فصل في أنه تعالى لم يتصف بشيء من الاعراض المحسوسة 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

فصل

 

في أنه تعالى لم يتصف بشيء من الاعراض المحسوسة

 

بالحس الظاهر والباطن ولا بالحركات وسائر الكيفيات فلا يحله الطعم ولا اللون ولا الرائحة ولا الالم مطلقاً ولا اللذة الحسية ولا الحقد ولا الحزن ولا

الخوف ونظائرها، فانها كلها تابعة للمزاج الملائم للتركيب، ولان الصفات منحصرة في ثلاثة أقسام حقيقية محضة كالسواد والبياض والوجود والحياة وحقيقية ذات اضافية كالعلم والقدرة واضافة حضة كالمعية والقبلية، وفي عدادها الصفات السلبية ولا يجوز الى نسبة ذاته تعالى التغير في القسم الاول مطلقاً لاستلزامه تغير الذات حتى عند القائل بزيادة الصفات، ويجوز في القسم الثالث مطلقاً، واما القسم الثاني فانه لا يجوز التغير فيه نفسه ويجوز في تعلقه، وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك النافية لها تفصيلاً واجمالاً ويزيدها بياناً من الاخبار التي لم تذكرها فيما سبق خبر ابن فضال المتقدم صدره كما في التوحيد والمعاني حيث قال في قول الله عزوجل (سخر الله منهم)( ) وعن قوله (الله يستهزء بهم) وعن قوله تعالى (ومكروا ومكر الله)( ) وعن قوله عزوجل (يخادعون الله وهو خادعهم)( ) فقال: انّ الله عزوجل لا يسخر ولا يستهزء ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عزوجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .

وفي خبر هشام بن الحكم المتقدم صدره ايضاً حيث قال السائل «فتقول انه ينزل الى السماء الدنيا قال ابو عبدالله (عليه السلام): لقول ذلك  لان الروايات قد صحت به والاخبار، قال السائل: واذا نزل ليس قد حال عن العرش، وحوله عن العرش انتقال، قال ابو عبدالله(عليه السلام): اليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الذي ينتقل، باختلاف الحال عليه والملالة والسأمة وناقل ينقله ويحوله من حال الى حال، بل هو تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال ولا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي اذا اننحى عن مكانه خلا منه المكان الاول، ولكنه ينزل الى سماء الدنيا بغير معافاة ولا حركة، فيكون هو كما في السماء السابعة وعلى العرش، كذلك هو في سماء الدنيا انما يكشف عن عظمة، ويري اولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته ومنظره في البعد والقرب سواء».

وفي الكافي باسناده الصحيح عن حمزة ابن بزيع عن ابي عبدالله(عليه السلام) «في قول الله تعالى (فلما اسفونا انتقمنا منهم) قال: ان الله تعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه، يغضبون ويرضون، وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه( ) لانه جعلهم من الدعاة اليه والادلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، وليس ان ذلك يصل الى الله كما يصل الى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني اليها، وقال: من يطع الرسول فقد اطاع الله، وقال: ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم، فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الاشياء مما يشاء كل ذلك، ولو كان يصل الى الله الاسف والضجر، وهو الذي خلقهما وانشأهما لجاز لقائل هذا ان يقول: ان الخالق يبد يوما ما لانه اذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير واذا دخله التغيير لم يومن عليه من الابادة ثم لم يعرف المكنون من المكون، ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً، بل هو الخالق للاشياء بغير حاجة، فاذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم ان شاء الله»( ) .

وفيه باسناده عن عبدالحسين الطائي عن محمد بن مسلم قال: «سألت ابا عبدالله(عليه السلام) عن قول الله عزوجل (ونفخت فيه من روحي) كيف هذا النفخ؟ فقال: انّ الروح متحرك كالريح، وانما سمي روحاً، لانه اشتق اسمه من الريح، وانما اخرجه على لفظه الريح لان الارواح مجانس للريح، وانما اضافه لنفسه، لانه اصطفاه على سائر الارواح»( )، وفيه عن هشام بن الحكم في حديث طويل عن ابي عبدالله(عليه السلام) «حين اتاه الزنديق واحتج عليه(عليه السلام) على نفي الشريك» وساق الحديث الى ان قال «وليس صانعهم مثلهم اذ لو كان مثلهم لكان شبيهاً في ظاهر التركيب والتأليف، وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد اذ لم يكونوا، وتنقلهم من صغر الى كبر، وسواد الى بياض، وقوة الى ضعف، واحوال موجودة لا حاجة بنا الى تفسيرها لبيانها ووجودها، فقال السائل: فقد حددته اذا اثبت وجوده؟ قال ابو عبدالله(عليه السلام): لم احدّه ولكني اثبته اذ لم يكن بين النفي والاثبات منزلة، قال له السائل: فله انيّة ماهية؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلا بإنيّة وماهية، قال له السائل: فله كيفية؟ قال لا، لان الكيفية جهة الصفة والاحاطة، ولكن لابد من الخروج عن جهة التعطيل والتشبيه، فان من نفاه فقد انكره ودفع ربوبيته وابطله، ومن شبهه بغيره، فقد اثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لابد من اثبات له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره، قال السائل: فيعاني الاشياء بنفسه؟ قال ابو عبدالله(عليه السلام): هو أجل من أن يعاني الاشياء بمباشرة ومعالجة، لان ذلك صفة المخلوق الذي لا يحي الاشياء له الا بالمباشرة والمعالجة، وهو متعال نافذ الارادة والمشيئة فعال لما يشاء»( ) .

وفيه وفي التوحيد باسناديهما عن جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين عن ابيه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب(عليه السلام) في بعض خطبه:مَن الذي لما حضر سنجت( ) الفارسي وهو يكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال القوم ما حضره منّا احد فقال علي (عليه السلام) لكني كنت معه (صلى الله عليه وآله) وقد جاء سنجت الفارسي وكان رجلاً من ملوك فارس، وكان دربا، فقال له: يا محمد الى ما تدعو؟ فقال: ادعوا الى شهادة ان لا اله إلا الله» وساق الحديث الى ان قال: «فقال سنجت: واين الله يا محمد؟ قال: هو في كل مكان موجود بآياته، فقال: كيف هو؟ فقال: لا كيف له ولا اين، لانه عزوجل كيف الكيف، واين الاين، قال:فمن اين جاء؟ فقال: لا يقال له جاء، وانما يقال جاء للزائل من مكان الى مكان، وربنا لا يوصف بمكان ولا زوال، بل لم يزل بلا مكان ولا يزال، فقال: يا محمد انك لتصف رباً عظيماً بلا كيف، فكيف لي ان اعلم انه ارسلك، فلم يبق بحضرتنا ذلك اليوم حجر ولا مدر ولا جبل ولا شجر ولا حيوان الا قال مكانه: اشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله، فقلت انا ايضاً»( ) الحديث .

وفيه باسناده عن حماد بن عمرو النصيبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث المسألة عن (قل هو الله أحد) قال «حامل الاشياء بقدرته ديمومي ازلي لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب، ولا لارادته فصل، وفصله جزاء، وامره واقع ،لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفواً أحد»( ) .

وفي التوحيد في حديث ايضاً قد رواه عن وهب بن وهب عن ابي عن الصادق جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في قول الله عزوجل (قل هو الله أحد) وقد مرّ اكثر هذا الحديث، وهو حديث طويل قال فيه في تفسير الصمد «لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، وسائر الاشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا تتشعب منه البدوات كالسنة، والنوم والخطرة والوهم( ) والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء والرغبة والسامة والجوع والشبع، تعالى عن ان يخرج منه شيء، وان يتولد منه شيء كثيف او لطيف، ولم يولد ولم يتولد من شيء كما تخرج الاشياء اللطيفة( ) عن عناصرها، كالشيء من الشيء، والدابة من الدابة، والنبات من الارض، والماء من الينابيع، والثمار من الاشجار، ولا كما تخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الاذن، والشم من الانف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنار من الحجر» الحديث( ).

وفي الاحتجاج عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن ابي ابراهيم موسى (عليه السلام) في حديث قد مرّ اكثره قال فيه «اما قول الواصفين: انه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك، فانما يقول ذلك، من ينسبه الى نقص أو زيادة، وكل متحرك يحتاج الى من يحركه أو يحرك فيه، فمن ظن بالله الظنون، فقد هلك، فاحذروا في صفاته، من ان تقفوا له على حد، من نقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو انزال أو نهوض أو قعود، فان الله جل وعز عن صفة الواصفين»( )وقد تقدم ايضاً في التوحيد عن يعقوب بن جعفر الجعفري مثله، ومعنى كلامه (عليه السلام)اعني قوله «فانما يقول ذلك من ينسبه الى نقص » الى اخره( ) اي النزول المكاني انما يتصور في المتحيز، وكل متحيز موصوف بالتقدير، وكل متقدر متصف بالنقص، انما هو أزيد منه، وبالزيادة على ما هو انقص منه أو يكون في نفسه قابلاً للزيادة والنقصان، والوجوب الذاتي ينافي ذلك لاستلزام التجزيء والانقاسم، المستلزم للامكان، وايضاً كل متحرك محتاج الى من يحركه أو يتحرك به، لان المتحرك اما جسم او متعلق بالجسم، والجسم المتحرك لابد له من محرك، لانه ليس يتحرك بجسميته، والمتعلق بالجسم لابد له من تحركه من جسم يتحرك به، وهو سبحانه منزّه عن الاحتياج الى التحرك، وعن التغير بمغير، وعن التعلق بجسم يتحرك به. ويحتمل ان يكون المراد بالاول الحركة القسرية، وبالثاني ما يشمل الارادية والطبيعية بان يكون المراد بقوله «من يتحرك به من طبيعة أو نفس» .

  فصلٌ / في أنه تعالى يمتنع أن يقوم بذاته حادث          

وفي التوحيد والامالي والكافي باسانيدهم عن أحمد بن عبدالله بن يونس عن ابن طريف عن الاصبغ في حديث قال «قام اليه ذعلب، فقال: يا امير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب، لم اكن بالذي اعبد رباً لم أره» ثم ساق الى ان قال «انّ ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام انتصاب، ولا بمجيء ولا بذهاب، لطيف اللطافه، لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعباده مدرك لا بمحسة، قائل لا بلفظ، هو في الاشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه، امام كل شيء ولا يقال له امام، داخل في الاشياء لا كشيء في شيء داخل، خارج منها لا كشيء من شيء خارج»( ) الحديث.

وقد اشتملت الخطب المأثورة عنهم في نفي هذه الصفات وسلبها على اكثر مما جاء في الاخبار المفردة ولولا ضيق الاملاء بالاتيان بها واتساع دائرة هذا المؤلف لخروجه عن الحدّ المشترط والمقصود لاوردناها مشروحة المعاني فضلاً عن الالفاظ، لاشتمالها على الاسرار الملكوتية والتنزهات السبحانية والاوصاف الربانية، فمن ارادها طلبها من الكتب التي اشتملت عليها مجموعة كخبر التوحيد من كتاب بحار الانوار، فانه قد اشتمل على جلّها، بل على كلّها، وفيما ذكرناه ان شاء الله كفاية للمتتبع الذي ثبت قدمه في مزالق التوحيد، والاستدلال على تلك الدعاوي بالبراهين الثابتة عن الال، وتنكب عن شبهات اهل الملل والاقوال.

 

 

فصل

 

في أنه تعالى يمتنع أن يقوم بذاته حادث

 

ولابدّ

اولاً قبل الشروع في الاحتجاج من تحرير محل الخلاف والنزاع ليكون التوارد بالنفي والاثبات من الجانبين على شيء واحد.

فنقول الحادث هو الموجود بعد العدم وما لا وجود له، ثم تجدد فيقال له: متجدد، ولا يقال له: حادث في مصطلحهم، وهو ثلاثة اقسام:

القسم( ) الاول: الاحوال عند مثبتها ولم يجوز تجددها في ذاته الا ابو الحسين من المعتزلة فانه قال: بتجدد العالمية فيه بتجدد المعلومات، هكذا ذكره الامدي في ابكار الافكار( ) وقال الامام الرازي في نهاية العقول( ) اختلف المعتزلة في تجويز تجدد الاحوال مثل المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية، واما ابو الحسين فانه اثبت تجدد العالميات في ذاته تعالى .

القسم( ) الثاني: الاضافات اي النسب، ويجوز تجددها اتفاقاً من العقلاء، حتى يقال: انه تعالى موجود مع العالم بعد ان لم يكن معه .

القسم( ) الثالث: السلوب فما نسب مما يستحيل اتصاف الباري تعالى به امتنع تجدده كما في قولنا: انه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ونحو ذلك، فان هذه سلوب يمتنع تجددها، اذا عرفت هذا، فقد اختلف في كونه تعالى محل الحوادث اي الامور الموجودة بعد عدمها فمنعه الجمهور من العقلاء من اصحاب الملل والنحل، وقال المجوس( ): كل حادث هو من صفات الكمال قائم بذاته اي يجوز ان يقوم به الصفات الصفات الكمالية الحادثة مطلقاً. وقال الكرامية( ): يجوز ان يقوم به الحادث لا مطلقاً، بل كل حادث يحتاج الباري اليه في الايجاد اي في ايجاده للخلق، ثم اختلفوا في ذلك الحادث، فقيل: هو الارادة، وقيل: هو قوله (كن) فخلق هذا الكون اذ الارادة في ذاته تعالى مستند الى القدرة القديمة، واما خلق في المخلوقات فمستند الى الارادة او القول على اختلاف المذهبين، واتفقوا على ان الحادث القائم بذاته يسمى حادثاً، وما لا يقوم بذاته من الحوادث يسمى محدثاً لا حادثاً فرقاً بينهما، ولنا في اثبات هذه الدعوى كما هو رأي الجمهور والمذهب المنصور، وجوه ثلاثة من الادلة العقلية:

الوجه( ) الاول: لو جاز قيام الحادث بذاته لجاز ازلاً، واللازم باطل، اما الملازمة فلان القابلية من لوازم الذات، وإلا لزم الانقلاب من الامتناع الذاتي الى الامكان الذاتي ،فأما القابلية اذا لم تكن لازمة، بل عارضة كانت الذات عن حد نفسها قبل عروض القابلية لها ممتنعة القبول للحادث المقبول، وبعد عروضها ممكنة القبول له فيلزم ذلك الانقلاب، ولو فرض زوال القابلية بعد ثبوتها لزم الانقلاب من الامكان الذاتي الى الامتناع الذاتي، ولما لم يكن لنا حاجة الى هذا لم نتعرض له في أصل الاستدلال، وايضاً فتكون القابلية على تقدير عدم لزومها وثبوتها للذات ازلاً طارئة على الذات فتكون صفة زائدة عليها عارضة لها، وحينئذ فلابد للذات من قابلية لهذه القابلية، فان كانت قابلية القابلية لازمة للذات، فذاك والا فهناك قابلية ثالثة، ويلزم التسلسل بين القابلية المحصورة بين حاصرين، واذا كان القابلية من لوازم الذات امتنع انفكاكها عنها، فيدوم القابلية وهي بدوامها والذات ازلية فكذا القابلية وازلية القابلية تقتضي جواز اتصاف الذات بالحادث ازلاً اذ لا معنى للقابلية الا جواز الاتصاف به اي المقبول، واما بطلان اللازم، فلان القابلية نسبته تقتضي قابلاً ومقبولاً، وصحتها ازلاً يستلزم صحة الطرفين ازلاً، فيلزم صحة وجود الحادث ازلاً، هذا خلاف.

الوجه( ) الثاني: من تلك الوجوه صفاته تعالى كما تقدم صفة كمال  هي عين ذاته كما هو المختار من مذهبنا او قديمة كما هو مذهب الاشاعرة، فخلوه عنها نقص والنقص عليه محال اجماعاً، فلا يكون شيء من صفاته حادثاً، والا كان خالياً قبل حدوثه .

الوجه( ) الثالث: منها انه تعالى لا يتأثر عمن غيره، ولو قام به حادث لكان ذاته متأثرة عن الغير، ويمكن القدح في الاول بأنّ اللازم مما ذكر من لزوم القابلية للذات هو ازلية الصحة اي ازلية صحة وجود الحادث هذا اللازم ليس بمحال، فان صحة وجود الحادث ازليته بلا شبهة، والحال هو صحة الازلية اي صحة ازلية وجود الحادث، وهذا ليس بلازم، لان ازلية الامكان مغاير لامكان الازلية ولا يستلزمه كما في الحوادث اليومية كما حقق في محله، فاين احدهما من الاخر، وايضاً ما ذكر منقوض اذ لو لزم وصح لزم مثله في وجود العالم وايجاده، فانه تعالى موصوف في الازل بصحة وجود العالم فيصح في الازل وجوده قطعاً، فيصح ان يكون العالم ازلياً، وهو محال فلو لزم في القابلية الازلية امكان ازلية الحادث للزم من الفاعلية الازلية امكان ازلية العالم، ولا يقال لقابلية صفة ذاتية لازمة للذات فيلزم امكان ازلية المقبول دون الفاعلية، فانها صفة غير لازمة فلا يلزم امكان ازلية المفعول، لانا نقول: الكلام في قابلية الفعل والتأثير فانها ازلية كما اشرنا اليه، فيلزم امكان ازلية المفعول في الفاعلية الحاصلة في الفعل، واما ما اجيب به عن الوجه الثاني بانه لم لا يجوز ان يكون ثم صفات كمال متلاحقة غير متناهية لا يمكن بقاؤها واجتماعها، فكل لاحق منها مشروط بالسابق على قياس الحركات الفلكية( ) عند الحكماء فلا ينتقل حينئذ عن الكمال الممكن له الا الى كمال اخر يعاقبه، ولا يلزم الخلو عن الكمال المشترك بين تلك الامور المتلاحقة، واما الخلو عن كل واحد منها، فاما لامتناع بقائه ولا نسلم امتناع الخلو عن مثله مما يمنع بقاؤه، انما الممتنع هو الخلو عن كمال يمكن بقاؤه، واما لانه لو لم يخل عنه لم يمكن حصول غيره، فيلزم حينئذ فقد كمالات غير متناهية فكان فقده اي فقد كل واحد منها لتحصيل كمالات غير متناهية هو الكمال بالحقيقة لا وجدانه، مع فقد ان تلك الكمالات فتكلف، مع ان هذا القصور ينافيه برهان التطبيق على رأي المتكلمين، ومع ذلك فيستلزم القدم في بعض الصفات، وهو باطل فلا تنطبق الا على مذهب الاشعري، ويمكن الجواب عن الوجه الثالث لانه ان ارادوا بتأثره عن غيره حصول الصفة له بعد ان لم يكن فهو اول المسألة اذ لا معنى لقيام الحادث بذاته تعالى الا هذا، فيكون معنى قولهم انه لا يتأثر عن غيره عين المدعى، فيكون مصادرة عن المطلوب، وان ارادوا ان هذه الصفة الحادثة تحصل في ذاته من فاعل غيره ممنوع لزومه من قيام الصفة الحادثة لجواز ان يكون حصوله في ذاته مقتضي لذاته، اما على سبيل الايجاب بما ذكرنا من الترتيب والتلاحق، واما على سبيل الاختيار فكما اوجب سائر المحدثات في اوقات مخصوصة يوجد الحادثات في ذاته، وربما يقال: لو قام الحادث بذاته لم يخل عنه وعن ضده، وضد الحادث حادث فما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الاستدلال يبتنى على اربع مقدمات :

الاولى: ان لكل صفة حادثة ضداً، (الثانية)( ) وضد الحادث حادث، (الثالثة)( )والذات لا تخلو عن الشيء وضده .

الرابعة: ما لا يخلو عن الحادث فهو حادث .

والثالث، والاول من هذه المقدمات مشكلة، بل هي في معرض المنع اذ لا دليل على صحتها فلا يصح الاستدلال بها، والرابعة اذا تمت تم الدليل الثاني واندفع عنه حديث تلاحق الصفات( )، واما الاخبار الدالة على هذا فهي ما قدمناه من انه تعالى لا ينفك عن هذه الصفات وانها عين ذاته ليست بزائدة، وقد سمعتها في مواضع عديدة وان ثبوتها كذلك مما استفاض فيه الاخبار ودلت على نفي ضده دلالة واضحة لا يعتورها الشبه ومتوهمات الانظار، فمن تلك الاخبار خبر الحسين بن خالد قال: «سمعت الرضا علي بن موسى(عليه السلام) يقول: لم يزل اللّه تبارك وتعالى عالماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً، فقلت له: يابن رسول اللّه انّ قوماً يقولون انّه عزوجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة، وحيّاً بحياة، وقديماً بقدم، وسميعاً بسمع، وبصيراً ببصر، فقال(عليه السلام): «من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه الهة اخرى، وليس من ولايتنا على شيء، ثم قال(عليه السلام): «لم يزل اللّه عزوجل عالماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشبهون علواً كبيراً»( ) وقد سمعت بهذا المضمون ان الاخبار ما بلغ حد الاستفاضة، وكذلك الاخبار التي قدمناها عن قرب الدالة على نفي الاعراض عنه وانه لا تحله الحوادث بالكلية، فلا يزداد من ذكر هذه الاخبار في هذه المباحث سوى التكرار، وكذلك ما دلّ منها على انه لا يدخله التغير مثلما في الاحتجاج عن الباقر (عليه السلام) حيث دخل عليه عمرو بن عبيد قال له: «جعلت فداك قال الله عزوجل (ومن يحلل عليه غضبي) فما ذلك الغضب؟ قال:العذاب يا عمرو انما يغضب المخلوق الذي يأتيه الشيء فيستفزه ويغيره عن الحال التي هو بها الى غيرها، فمن زعم ان الله يغيره الغضب والرضاء ويزول عنه من هذا، فقد وصفه بصفة المخلوق»( ).

وفي رواية اخرى في الاحتجاج ايضاً في خطابه (عليه السلام) مع هذا الرجل في هذه الاية حيث قال «غضب الله تعالى عقابه يا عمرو، من ظن ان الله يغيره شيء فقد كفر»( ) .

وفي خبر هشام بن الحكم كما في التوحيد والمعاني عن ابي عبدالله(عليه السلام) «حيث سأله رجل عن الله تبارك وتعالى ألهُ غضب وسخط( )؟ قال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، وذلك لان الرضا والغضب دخال يدخل عليه فينقله من حال من حال معتمل مركب للاشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للاشياء فيه واحد، واحدي الذات، واحدي المعنى، فرضاه ثوابه، وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال الى حال، فان ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وتبارك وتعالى القوي العزيز لا حاجة به الى شيء مما خلق، وخلقه جميعاً محتاجون اليه، انما خلق الاشياء لا من حاجة، ولا من سبب اختراعاً»( ) الحديث.

وفي الاحتجاج عن علي (عليه السلام) مرسلاً قال في بعض خطبه «الذي لا يحول ولا يزول ولا يجوز عليه الافول( ) لم يلد فيكون مولوداً» وسائق الخطبة الى ان قال «لا تلمسه الايدي فتمسه، ولا يتغير بحال، ولا يتبدل بالاحوال، ولا تبليه الليالي والايام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الاجزاء، ولا بالجوارح والاعضاء، ولا بعرض من من الاعراض، ولا بالغيرية والابعاد»( ) وقال ايضاً في خطبة اخرى في الاحتجاج «جلّ ان تحلّه الصفات بشهادة العقول ان كل من حلّته الصفاة مصنوع، وشهادة العقول انه عزوجل صانع غير مصنوع»( ) وقال ايضاً في كثير من خطبه مثل هذه المقالات الواضحة الجليّة التي ليس في ذكرها الا مزيد التطويل على ان من طلبها من مضانها وقف عليها وهي من اوضح الدليل( )، واما ما احتج الخصم به فوجوه ثلاثة:

الاول: الاتفاق على انه متكلم سميع بصير، ولا يتصور هذه الامور الا بوجود المخاطب والمسموع والمبصر، وهي حادثة، فوجب حدوث هذه الصفات القائمة بذاته تعالى. والجواب عن ذلك بانّ الحادث تعلقه وانه اي ذلك التعلق اضافة من الاضافات، فيجوز تجددها وتغيرها على ان الكلام صفة حادثة كما مر برهانه.

الثاني: المصحح للقيام به اما كونه صفة فيعم هذا المصحح الحادث او كونه صفة مع وصف القدم، وهو كونه غير مسبوق بالعدم وانه سبب لا يصلح جزء للموثر في الصحة، فتعين الاول، فيصح القيام الصفة الحادثة به. والجواب ان المصحح للقيام به هو حقيقة الصفة القديمة، وهي مخالفة لحقيقة الصفة الحادثة بذاتها، فلا يلزم اشتراك الصحة.

الثالث: انه تعالى صار خالقاً للعالم بعد لم يكن، وصار عالماً بانه وجد بعد ان كان عالماً بانه سيوجد فقد حدث فيه صفة الخالقية وصفة العلم. والجواب ان التغير في الاضافات فان العلم صفة حقيقة ذاتية لها تعلق بالمعلوم يتغير ذلك المتعلق بحسب تغيره، والخالقية من الصفات الاضافية أو من الحقيقة والمتغير تعلقها بالمخلوق لا بعينها، وقالت الكرامية هنا اكثر العقلاء يوافقون على قيام الصفة الحادثة بذاته تعالى، وان انكروه باللسان، فان الجبائية قالوا بارادة، وكراهة حادثتين لا في محل، لكن المريدية والكارهية حادثتان في ذاته، وكذا السامعية والمبصرية تحدث بحدوث المسموع والمبصر، وابو الحسين يثبت علوماً متجددة، والاشعرية يثبتون النسخ، وهو اما رفع الحكم القائم بذاته او انتهاؤه، وهما عدم بعد الوجود فيكونان حادثين، والفلاسفة ثبتو الاضافات اي قالوا بوجودها في الخارج مع عروض المعية والقبلية المتجددتين لذاته تعالى فقد ذهبوا الى قيام الحوادث به. والجواب ان التغير في الاضافات وهو جائز كما تقدم في تحرير محل النزاع، فمراد الاشعرية ان تعلق الحكم ينتهي او يرفع، وكذا مراد ابي الحسين والجبائية هو ان تعلق العلم، والمريدية والكارهية متجدة أو نقول هؤلاء ذهبوا الى تجدد الاحوال في ذاته، وان كان الحق امتناعه لكن لا يلزمهم هذا الايراد، والحكماء لا يثبتون كل اضافة فلا يرد عليهم الالزام بالمعية والقبلية ونظائرها فانها اضافات لا وجود لها، واما اللذة العقلية فنفاها المليون واثبتها الفلاسفة قالوا اللذة ادراك الملائم فمن ادرك كمالاً في ذاته التذّ به، وذلك ضروري يشهد به الوجدان، ثم ان كماله تعالى اجل الكمالات وادراكاته له اقوى الادراكات، واذا كان كذلك ترتب عليه على تقدير ثبوت اللذة ان تكون لذته اقوى اللذات، والحق انا لا نسلم ان اللذة نفس الادراك كما حقق في محله، واذا كان سبباً للذة فقد لا تكون ذاته قابلة لها ووجود السبب لا يكفي في وجود المسبب بدون وجود القابل على ان اللذة لا يخلو حصولها عن التغير، وان كانت عقلية. ثم ان سلم قبول ذاته لها فادراكها مماثل لادراكه بالحقيقة حتى يكون هو ايضاً سبباً للذة كادراكنا، فالاقوى اذاً تنزيهه عن اللذتين معاً، وان كان البرهان على نفي اللذة الحسية اظهر واجلا، وقد ذهب كثير من علمائنا الى ما ذهبنا اليه لما ذكرناه من الادلة السابقة النافية لكونه محلاً للحوادث وتغير الاحوال وهو مما استفاض كما قد سمعت فيما سبق .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496273

 • التاريخ : 20/09/2019 - 06:45