قلب واحد يعني قيام تصديقين احدهما اقوى من الاخر بذهن واحد واحدهما حاصل من جهة الرؤية، والاخر من جهة الدليل، كما يمتنع قيام حرارتين بماء واحد في زمان واحد، ويرد عليه النقض بكثير من المعارف التي تعرف في الدنيا بالدليل وتصير في الاخرة بالمعاينة ضرورية، ويمكن بيان الفرق بتكلف.

المسلك الثالث: ما حققه بعض الافاضل بعدما مهد من ان نور العلم والايمان تشتد حتى ينتهي الى المشاهدة والعيان، لكن العلم اذا صار عيناً لم يصر عيناً محسوساً، والمعرفة اذا انقلبت مشاهدة لم تنقلب مشاهدة بصرية حسية، لان الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل، والمعقول ليس نسبة احدهما الى الاخر نسبة النقص الى الكمال والضعف الى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال والنقص لا يمكن لشيء من افراد احد النوعين المتضادين ان ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداده الى شيء من النوع الاخر، فالابصار اذا اشتد لا يصير تخيلاً مثلاً ولا التخيل اذا اشتد يصير تعقلاً ولا بالعكس، نعم اذا اشتد التخيل تصير مشاهدة ورؤية بعين الخيال لا بعين الحس وكثيراً ما يقع الغلط من صاحبه انه رأى بعين الخيال ام بعين الحس الظاهر كما يقع للمبرسمين والمجانين، وكذا التعقل اذا اشتد رؤية عقلية لا خيالية ولا حسية. وبالجملة الاحساس والتخيل والتعقل انواع متقابلة من المدارك كل منها في عالم اخر من العوالم الثلاثة، ويكون تاكد كل منها حجاباً مانعاً عن الوصول الى الاخر، فاذا تمهد هذا.

فنقول: اتفق الجميع ان المعرفة من جهة الرؤية امر ضروري، وان رؤية الشيء متضمنة لمعرفته بالضرورة، بل الرؤية بالحس نوع من المعرفة فان من رأى شيئاً فقد عرفه بالضرورة، فان كان الايمان بعينه هو هذه المعرفة التي مرجعها الادراك البصري والرؤية الحسية فلم تكن المعرفة العلمية التي حصلت للانسان من جهة الاكتساب بطريق الفكر والنظر ايماناً لانك قد علمت ان الاحساس ضد التخيل، وان الصورة الحسية ضد الصورة العقلية فاذا لم يكن الايمان بالحقيقة مشتركاً بينهما ولا امراً جامعاً لهما لثبوت التضاد، وغاية الخلاف بينهما ولا جنساً مبهماً بينهما غير تام الحقيقة التحصلة كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد والبياض، لان الايمان أمر محصل وحقيقة معينة فهو اما ذاك، فاذا كان ذاك لم يكن هذا، وان كان هذا لم يكن ذاك، ثم ساق الدليل الى اخره كما مرّ، ولا يخفى عليك ما في هذه الوجوه من التكلفات الظاهرة والخفية والمعنوية واللفظية ولعله(عليه السلام) قد بناها على معتقدهم في تلك الازمان كما هي عادتهم مع الخصوم الزاماً لهم كما صدر مثله في كثير من الاخبار التي مر بعضها في اثبات التوحيد وغيره، وقد تعلق مثبتوا الرؤية بأدلة بعضها عقلية مرّت الاشارة اليها وبعضها نقلية من الكتاب والسنّة قد اشتملت الاحاديث السابقة على كثير، وتقريرها على ما هي عليه في كتبهم وكتب اصحابنا، ان موسى(عليه السلام) سأل الرؤية، ولو امتنع كونه تعالى مرئياً لما سأل لانه حينئذ، اما ان يعلم امتناعه او يجهل فان علمه فالعاقل لا يطلب المحال لانه وان جهله فالجاهل لما لا يجوز على الله، ويمتنع ان يكون نبياً كليماً.

الثاني: من وجهي احتجاجهم هو انه تعالى علق الرؤية في الاية على استقرار الجبل، وهو امر ممكن في نفسه، والمعلق على الممكن ممكن، لان معنى التعليق ان المعلق يقع على تقدير وقوع المعلق عليه، والمحال لا يقع عليه شيء من التقادير.

الثالث: قوله تعالى (وجوه يومئذ ناظرة الى ربها ناظرة)( ) وجه الاحتجاج بالاية المذكورة ان النظر جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ويستعمل بغير صلة بل يتعدى بنفسه قال تعالى (انظرونا نقتبس من نوركم)( ) اي انتظرونا وقال (ما ينظرون الا صيحة واحدة)( ) اي ما ينتظرون، ومنه قوله تعالى ايضاً (فناظرة بم يرجع المرسلون)( ) اي منتظرة وقول الشاعر

 

وان يك صدر هذا اليوم ولي     فان غداً لناظره قريب

 

اي لمنتظره وجاء بمعنى التفكر والاعتبار، ويستعمل حينئذ بفي يقال: نظرت في الامر الفلاني اي تفكرت واعتبرت، وجاء بمعنى الرأفة والتعطف، ويستعمل حينئذ باللام يقال: نظر الامام لفلان اي رؤف به وعطف، وجاء بمعنى الرؤية، ويستعمل حينئذ بالى قال الشاعر:

نظرت الى من حسن الله وجهه     فناظره كادت على اوامق

والنظر في الاية موصول بالى فوجب حمله على الرؤية فيكون واقعة في ذلك اليوم وهو المطلوب.

الرابع: قوله تعالى في الكفار (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)( ) وذكر ذلك تحقير شأنهم فلزم منه كون المؤمنين مبرئين عنه، فوجب ان لا يكونوا محجوبين عنه بل رآئين له، واجابت الامامية عن هذه الادلة، اما عن الاول فيما تقدم من الاخبار وذاك مشتمل على وجوه:

الاول: ان السؤال انما صدر من موسى بسبب قومه لا لنفسه لانه كان عالماً بامتناعها، وهذا اظهر الوجوه، ومن هنا اختاره السيد الاجل المرتضى في كتاب تنزيه الانبياء( ) وغرر الفوائد وأيّده بوجوه منها حكاية طلب الرؤية من بني اسرائيل في مواضع عديدة من القران كقوله تعالى (فقد سأوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)( ) وقوله تعالى (واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نر الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون)( ).

ومنها: ان موسى اضاف ذلك الى السفهاء قال الله تعالى (فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل وايّاي أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا)( ) وأضافة ذلك الى السفهاء تدل على انه كان بسببهم ومن اجلهم حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى، وان قيل: فلم اضاف السؤال الى نفسه ووقع الجواب مختصاً به، قلنا: لا يمتنع وقوع الاضافة على هذا الوجه مع ان السؤال كان لاجل الغير اذا كانت هناك دلالة تؤمن لللبس، فلهذا يقول أحدنا اذا شفع في حاجة غيره للمشفوع اليه: أسألك ان تفعل بي كذا وكذا وتجيبني الى ذلك، ويحسن ان يقول المشفوع اليه: قد اجبتك وشفعتك وما جرى مجرى ذلك على انه قد ذكر في الخبر المروي في التوحيد والعيون ما يفي عن هذا الجواب لقول الرضا(عليه السلام) كما سمعت اذ قال له المأمون: «يابن رسول الله اليس في قولك ان الانبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عزوجل (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني) الاية كيف يجوز ان يكون كليم الله موسى بن عمران(عليه السلام) لا يعلم ان الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا (عليه السلام): ان كليم الله موسى ابن عمران(عليه السلام)علم انّ الله تعالى عن ان يرى بالابصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيّا رجع الى قومه فاخبرهم ان الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين الفاً، ثم اختار منهم سبعة الاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه فخرج الى طور سيناء فاقامهم في سفح الجبل وصعد موسى(عليه السلام) الى الطور وسأل الله تعالى ان يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق واسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لان الله تعالى احدثه في الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بان هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني اسرائيل اذا رجعت اليهم، وقالوا: انك ذهب بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقاً فيما ادعيت في مناجاة الله اياك فاحياهم الله فبعثهم معه»( ) الى اخر الحديث المتقدم ففيه ما يغني عن هذه الاجوبة كلها على ابلغ وجه، واما ما يورد في هذا المقام من ان السؤال اذ كان للغير فاي جرم كان لموسى حتى تاب منه فأجاب (عليه السلام)بحمل التوبة على معناه اللغوي كما هو صريح ذلك الخبر اي الرجوع اي كنت قطعت النظر عما كنت اعرفه من عدم جواز رؤيتك وسألت ذلك للقوم فلما انقضت المصلحة في ذلك تركت هذا السؤال ورجعت الى معرفتي بعدم جواز رؤيتك وما تقتضيه من عدم السؤال، وأجاب السيد ايضاً في الكتابين المذكورين( ) بانه يجوز ان تكون التوبة لامر اخر غير هذا الطلب او يكون ما اظهره من التوبة على سبيل الرجوع الى الله تعالى واظهار الانقطاع اليه والتقرب اليه وان لم يكن هناك ذنب، والحاصل ان الغرض من ذلك انشاء التذلل والخضوع ويجوز ان يضاف الى ذلك تنبيه القوم الخطئين( ) على التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه، بل يحتمل ان يكون التوبة من قبلهم كما كان السؤال لذلك، ومن تلك الوجوه التي اجيب بها انه (عليه السلام) لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروري لانه لازمها، واطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع سيما استعمال رأى بمعنى علم وأرى بمعنى اعلم، والحاصل انه سأله ان يعلمه نفسه ضرورة باظهار بعض اعلام الاخرة التي تضطره الى المعرفة فتزول عنه الدعاوي والشكوك ويستغني عن الاستدلال كما سأل ربه ابراهيم(عليه السلام) بقوله (رب ارني كيف تحيي الموتى).

ومنها: ان في الكلام مضافا محذوفاً اي أرني انظر آية من آياتك انظر الى آيتك وحاصله يرجع الى ما قبله وهو انه سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد دليل العقل والسمع كما في طلب ابراهيم(عليه السلام)، وحاصله يرجع الى منع ان العاقل لا يطلب المحال الذي علم استحالته اذ يمكن ان يكون الطلب لغرض اخر حصول المطلوب فلا يلزم العبث لجواز ترتب غرض اخر عليه والعبث ما لا فائدة فيه اصلاً، ولعل في هذا السؤال فوائد عظيمة سواء ما ذكر ايضاً ولا يلزمنا تعيين الفائدة على المستدل ان يدل على انتفائها مطلقاً، ونحن من وراء المنع، ومما يستغرب من الاشاعرة انهم اجتمعوا على ان الطلب بدلالة الامر غير الارادة واحتجوا عليه بان الامر ربما امر عبده بامر وهو لا يريده بل يريد نقيضه ثم يقولون هاهنا بان طلب ما علم استحالته لا يتأتى من العاقل، وأما الجواب عن الثاني من وجهي احتجاجهم بالاية فهو متعدد الوجوه ايضاً، فمنها ان يقال التعليق اما ان يكون الغرض منه بيان وقت المعلق وتحديد وقوعه بزمان وشرط ومن البين ان ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، واما ان يكون المطلوب فيه مجرد بيان تحقق الملازمة وعلاقة الاستلزام بان يكون الافادة النسبة بين الشرط والجزاء مع قطع شيء من الطرفين وعدم وقوعه، ولا يخفى على ذي لب ان لا علاقة بين استقرار الجبل ورؤيته تعالى في نفس الامر، ولا ملازمة على ان افادة مثل هذا الحكم وهو تحقق علاقة اللزوم بين هاتين القضيتين لا يليق بسياق مقاصد القران الحكيم مع ما فيه من بعد عن مقام سؤال الكليم فان المناسب لما طلب من الرؤية بيان وقوعه اولا وقوعه لا مجرد افادة العلاقة بين الامرين، فان الصواب حينئذ ان يقال: المقصود من هذا التعليق بيان ان الجزاء لا يقع اصلاً بتعليقه على ما لا يقع ثم هذا التعليق ان كان مستلزماً للعلاقة بين الشرط والجزاء فواجب ان يكون امكان الجزاء مستتبعاً لامكان الشرط، لان ما له هذه العلاقة مع المحال لا يكون ممكناً على ما هو المشهور من ان مستلزم المحال محال والا فلا وجه لوجوب استحالة الجزاء، والاول وان كان شائع الارادة من اللفظ الان.

الثاني مذهب معروف للعرب كثير الدوران بينهم وهو عمدة البلاغة ودعامتها ونظيره في الكتاب الكريم كثير كتعليق خروج اهل النار منها على ولوج الجمل في سمّ الخياط، وبعيد من العاقل ان يدعي علاقة بينهما، واذا كان ذلك التعليق امراً شائعاً كثيراً لوقوع في كلامهم فلا ترجيح للاحتمال الاول بل الترجيح معنا فان البلاغة في ذلك، واما اذا تحقق العلاقة في الواقع بينهما وعلق عليه لكان تلك العلاقة فليس له ذلك الموقع من حسن القبول، الاترى ان المتمني لو سأل حبيبه الميت وقال: اذا رجع الموتى الى الدنيا امكن لي زيارة الحبيب ،لم يكن كقول الصب المتحسر على مفارقة الاحياء متى اقبل الامس الدابر، وحيي الميت الداثر طمعت في اللقاء، وايضاً لا يخفى على ذي فطرة ان التزام تحقق علاقة اللزوم بين استقرار الجبل في تلك الحال وبين رؤيته تعالى بحيث لو فرض وقوع ذلك الاستقرار امتنع ان لا تقع رؤيته تعالى مستبعد جداً يكاد يجزم العقل ببطلانه، فاذاً المقصود من ذلك الكلام مجرد بيان انتفائه بتعليقه على امر غير واقع، ويكفي في ذلك عدم وقوع المعلق عليه ولا يستدعي امتناع المعلق امتناعه، ولو سلم فنقول: ان المعلق عليه هو الاستقرار لا مطلقاً بل في المستقبل وعقيب النظر بدلالة الفا وان لانه اذا دخل على ان يفيد اشتراط التوكيد لا تعقيب الاشتراط، فالشرط هاهنا وقوع الاستقرار عقيب النظر، والنظر ملزوم لوقوع حركة الجبل عقيبه فوقوع السكون عقبيه محال لاستحالة وقوع الشيء عقيب ما يستعقب منا في ذلك الشيء، ويستلزم وقوعه عقيبه وما ان النظر لا يستلزم اندكاك الجبل وتزلزله ولا علاقة بينه وبينه وانما هو مصاحبة اتفاقية فمنوع ولعل النظر ملزوم للحركة كما ان استقرار الجبل ملزوم لرؤيته تعالى، وتحقق العلاقة بين النظر والحركة ليس ما بعد من تحقق العلاقة بين الاستقرار والرؤية، وقد اشار الى ذلك الرضا (عليه السلام) في حديثه مع المأمون كما في الحديث المنقول من التوحيد والعيون حيث قال «ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه وهو يهوي فسوف تراني» الى اخر الحديث( ) وفيه اشارة كما ترى الى ما قلناه، بل قد احتج المنكرون بأول الاية على نفي الرؤية لقوله (لن تراني) فان كلمة (لن) تفيد اما تأبيداً للنفي في المستقبل كما صرح به الزمخشري في انموذجه فيكون نصاً في انّ موسى (عليه السلام) لا يراه ابداً او تأكيد على ما صرح به في الكشاف، فيكون ظاهراً في ذلك لان المتبادر في مثله عموم الاوقات كما نبهناك عليه فيما سبق، واذا لم يره موسى لم يره احد اجماعاً، وان نوقش في كونها اللتأبيد أو التأكيد فكفاك شاهداً استدلال ائمتنا (عليهم السلام) بها على نفي الرؤية مطلقاً لانهم افصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين على انا لكثرة براهيننا لا نحتاج في الاكثار في دلالة هذه الاية على المطلوب.

واما الجواب عن الدليل الثالث فبوجوه:

منها ما هو منصوص عليه في الاخبار ايضاً وهو ان الى هاهنا ليست حرفاً بل اسماً بمعنى النعمة واحد الالاء وناظرة من النظر بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى (انظرونا نقتبس من نوركم)( ) ففي كتاب الامالي باسناده الصحيح عن ابراهيم ابن ابي محمود قال: «قال علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في قول الله عزوجل (وجوه يومئذ ناظرة الى ربها ناظرة) قال: يعني مشرقة تنظر ثواب ربها»( ) ، وفي التوحيد والعيون بطريق اخر عنه(عليه السلام) مثله، وفي الاحتجاج مرسلاً مثله ايضاً، وهذه الاخبار محتمل وجهين:

احدهما: ان تكون لفظة (الى) اسماً كما هو الوجه الاول، وان فسرت النعمة بالثواب. والثاني: ان يكون على حذف مضاف فيكون الاية من باب المجاز اللغوي وهو شائع، وعلى الوجه الاول يندفع التوجيه المقرر في الاية في الاستدلال بها على الرؤية، لان لفظة (الى) ليست صفة للنظر، وعلى الثاني لا يمتنع، وايضاً ان الموصول بإلى قد جاء لا لانتظار ايضاً قال الشاعر :

 

وشغب ينظرون الى بلال     كما نظر الظمأ حيا الغمام

 

ومن المعلوم ان العطاش ينتظرون مطر الغمام فوجب حمل نظر المشبه على الانتظار ليصح التشبيه، وقال ايضاً وجوه ناظرات يوم بدر الى الرحمن يأتي بالفلاح، اي منتظرات اتيانه بالنظر والفلاح، وقال ايضاً كل الخلائق ينظرون سحالهنظر الصحيح الى طلوع هلال على ان النظر لو حمل على حقيقته في الاية لم يمكن الاستدلال بها ايضاً لعدم دلالتها على الرؤية بالفعل لان حقيقته تقليب الحدقة للرؤية يقال: نظرت الى الهلال فما رأيته، فلو كان بمعنى الرؤية لكان متناقضاً ولم ازل انظر الى الهلال حتى رأيته، ولو حمل على الرؤية لكان الشيء غاية لنفسه، وقولهم: وانظر كيف ينظر فلان الي والرؤية لا ينظر اليها، وانما ينظر الى تقليب الحدقة، وقال تعالى (وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون) والنظر الموصول بإلى محمول على تقليب الحدقة لما ذكرنا، ولانه يوصف بالشدة والازورار والرضا والتحير والذل والخشوع وشيء منها لا يصلح صفة للرؤية بل هي احوال يكون عليها عين الناظر عند تقليب الحدقة نحو المرئي.

واما الجواب عن الاية الثالثة اعني (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فبعضه منصوص عليه في الاخبار وبعضه منتزع من كلام المفسرين، اما ما نص عليه في الاخبار فهو ما رواه الصدوق في العيون باسناده الى الرضا(عليه السلام) في تغير هذه الاية قال «اي محجوبة عن ثواب ربها ورحمته» وباب هذا المجاز شائع كما سمعت على ان الحجاب في الاية لا يمكن اخذه على الحقيقة حتى عند الاشعري، ولهذا اوجب التأويل في آية قوله تعالى (وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي باذنه) الاية فاذا كان نفي الحجاب ثابتاً مع تكليم الرسل فكيف يثبت نفي الحجاب لسائر المؤمنين ما هذا الا زيغ وضلالة وتعنت وجهالة نعوذ بالله من تلبيس ابليس كقولهم في هذا الحمل والتاويل انه خلاف الظاهر في غاية الوهن في الباطن والظاهر، واما ما تمسكوا به من دلالة قوله تعالى (للذين احسنوا الحسنى وزيادة) حيث فسرها الجمهور بانّ الحسنى هي الجنة، والزيادة هي الرؤية واسندوا ذلك الى الرواية فهي من مفترياتهم، بل المراد بالحسنى هي الجزاء المستحق، والزيادة هي الفضل او غرفة من نور فوق ذروة الجنان كما دلت عليها الاخبار على ان الرؤية هي اصل الكرامات بمعتقدهم ومن اعظمها فكيف يعبر عنها بالزيادة، واما ما رووا من موضوعات الاخبار ترويجاً لمذهبهم الكاسد واعتقادهم الفاسد مثل قوله(صلى الله عليه وآله) «انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته» ومثل ما رووه عن صهيب انه «قال: «قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الاية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)قال: اذا دخل اهل الجنة الجنة، واهل النار النار، نادى منادياً اهل الجنة ان لكم عند الله موحداً يشتهي ان ينجزكموه، قالوا ما هذا الموعد الم يثقل مواذيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجيرنا من النار، فيرفع الحجاب فينظرون الى وجه الله عزوجل، قال: فما اعطوا شيئاً احب اليهم من النظر» ومثل ما رووه ايضاً من قوله (عليه السلام) «ان ادنى اهل الجنة منزلة فمن ينظر الى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة الف سنة، واكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشية» ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة)» وأمثال ذلك من أخبارهم التي ادعوا وثاقة رواتها مع اعترافهم بانها اخبار احاد فلا تعارض القرآن والدليل العقلي والبرهان، مع انّ الرؤية فيها والنظر يمكن حملهما على الرؤية القلبية الذي هو الاذعان والايقان كما جاء في تلك الاخبار المروية عن علي (عليه السلام) وليس فيها تنصيص على الرؤية البصرية مع ورود تلك المفاسد المتوجهة عليهم عند القول بها. وبالجملة ان الادلة التي قد قامت على انتفاء الرؤية في الدنيا والاخرة مما لا يمكن معارضتها بمثل هذه الشبه الواهية التي لا تصلح للاعتماد ولا لمعارضة ذلك الدليل الذي وقع عليه الاتفاق مثل القرآن والخبر المتواتر وكما ثبت انتفاء الرؤية عن ذاته تعالى كذلك قد ثبت انتفاؤها عن صفاته، وقد اختلف في ذلك العامة ايضاً حتى من مثبتي الرؤية لذاته فمنعوها في صفاته ايضاً، إلا ان جمهورهم على امكان رؤية صفاتية لاقتضاء دليل الوجود عندهم صحة رؤية كل موجود، نعم لا دليل على الوقوع بالفعل وكذا ادراكه بسائر الحواس اذا عللناه بالوجود سيما عند رئيس الاشاعرة حيث قال الاحساس هو العلم بالمحسوس لكن لا نزاع بينهم في امتناع كونه مشموماً مذوقاً ملموساً لاختصاص ذلك بالاجسام والاعراض، وانما الكلام في ادراكه في الشم والذوق واللمس من غير اتصال بالحواس، وحاصله انه كما ان الشم والذوق لا يستلزم الادراك لصحة قولنا: شممت التفاح وذقته فما ادركت رائحته وطعمه وكيفيته فكذلك انواع الادراكات الحاصلة عند الشم والذوق واللمس لا تستلزمها، بل يمكن ان تحصل بدونها وتتعلق بغير الاجسام والاعراض وان لم يقم دليل على الوقوع لكنك خبير بما يرد على دليل الوجود وجريانه في سائر الحواس وانه لا اصل له ولا اساس، وقد قدمنا لك انه تعالى لا يمس بالحواس ولا يقع عليه الاحساس كما وقع صريحاً في غير خبر مثل خبر عبدالله بن جرير العبدي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) كما في التهذيب والكافي انه كان يقول: «الحمد لله الذي الذي لا يحس ولا يجس ولا عين، ولا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الالسن، فكل شيء حسته الحواس او جسته الحواس او لمسته الايدي، فهو مخلوق».

وفي خبر ابن جوين العبدي ايضا كما في التوحيد عن ابي عبدالله(عليه السلام) «انه كان يقولو الحمد لله الذي لا يحس ولا يجس» ثم ذكر مثلها تقدم الا انه ذكر «وكل شيء حسته الحواس او لمسته الايدي فهو مخلوق» وفي خبر علي بن ابي حمزة قال: «قلت لابي عبدالله (عليه السلام)سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم ان الله جلّ وعز جسم صوري» وساق الحديث الى ان قال (عليه السلام)في جوابه «هو السميع البصير لا يحس ولا يجس ولا يمس ولا تدركه الحواس، ولا يحيط به شيء، لا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد» وقد مر اكثر تلك الاخبار، وفيما ذكرنا كفاية لذوي النظر والاعتبار .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492843

 • التاريخ : 15/09/2019 - 22:57