الفصل الحادي عشر: في أسمائه تعالى 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

 

الفصل الحادي عشر

في أسمائه تعالى

 

 البحث الاول

في بيان المغايرة بين الاسم والمعنى، وأنّ المعبود هو المعنى والاسم حادث، ويدل عليه من الاخبار ما هو بالغ حدّ الاستفاضة.

وأمّا الدليل العقلي فقد دلّ على انّ الاسم غير التسمية لانها تخصيص الاسم ووصفه بالشيء ولا شك في ان تخصيص الاسم بشيء مغاير له كما تشهد به البديهة وأيضاً التسمية فعل الواضع وهو منقض فيما مضى من الزمان وليس الاسم كذلك، وذهب بعض الاشاعرة الى انّ التسمية هي عين الاقوال الدالة التي هي الاسماء كما سيجيء ولم يعتد بهذا الخلاف( ) اكثر علماء الفريقين، ولهذا لم يتعرض له صاحب المواقف وان ذكره شارحه ونبّه على عدم التفات المصنّف له لشذوذه، نعم قد اشتهر الخلاف بينهم في ان الاسم هل هو نفس المسمّى أو غيره؟ ولايشك عاقل في انّ النزاع ليس في لفظ فارس انّه هل هو نفس الحيوان المخصوص أو غيره فان هذا ممّا لا يشتبه على احد بل النزاع في انّ مدلول الاسم هل هو الذات من حيث هي هي ام هو الذات باعتبار وصف صادق عليه عارض له؟ فلذلك حكي عن شيخهم أبي الحسن الاشعري ذلك الخلاف فقال: قد يكون الاسم أي مدلوله عين المسمّى اي ذاته من حيث هي نحو اللّه فانه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره نحو الخالق والرازق مما يدل على نسبته الى غيره ولا شك انّ تلك النسبة غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره كالعليم والقدير مما يدل على صفة حقيقية قائمة بذاته كما هو المشهور بينهم في الصفات العينية ومن مذهبه انّ الصفة الحقيقية القائمة بذاته لا هو ولا غيره كما مرّ تقريره فكذا الحال في المأخوذة مع تلك الصفة قال الامدي( ) اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية والمسمّى وذهب اكثر أصحابنا الى انّ التسمية هي نفس الاقوال الدالة وان الاسم هو نفس المدلول، ثم اختلف هؤلاء فذهب ابن فورك وغيره الى انّ كل اسم فهو المسمّى بعينه فقولك اللّه قول دال على اسم هو المسمّى وكذلك قولك عالم أو خالق فانه يدل على الذات الموصوف بكونه عالماً أو خالقاً، وقال بعضهم: من الاسماء ما هو عين كالموجود والذات، ومنها ما هو غيره كالخالق فان المسمّى ذاته والاسم هو نفس الخلق وخلقه غير ذاته، ومنها ما ليس عيناً ولا غيراً كالعالم فانّ المسمّى ذاته والاسم علمه الذي هو ليس عين ذاته ولا غيرها، وذهب المعتزلة الى انّ الاسم هو التسمية ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا، وذهب الاستاذ ابو نصر بن ايوب الى انّ لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمّى فيطلق على كل منهما ويفهم المقصود بحسب القرائن، ولا يخفى عليك كما قال الشريف في شرح المواقف( ) بعد نقله لهذا الكلام انّ النزاع على قول ابي نصر انّما هو في لفظ اسم وانّه يطلق على الالفاظ فيكون الاسم عين التسمية بالمعنى المذكور لا يمعنى فعل الواضع أو يطلق على مدلولاتها فيكون عين المسمّى وكلا الاستعمالين ثابت كما في قولهم الاسماء والافعال والحروف وقوله تعالى (سبح اسم ربك) و(تبارك اسم ربك) اي مسمّاه وقول لبيد الى الحول ثم اسم السلام عليكما لكن هذا بحث لغوي لا فائدة في الكلام عليه هنا، وقال الامام الرازي( ) في الاربعين المشهور عن أصحابنا ـ يعني الاشاعرة ـ ان الاسم هو المسمى وعن المعتزلة انّه التسمية وعن الغزالي انه مغاير لهما لان النسبة وطرفيها متغايرة قطعاً والناس قد طولوا في هذه المسألة وهو عندي فضول لان الاسم هو اللفظ المخصوص المسمى ما وضع ذلك اللفظ بازائه. فنقول: الاسم قد يكون غير المسمى فان لفظة الجدار مغايرة لحقيقة الجدار، وقد يكون عينه فان لفظ الاسم اسم للفظ الدال على المعنى المجرد عن الزمان، ومن جملة تلك الالفاظ لفظ الاسم فيكون لفظ الاسم اسماً لنفسه فاتحد هاهنا الاسم والمسمى قال: فهذا ما عندي في هذه المسألة انتهى كلامه وهو كلام متين انصف فيه كمال الانصاف وتجنب فيه طريقة الاعتساف وقد اطبقت الامامية على قوله وقد جاءت اخبارنا رادة لهذه المذاهب المنكرة ولقد افصح شارح المقاصد( ) عن تلك المعاني والمقاصد مع كونه من فضلاء الاشاعرة كاشفاً عن مذهب اصحابه وبيان ما يرد عليه من الخلل وسيجيء كلامه ذيل هذا المبحث إن شاء الله تعالى. واذا عرفت هذا فاعلم ان الظاهر من الاخبار الواردة في هذا المضمار في وجه الفرق بين الصفة والاسم ان المراد بالاسماء فيها الاسماء الدالة على الذات من غير ملاحظة صفة وبالصفات ما يدل على الذات متصفاً بصفة ففي الاحتجاج عن أبي هاشم الجعفري قال: «كنت عند ابي جعفر الثاني(عليه السلام) فسأله رجل فقال: اخبرني الرب تبارك وتعالى أله اسماء وصفات في كتابه وهل اسماؤه وصفاته هي هو؟، فقال ابو جعفر(عليه السلام): ان لهذا الكلام وجهين، ان كنت تقول هي هو انّه ذو عدد وكثرة فتعالى اللّه عن ذلك، وان كنت تقول: ان هذه الاسماء والصفات لم تزل فانّ من لم يزل محتمل معنيين، فان قلت: لم تزل عنده في علمه وهو يسحقها، فنعم، وان كنت تقول: لم يزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها، فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره بل كان اللّه تعالى ذكره ولا خلق إلاّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون ويعبدونه وهي ذكره، وكان اللّه سبحانه ولا ذكر والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل والاسماء والصفات مخلوقات والمعنى بها هو اللّه الذي لا يليق بها الاختلاف ولا الائتلاف، وانما يختلف ويأتلف المتجزىء، ولا يقال له قليل ولا كثير ولكنه القديم في ذاته لان ما سوى الواحد متجزيء واللّه واحد لا متجزيء ولا متوهم بالقلّة والكثرة وكل متجزء أو متوهم بالقوة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له فقولك: انّ اللّه قديراً خبرت انّه لا يعجزه شيء فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه، وكذلك قولك: عالم انما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه فاذا افنى اللّه الاشياء افنى القصور( ) والهجا والتقطيع فلا يزال من لم يزل عالماً، فقال: الرجل فكيف سمينا ربّنا سميعاً؟، فقال: لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس وكذلك سمّيناه بصيراً لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالابصار من لون أو شخص أو غير ذلك ولم نصفه ببصر طرفة العين وكذلك سمّيناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وما هو أخفى من ذلك وموضع الشيء منها والعقل والشهوة للسفاد والحدب على اولادها، واقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب الى اولادها في الجبال والمفاوز والاودية والقفار فعلمنا بذلك ان خالقها لطيف بلا كيف اذا الكيفية للمخلوق الكيف وكذلك سمّينا ربّنا قوياً بلا قوة البطش المعروف من الخلق ولو كان قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصاً كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزاً فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كيفية ولا نهاية ولا تصاريف محرم على القلوب ان تحتمله، وعلى الاوهام ان تحدّه، وعلى الضمائر ان تصوره جلّ وعزّ عن اداة خلقه وسمات بريته وتعالى عن ذلك علواً كبيراً»( ) ورواه الصدوق في التوحيد عن عن الجعفري ايضاً مثله ورواه الكليني ايضاً مرفوعاً الى أبي هاشم الجعفري عن أبي جعفر الثاني(عليه السلام)( ) وقد عرفت فيما سبق انّ المراد بالاسماء الاسماء الدالة على الذات من غير ملاحظة صفة وبالصفات ما يدل على الذات متصفاً بصفة واستفسر(عليه السلام) مراد السائل في هذا الخبر وذكر محتملاته وهي ثلاثة وتنقسم بالتقسيم الاولي الى احتمالين لان المراد امّا معناه الظاهر أو مول بمعنى مجازي لكون معناه الظاهر في غاية السخافة،

فالاول ان يكون المراد كون كل من تلك الاسماء والحروف المؤلفة المركبة عين ذاته تعالى، وحكم بانه تعالى منزّه عن ذلك لاستلزامه تركبه وحدوثه وتعدده.

الثاني ان يكون قوله «هي هو» كناية عن كونها دائماً معه في الازل فكأنها عينه وهذا يحتمل معنيين ايضاً:

الاول: ان يكون المراد كون تلك الاصوات والحروف المؤلفة دائماً معه في الازل ومعاذ اللّه أن يكون معه غيره في الازل، وهذا صريح في نفي تعدد القدماء ولا يقبل التأويل.

والثاني: ان يكون المراد انّه تعالى كان في الازل مستحقاً لاطلاق تلك الاسماء عليه، وكون تلك الاسماء في علمه من غير تعدد في ذاته وصفاته فمن غير ان يكون معه شيء في الازل، وهذا حق ثم أشار (عليه السلام) الى حكمة خلق الاسماء والصفات بأنها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها اليه ويعبدونه وهي ذكره بالضمير اي يذكر بها والمذكور بالذكر قديم والذكر حادث وقوله (عليه السلام) «والاسماء والصفات مخلوقات» ههنا النسخ مختلفة ففي التوحيد «مخلوقات المعاني» اي معانيها اللغوية ومفهوماتها الكلية مخلوقة، وفي الاحتجاج ليس لفظ المعاني اصلاً وفي الكافي والمعاني بالعطف، وحينئذ فالمراد بها اما مصداق مدلولاتها ويكون قوله «والمعنى» بما عطف تفسيري له او هي معطوفة على الاسماء اي والمعاني وهي حقائق مفهومات الصفات مخلوقة أو المراد بالاسماء الالفاظ وبالصفات ما وضع الفاظها له وقوله «مخلوقات» و«المعاني» خبران لقوله «الاسماء والصفات» اي الاسماء مخلوقات والصفات هي المعاني وقوله «والمعنى بها هو اللّه» اي المقصود بها المذكور بالذكر ومصداق تلك المعاني المقصود بها هو ذات اللّه والمراد «بالاختلاف» هو تكثر الافراد أو تكثر الصفات او الاحوال المتغيرة أو اختلاف الاجزاء وتباينها بحسب الحقيقة أو الانفكاك والتحلل وبالائتلاف التركب من الاجزاء أو الاجزاء المتفقة الحقائق فقوله (عليه السلام) «فاذا افنى اللّه الاشياء» استدلال على مغايرته تعالى للاسماء وهجاها وتقطيعها والمعاني الحاصلة منها في الاذهان من جهة النهاية كما انّ المذكور سابقاً كان من جهته البداية .

والحاصل ان علمه تعالى ليس عين قولنا عالم وليس اتصافه تعالى به متوقفاً على التكلم بذلك وكذا الصور الذهنية ليست عين حقيقة ذاته وصفاته وليس اتصافه تعالى بالصفات متوقفاً على حصول تلك الصور اذ بعد فناء الاشياء تفنى تلك الامور مع بقائه تعالى متصفاً بجميع الصفات الكمالية كما انّ قبل حدوثها متصفاً بها، ولابأس بالكلام على بقية هذا الخبر لما في صدره وعجزه من الارتباط، والذي ظهر لنا ان المقصود مما ذكر فيه وما ماثله من الاخبار التي مرّ ذكرها وما لم نذكر منها هو نفي تعقل كنه ذاته وصفاته تعالى وبيان انّ صفات المخلوقات مشوبة بأنواع العجز واللّه متصف بها معرىً عن جهات النقص والعجز كالسمع فانه فينا هو العلم بالمسموعات بالحاسة المخصوصة ولما كان توقف علمنا على الحاسة لعجزنا وكان حصولها لنا من جهة تجسمنا ونقصنا وامكاننا وايضاً ليس علمنا من ذاتنا لعجزنا وعلمنا حادث لحدوثنا وليس علمنا محيطاً بحقائق ما نسمعه كما هي لقصورنا عن الاحاطة بها، وكل هذا نقائص شأبَت ذلك الكمال فقد اثبتنا له تعالى ما  هو الكمال وهو أهل العلم ونفينا عنه جميع تلك الجهات التي هي من سمات النقص والعجز ولما كان علمه تعالى غير متصور لنا بالكنه وانا لما رأينا الجهل فينا نقصاً نفيناه عنه فكأنا لم نتصور من علمه تعالى إلا عدم الجهل فاثباتنا العلم له تعالى انما يرجع الى نفي الجهل لانا لم نتصور علمه تعالى إلاّ بهذا الوجه، واذا تدبّرت في ذلك حق التدبر وجدته نافياً لما يدعيه جماعة من الاشتراك اللفظي في الوجود وسائر الصفات لا مثبتاً له، وقد عرفت ان الاخبار الدالة على نفي التعطيل بنفي هذا القول، وقد سبق تفسير بعض اجزاء الخبر فيما سبق فلا نعيده .

وفي الاحتجاج عن هشام بن الحكم مرسلاً قال: «سألت ابا عبداللّه(عليه السلام) عن أسماء اللّه عزوجل ذكره واشتقاقها، فقلت: اللّه تعالى هو مشتق؟، قال: يا هشام اللّه مشتق من اله واله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمّى فمن عبد الاسم غير المعنى فقد كفر فلم يعبد شيئاً ومن عبد الاسم بالمعنى فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد أفهمت يا هشام، قال: فقلت: زدني؟، فقال: انّ للّه تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً فلو كان الاسم هو المسمّى لكان على كل اسم إلهاً، ولكن اللّه معنى يدل عليه بهذه الاسماء، وكلّها غيره، يا هشام الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمحرق أفهمت يا هشام فهماً تدفع به وتناظل اعداءنا والمتخذين مع اللّه عزوجل غيره، قلت: نعم، قال: فقال: نفعك اللّه به وثبتك، قال هشام فواللّه ما قهرني احد في علم التوحيد حتى قمت مقامي هذا»( ) .

ورواه الكليني في الصحيح عن هشام بن الحكم مع اختلاف يسير مثل قوله «اعداءنا الملحدين مع اللّه غيره» بدل «المتخذين»( ) .

وفي هذا الحديث ونحوه من البراهين والتبيين لفساد مذهب الاشعري من اتحاد الاسم والمسمّى ما فيه كفاية غنية للمتبصرين مثل قوله(عليه السلام) «فلو كان الاسم كالمسمّى كان الاسم الهاً للزوم تعدد الاله على قدر تعدد الاسماء» والتالي باطل باتفاق الامة فالمقدم مثله. لا يقال: المسمّى بهذه الاسماء اله فلو كان المسمّى متعدداً لزم تعدد الاله، وان لم يكن الاسماء نفسه، وان كان أحداً لزم على تقرير ان يكون الاسماء نفسه اتحاد تلك الاسماء لا تعدد الاله. لانا نقول: اتحاد تلك الاسماء المختلفة المتغايرة ايضاً باطل على انّ اتحادهما مما لا يعقل فلذلك جعل اللازم تعدد الاله، وامّا قوله: «ولكن اللّه معنى» اي معنى قائم بنفسه ووجود لذاته لا تركيب فيه ولا تكثر بحسب الذات والصفات يدل عليه بهذه الاسماء فمعناه انّ هذه الاسماء جعلت دليلاً عليه وعلامة له ليدعوه الخلائق بها. لا يقال: مدلول هذه الاسماء ليس امراً واحداً لان مدلول اللّه هو الذات وحدها أو مع اعتبار العبودية معها مثلاً ومدلول العالم هو الذات الموصوفة بالعلم ومدلول القادر هو الذات الموصوفة بالقدرة، وهكذا مدلولات سائر الاسماء ولا شك انّ هذه المدلولات متغايرة. لانا نقول: هذه المدلولات كما تقدم تقريره في الاخبار السابقة مفهومات وعنوانات ينتقل منها الى الذات المقدسة المنزهة عن التجزيء والتعدد والاتصاف بصفة زائدة هي تلك المفهومات وغيرها إلاّ انّ ذاته لما كان لا يخفى عليها شيء ولا تعجز عن شيء اطلق عليها العالم والقادر بهذا الاعتبار وملاحظة الاعتبارات لا يوجب اختلاف الذات اصلاً وقوله «وكلها غيره» أراد هنا أربعة أشياء الاسم والمسمّى والمسمّى والتسمية، والاسم هي الكلمة الدالة على معنى كلفظ البيت، والمسمّى الذات الموضوع لها تلك الكلمة، والمسمّى الواضع لتلك الكلمة لتلك الذات، والتسمية جعل تلك الكلمة اسماً لتلك الذات كوضع البيت لمسمّاها، وقد يطلق التسمية على ذي الاسم نحو هذا بيت فلان والاربعة متغايرة كما ترى وهو مقتضى اللغة والعرف، وقد يكون التغاير بين المسمّى والمسمّى بالاعتبار ثم ذكر من الاسماء ما هو شاهد بذلك كمال الشهادة والتوضيح فقال «يا هشام الخبز اسم للمأكول» الى قوله «والنار اسم للمحرق» فانّ من قال: اكلت الخبز وشربت الماء ولبست الثوب وأحرقت النار أراد بها هذه المسمّيات دون الاسماء، وربما أجاب من ذهب منهم العينية بانّ هذا في المخلوق ولا نزاع فيه، وانّما النزاع في الخالق وفي انّ اسمه هو المسمّى لانه تعالى في ذاته وصفاته وأسمائه لا تشبهه ذوات المخلوقين وصفاتهم وأسماؤهم. وفيه انّ هذا الفرق تحكم لان الاسماء موضوعة  بوضع واحد لا فرق بين أسمائه ولا أسماء سائر المخلوقين فدعوى الاختصاص للاتحاد في أسمائه تعالى يحتاج الى برهان شرعي كاشف عن ذلك الاختصاص، وليس فليس، وأمّا ما دلّ من الايات على ذلك الاختصاص مثل (سبّح اسم ربّك الاعلى)( ) وما ضاهاها من الايات فلا دلالة فيها كما نبهناك عليه فيما سبق لان المراد بالاسماء فيها، امّا المسمّى والاضافة بيانية كما ذكره اكثر المفسرين أو المراد تنزيه الاسماء المنسوبة إلاّ اليه عن النقص وان يمسى بها غيره أو ان يلاحظ الاشتقاق فيها من معان تليق بحاله فينزه عن المعاني التي لا تليق .

وفي الكافي بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أبي نجران قال: «كتبت الى ابي جعفر(عليه السلام) أو قلت له: جعلني اللّه فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الاحد الصمد؟ قال: فقال: انّ من عبد الاسم دون المسمّى بالاسماء فقد أشرك وكفر وجحد ولم يعبد شيئا، بل اعبد اللّه الواحد الاحد الصمد المسمّى بهذه الاسماء دون الاسماء انّ الاسماء صفات وصف بها نفسه»( ) وانما حكم على مَن عبد الاسم دون المسمّى بالاشراك لان الاسماء متعددة متغايرة، وبذلك يحصل الشرك وكفر الجحود ايضاً لانه كفر باللّه الحقيقي وجحده وهو المسمّى ولم يعبد شيئاً بالكلية لان المعبود الحقيقي هي ذاته المنزهة عن المشابه والمثال وأما قوله: «الاسماء صفات وصف بها نفسه» فالمراد انّ اسمائه تعالى كلها دالة بحسب الوضع على صفات وصف بها نفسه وصفاً اعتبارياً والا فصفاته عين ذاته والدال على صفات الذات ليس نفس تلك الذات ولا نفس تلك الصفات والمستحق للعبادة هو الذات وليس وراءها في الحقيقة شيء من الصفات إلاّ بنوع من الاعتبار والاسلوب والاضافات كما مرّ تقريره في تلك الروايات وفي كتاب المعاني والعيون باسناده عن محمد بن سنان قال: «سألت الرضا(عليه السلام) عن الاسم ما هو، قال: صفة لموصوف»( ) ومراده(عليه السلام) بذلك انّ الاسم مأخوذ من السمة وهي العلامة لانها علامة تدل على ذات فهي غير الذات أو المعنى ان اسماء اللّه تعالى تدلّ على صفات تصدق عليها، ويحتمل ان يكون المراد بالاسم هنا ما أشرنا اليه سابقاً اي المفهوم الكلي الذي هو موضوع اللفظ .

وفي الاحتجاج مرسلاً قال: «سئل ابو الحسن علي بن محمد(عليه السلام) عن التوحيد فقيل لم يزل اللّه وحده لا شيء معه ثم خلق الاشياء بديعاً، واختار لنفسه احسن الاسماء أو لم تزل الاسماء والحروف معه قديمة؟ فكتب، لم يزل اللّه موجوداً ثم كوّن ما أراد لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمة تاهت أو هام المتوهمين وقصر طرف الطارفين، وتلاشت اوصاف الواصفين واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه والوقوع على علو مكانه فهو بالموضع الذي لا يتناهي، وبالمكان الذي لم تقع عليه الناعتون باشارة ولا عبارة، هيهات هيهات»( ) .

وفي التوحيد باسناده عن الحسن بن سعيد الخزاز عن رجاله عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «قال اللّه غاية من غياة فالمعنى غير الغاية توحد بالربوبية ووصف نفسه بغير محدودية فالذاكر اللّه غير اللّه، واللّه غير أسمائه، وكل شيء وقع عليه اسم شيء سواء فهو مخلوق ألاترى الى قوله (العزة للّه) (العظمة للّه) وقال: (وللّه الاسماء الحسنى فادعوه بها)وقال تعالى (قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الاسماء الحسنى) فالاسماء مضافة، وهو التوحيد الخالص»( ) ألا ترى الى انّه(عليه السلام) قد استدل على المغايرة بين الاسم والمسمّى بما أضيف اليه من الاسماء فان الاضافة تدلّ على المغايرة يقال: المال لزيد ولا زيد لنفسه وقوله «العزّة للّه العظمة للّه» يومي الى انّ المراد بالاسم المفهوم كما مر وفي التوحيد باسناده عن عبدالاعلى عن أبي عبداللّه قال «اسم اللّه غير اللّه، وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه، فاما ما عبرت الالسن عنه أو عملت الايدي فيه فهو مخلوق، واللّه غاية من غاياة، والمغيى غير الغاية، والغاية موصوفة، وكل موصوف مصنوع، وصانع الاشياء غير موصوف بحد مسمّى لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره ولم يتناه الى غاية إلاّ كانت غيره لم يزل من فهم هذا الحكم ابداً، وهو التوحيد الخالص فاعتقدوه وصدّقوه وتفهموه باذن اللّه عزوجل، ومن زعم انّه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك، لان الحجاب والمثال والصورة غيره، وانما هو واحد موحد فكيف يوحده من زعم انّه عرفه بغيره، انّما عرف اللّه من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه انّما يعرف غيره ليس بين الخالق والمخلوق شيء، واللّه خالق الاشياء لا من شيء يسمى باسمائه فهو غير أسمائه والاسماء غيره، والموصف غير الواصف، ومن زعم انّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة لا يدرك مخلوق شيئاً إلاّ باللّه ولا تدرك معرفة اللّه إلاّ باللّه، والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه، واذا أراد شيئاً كان كما أراد اللّه بأمره من غير نطق لا ملجأ لعباده مما قضى ولا حجة لهم فيما ارتضى، لم يقدروا على عمل ولا معالجة مما أحدث في ابدانهم المخلوقة الا بربهم، فمن زعم انه يقوى على عمل لم يرده اللّه عزوجل، فقد زعم انّ ارادته تغلب ارادة اللّه»( )، وقد رواه في التوحيد بطريق آخر عن عبدالاعلى مثله الى قوله «والاسماء غيره»( )، قال الصدوق(رحمه الله) في كتاب التوحيد معنى ذلك انّ من زعم انّه يقوى على عمل لم يرد اللّه أن يقويه عليه، فقد زعم انّ ارادته تغلب ارادة اللّه تبارك اللّه ربّ العالمين، وقوله (عليه السلام)«اسم شيء» اي لفظ الشيء أو هذا المفهوم المركب، والاول أظهر، ثم بيّن المغايرة بين اللفظ الذي يعبر به الالسن والخط الذي تعمله الايدي فظاهر انّه مخلوق، وأمّا قوله «واللّه غاية من غاياه» فاعلم انّ الغاية تطلق على المدا والنهاية وعلى امتداد المسافة وعلى الغرض والمقصود من الشيء وعلى الراية والعلامة، وهذه العبارة تحتمل وجوهاً:

الاول منها ان تكون الغاية بمعنى الغرض والمقصود اي كلمة الجلالة مقصود من جعله مقصود او ذريعة من جعله ذريعة اي كل من كان له مطلب وعجز عن تحصيله بسعيه يتوسل اليه باسم اللّه، والمغي بالغين المعجمة والياء المثناة المفتوحة اي المتوسل اليه بتلك الغاية غير الغاية أو بالياء المكسورة اي الذي جعل لنا الغاية غاية هو غيرها وفي بعض النسخ، والمعنى بالعين المهملة والنون أي المقصود بذلك التوسل أو المعنى المصطلح غير تلك الغاية التي هي الوسيلة اليه.

الثاني أن يكون المراد بالغاية النهاية وباللّه الذات لا الاسم اي الرب تعالى غاية امال الخلق يدعونه عند الشدائد باسمائه العظام، والمغيّى  بفتح الباء المشددة المساقة ذات الغاية، والمراد هنا الاسماء فكأنها طرق ومسالك توصل الخلق الى اللّه في حوائجهم، والمعنى انّ العقل يحكم بان الوسيلة غير المقصود بالحاجة، وهذا معنى لا يلائمه قوله «والغاية موصوفة» إلاّ بتكلف تام .

الثالث: أن يكون المراد بالغاية العلامة وصحّفت غاياه بغاياته اي علامة من علاماته، والمغي اي المقصود أو المغي اي ذي العلامة غيرها .

الرابع: أن يكون المقصود انّ الحق تعالى غاية أفكار من جعله غاية وتفكر فيه والمعنى المقصود اعني ذات الحق غير ما هو غاية افكارهم ومصنوع عقولهم اذ غاية ما يصل اليه افكارهم ويحصل في أذهانهم موصوف بالصفات الزائدة الامكانية وكل موصوف كذلك مصنوع.

الخامس: ما نسبه غائص البحار الى بعض الافاضل وقد صحّفه حيث قر اعانة من عاناه اي الاسم ملابس من لابسه قال في النهاية الاثيرية معاناة الشيء ملابسة ومباشرته أو مهمّ من اهتم به من قولهم عنيت به فانا عان اي اهممت به واشتغلت او اسير من اسره وفي النهاية العافي الاسير، وكل من دل واستكان وخضع فقد عنى يعنو فهو عان أو محبوس من حبسه وفي النهاية وعنوا بالاصوات اي احبسوها، والمعنى اي المقصود بالاسم غير العانة أي غير ما نتصوره ونعقله، ثم اعلم انّه على بعض التقادير يمكن ان يقرأو اللّه بالكسر بان يكون الواو للقسم قوله غير موصوف بحد أي من الحدود الجسمانية وصفات الامكانية والحدود العقلية، وقوله «مسمى صفة» لحد التعميم كقوله تعالى (لم يكن شيئاً مذكوراً). ويحتمل ان يكون المراد به غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الاسماء وقيل: هو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف قوله لم يتكون( ) فيكون محدثاً بفعل غيره فتعرف كينونته وصفات حدوثه بصنع صانعه كما تعرف المعلولات بالعلل .

ولعل المراد كما قاله غائص البحار انّه غير مصنوع حتى يعرف بالمقايسة الى مصنوع اخر كما تعرف المصنوعات بقياس بعضها الى بعض فيكون الصنع بمعنى المصنوع وغيره صفة له او انّه لا يعرف بحصول صورة لغيره اذ كل صورة ذهنية مصنوعة للمدرك معلولة له قوله «ولم يتناه» اي هو تعالى في المعرفة اي عرفانه أو العارف في عرفانه الى نهاية إلاّ كانت تلك النهاية غيره تعالى ومباينة له غير محمولة عليه قوله(عليه السلام) «لا يزال» وفي بعض النسخ بالدال اي دلّ الجهل والضلال من فهم هذا الحكم وعرف سلب جميع ما يغايره عنه، وعلم انّ كلما يصل اليه افهام الخلق فهو غيره تعالى، قوله (عليه السلام) «ومن زعم انّه يعرف اللّه بحجاب» اي بالاسماء التي هي حجب بين اللّه وبين خلقه ووسائل بها يتوسلون اليه بان زعم انّه تعالى عين تلك الاسماء او الانبياء والائمة (عليهم السلام) بان زعم انّ الرب تعالى اتحدّ بهم او بالصفات الزائدة فانها حجب عن الوصول الى حقيقة الذات الاحدية أو بصورة اي أو بانه ذو صورة كما قالت المشبهة أو بصورة عقلية زعم انها كنه ذاته وصفاته تعالى أو بمثال اي خيالي أو بان جعله له مماثلاً أو مشابهاً من خلقه فهو مشرك لما عرفت مراراً من لزوم تركبه تعالى وكونه ذا حقائق مختلفة وذا أجزاء تعالى اللّه عن ذلك. ويحتمل ان يكون اشارة الى انّه لا يمكن الوصول الى حقيقته بوجه من الوجوه لا بحجاب ولا رسول يبين ذلك ولا بصورة عقلية ولا خيالة اذ لابد بين المعرف والمعرّف من مماثلة وجهة اتحاد وإلا فليس ذلك الشيء معرّفاً اصلاً واللّه تعالى مجرد الذات عن كل ما سواه فحجابه مثاله وصورته غيره من كل وجه اذ لا مشاركة بينه وبين غيره في جنس او فصل أو مادة أو موضوع أو عارض، وانما هو واحد موحد فرد عما سواه فانما يعرف اللّه باللّه اذا نفي عنه جميع ما سواه وكل ما وصل اليه عقله كما مر انّه التوحيد الخالص وقال بعض المحققين: من زعم انّه يعرف اللّه بحجاب أو بمثال أو بصورة اي بحقيقة من الحقائق الامكانية كالجسم والنور أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما اسند الى القائلين بالصورة أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة فهو شرك لان الحجاب والصورة كلها مغايرة له غير محمولة عليه فمن الموصوف بها عبد غيره فكيف يكون موحداً له عارفاً به انما عرف اللّه من عرفه بذاته وحقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره فمن لم يعرفه به فليس يعرفه انّما يكون يعرف غيره (أقول) ولا يخفى بعد هذا الوجه وان كان ايضاً قد شاركه بعض الاحتمالات السابقة في البعد والتكلف، وانّما ذكرناها لتنجلي بها غياهب هذا الحديث وتنحل بها ربط اشكالاته مما تشعر بان القديم حديث، وقد قيل فيه وجوه اخر قد اعرضت عنها وضربت صفحاً لعدم موافقتها لاصولنا، وينبغي ان يقال: في هذا الخبر وما ضاهاه بأن المعرفة من صنعه تعالى وليس للعباد فيها صنع وانّه تعالى يهبها لمن طلبها ولم يقصر فيما يوجب استحقاق افاضتها، والقول بأن غيره تعالى يقدر على ذلك نوع من الشرك في ربوبيته والهيئة فانّ التوحيد الخالص هو أن يعلم انّه مفيض لجميع العلوم والخيرات والمعارف والسعادات كما قال تعالى (ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك)( ) فالمراد بالحجاب في الخبر اما ائمة الضلال وعلماء السوء الذين يدعون انهم يعرفون اللّه بعقولهم ولا يرجعون في ذلك الى حجج اللّه تعالى فانهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته وعبادته تعالى، فمعنى انّه تعالى انما يعرف بما عرّف نفسه للناس لا بأفكارهم وعقولهم او ائمة الحق ايضاً فانه ليس شأنهم إلاّ بيان الحق للناس فامّا اضافة المعرفة والايصال الى البغية فليس الا من الحق تعالى كما قال (انك لا تهدي من أحببت)( )وقوله «ليس بين الخالق والمخلوق شيء» أي ليس بينه وبين خلقه حقيقة أو مادة مشتركة حتى يمكنهم معرفته من تلك الجهات بل اوجدهم لا من شيء كان وقوله(عليه السلام) «غير الواصف» يحتمل ان يكون المراد بالواصف الاسم الذي يصف الذات بمدلوله قوله(عليه السلام) «فمن زعم انّه يومن بما لم يعرف» اي لا يؤمن احد باللّه إلاّ بعد معرفته والمعرفة لا يكون إلاّ منه فالتعريف من اللّه الايمان والاذعان وعدم الانكار من الخلق. ويحتمل ان يكون المراد على بعض الوجوه السابقة بيان انّه وان لم يعرف بالكنه لكن لا يمكن الايمان به إلاّ بعد معرفته بوجه من الوجوه فيكون المقصود نفي التعطيل والاول أظهر، وهذه الفقرات كلها مؤيدة للمعنى الاخير كما لا يخفى، ثم بين كون الاشياء انما تحصل بمشيئته تعالى وان ارادة الخلق لا تغلب ارادته تعالى وسيجيء تحقيقه في مباحث العدل( ) .

وفي التوحيد باسناده الصحيح عن ابن رباب عن غير واحد عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «من عبد اللّه بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم ولم يعبد المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد اشرك، ومن عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف يصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرّ أمره وعلانيته فاولئك أصحاب امير المؤمنين (عليه السلام)»( ).

وفي حديث اخر «أوليئك هم المؤمنون حقاً»( )

قوله «من عبد اللّه بالتوهم» اي من غير أن يكون على يقين من ذاته تعالى وصفاته أو بأن يتوهمه محدوداً مدركاً بالوهم فقد كفر فان كل محدود ومدرك بالوهم غيره سبحانه وتعالى فمن عبده كان عائداً لغيره فهو كافر وقوله(عليه السلام) «ومن عبد الاسم» اي الحروف والمفهوم الوضعي له دون المعنى اي المعبر عنه بالاسم فقد كفره لان الحروف والمفهوم غير الواجب الخالق للكل .

وفي التوحيد والكافي باسنادهما محمد بن عمر اليماني عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال «ان اللّه سبحانه وتعالى خلق اسما بالحرف غير متصوت( ) وباللفظ غير منطق وبالشخص غير مجسد وبالتشبيه غير موصوف وباللون غير مصبوغ منفي عنه الاقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حسّ كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحد قبل الاخر فاظهر منها ثلاثة الاشياء لفاقة الخلق اليها وحجب واحداً منها وهو الاسم المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلاثة التي اظهرت فالظاهر هو اللّه وتبارك وسبحان بكل اسم من هذه سبعة أركان فذلك اثنا عشر ركنا، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً اليها فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق الباري المصور الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم العليم الخبير السميع البصير الحكيم العزيز الجبار المتكبر العلي العظيم المقتدر القادر السلام المؤمن المهيمن الباري المنشي البديع الرفيع الجليل الكريم الرازق المحيي المميت الباعث الوارث، فهذه الاسماء، وما كان من الاسماء الحسنى حتى يتم ثلاثمائة وستين اسماً فهي نسبته لهذه الاسماء الثلاثة، وهذه الاسماء الثلاثة أركان وحجب للاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلاثة، وذلك قوله عزوجل قال (ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن اياً ما تدعوا فله الاسماء الحسنى)»( ) وهذا الحديث من متشابهات الاحاديث والاخبار ودقائق غوائص الاسرار التي لا يعلم تأويلها إلاّ اللّه والراسخون في العلم وهم النبي والائمة الاطهار والبعد عن تفسيره والاقرار بالعجز عن فهمه وتقريره أصوب وأسلم من الاخطار ولنذكر بعض الكلام عليه وان لم يورثه كمال الجلاء إلاّ انّه يقرب اليه الافهام والانظار تبعاً لمن تكلم فيه على سبيل الاحتمال. فنقول: اسما في بعض النسخ بصيغة المفرد وفي بعضها بصيغة الجمع والاول أظهر، والثاني مبني على انّه مجزي بأربعة أجزاء كل منها اسم فلذا أطلق عليه صيغة الجمع وقوله «بالحروف غير متصوت» كما في بعض نسخ التوحيد والكافي وان كان في اكثر نسخ التوحيد غير منعوت بدله وكذا ما بعده من الفقرات تحتمل كونها حالاً عن فاعل خلق، وعن قوله «اسماً» الذي هو المفعول، ويؤيد الاول ما في اكثر نسخ التوحيد خلق اسماء بالحروف وهو عزوجل «بالحروف غير منعوت» فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم والمسمى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهور انّه النطقية والكتبية فيه .

وأمّا على الثاني فلعله اشارة الى حصوله في علمه تعالى فيكون الخلق بمعنى التقدير والعلم وهذا الاسم عند حصوله في العلم الاقدس لم يكن ذا صوت ولا ذا صورة ولا ذا صبغ. ويحتمل ان يكون اشارة الى ان أول خلقه كان بالاضافة على روح النبي (صلى الله عليه وآله) وأرواح الائمة(عليهم السلام) بغير نطق وصبغ ولون وخط بقلم، وامّا شرح كل من الفقرات وتوضيحها متصلة فعلى الاول قوله «غير مصوت» اما للبناء للفاعل اي لم يكن خلقها بايجاد حرف وصوت او على البناء للمفعول اي هو تعالى ليس من قبيل الاصوات والحروف حتى يصلح كون الاسم عينه تعالى وقوله (عليه السلام) «وباللفظ غير المنطَق» بفتح الطاء اي ناطق او انّه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها او بالكسر اي لم يجعل الحروف ناطقة على الاسناد المجازي كقوله تعالى (هذا كتابنا ينطِق عليكم بالحق)( ) وهذا التوجيه يجري في الثاني من احتمال الفتح وتطبيق تلك الفقرات على الاحتمال الثاني وهو كونها حالاً عن الاسم بعد ما ذكرنا ظاهره وكذا تطبيق الفقرات الاتية على الاحتمالين قوله (عليه السلام) مستتر غير مستور اي كنه حقيقته مستور على الخلق مع انّه من حيث الاثار اظهر من كل شيء أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر وحاجب او انّه غير مستور بل هو في غاية الظهور والنقص انما هو من قبلنا ويجري نظير الاحتمالات في الثاني. ويحتمل على الثاني ان يكون المراد انّه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى، وامّا تفصيل الاجزاء وتشعب الاسماء فيمكن ان يقال انّه لما كان كنه ذاته تعالى مستوراً عن عقول جميع الخلق فالاسم الدال عليه ينبغي ان يكون مستوراً عنهم فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدل على كنه الذات مع جميع الصفات الكمالية ولما كانت اسمائه تعالى ترجع الى أربعة لانها امّا ان تدل تعلى الذات والصفات الثبوتية الكمالية أو السلبية التنزيهية أو صفات الافعال فجزيء ذلك الاسم الجامع الى أربعة أسماء جامعة واحد منها للذات فقط فلما ذكرنا سابقاً استبد تعالى به ولم يعطه خلقه وثلاثة منها تتعلق بالانواع الثلاثة من الصفات فاعطاها خلقه ليعرفوه بها بوجه من الوجوه فهذه الثلاثة حجب ووسائط بين الخلق وبين هذا الاسم المكنون اذا بها يتوسلون الى الذات والى الاسم المختص بها ولما كانت تلك الاسماء الاربعة مطوية في الاسم الجامع على الاجمال لم يكن بينها تقدم وتأخر ولذا قال ليس منها واحد قبل الاخر، ويمكن ان يقال: على بعض المحتملات السابقة انّه لما كان تحققها في العلم الاقدس لم يكن بينها تقدم وتأخر أو يقال: ان ايجادها لما كان بالافاضة على على الارواح المقدسة ولم يكن بالتكلم لم يكن بينها وبين اجزائها تقدم وتأخر في الوجود كما يكون في تكلم الخلق، والاول اظهر، ثم بيّن الاسماء الثلاثة:

الاول: هو اللّه وهو الدال على النوع الاول لكونه موضوعاً للذات المستجمع للصفات الذاتية الكمالية.

الثاني: تبارك لانه من البركة والنمو وهو اشارة الى انّه معدن الفيوظ ومنبع الخيرات التي لا تتناهى وهو رئيس جميع الصفات الفعلية التي هي الخالقية والرازقية وغير ذلك مما هو منسوب الى الفعل كما انّ الاول ينبوع الصفات الوجودية من العلم والقدرة وغيرها وهو رئيسها ولما كان المراد بالاسم ما يدل على ذاته وصفاته سوى كان اسماً أو فعلاً أو جملة لم يكن في عد تبارك من الاسماء محذور .

الثالث: هو سبحان الدال على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص فهو أصل جميع صفات السلب والتنزيه هذا كله على نسخة التوحيد .

وفي الكافي هو اللّه تعالى وتبارك وسخر لكل اسم، فلعل المراد انّ الظاهر بهذه الاسماء هو اللّه تعالى، وهذه الاسماء انما جعلها مظهرا بها على الخلق فالمظهر الاسم والظاهر الرب، ولما كان تلك الاسماء الثلاثة الجامعة لكل واحد منها شعب اربع ترجع اليها جعل لكل منها اربعة أركان هي الدعائم له فاما اللّه فلدلالته على الصفات الكمالية الوجودية له أربع دعائم هي وجوب الوجود المعبّر عنه بالصمدية والقيومية والعلم والقدرة والحياة أو مكان الحياة اللطف والرحمة أو العزة، وانما جعلت هذه الاربعة أركاناً لان ما عداها من صفات الكمال راجعة اليها مثلاً العلم يرجع السمع والبصر والخير فالعلم شامل لها، وهكذا نقول في الباقي، وامّا تبارك فأركانه أربعة الربّية في الدارين والايجاد والهداية في الدنيا والمجازاة في الاخرى فيكون بمعنى الرب أو الخالق أو الموجد والهادي والديان على انّه يمكن ادخال الهداية في الربّية، وحينئذ لا تكون الاركان اربعة بل ثلاثة فنحتاج الى جعل المجازاة ركنين الاثابة والانتقام ولكل منها شعب من أسمائه اللّه الحسنى كما لا نخفي على المتأمل الخبير وامّا سبحان الذي هو علم التنزيه فأركانه ايضاً أربعة لان التنزيه اما للذات أو للصفة أو للفعل، والاول امّا تنزيهة عن مشابهة الممكنات او ان يكون محلاً لادراك الحواس والاوهام والعقول والتنزيه الوصفي عبارة عن تنزيهه عن صفات النقص والتنزيه الفعلي عن الظلم والعجزة والنقص، ويحتمل وجهاً اخر وهو تنزيهه عن الشريك والاضداد، وتنزيهة عن المشاكلة والمشابهة وتنزيهه عن ادراك العقول والاوهام، وتنزيهه عما يوجب النقص والعجز من التركيب والولد والصاحبة والتغيرات والظلم والجور والعوارض الحادثة والجهل، والظاهر ان لكل منها شعباً كثيرة فجعل(عليه السلام) شعب كل منها ثلاثين وذكر بعض أسمائه الحسنى على سبيل التمثيل واجمل في الباقي، ويحتمل على ما في الكافي أن تكون الاسماء الثلاثة ما يدل على وجوب الموجود والعلم والقدرة والاثني عشر ما يدل على الصفات الكمالية والتنزيهية التي تتبع تلك الصفات، والمراد بالثلاثين صفات الافعال التي هي اثار الصفات الكمالية، ويؤيده قوله «فعلا منسوباً اليها» وعلى الاول يكون المعنى من توابع تلك الصفات فكأنها من فعلها هذا ما خطر ببال بعض الافاضل من مشايخنا في حل هذا الخبر على هذا الاحتمال ولمحمد تقي المجلسي والد ذلك البعض من مشايخنا كلام في خلّه يحتاج الى حل إلا انّ عليه لوامع أسرار يتفطن لهما من كشف عن سويدا قلبه غياهب الشبه وحاصله: كما به صرح وعليه نبّه هو ان الاسم الاول كان جامعاً للدلالة على الذات والصفات ولما كان معرفة الذات محجوبة عن غيره جزى ذلك الاسم على اربعة اجزاء، وجعل للاسم الدال على الذات محجوباً عن الخلق، وهو الاعظم باعتباره والدال على المجموع اسم باعتباره آخر ويشبه ان يكون الجامع هو اللّه تعالى والدال على الذات فقط هو وتكون الحجوبة باعتبار عدم التعيين كما قيل: ان الاسم الاعظم داخل في جملة الاسماء المعروفة ولكنها غير معينة لنا، ويمكن ان يكون غيرها والاسماء التي ظهرها اللّه للخلق على ثلاثة أقسام: منها: ما يدل على التقديس مثل العلي العزيز العظيم الجبار المتكبر. ومنها: ما يدل على علمه تعالى. ومنها: ما يدل على قدرته تعالى، وانقسام كل واحد منها الى اربعة أقسام بأن يكون التنزيه مطلقاً اما للذات أو للصفات أو للافعال، ويكون ما يدل على العلم اما المطلق العلم أو العلم بالجزئيات كالسميع البصير أو الظاهر أو الباطن، وما يدل على القدرة اما للرحمة الظاهرة أو الباطنة أو الغضب ظاهرا او باطناً أو ما يقرب من ذلك التقسيم والاسماء المنفردة على ما ورد في القرآن والاخبار يقرب من ثلاث مائة وستين اسماً ذكرها الكفعمي في مصباحه فعليك بجمعها والتدبر في ربط كل منها بركن من تلك الاركان، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه( ) .

ولبعض الناظرين في هذا الخبر كلام حاصله جعل الاثنى  عشر كناية عن البروج الفلكية والثلاثمائة والستين عن درجاتها ولعمري لقد تكلّف ما تكلّف وتعسف مع من تعسف وكله ناش عن جعله الاثار الملكوتية مظاهرها الافلاك وبروجها ودرجاتها وانى لها وهذه المقامات السامية والمراتب العالية، ومنهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، والاسم الاول الجامع عن مخلوقاته، ويزعم هذا القائل هو العقل وجعل ما بعد ذلك كناية عن كيفية شعب المخلوقات وتعدد العوالم وما اقر به مما تقدمه من الاستغراب والاستبعاد واما قوله «وذلك قوله عزوجل» الى اخره فهو استشهاد على ان له تعالى أسماء حسنى وانّه انما وضعها لتدعوه الخلق بها فقال تعالى قل ادعوه باللّه أو بالرحمن أو بغيرهما فالمقصود واحد وهو الرب وله اسماء حسنى كل منها يدل على صفة من صفاته المقدسة فاياً ما تدعوا فهو حسن وقد أرشتدت الاخبار السابقة لذلك .

 

البحث الثاني

في أن أسمائه تعالى توقيفية بحيث لا يجوز ان يسمى إلاّ بما سمي به نفسه او انّه يجوز ان يمسى بما يصح ان يقال عقلاً على تلك الذات من أسمائه أو صفاته أو الفرق بين الاسم والصفة فيمتنع في الاول، ويجوز في الثاني، أقوال ثلاثة لعلماء الفريقين، وليس الكلام في أسماء الاعلام الموضوعة في اللغات انما النزاع في الاسماء المأخوذة من الصفات والافعال كما حققه الشريف في شرح المواقف( )والمشهور بين العلماء الفريقين وسيّما الاشاعرة انّه لابد من التوقيف، وهو المختار ونقل عن المعتزلة والكرامية وبعض علمائنا، وهو مذهب المحقق خواجا نصرالدين في بعض كتبه وان كان في اكثرها وافق المشهور انّه اذ ادلّ العقل على اتصافه تعالى بصفة وجودية جاز ان يطلق عليه اسم يدل على اتصافه بها سواء ورد به الشرع أم لم يرد، وكذلك الحال في الافعال، ونقل عن القاضي ابي بكر من الاشاعرة ان كل لفظ دلّ عل معنى ثابت اللّه تعالى جاز اطلاقه عليه بلا توقيف اذا لم يكن اطلاقه موهماً لما لا يليق بكريائه فمن ثمّ لم يجز أن يطلق عليه لفظ العارف بأن المعرفة قد يراد بها علم يسبقه غفلة ولا لفظ الفقيه لان الفقه فهم غرض المتكلم من كلامه وذلك مشعر بسابقة الجهل ولا لفظ العاقل لان العقل علم مانع عن الاقدام على ما لا ينبغي مأخوذ من العقال، وانّما يتصور هذا المعنى فيما يدعوه الداعي فيما لا ينبغي ولا لفظ الفطن لان الفطانة سرعة ادراك ما يراد تفويضه على السامع فتكون مسبوقة بالجهل ولا لفظ الطبيب لان الطب علم مأخوذ من التجارب الى غير ذلك من الاسماء التي فيها نوع ايهام بما لا يصح في حقه تعالى. وقد يقال: لابد مع نفي ذلك الايهام من الاشعار بالتعظيم حتى يصح الاطلاق بلا توفيف، وامّا القول بالتفصيل فهو مختار الامام الغزالي فجعل الاسماء توقيفية، وامّا الصفات فليست كذلك، وتوقف جماعة من علماء الفريقين، ويدل على المشهور جملة من الاخبار التي قدمناها في الصفات وهي الناهية عن وصفه وتسميته بما لم يسم نفسه به، وان كانت قابلة للمناقشة إلاّ انّ ذلك هو ظاهر، وقد تقدم في صحيحة ابن رئاب المستفيضة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)حيث قال (فيه) «ومن عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه، ونطق به لسانه في سر امره وعلانيته، فهو من أصحاب أمير المؤمنين»( ).

وفي خبر عبدالرحيم القصير المروي في الكافي والتوحيد قال: «كتبت على يدي عبدالملك بن أعين الى أبي عبداللّه(عليه السلام) قوماً بالعراق يصفون اللّه بالصورة والتخطيط، فان رأيت جعلني اللّه فداك تكتب اليّ بالمذهب الصحيح من التوحيد، فكتب اليّ: أسألت رحمك اللّه عن التوحيد، وما ذهب اليه من قبلك فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير» ثم ساق الحديث الى ان قال: «واعلم رحمك اللّه انّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه تعالى فانف عن اللّه تعالى البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه هو اللّه الثابت الموجود تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، ولا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان»( ).

وفي الكافي أيضاً باسناده عن المفضل بن عمر قال: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن شيء من الصفة؟، فقال: لا تجاوز ما في القرآن»( ) وفيه ايضاً عن الفضيل بن يسار في الصحيح قال: «سمعت أبا عبداللّه(عليه السلام) يقول: انّ اللّه لا يوصف وكيف يوصف، وقد قال في كتابه (وما قدروا اللّه حق قدره) فلا يوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك»( )، وفي هذا الخبر ونحوه اشارة الى انّه لو وصفه الواصف بصفة تليق به بحسب الظاهر في موضع خطر لعدم بلوغ قوته وقدرته الى ما هو ملائم لذلك المقام وتلك الذات، ولهذا قال فيه «فلا يوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك» وفي خبر محمد بن حكيم المروي في الكافي، وفي التوحيد قال: «كتب ابو الحسن موسى ابن جعفر الى أبي انّ اللّه اعلا وأجل وأعظم من ان يبلغ كنه صفته فصفوه بما وصف نفسه، وكفّوا عمّا سوى ذلك»، وفي خبر ابراهيم بن محمد الخزاز ومحمد بن الحسين المروي في الكتابين المذكورين قال: «دخلنا على أبي الحسن الرضا(عليه السلام) فحكينا له انّ محمداً رأى ربّه في صورة الشاب الموفق» وساق الحديث الى ان قال «سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك فمن اجل ذلك وصفوك سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم ان يشبهوك بغيرك اللّه لا اصفك إلاّ بما وصفت به نفسك ولا أشبهك بخلقك أنت أهل الكل خير»( ) الحديث .

ولبعض أفاضلنا من المتأخرين في بعض الاسماء الحسنى بحث وكلام اوجب له الخروج عن ما هو المشهور، وقد اعترضه بعض الافاضل أيضاً بما لا يلزمه من جهة انّه منصوص، وقد صرّح بذلك جديّ (قدس سره) في الفوائد النجفية قال (قدس سره) قال الشيخ جمال الدين احمد بن فهد ـ عطر اللّه مرقده ـ في كتاب عدّة الداعي في شرح الاسماء الحسنى لا يقال الله عزوجل سخي لان اصل السخاوة اللين يقال: ارض سخاوية، وقرطاس سخاويّ اي لينا، وسمي السخي  سخياً للينة عند الحوائج، واعترضه الشيخ الكفعمي في الجنة الواقية مشنعاً عليه بامور ليس عليه من مزيد، منها ان السخا مرادف للجود وهو صفة كمال فيجوز اطلاقه عليه تعالى مع انّه قد ورد به الاذن في كثير من الادعية كما في دعاء الجوشن الكبير المروي عن زين العابدين عن أبيه عن جدّه علي عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله «يا ذا الجود والسخاء فرق بين الجود والسخاء» لترادفهما على اسم الكرم، وكان في دعاء الصحيفة المذكور في مهج ابن طاووس ايضاً في قوله «سبحانه من تواب ما اسخاه وسبحانه من سخي ما أبصره»، ومنها انّ صفاته ليست كصفات خلقه لان التواب من خلقه التائب والتواب من أسمائه الذي يقبل التوبة من عباده والصبور من الناس كثير حبس النفس عن الجزع والصبور من أسمائه تعالى لا يحتمل المعاجلة على عقوبة من عصاه لاستغنائه عن التسرع اذ لا يخاف الفوت، ثم قال: ثم انا نرجع ونقول: انّ أصل السخاء راجع الى الاتساع والسهولة والسخو الارض السهلة الواسعة كما ذكره الجوهري وائمة اللغة، وسمّي السخي سخياً لكثرة عطائه وسعته واللّه تعالى أحق باسم السخي لانه وسع بعطائه المعطين وعمّ ببرّه البارين. ومنها ما ذكره بعد تمام دليله وجعله علاقة عليه فقال: ولو سلّمنا ثم الرجوع في أصل الاشتقاق في الاسماء الحسنى لوجب ان يترك كل اسم. منها يحصل في اشتقاق اصله ما لا يناسب له عنده الاترى ان السيد من أسمائه وهو عند اللغة المسن من المعز، واظن انّ صاحب العدة قلّد القاضي عبدالجبار في شرح أسمائه الحسنى في عدم صحة هذا الاشتقاق، ونقل كلاماً عن القاضي حاصله: انّه لا يجوز اطلاق الحنّان عليه لانه يفيد الحنين، وهو لا يجوز عليه تعالى، ورد كلام القاضي بما حاصله: ان جواز ذلك لانه مأخوذ من الحنان التي هي الرحمة والحنان ذو الرحمة، ثم قال: ثم نرجع ونقول: على ما ذهب اليه لا يجوز ان يسمّى اللّه شاكراً وقد ورد به القرآن (فان اللّه شاكر عليم)( ) لان الشاكر في الاصل المظهر للانعام، واللّه تعالى يتعالى ان يكون لاحد عليه نعمة، ثم قال جدي (قدس سره) بعد نقل هذا الكلام أقول: ما أورده عليه فهو غير وارد عليه بعد التحقيق اذ الظاهر انّ كلام صاحب العدّة مبني على انّ أسماء اللّه سبحانه توفيقية كما هو المشهور بين الخاصة والعامة فلا يجوز اطلاق ما لا يرد به الشرع إلاّ نور وان ناسبه في الكلام ظاهر أو هو الذي نقله الكفعمي عن الشيخ السعيد علي بن يوسف بن عبدالجليل في كتابه منتهى السول حيث قال: لا يجوز ان يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهر اطلاقها عليه، وان صح اتصافه بها معنى كالجوهر مثلاً بمعنى القديم بذاته لجواز ان يكون في ذلك مفسدة خفية لا نعلمها فانه لا يكفي في اطلاق الصفة على الموصوف اثبات معناها له فان لفظتي عزوجل لا يجوز اطلاقها على النبي (صلى الله عليه وآله) وان كان عزيزاً جليلاً لانهما يختصان باللّه، ولولا عناية اللّه ورايه بعباده في الهام أنبيائه أسمائه لما جسر احد من الخلق ولا تهجم في اطلاق شيء من هذه الصفات والاسماء عليه تعالى انتهى( ) .

وقد رجح الكفعمي هذا الكلام، واعتمد عليه ثم قال(قدس سره): يمكن ان يكون بناءً على انّ الاسماء التي تشعر بالنقص في الجملة لا يجوز اطلاقها عليه سبحانه وان لم نقل بالتوقف على التوقيف، واذا تمهد هذا فالجواب عن سؤاله الاول وهو انّ السخاء مرادف للجود انا لا نمنع جواز فانه كل من المترادفين مقام الاخر، كما هو محرر في الاصول، سلّمنا لكن ذلك ما لم يمنع مانع خارجي، والمانع هنا موجود وهو التوقف على التوقيف او الاشعار بالنقص، وأيضاً فتعليله هذا يقتضي جواز اطلاق الفاضل عليه حيث انه صفته كمال، وقد صرحوا بعدم جواز اطلاقه عليه، وأيضاً فقد قيل: انّ مفاسد الالفاظ لما كانت خفية لا يردكها إلاّ الاوحدي المرتاض بصناعة علم البلاغة امتنع اطلاق ما لم يرد به النص لاحتمال المفسدة في المرادف الاخر كما اعترف به الخصم ورجحه وقوله: مع انّه قد ورد به الاذن في كثير من الادعية الى اخره، يرد عليه ان تلك الادعية لم تنقل بالسند الصحيح فلا يكفي في جواز الاطلاق عند السائل للتوقف على التوقيف. والجواب عن السؤال الثاني وهو قوله: ان صفاته ليست كصفات خلقه، ان هذا لا يجديه نفع في ما أوضحناه من ان ما ذكره مبنيّ على التوقيف أو على انّ الاسماء التي تحتمل النقص لا يجوز اطلاقها عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: ان أصل السخي راجع الى الاتساع والسهولة، وعن قوله: مع انا لو سلمنا له اي لصاحب العدة الرجوع الى اصل الاشتقاق في الاسماء الحسنى لوجب ان يترك كل اسم منها يحصل في اشتقاق أصله ما لا يناسب عنده انا نلتزم ذلك ونقبل ما ورد به الشرع دون ما سواه، واما ظنه انّ الشيخ جمال السالكين وقدوة المحققين قلده فيما ذكره القاضي عبدالجبار فهو من بعض الظن فان جناب هذا الشيخ العلامة أرفع من أن يقلد غيره من العامّة كما يعرفه من وقف على تحقيقاته وسرح نظره في رياض تدقيقاته، وقد نسبه الى التقليد فلقد كان الاولى نسبته الى من يصح الاهتداء بمناره والاستضاءة بانواره كرئيس المحدثين أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي ـ عطر اللّه مرقده ـ في كتاب التوحيد( ) فقد نسج على منواله في اكثر كلامه حتى في ترتيب الاسماء برمتها ثقة به واخلاداً اليه واعتماداً عليه وانّه لا ينقل إلا عن ثبت عن الشرع أو اللغة، والحاصل: انّ هذا الكلام دائر بين الخاصة والعامّة. واعلم انّه نقل عن صاحب الفصول وهو العلامّة المحقق الطوسي طاب ثراه عدم التوقف على التوقيف وحكى عبارته وهي هذه كل اسم يليق بحاله ويناسب كماله مما لا يرد به اذن يجوز اطلاقه عليه تعالى إلاّ انّه ليس من الادب لجواز ان لا يناسبه من وجه اخر ـ ثم قال بعد نقلها ـ فعنده اي عند المحقق الطوسي يجوز ان يطلق عليه الجوهر لان الجوهر قائم بذاته غيره مفتقر الى الغير واللّه تعالى كذلك، وفيه نظر اما اولاً فلان عبارة المحقق الطوسي غير صريحة فيما فهمه بل يمكن ان يريد انّه وان جاز عقلاً نظراًالى المعنى اطلاقه عليه إلاّ انّه ليس من الادب بجواز ان لا يناسبه من وجه آخر وان خفي علينا، واذا جاز عدم المناسبة ولا ضرورة داعية الى التسمية وجب الامتناع ما لم يرد به نص شرعي، وقد صرح بالتوقف على التوقيف في شرح الاشارات( ) وفي نقد المحصل( ) ما يرشد عليه بقية كلامه في الاصول باثر العبارة المنقولة حيث قال: ولولا غاية عنايته ونهاية رأفته في الهام الانبياء والمقربين أسمائه لما جسر أحد من الخلق أن يطلق عليه واحداً من أسمائه، وهذا ما فهمه جماعة من الشارحين منهم الشيخ شرف الدين المقداد والشيخ المحقق الخضر والشارح المدقق السيد عبدالوهاب الجرجاني وقبلهم الشارح النيلي. والحق ان العبارة في المعنى الاول أظهر وان كان حملها على المعنى الثاني مما يلجى اليه التوفيق بينها وبين تصريحه بالتوقيف في الكتابين فتأمّل .


وأمّا ثانياً فلان تفريعه جواز اطلاق الجوهر عليه تعالى على ما اختاره المحقق الطوسي بناء على ما فهمه من عبارته تفريع غير صحيح فانّ المتكلمين منعوا ذلك وجعلوه من الصفات السلبية، وصرح به الصدوق بن بابويه ـ عطر اللّه مرقده ـ في اعتقاداته وغيره وهو مروي عنهم(عليهم السلام) في بعض خطب امير المؤمنين(عليه السلام) بتجهيره الجواهر «عرف ان لا جوهر له» قوله «لانه قائم بذاته غير مفتقر الى الغير» قلنا هذا ممنوع بل هو مفتقر الى الغير وهو المادة والمحل انتهى كلامه على فى اعلا عليّين مقامه .

 

 

البحث الثالث

في بيان عدد أسمائه التوقيفية والكشف عن بعض معانيها في الاخبار المعصومية على ما بلغنا، وقد اختلف الاخبار في عددها، وكذلك كلمة علماء الفريقين ففي كتاب التوحيد باسناده عن سليمان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي ابن أبي طالب(عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ان للّه تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهي اللّه الاله الواحد الاحد الصمد الاول الاخر السميع البصير القدير القاهر العلي الاعلى الباقي البديع الباريء الاكرم الظاهر الباطن الحي الحكيم العليم الحليم الحفيظ الحق الحسيب والحميد والحفي الرب الرحمن الرحيم الذاريء الرازق الرقيب الرؤف الرائي السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر السيد السبوح الشهيد الصادق الصانع الطاهر العدل العفو الغفور الغني الغياث الفاطر الفرد الفتاح الفالق القديم الملك القدوس القوي القريب القيوم القابض الباسط قاضي الحاجات المجيد المولى المنان المحيط المبين المقيت المصور الكريم الكبير الكافي كاشف الضر الوتر الوهاب الناصر الواسع الودود الهادي الوفي الوكيل الوارث البر الباعث التواب الجليل الجواد الخبير الخالق خير الناصرين الديان الشكور العظيم اللطيف الشافي»( ).

وفي التوحيد ايضاً بهذا الاسناد عنه(عليه السلام) عن آبائه مثله، ثم قال في كتاب التوحيد وقد رويت هذا الخبر من طرق مختلفة والفاظ مختلفة وفي الكتاب المذكور ايضاً في الصحيح عن الهروي عن علي ابن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) انّ للّه عزوجل تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة( )» وقد تقدم في الخبر المشكل الذي رواه في الكافي والتوحيد عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبداللّه(عليه السلام) «ان اسماءه الحسنى ثلاثمائة وستون اسماً متفرعة عن الاسماء الثلاثة» وقد تكلمنا عليه فيما سبق وفي كتاب غوالي اللئالي مرسلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله) انّه قال «انّ للّه اربعة الاف اسم الف لا يعلمها إلاّ اللّه، والف لا يعلمها إلاّ اللّه والملائكة، والف لا يعلمها إلا الله والملائكة والنّبيون، وامّا الالف الرابع فالمؤمنون يعلمونه ثلاث مائة، منها في التوراة وثلاث مائة في الانجيل، وثلاث مائة في الزبور، ومائة في القرآن تسعة وتسعون ظاهرة وواحد منها مكتوم من احصاها دخل الجنة»( ).

وفي التوحيد باسناده عن الاعرج عن ابي هريرة ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال «انّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً، وانّه وتر يحبّ الوتر من احصاها دخل الجنة» فبلغنا ان غير واحد من اهل العلم قال: ان اولّها يفتتح بلا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شىء قدير لا إله الله له الاسمآء الحسنى الله الواحد الصمد الاوّل الاخر الظاهر الباطن الخالق الباريء المصوّر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبّر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العلي العظيم الباريء المتعال الجليل الجميل الحيّ القيوم القادر القاهر الحكيم القريب المجيب الغني الوهّاب الودود الشكور الماجد الاحد الولي الرشيد الغفور الكريم الحليم التوّاب الربّ المجيد الحميد الوفيّ الشهيد المبين البرهان الرؤف المبديء المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الوافي الحافظ الرافع القابض الباسط المعز المذل الرازق ذو القوّة المتين القائم الوكيل العادل الجامع المعطي المجتبي المحيي المميت الكافي الهادي الابد الصّادق النور القديم الحق الفرد الوتر الواسع المحصي المقتدر المقدّم المؤخر المنتقم البديع.

ففي كتاب البصائر باسناده عن جابر عن ابي جعفر(عليه السلام) قال : «ان اسم الله الاعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً، وانما عند آصف منها حرفٌ واحدٌ فتكلم به فخسف بالارض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الارض كما كانت اسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون اسماً، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم( )» والاخبار الواردة بمعنى الاخبار الاخيرة، وقد روت العامّة في صحاحاتهم المعتمدة مثلما رويناه وألّفت علماؤهم في معانيها وضبطها ودفع الاشكالات الواردة عليها ودفع التعارض والتخالف عنها مؤلفات عديدة كما وقع للغزالي وغيره، وقد اوردها العضدي فى المواقف وتكلّم على بعض تلك الاخبار هو وشارح كتابه المواقف( ) وهو الشريف الاسترابادي قال المحقّق الغزالي في ذلك الكتاب المشار اليه في أحد الفصول التي عقدها في ذلك الكتاب فقال: الفصل الاوّل في اسماء الله تعالى وهي من حيث التوقيف غير مقصورة على تسعة وتسعين اسماً بل ورد التوقيف بأسامي سواها اذ في رواية اخرى عن ابي هريرة ابدال لبعض هذه الاسمآء بما يقرب منها وابدال بما لايقرب منها فاما الذي يقرب منها فالاحد بدلا الواحد والقاهر بدل القهار والشاكر بدل الشكور والذي لا يقرب كالمنعم والكافي والدائم والمبين والجميل والصادق والمحيط والقديم والوتر والفاطر والعلاّم والملك والاكرام والمدبر والرفيع وذي الطول وذي المعالي وذي الفضل والخلاق وقد ورد ايضا في القرآن ما ليس متفقاً عليه في الروايتين جميعاً كالمولى والنصير والغالب والرب ومن الصفات المضافات كقوله «غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، ومولج الليل في النهار، ومخرج الحيّ من الميت، ومخرج الميت من الحي» وقد ورد في الخبر ايضا السيد «اذ قال رجل لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ياسيّد فقال السيّد هو الله تعالى» وكأنه قصد المنع من المدح في الوجه وإلا فقد قال(صلى الله عليه وآله) «انا سيد ولد آدم ولا فخر» والديان ايضا، وكذا الحنان والمنان وغير ذلك مما لو تتبع في الاحاديث لوجد ولو جوز اشتقاق الاسامي من الافعال المنسوبة الى الله تعالى في القرآن كقوله تعالى (ويكشف السوء) (ويقذف بالحق) (ويفصل بينهم) (وقضينا الى بني اسرآئيل)فيشتق له من ذلك الكاشف للسوء والقاذف بالحق والفاصل والقاضي مع كثرة الافعال لخرج ذلك عن الحصر، وفيه نظر سيأتي والغرض ان يتبين ان الاسامي ليست هى التسعة والتسعين التي عددناها وشرحناها ولكن جرينا على العادة في شرح تلك الاسامي التسعة ولتسعين فإنها هي الرواية المشهورة وليس هذه التعديدات والتفصيلات هي المروية عن ابي هريرة عنه في الصحيحين، وانّما الذي يشتمل عليه الصحاح قوله(صلى الله عليه وآله) «ان لله تسعة وتسعين اسماً من احصاها دخل الجنة»( ) فامّا بيان ذلك وتفصيله فلا.

ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الاسامي المرويّة المريد والمتكلّم والموجد والشيء والذات والازلي والابدي فان ذلك مما يجوز اطلاقه في حق الله تعالى وورد في الخبر «لا تقولوا جاء رمضان فانّ رمضان اسم من اسماء الله تعالى، ولكن قولوا جاء شهر رمضان»( ) وكذلك ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) انّه قال «ما اصاب أحداً همّ ولا حزن فقال: اللّهم اني عبدك وابن عبدك وابن امّتك ناصيتي بيدك ماض فيم حكمك عدل في قضاؤك اسالك بكل اسم سمّيت به نفسك أو انزلته في كتابك او علمته احداً من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك، ان تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همّي» إلاّ أذهب الله عزّ وجلّ همّه وحزنه وابدل مكانه فرجاً فقوله «استأثرت به في علم الغيب عندك» يدلّ على انّ الاسماء غير محصورة فيما وردت به الروايات المشهورة، وعند هذا ربّما يخطر ببالك طلب الفائدة في الحصر في تسعة وتسعين فلابدّ من ذكرها، وقال ايضاً في بيان فائدة الاحصاء والتخصيص بتسعة وتسعين ثمّ عقد فصلاً لذلك فقال: والتخصيص بتسعة وتسعين ووجه الحكمة فيه ما سيأتي، ثم قال وفي هذا الفصل نظر في أمور فلنوردها في معرض الاسئلة، فان قال قائل: اسماء الله تعالى هل تزيد على تسعة وتسعين ام لا؟ فان رادت فما معنى هذا التخصيص والحصر فمن يملك ألف درهم مثلا لا يجوز ان يقول القائل عنه ان له تسعة وتسعين درهما لانّ الالف وان اشتمل على ذلك فانّ تخصيص العدد بالذكر يفهم منه نفي ما وراء المعدود، فان كانت الاسامي غير زائدة على هذا العدد فما معنى قوله(عليه السلام)«اسالك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك او انزلته في كتابك او علمته احداً من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك» فان هذا صريح في انّه استأثر ببعض الاسامي، وكذلك قال: في رمضان انّه اسم من اسماء الله تعالى، وكذلك كان السّلف في الاسم الاعظم يقولون: فلان أوتي اسم الله الاعظم، وكان ينسب ذلك الى بعض الانبياء والاولياء وذلك يدلّ على انّه خارج عن التسعة والتسعين. فنقول: الاشبه ان الاسامي زائدة على تسعة وتسعين على هذه الاخبار، وامّا الحديث الوارد في الحصر فإنه يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين وهو كالملك الذي له ألف عبد مثلاً فيقول القائل: ان للملك تسعة وتسعين عبداً من استظهر بهم لم يقاومه عدوٌ فيكون التخصيص والحصر لاجل حصول الاستظهار بهم لا لمزية فوقهم، واما لكفاية ذلك العدد في دفع الاعداء من غير حاجة الى زيادة لا لاختصاص الوجود بهذا العدد خاصة، ويحتمل ان تكون الاسامي غير زائدة على هذا العدد، ويكون لفظة الخبر مشتملة على قضيتين:

احدهما: ان لله تعالى تسعة وتسعين اسماً لا غير فهذه واحدة.

والثانية: ان من احصاها دخل الجنة حتى لو اختصر على ذكر القضية الاولى كان الكلام تاماً، وعلى المذهب الاول لا يمكن الاقتصار على ذكر القضية الاولى، وهذا هو الاظهر والاسبق الى الفهم من ظاهر الحصر، ولكنه بعيد من وجهين:

احدهما: ان هذا يمنع من ان يكون من الاسامي فاستأثر الله به في علم الغيب عنده، وفي الحديث إثبات ذلك.

والثاني: انّه يؤدي الى ان لا يختص بالاحصاء نبي او وليّ ممّا اوتي الاسم الاعظم حتى يتم العدد به ولا يكون ما احصى وراء ذلك ناقصا عن العدد، فيبطل به الحصر، والاظهر ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذكر هذا الحصر في معنى الترغيب للجماهير في الاحصاء والاسم الاعظم لا يعرفه الجماهير. فان قيل: فان كان الاظهر ان الاسامي زائدة على تسعة وتسعين فلو قدرنا مثلا ان الاسامي ألف، وان الجنة تستحق باحصاء تسعة وتسعين منها هي تسعة وتسعون باعيانها أو تسعة وتسعون، ايها كانت حتى ان من بلغ ذلك المبلغ في العدد بالاحصاء استحق دخول الجنة، وحتى ان من احصى ما رواه ابو هريرة مرّة واحدة دخل الجنة ولو احصى ايضاً ما اشتملت الرواية الثانية عليه مرة واحدة دخل الجنة ايضاً، إذ قدرنا ان جميع ما في الروايتين وهو من اسمآء الله تعالى. فنقول: الاظهر ان المراد به تسعة وتسعون باعيانها فانها اذا لم يتعين لم تظهر فائدة الحصر والتخصيص. فان قول القائل: للملك مأة عبد من استظهر بهم لم يقاومه عدو انما يحسن مع كثرة عبيد الملك اذا اختصّ الملك من بينهم لمزيد قوة وشوكة فامّا اذا حصل ذلك باي مأة كانت من جملة العبيد لم يحسن نظم الكلام. فان قيل: فما بال تسعة وتسعين من الاسماء اختص بهذه القضية مع ان الكل اسماء الله تعالى. فنقول: الاسامي يجوز ان يتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف فيكون تسعة وتسعون منها تجمع انواعاً من المعاني المنبئة عن الجلال لا يجمع ذلك غيرها فيختص بزيادة شرف. فان قيل: فاسم الله الاعظم داخل فيها ام لا؟ فان لم يدخل فكيف يختص بمزيد الشرف ما هو خارج عنه، وان كان داخلا فيها فكيف ذلك؟ وهي مشهورة والاسم الاعظم ويختص بمعرفته نبيّ أو وليّ، وقد قيل: ان آصف بن برخيا انما جاء بعرش بلقيس لانه قد أوتي الاسم الاعظم وهو سبب كرامات عظيمة. فنقول: يحتمل ان يقال اسم الله الاعظم تعالى خارج عن هذا العدد الذي رواه ابو هريرة، ويكون شرف هذه الاسامي المعدودة بالاضافة الى جميع الاسماء المشهورة عند الجماهير لا باضافة الى الاسماء التي يعرفها الانبياء والاولياء. ويحتمل ان يقال: انها تشتمل على اسم الله الاعظم ولكنّه مبهم فيها لا يعرفه بعينه إلاّ نبيّ أو وليّ إذ ورد في الخبر عن النبي(صلى الله عليه وآله)انّه قال «اسم الله الاعظم في هاتين الايتين (وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم)وفي فاتحة سورة ال عمران (آلم الله لا اله إلاّ هو الحىّ القيوم)( ) وروي ان النبي(صلى الله عليه وآله)«سمع رجلاً يدعو ويقول: انّي اسألك انّي اشهدك بانّك أنت الله لا إله إلاّ انت الاحد الصّمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) والذي نفسي بيده لقد سال الله باسمه الاعظم الذي اذا دعي به اجاب واذا سئل به اعطى». فان قيل: فما سبب تخصيص هذا العدد من بين سائر الاعداد ولِم لم يبلغ مأة وقد قارب ذلك. قلنا فيه احتمالان:

احدهما: ان يقال: ان المعاني الشريفة بلغت هذا المبلغ لا لانّ العدد مقصود ولكن وافقت المعاني هذا العدد كما ان الصفات عند اهل السنة سبع، وهي الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام لا لانّ السبع هي المقصودة، ولكن لان الصفات الربوبية لا تتم إلاّ بها.

والثاني وهو الاظهر ان السبب في تخصيصه هو ما ذكره رسول الله(صلى الله عليه وآله) وابانه حيث قال «مأة إلاّ واحد لانه وتر ويحب الوتر» إلا انّ هذا البيان يدل على ان هذه الاسامي هي بالاسمية الارادية الاختيارية لا من حيث انحصار صفات الشرف فيها لانّ ذلك يكون لذاته لا بالارادة، ولا يقول: احدٌ انّ صفات الله سبع لانّه وتر يحب الوتر، بل ذلك لذاته والهيئة والعدد فيها غير مقصود، بل ليس وجود ذلك العدد بقصدة قاصداً او ارادة مزيد حتى يقصد الوتر دون غيره، وهذا يكاد يؤيد للاحتمال الذي ذكرناه، وهي ان الاسامي التي سمى الله تعالى نفسه بها هي تسعة وتسعون لا غير وانّه لم يجعلها مأة لانه وتر يحب الوتر وسنشير الى ما يؤيّد هذا الاحتمال. فان قيل: فان هذه الاسامي التسعة والتسعين هل عدّها رسول الله(صلى الله عليه وآله) واحصاها قصدا الى جميعها او ترك جمعها الى من يلتقطها من الكتاب والسنة الدالة عليها. فنقول: الاظهر وهو الاشهر انّ ذلك ممّا احصاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجمعه قصداً منه الى جمعها وتعليمها على ما رواه ابو هريرة اذ ظاهر الكلام هو الترغيب بالاحصاء وذلك ممّا يعسر على الجماهير اذا لم يذكره رسول الله(صلى الله عليه وآله) على سبيل الجمع، وهذا يدل على صحة ابي هريرة، وقد قبل الجماهير روايته المشهورة التي شرحناها على منوالها، وقد تقدّم احمد البيهقي على رواية ابى هريرة وذكر انّها رواية من فيه ضعف واشار ابو عيسى الترمذي في مسنده الى شيء من ذلك، ويدلّ على ضعف هذه الرواية سوى ما ذكره المحدثون ثلاثة امور:

احدها: اضطراب الرواية عن ابي هريرة اذ عنه روايتان وبينهما ظاهر في الابدال والتّغيير.

الثاني ان روايته ليست مشتملة على الحنّان والمنّان ورمضان وجملة من الاسامي التي نطقت الاخبار بها.

والثالث ان الذي ورد في الصّحيح في هذا العدد وهو قوله(عليه السلام) «انّ لله تسعة وتسعين اسماً من احصاها دخل الجنة» فاما ما ذكر من الاسامي فلم يرد في الصحيح، بل وردت منه رواية غريبة وفي اسنادها ضعف، وهذا القدر ظاهر يدلّ على انّ الاسامي لا تزيد عليه، وانما حملنا على الميل عن هذا الظاهر خروج بعض الاسامي عن رواية ابي هريرة فان ضعف الرواية التي فيها عدد الاسامي اندفع عنا جملة من الاشكالات.

فانا نقول: الاسامي هي تسعة وتسعون فقط سمّى الله بها نفسه ولم يكملها مأة لانه وتر يحب الوتر، ويدخل في جملتها الحنّان والمنّان وغيرهما ولا يمكن معرفة جميعها إلاّ بالبحث عن الكتاب والسنة اذ يصح جملة منها في كتاب الله وجملة في الاخبار، ولم اعرف احداً ممن ينسب الى العلم اعتنى بطلبها وجمعها سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن احزم فانه قال: صح عندي قريب من ثمانين اسماً يشتمل عليها الكتاب والصحاح من الاخبار والباقي يطلب ايضاً من الاخبار بطريق الاجتهاد، واظنّ انّه لم يبلغه الحديث الذي فيه عدد الاسامي وان كان بلغه فلعله استضعف اسناده او عدل عنه الى الاخبار الواردة في الصحاح والى التقاط ذلك منها، وعلى هذا يكون معنى من احصاها وحفظها لا أنه نال تعبا شديدا في نفسه باجتهاده فبالحري ان يدخل الجنّة والاّ فإحصاء ما وردت به الاخبار الواردة سهل على اللسان، نعم ورد في بعض الفاظ الحديث الصحيح «من حفظها دخل الجنة» والحفظ يحتاج الى مزيد تعب، فهذا ما يظهر لي من الاحتمالات في هذا الحديث واكثر ذلك مما لم يتعرض له وهي امور اجتهادية لا تعلم إلاّ بتخمين فانها خارجة عن مجاري العقول انتهى كلامه( ) وانما نقلناه بطوله لكثرة فوائده ومحصوله والكلام الذي اوقعه وان تعلق باخبارهم وهي غير معتبرة عندنا إلاّ انّا في رواياتنا ما يشابهها في هذا الاختلاف، بل هي اشد اختلافا كما سمعت والفاظ العبارات فيها تقرب من الفاظ اخبارهم، بل قد سمعت من اخبار التوحيد المتقدمة ما رواه ابو هريرة ايضاً.

وبالجملة فاخبار الاسماء صح اختلافها معلومة الاصل والثبوت لمطابقتها لظاهر القرآن، وامّا الكلام على معاني تلك الاسماء فقد كثر فيه الكلام من علماء الفريقين . فاولها لفظ:

 

اللّه

فقد تقدم في خبر هشام بن الحكم المروي في الاحتجاج والتوحيد والكافي «قال سالت ابا عبدالله(عليه السلام) عن اسماء الله عز ذكره واشتقاقها، فقلت: الله

مما هو مشتق من إله واله يقتضي مألوهاً»( ) وهذا الخبر ونحوه دال على ان لفط الجلالة مشتق من إله إما اسم على فعال بمعنى المفعول اي المعبود او غيره من المعاني التي ذكروها او فعل وبمعنى عبد او نحوه فهو اذا على كل حال اسم للموجود الحق الجامع لصفات الالهية المنعوت بالنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي، فان كل موجود سواه استحق( ) للوجود بذاته، وانما استفاد الوجود منه فهو من حيث ذاته هالك، ومن الجهة التي تليه موجود، فكل موجود هالك إلاّ وجهه، والاشبه انّه جار في الدلالة على هذا المعنى مجرى اسماء الاعلام، وكل ما ذكر في اشتقاقه وتصريفه تعسف وتكلف سواء ما جاءت به النصوص، وليعلم ان هذا الاسم اعظم الاسماء التسعة والتسعين لانه دال على الذات الجامع لصفات الالهية كلها حتى لا يشدُّ منها شىء، وسائر الاسماء لا يدل احادها الا على احاد المعاني من علم او قدرة او غيره ولانه اخصّ الاسماء اذ لا يطلقه احد على غيره لا حقيقة ولا مجازاً، وسائراً الاسماء قد يسمّى بها غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيره، فلهذين الوجهين يشبه ان يكون هذا الاسم اعظم الاسماء، وايضاً معاني سائر الاسماء يتصور ان يتصف العبد بشيء منها حتى يطلق عليه الاسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وغيره، وان كان اطلاق الاسم عليه على وجه اخر يباين اطلاقه على الله تعالى، اما معنى هذا الاسم فخاص خصوصاً لا يتصور فيه مشاركة لا في المجازة ولا بالحقيقة، ولاجل هذا الخصوص يوصف سائر الاسماء بانها اسماء له فتتعرف بالاضافة اليه فيقال: الصبور والشكور والجبار والملك من اسماء الله تعالى، ولا يقال: الله من اسماء الشكور والصبور لانّ ذلك من حيث هو ادلّ على كنه معاني الالهيّة واخصّ بها فكان اشهر واظهر فاستغنى عن التعريف بغيره وعرف غيره بالاضافة اليه. وينبغي ان يكون حظ العبد من هذا الاسم التأله واعني به ان يكون مستغرق القلب والهمّة بالله لا يرى غيره ولا يلتفت الى ما سواه ولا يرجو ولا يخاف إلاّ ايّاه، وكيف لا يكون كذلك وقد فهم من هذا الاسم انّه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فان وهالك وباطل فيرى اولاً نفسه اول هالك باطل، ويدل على ذلك من الاخبار ما في التوحيد وتفسير الامام عن امير المؤمنين(عليه السلام) «الله هو الذي يتأله اليه كل مخلوق عند الحوائج والشدائد اذا انقطع الرجاء من كل من هو دونه، وتقطع الاسباب من جميع ما سواه، لقول باسم الله اي استعين على اموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلاّ له المغيث اذا استغيث، والمجيب اذا دعى»( ) الحديث ومعناه «يتأله اليه» يفزع اليه ويلتجا ويسكن له، وفي الكتابين عن الصادق(عليه السلام)«حيث قال له رجل: يابن رسول الله دلّني على الله ما هو فقد اكثر عليّ المجادلون وحيروني؟» وساق الحديث الى ان قال «فذلك الشيء القادر على الانجاء حين لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث» وفيهما ايضاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام)قال: «الله أعظم اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، لا ينبغي ان يتسمّى به غيره» .

 

        الرحمن الرحيم

اسمان مشتقان من الرحمة والرحمة تستدعي مرحوماً ولا مرحوم إلاّ وهو محتاج والذي ينقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد وارادة وعناية بالمحتاج لا يسمّى رحيماً، والذي يريد قضاء حاجته ولا يقضيها،

فان كان قادراً على قضائها لم يسمّى رحيماً، اذ لو تمت الارادة لوفى بها، وان كان عاجزا فقد يسمّى رحيماً باعتبار ما اعتبره من الرقة، ولكنه ناقص، وانما الرحمة التامة إفاضة الخير على المحتاجين وارادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة هى التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله تعالى تامّة وعامّة، اما تمامها فمن حيث اراد قضاء حاجة المحتاجين فقضاها، واما عمومها فمن حيث شملت المستحق وغير المستحق وعمّت الدنيا والاخرة وتناولت الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة منها، فهو الرحيم المطلق حقّا، وامّا الاخبار الواردة في معناهما فكثيرة ففي تفسير العسكري والتوحيد عن امير المؤمنين(عليه السلام) «الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا»( )وفي رواية «العاطف على خلقه بالرزق لايقطع عنه مواد رزقه وان انقطعوا عن طاعته( )الرحيم بنا في ديننا وادياننا واخرتنا، خفّف علينا الدين، وجعله سهلا حفيفا، وهو يرحمنا بتميّزنا عن اعداءه»( ) وفي تفسير العسكري ايضاً قال «الرحيم بعباده المؤمنين فى تخفيفهم عليه( ) طاعاته، وبعباده الكافرين بالرفق في دعائهم الى موافقته» ومن ثم قال الصادق(عليه السلام)«الرحمن اسم خاص لصفة عامة، والرحيم اسم عام لصفة خاصّة»( ) وقال عيسى بن مريم(عليه السلام) «الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الاخرة»( ) يعني في الامور الاخروية، وقد روي هذين الحديثين في المجمع للطبرسي وفي الكافي( ) والتوحيد( ) والمعاني والعياشي( ) بطرق عديدة عن الصادق(عليه السلام) «الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصّة» وفي تفسير القمي عن الصادق(عليه السلام) مثله( ) وفي المعاني باسناده عن عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله(عليه السلام)قال: «سألته عن بسم الله الرحمن الرحيم؟، فقال: الباء بهاء الله، والسّين سناء الله، والميم مجد الله، والله إله كل شيء، والرحمن بجميع العالم، والرحيم بالمؤمنين خاصة»( ) وفيه ايضاً فى الصحيح عن صفوان ابن يحيى عمن حدثه عن ابي عبدالله(عليه السلام) «انّه سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم؟، فقال:» وذكر مثل الاول وساق الحديث الى ان قال: «قلت: الرحمن؟ قال: بجميع الخلق، قلت: الرحيم؟ قال: بالمؤمنين خأصّة»( ) وحقيقة الرحمة يلزمها رقّة في اصل مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه الى قضاء حاجة المرحوم، والربّ تعالى منزّه عنها، ولعلك تظنّ انّ ذلك نقصان في معنى الرحمة، فاعلم انّ ذلك كمال وليس بنقصان في معنى الرحمة، اما انّه ليس بنقصان فمن حيث ان كمال الرحمة بكمال ثمرتها ومهما قضيت حاجة المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظّ في تألم الراحم وتفجّعه، وانما تألم الراحم لضعف نفسه ونقصانها ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئاً بعد ان قضى كمال حاجته، واما انّه كمال في معنى الرحمة فهو انّ الرحيم عن رقة وتألم يكاد يقصد بفعله دفع ألم الرقّة عن نفسه فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة، بل كمال الرحمة ان يكون نظره الى المرحوم لاجل المرحوم لا لاجل الاستراحة من ألم الرقة، وقد تبين لك من الاخبار السابقة انّ الرحمن اخصّ من الرحيم من وجه، ولذلك لم يسم به غير الله تعالى، وهذا معنى قوله(عليه السلام) «صفة عامّة لموصوف خاص». واما الرحيم فقد يطلق على غيره وان كان متعلقها خاصاً، فالرحمن من هذا الوجه قريب من اسم الله الجاري مجرى العلم وان كان هذا مشتقاً من الرحمة قطعاً ولذلك جمع الله بينهما فقال (قل ادعوا اللّه او ادعوا الرحمن ايّاً ما تدعو فله الاسماء الحسنى)( ) فيلزم من هذا الوجه، ومن حيث منع الترادف في الاسماء المحصاة ان يفرق بين معني الاسمين كما دلت عليه تلك الاخبار، وحينئذ فبالحري ان يكون المفهوم من الرحمن نوع من الرحمة هي ابعد من مقدورات العباد، وهي ما يتعلق بالسعادة الاخروية، فالرحمن هو العطوف على العباد بالايجاد اولاً، وبالهداية الى الايمان واسباب السعادة ثانياً، والاسعاد في الاخرة ثالثاً، والانعام بالنظر الى الاء الله رابعاً، فهذه الوجوه الاربعة راجعة الى الامور الاخروية.

وامّا حظّ العبد من اسم الرحمن ان يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة الى الله بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف، وان ينظر العصاة بعين الرحمة لا بعين الازراء، وان يكون كل معصية في العالم كمصيبة له في نفسه، واما حظّه من اسم الرحيم فهو ان لا يدع فاقة لمحتاج إلاّ سدّها بقدر طاقته ولا يرى فقيراً فى جواره وبلده إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره اما بماله او جاهه او السعي في حقّه بالشفاعة الى غيره فان عجز عن جميع ذلك فيعينه بالدعاء له واظهار الحزن بسبب حاجته ورقة عليه وعطفاً حتى كأنه مساهم له فى ضرّه وحاجته، وهاهنا سؤال مشهور واشكال وهو انّه ما معنى كونه رحيما؟ وكونه ارحم الراحمين؟ والرحيم لا يرى مبتلا ومضروراً ومعدماً ومريضاً وهو يقدر على اماطة ما بهم إلاّ ويبادر الى اماطته والرب تعالى قادر على كفاية كل بليّة ودفع كل فقر( ) وامطاة كل مرض وازالة كل ضر والدنيا طافحة بالامراض والمحن والبلايا وهو قادر على ازالة جميعها وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن .

والجواب عن ذلك ان الطفل الصغير قد ترقّ له أمّه فتمنعه عن الحجامة والاب العاقل يحمله عليها قهراً والجاهل يظنّ ان الرحيم هي الامّ دون الاب والعاقل يعلم انّ إيلام الاب إيّاه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وان له الام عدو في صورة صديق لانّ الالم القليل اذا كان سبباً للذّات الكثيرة لم يكن شراً بل كان خيرا والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة وليس في الوجود شر إلاّ في ضمنه خير لو دفع ذلك الشر لبطل ذلك الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر اعظم من الشر الذي يتضمنه فاليد المتاكلة قطعها شر في الظاهر وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر اعظم وقطع اليد لاجل سلامة البدن شر في ضمنه خير، ولكن المراد الاوّل السابق الى نظر القاطع السلامة التي هي خير محض، ثم لما كان السبيل اليه قطع اليد فتكون السلامة مطلوبة لذاتها اوّلاً والقطع مطلوباً لغيره ثانياً، واحدهما داخل تحت الاخر ولكن احدهما مراد لذاته والاخر مراد لغيره قال الله تعالى سبقت رحمتي عضبي فغضبه ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير، والخير ارادته، ولكن اراد الخير للخير نفسه واراد الشر لا لذاته ولكن لما في ضمنه من الخير فالخير مقضى بالذات والشر مقضى بالعرض، وكل بقدر وليس في ذلك ما ينافي الرحمة اصلا، فالان ان خطر لك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً او خطر لك انّه كان تحصيل ذلك الخير ممكنا لا في ضمن الشر فاتّهم عقلك القاصر في احد الخاطرين امّا قولك: انّ هذا الشيء لا خير تحته، فان هذا مما يقصر العقول عن معرفته، ولعلك فيه مثل أمّ الصّبي التي ترى  الحجامة شرا محضاً، ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصاً شراً محضا لانه ينظر الى خصوص شخص المقتول لانه في حقه شر محض، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافةً ولا يدري ان التوصل بالشر الخاص الى الخير العام خير محض، ولا ينبغي ان يهمله واتّهم عقلك في الخاطر الثاني وهو قولك ان تحصيل ذلك  لا في ضمن ذلك الشر ممكن فان هذا ايضاً دقيق غامضٌ فليس كل محال وممكن مما يدرك استحالته وامكانه بالبديهة ولا بالنظر القريب، بل ربّما عرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه الاكثرون، فاتّهم عقلك في هذين الطرفين ولا تشكنّ اصلاً في أنه ارحم الراحمين وانّه سبقت رحمته عضبه ولا تستريبنّ انّ مريد الشر للشر غير مستحق اسم الرحمة وتحت كشوف الغطا عن هذا سر القدر الذي منع الشرع من اقتنائه، فاقنع بالايماء ولا تطمع في الافشاء، ولقد نبهت بالرمز والايماء ان كنت من اهله فتامّل، لقد اسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي هذا حكم الاكثرين.

واما حكم الخواص وارباب الاختصاص فغير محتاج الى هذه التنبيهات وان عرض له في بعض الانات الغفلات فهم يرجعون اليها بادنى التفات، ولكن الانسان خلق هلوعاً واذا مسّه الشرّ جزوعاً واذا مسّه الخير منوعاً إلاّ المصلين وهم السابقون الى هذه الرتب في اول وهلة والمتجليّة لهم الامور، وان كانت في غاية الخفا بلا واسطة ولا علة.

 

        الواحد الاحـد

وقد تقدم معناها وانّه واحد في ذاته ليس بذي ابعاض ولا اجزاء ولا اعضاء ولا يجوز عليه الاعداد والاختلاف، وقد تقدم في كثير من تلك الاخبار في بيان صفة التوحيد انّه الذي اجتمعت عليه الالسن بالوحدانية

واقرت له بها كما في خبر ابي هاشم الجعفري( ) وغيره، وبيّنا لك هناك سر هذا التعريف، وقد اختلف العلماء في ترادف هذين الاسمين واختلافهما وبيان الفرق على تقدير الاختلاف وايضاً قال بعض الحكماء في الواحد الاحد انما قيل: الواحد لانه المتوحّد والاولي لا ثاني معه ثم ابتدع الخلق كلهم محتاجاً بعضهم الى بعض، والواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء، بل هو قبل كل عدد والواحد كيفما اردته او ضربته لم يزد فيه شيء ولم ينقص منه شيء تقول: واحد في واحد فلم يزد عليه شيء ولم يتغير اللفظ عن الواحد فدل انّه لا شيء قبله، واذا دل على انّه لا شيء قبله دل على انّه محدث الشيء، واذا كان مفني دل انّه لا شيء بعده، واذا لم يكن قبله شيء ولا بعده فهو المتوحّد بالازل، فلذلك قيل واحد أحد، وفي الاحد خصوصيّة ليست  في الواحد تقول: ليس في الدّار واحد، يجوز ان واحداً من الدواب أو الطير أو الوحوش أو الانس لا يكون في الدار وكان الواحد بعض الناس أو غير الناس، واذا قلت: ليس في الدار أحد فهو مخصوص للادميين دون سائرهم، والاحد ممتنع من الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب، وهو منفرد بالاحدية والواحد منقاد والمعدد والقسمة وغيرهما داخل في الحساب، وتقول: واحد واثنان فهذا العدد والقسمة والواحد علّة العدد وهو خارج من العدد وليس بعدد، وتقول: واحد من اثنين أو ثلاثة فما فوقها، وتقول: في القسمة واحد بين اثنين أو ثلاثة لكل واحد من الاثنين نصف وفي الثلاثة ثلث، فهذه القسمة والاحد ممتنع في هذه كلها، لا يقال:احد واثنان ولا احد في احد، ولا يقال: احد بين اثنين والاحد والواحد وغيرهما من هذه الالفاظ كلها مشتقة من الوحدة، وربّما انتزع بعضهم من هذا الكلام وجوهاً عديدة في بيان الفرق بينهما:

الاول: ان الواحد يدخل الحساب ويجوز ان يجعل له ثانياً لانه لا يستوعب جنسه بخلاف الاحد ألا ترى انك لو قلت: فلان لا يقاومه واحد من الناس جاز ان يقاومه اثنان، ولو قلت: لا يقاومه احد لم يجز ان يقاومه اكثر فهو أبلغ قاله الطبرسي وذلك لان احداً نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة قال تعالى (لستن كأحد من النساء)( ) ولم يقل كواحدة كما ذكرنا .

الثاني: ونسب للازهري ان الاحد بني للنفي ما يذكر معه من العدد والواحد اسم للمفتتح العدد.

الثالث: وقد نسب للشهيد الاول وهو انّ الواحد يقتضي نفي الشريك بالنسبة الى الذات والاحد يقتضي نفي الشريك بالنسبة الى الصفات.

الرابع: وهو لابن فهد في العدّة انّ الواحد اعمّ مورداً لكونه يطلق على من يعقل وغيره ولا يطلق الاحد إلاّ على من يعقل.

وبالجملة فانّ الكلام على هذين الاسمين قد سبق مستوفاً.

 

الصمد

وقد اختلف الاخبار والعلماء في تفسيره، ومن هنا تعددت معانيه في الاخبار، وبذلك اختلفت كلمة الاصحاب ففي التوحيد والمعاني باسناد

عن الربيع بن محمد المسلي قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) وسئل عن الصمد؟ فقال: الصمد الذي لا جوف له»( ) وفيهما باسناده عن داود بن القاسم الجعفري قال: «قلت لابي جعفر(عليه السلام): جعلت فداك ما الصمد؟، قال: السيد المصمود اليه في القليل والكثير».

وفي التوحيد بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه قال: «ان اليهود سألوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فقالوا: انسب لنا ربك فلبث ثلاثاً لا يجيبهم، ثم نزلت هذه السورة الى اخرها» فقلت له مالصمد، فقال: «الذي ليس بمجوّف».

وفي التوحيد أيضاً باسناده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شيء من التوحيد فقال: «انّ اللّه تبارك أسماؤه التي يدعى بها، وتعالى في علو كنهه، واحد توحد بالتوحيد في علوّ توحيده، ثم اجراه على خلقه، فهو واحد صمد قدوس يعبده كل شيء ويصمد اليه كل شيء، ووسع كل شيء».

وفي التوحيد أيضاً باسناده عن محمد بن عبيد قال: «دخلت على الرضا(عليه السلام) فقال لي: قل للعباسي يكف عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلم الناس بما يعرفون، ويكفّ عن ما ينكرون، واذا سألوك عن التوحيد، فقل: كما قال اللّه عزوجل (قل هو اللّه أحد اللّه الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد)»الحديث( ).

وفي التوحيد باسناده عن وهب بن وهب عن أبي عبداللّه الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي الباقر(عليهم السلام) في حديث طويل في تفسير (قل هو اللّه احد) قال فيه قال الباقر(عليه السلام): «حدّثني أبي زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) انّه قال: الصمد الذي لا جوف له، والصمد الذي قد انتهى سودده، والصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد الذي لا ينام، الصمد الدائم الذي لم يزل ولا يزال» وقال الباقر (عليه السلام): «كان محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) يقول الصمد القائم بنفسه الغني عن غيره، وقال غيره الصمد المتعالي عن الكون والفساد، والصمد الذي لا يوصف بالتغاير»، قال الباقر (عليه السلام): «الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه امر وناه» قال (عليه السلام): «وسئل علي بن الحسين زين العابدين عن الصمد؟، قال: الصمد الذي لا شريك له ولا يؤده حفظ شيء، ولا يعزب عنه شيء»( ) قال وهب بن وهب القرشي قال زيد بن علي (عليه السلام): «الصمد الذي اذا أراد شيئاً أن يقول له (كن فيكون)والصمد الذي ابدع الاشياء فخلقها أضداداً وأشكالاً وأزواجاً، وتفرد بالوحدة بلا ضد ولا شكل ولا مثل ولا ند»( ) قال وهب ابن وهب القرشي وحدّثني الصادق عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن ابيه(عليه السلام)«انّ اهل البصرة كتبوا الى الحسين بن علي(عليه السلام) يسألونه عن الصمد، فكتب اليهم: بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلموا فيه بغير علم، قد سمعت جدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)يقول: من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّء مقعده من النار، وانّه سبحانه قد فسّر الصمد فقال (اللّه احد اللّه الصمد) ثمّ فسّره فقال: (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)، (لم يلد) لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، وسائر الاشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا يتشعب منه البداواة كالسنة والنوم والخطرة والهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء والرغبة والسامة والجوع والشبع تعالى ان يخرج منه شيء، وان يتولد منه شيء كثيف أو لطيف ولم يولد ولم يتولد من شيء ولم يخرج من شيء كما تخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها كالشيء من الشيء والدابة من الدابة، والنبات من الارض، والماء من الينابيع، والثمار من الاشجار ولا كما تخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين، والسمع من الاذن، والشم من الانف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتميز من القلب (وكالنارين الحجر) لا، بل هو اللّه الصمد الذي لا من شيء، ولا في شيء، ولا على شيء، مبدع الاشياء وخالقها ومنشيء الاشياء بقدرته يتلاشى ما خلق للفنا بمشيئته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم اللّه الذي لم يلد ولم يولد عالم الغيب، والشهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفواً أحد»( ) قال وهب ابن وهب القرشي سمعت الصادق (عليه السلام)يقول: «قدم وفد من (أهل) فلسطين على الباقر (عليه السلام)فسألوه عن مسائل فأجابهم، ثم سألوه عن الصمد؟ فقال: تفسيره فيه الصمد خمسة أحرف فالالف دليل على انيته وهو قوله عزوجل (شهد اللّه انّه لا إله إلاّ هو)وذلك تنبيه واشارة الى الغائب عن درك الحواس، واللام دليل على الاهيته لانه هو اللّه، والالف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ولا يقعان في السمع ويظهران في الكتابة دليلان على ان الهيته لطيفة خافية لا تدرك بالحواس، ولا تقع في لسان واصف ولا اذن سامع، لان تفسير الاله هو الذي اله الخلق عن ادراك ماهيته وكيفيته بحسن أو بوهم، بل هو مبدع الاوهام، وخالق الحواس وانما يظهر ذلك عند الكتابة، فهو دليل هو على انّ اللّه سبحانه اظهر ربوبيته في ابداع الخلق وتركيب أرواحهم اللطيفة في اجسامهم الكثيفة فاذا نظر عبد الى نفسه لم ير روحه كما ان لام الصمد لا تتبين ولا تدخل في حواسه الخمس، فاذا نظر الكتابة ظهر له ما خفي له ولطف فمتى تفكر العبد في مائية (ماهية) الباري وكيفيته اله فيه وتحير ولم تحط فكرته بشيء يتصور له لانه عزوجل خالق الصور فاذا نظر الى خلقه ثبت انّه عزوجل خالقهم ومركب ارواحهم في أجسادهم.

واما الصاد، فدليل على انّه عزوجل صادق، وقوله صدق، وكلامه صدق، ودعا عباده الى ابتاع الصدق، ووعد بالصدق دار الصدق .

وأما الميم فدليل على ملكه، وانّه الملك الحق لم يزل، ولا يزال ملكه.

وامّا الدال فدليل على دوام ملكه، وانّه عزوجل دائم تعالى عن الكون والزوال، بل هو اللّه عزوجل مكوّن الكائنات»( ) ثم قال (عليه السلام) «لعلمي الذي أتاني اللّه تبارك وتعالى حملة لنشرت التوحيد، والاسلام والايمان والدين والشرائع من الصمد، وكيف لي بذلك، ولم يجد جدي امير المؤمنين(عليه السلام) حملة لعلمه حتى كان يتنفس السعداء، ويقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فان بين الجوانح منّي علماً جماً هاه لا اجد من يحمله إلاّ، واني عليكم من اللّه الحجة البالغة فلا تتولوا قوماً غضب اللّه عليهم، قد يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور» ثم قال الباقر (عليه السلام): «الحمد للّه الذي منّ علينا بعبادة الاحد الصمد (الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) وجنبنا عبادة الاوثان حمداً سرمداً وشكراً واصباً. وقوله عزوجل (لم يلد ولم يولد)يقول لم يلد عزوجل فيكون له ولد يرثه ملكه، ولم يولد فيكون له والد يشركه في ربوبيته وملكه، ولم يكن له كفواً احد فيعازّه في سلطانه»( ).

ثم اعلم انّ العلماء اختلفوا في معنى الصمد لتعدد هذه المعاني، فقيل: انّ الصمد الذي لا جوف له، وقيل: انّه فعل بمعنى مفعول من صمد اليه بمعنى قصده، وهو السيد المقصود اليه في الحوائج( )، وروته العامّة عن ابن عباس قال: «انّه لما نزلت هذه الاية قالوا مالصمد؟، قال (صلى الله عليه وآله):هو السيد الذي يصمد اليه في الحوائج»( ) .

وقال ابن قتيبة: الدال فيه مبدلة من التاء وهو الصمت، وقال بعض اللغويين: الصمد هو الاملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله ولا يخرج منه شيء( ) فعلى الاول عبارة عن وجود الوجود والاستغناء المطلق، واحتياج كل شيء في اموره اليه اي الذي يكون عنده ما يحتاج اليه كل شيء ويكون رفع حاجة الكل اليه ولم يفقد في ذاته شيئاً مما يحتاج اليه الكل واليه يتوجه كل شيء بالعبادة والخضوع وهو المستحق لذلك، واليه يومي خبر الجعفري( ).

وامّا على الثاني فهو مجاز عن انّه احدي الذات احدي المعنى ليست له اجزاء ليكون بين الاجزاء جوف ولا صفات زائدة فيكون بينها وبين الذات جوف أو عن انّه الكل بالذات ليس فيه جهة استعداد وامكان ولا خلوّ له عمّا لا يليق به فلا يكون له جوف يصلح ان يدخله ما ليس له في ذاته فيستكمل به الجوف كناية عن الخلوّ عمّا يصح اتصافه به .

وامّا الثالث فيكون كناية عن عدم الانفعال والتأثر عن العدد وكونه محلاً للحوادث كما جاء في جواب من سأل الصادق (عليه السلام) عن رضى اللّه وسخطه فقال: «ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين»( ) وذلك  انّ الرضا دخال يدخل عليه فينقله من حال الى حال لان المخلوق أجوف معتمل مركب للاشياء لانه احد واحدي الذات واحدي المعنى، وهذا الخبر يؤيد بعض المعاني السابقة أيضاً، وقد نقل بعض المفسرين عن الصحابة والتابعين والائمة واللغويين قريباً من عشرين معنىً، ويمكن ادخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الاول لانه لاشتماله على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب ولدلالته على كونه مبدءاً لكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية، وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى .

فقوله (عليه السلام) في الخبر «لا يوصف بالتغاير» اي بالصفات الموجودة المغايرة للذات، ويحتمل على بعد ان يكون مأخوذاً من الغيرة كناية عن انّه ليس له ضد ولا ند. وفيما رواه الطبرسي لا يوصف بالتطاير والبدواة بالفتحات وما يبدو ويفنح ويظهر من الحوادث والحالات المتغيرة والاداء المتبدلة يقال: بدء أي ظهر، وبدا له في الامر نشا له فيه رأي، وهو ذو بدوات، والانية التحقيق والوجود .

وفي التوحيد باسناده عن جابر قال: قال ابو جعفر (عليه السلام): «ان اللّه عزوجل تبارك اسماؤه وتعالى في علو كنهه احد توحد بالتوحيد في توحده ثم اجراه على خلقه فهو أحد صمد ملك قدوس يعبده كل شيء ويصمد اليه، وفوق الذي عسينا ان نبلغ ربنا وسع كل شيء علماً»( ) . وفي المحاسن البرقي عن الحسن بن السري مثله،

وفي التوحيد بسند موثق عن الحلبي وزرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى احد صمد ليس له جوف، وانما الروح خلق من خلقه نصر وتأييد وقوة يجعلها اللّه في قلوب الرسل والمؤمنين»( ).

وفي تحف العقول عن داود بن القاسم قال: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الصمد؟، فقال: الذي لا سرة له، قلت: فانهم يقولون انّه الذي لا جوف له؟، فقال: كل ذي جوف له سرة»( ).

وفي كتاب جامع الاخبار، سئل ابن الحنفية عن الصمد؟، فقال: قال علي (عليه السلام): «تأويل الصمد لا اسم ولا جسم ولا مثل ولا شبه ولا صورة ولا تمثال ولا حدّ ولا حدود ولا موضع ولا مكان ولا كيف ولا أين ولا هنا ولا ثمة ولا ملا ولا خلا ولا قيام ولا قعود ولا سكون ولا حركة ولا ظلماني ولا نوراني ولا روحاني ولا نفساني ولا يخلو منه موضع ولا يسعه موضع

ولا على لون ولا على خطر قلب ولا على شمّ رائحة منفي عنه هذه الاشياء»( ).

 

اللطيف

انما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دقّ منها وما لطف، ثم يسلكه في ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف

فاذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الادراك ثم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلاّ للّه تعالى، فأما احاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك بل الخفي عنده مكشوف كالجلي من غير فرق، وأما رفقه في الافعال ولطفه فيها فلا يدخل ايضاً تحت الحصر اذ لا يعرف اللطف في الفعل إلاّ من عرف تفاصيل افعاله وعرف دقائق الرفق فيها، وبقدر اتساع المعرفة فيها يتسع المعرفة بمعنى اسم اللطيف وشرح ذلك يستدعي تطويلاً، ثم لا يتصور ان تفي بعشر عشيرة مجلدات كثيرة وانما يمكن التنبيه على بعض جمله فمن لطلفه خلقه الجنين في بطن الام في ظلمات ثلاث وحفظه له فيها وتغذيته بواسطة السرة الى ان ينفصل فيستقل بالتناول بالفم ثم الهامه اياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة، بل تنفقيء البيضة عن الفرخ وقد الهمه اللّه التقاط الحب في الحال، ثم تأخير خلق السن عن اول الخلقة الى وقت الحاجة للاستغناء باللبن عن السن، ثم انباته السن بعد ذلك عند الحاجة الى طحن الطعام، ثم تقسيم الاسنان الى عريضة للطحن والى أنياب للكسر والى ثنايا حادة الاطراف للقطع، ثم استعمال اللسان الذي الغرض الاظهر منه النطق في رد الطعام الى المطحن كالمجرفة ولو ذكر لطفة في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على اصلاحها خلق لا يحصى عددهم من مصلح الارض ومزرعها وساقيها وحاصدها ومنقبها وطاحنها وعاجنها وخابزها الى غير ذلك من خلق ولا يحصيهم إلاّ اللّه لكان لا يستوفي شرحه، وعلى الجملة فهو من حيث دبر الامور حكيم ومن حيث اوجدها جواد ومن حيث رتبها مصور ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل، ومن حيث لم يدرك فيها وجوه الرفق لطيف ولن يعرف حقيقة هذه الاسماء من لم يعرف حقيقة هذه الافعال ومن لطفه بعباده انّه اعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، ومن لطفه ان يسر لهم الوصول الى سعادة الابد بسعي حفيف في مدة قصيرة وهي العمر فانه لا نسبة له بالاضافة الى الابد، ومن لطفه اخراج اللبن الصافي من بين الفرث والدم، واخراج الجواهر النفيسة من الاحجار الصلبة، واخراج العسل من النحل والابريسم من الدود، والدر من الصدف، واعجب من ذلك كله خلقه من النطفة القدرة مستودعاً لمعرفته وحاملاً للامانة ومشاهد الملكوت سماواته، وهذا أيضاً مما لا يمكن احصاؤه، ويشير اليه من الاخبار ما في التوحيد والعيون باسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «سمعته يقول في اللّه عزوجل: هو اللطيف الخبير الواحد الاحد»وساق الحديث الى ان قال: «فقولك اللطيف الخبير فسّره لي كما فسرت الواحد، فانّي أعلم انّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل غير انّي احبّ أن تشرح ذلك لي، فقال: يا فتح انما قلنا اللطيف للخلق اللطيف، لعلمه بالشيء اللطيف وغير اللطيف، وفي الخلق اللطيف من الحيوان الصغار من البعوض والجرجس، وما هو اصغر منهما ما لا يكاد لتستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغرة الذكر من الاثنى، والحدث المولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد، والهرب من الموت والجمع لما يصلحه من لجج البحار وما في لحاء الاشجار والمفاوز القفار، وفهم بعضها عن بعض منطقها، وما تفهم به اولادها عنها ونقلها الغذاء اليها، ثم تأليف الوانها حمرة مع صفرة وبياضاً مع خضرة، وما لا يكاد عيوننا تستبينه بتمام خلقها، ولا تراه عيوننا ولا تلمسه ايدينا، علمنا ان خالق هذا الخلق لطيف لطف في خلق ما سميناه بلا علاج ولا اداة ولا الات، وان كل صانع شيء فمن شيء صنع، واللّه الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع»( ) ورواه في التوحيد باسناد آخر عن الفتح بن يزيد الجرجاني مثله مع زيادات وتغييرات لا تضر بالحال، ورواه الكليني أيضاً بهذا الطريق مصرحاً فيه بأبي الحسن هو الرضا(عليه السلام). ويحتمل هذا المطلق كونه الهادي(عليه السلام) .

وفي التوحيد والعيون باسناده عن محمد بن عبداللّه الخراساني قال: «دخل رجل من الزنادقة على الرضا(عليه السلام) ـ فسأله، وكان من جملة ما سأل ـ سأل عنه ان قال اخبرني عن قولكم انّه لطيف سميع وبصير وعليم وحكيم، أيكون السميع إلاّ بالاذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلاّ بعمل اليدين، والحكيم إلاّ بالصنعة؟ فقال ابو الحسن: انّ اللطيف منا علي حدّ اتخاذ الصنعة أو مارأيت الرجل يتخذ شيئاً يلطف في اتخاذه، فيقال: ما الطف فلاناً فكيف لا يقال: للخالق الجليل لطيف اذا خلق خلقاً لطيفاً جليلاً، وركب في الحيوان منه ارواحها وخلق كل جنس متبايناً من جنسه في الصورة لا يشبه بعضه بعضاً، فكل له لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته، ثم نظرنا الى الاشجار وحملها اطايبها المأكولة منها وغير المأكولة فقلنا: عند ذلك ان اللطيف خبير خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم»( ).

ورواه في الاحتجاج مرسلاً مثله( )، وفي التوحيد والعيون ايضاً باسناده عن الحسين ابن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انّه قال في حديث طويل قال فيه: «واما اللطيف فليس على قلّة وقضاية وصغر، ولكن ذلك على النفاد في الاشياء والامتناع من أن يدرك كقولك لطف عني هذا الامر، ولطف فلان في مذهبه، وقوله يخبر انّه غمض فبهر العافل، وفات الطلب، وعاد متعمقاً متلطفاً لا يدركه الوهم، فهكذا لطف اللّه تعالى عن أن يدرك ويحد بوصف، واللطافة من الصغر والقلة فقد جمعنا الاسم، واختلف المعنى»( ) ورواه في الاحتجاج مرسلاً. واما حظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد اللّه، والتلطف بهم في الدعوة الى اللّه، والهداية الى سعادة الاخرة من غير ايذاء وعنف، ومن غير خصام وتعصب واحسن وجوه اللطف فيه الجدب الى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية، والاعمال الصالحة، فانّها اوقع والطف من الالفاظ المزينة.

 

الخبير

هو الذي لا تعزب عنه الاخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا يسكن ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلاّ ويكون

عنده خبرها وهو بمعنى العليم لكن العلم اذا اضيف الى الخفايا الباطنة سمي خبرة وصاحبها خبير . وفي التوحيد والعيون في خبر الحسين بن خالد المتقدم ذكره عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) حيث قال فيه: «واما الخبير فالذي لا يعزب عنه شيء، ولا يفوته ليس للتجربة والاعتبار أشياء فتفيده التجربة والاعتبار علماً لولاهما ما علم، لان من كان جاهلاً واللّه لم يزل خبيراً بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم، فقد جمعنا الاسم، واختلف المعنى»( ).

 

البصير

هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وابصاره ايضاً منزه عن ان يكون بحدقة واجفان ومقدس عن ان يرجع الى انطباع الصور

والالوان كما ينطبع في حدقة الانسان فان ذلك من التأثر والتغير المقتضي للحدثان، وقد تقدمت الاخبار الواردة في بيان هذه الصفة ما يدل على ذلك حيث انها قد صرحت بانه بصير لا بعين ولا بباصرة ولا بآلة فهو صفة ذاتية احد صفات العلم لانه علمه بالمبصرات، ويدل عليه من الاخبار ايضاً خبر الحسين بن خالد المتقدم عن الرضا(عليه السلام) حيث قال فيه: «وسمى نفسه سميعاً بصيراً قادراً قاهراً حياً قيوماً ظاهراً باطناً لطيفاً خبيراً قوياً عزيزاً حليماً حكيماً» ثم ساق الحديث الى أن قال: «قالوا اخبرونا اذ زعمتم انّه لا مثل للّه ولا شبه له كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها فانّ في ذلك دليلاً على انكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض اذ جمعتكم الاسماء الطيبة قيل لهم: انّ اللّه تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء بأسمائهم على اختلاف المعاني، وذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين، والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم السائغ، وهو الذي خاطب اللّه به عزوجل الخلق فكلّمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيعوا، وقد يقال للرجل: كلب وثور وحمار وسكرة وعلقمة وأسد كل ذلك على خلافه لانه لم تقع الاسماء على معانيها التي كانت بنيت عليها، لان الانسان ليس كأسد ولا كلب، فافهم ذلك رحمك اللّه، وانما سمي اللّه بالعالم بغير علم حادث علم به الاشياء، واستعان به على حفظه» ثم قال بعد كلام «وسمي ربنا سميعاً لا بجزء فيه يسمع به الصوت لا يبصر به كما ان جزئنا الذي نسمع به لا نقوى به على النظر به، ولكنه عزوجل اخبر انّه لا تخفى عليه الاصوات، ليس على حد ما سمينا نحن فقد جمعنا الاسم بالسميع، واختلف المعنى، وهكذا البصير لا بجزء به ابصر كما أنا نبصر بجزء منّا لا ننتفع به في غيره، ولكن اللّه بصير لا يجهل شخصاً منظوراً اليه فقد جمعنا الاسم، واختلف المعنى»( ) الحديث.

وفي كتاب التوحيد والعيون، وقد تقدم أيضاً برواية محمد بن عبداللّه الخراساني عن الرضا(عليه السلام) حيث دخل رجل من الزنادقة عليه(عليه السلام) وسأله عن مسائل وقد تقدم بعض تلك المسائل فقال: «وقلنا انّه بصير لانه يرى اثر الذرة الصماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها، واثر سفادها وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك انّه بصير لا كبصر خلقه، قال فما برح حتى أسلم»( ).

وفي الاحتجاج مرسلاً مثله. وحظّ العبد من هذه الصفة من حيث الحس ظاهر ولكنه ضعيف قاصر اذ لا يمتد الى ما بعد ولا يتغلغل الى باطن ما قرب، بل يتناول الظواهر، ويقصر عن البواطن والسرائر. وانما حظّه الديني منه امران:

احدهما: أن يعلم انّه خلق له البصر لينظر الى الايات، وعجائب ملكوت السموات، فلا يكون نظره عبرة، وقد قيل: لعيسى صلوات اللّه عليه كما روته العامّة «هل احد من الخلق مثلك؟ فقال: من كان نظره عبرة، وصمته فكره، وكلامه ذكراً، وحكماً فهو مثلي» .

والثاني: ان يعلم انّه مرآى من اللّه ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه، ومن أخفى من غير اللّه ما لا يخفيه عن اللّه فقد استهان بنظر اللّه فقال: والمراقبة احد ثمرات الايمان بهذه الصفة فمن قارب معصية وهو يعلم انّ اللّه يراه فما اجسره، وما أخسره، ومن ظنّ انّ اللّه تعالى لا يراه فما أظلمه، وما أكفره هو الذي لا يعزب عن ذاته مسمع وان خفي فيسمع السر والنجوى، بل ما هو أدق من ذلك وأخفى ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويسمع حمد الحامدين فيجازيهم، ودعاء الراغبين، فيستجيب لهم، ويسمع بغير اصمخة، واذا كان كما يفعل بغير جارحة، ويتكلم بغير لسان، وقد تقدمت جملة من الاخبار في بيان الصفات الذاتية كاشفة عمّا قلناه، وان صفة السمع شعبة من العلم اذ هو علمه بالمسموعات، وقد أشارت الاخبار الاخيرة التي مرّ ذكرها قريباً كخبر الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا(عليه السلام) وكخبر محمد بن عبداللّه الخراساني، ومرسلة الاحتجاج الى غير ذلك من الاخبار لقوله في الاولى كما سمعت «وسمّى ربّنا سميعاً لا بجزء فيه يسمع به الصوت لا يبصر به كما ان جزئنا الذي نسمع به لا نقوى على النظر به، ولكنه عزوجل اخبر انّه لا تخفى عليه الاصوات ليس على حدّ ما سمينا نحن فقد جمعنا الاسم بالسميع اختلف المعنى»( ) وقال في الثاني «وقلنا: انّه سميع لا يخفى عليه اصوات خلقه ما بين العرش الى الثرى من الذرة الى اكبر منها في برها وبحرها ولا تشتبه عليه لغاتها فقلنا: عند ذلك انّه سميع لا باذن»( ) ومثل ذلك مرسلة الاحتجاج ايضاً، وقد تقدم في صحيحة محمد بن مسلم المنقولة من كتاب التوحيد، ومن الاحتجاج، ومن الكافي وكذلك في صحيحة هشام بن الحكم ما هو مصرح به في ذلك ومقرر لهذه الصفة ونحوها من الصفات الذاتية على الوجه الذي ذكرناه كذلك حيث قال في صحيحة محمد بن مسلم: «قلت جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق انّه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع، قال: فقال: كذبوا والحدوا وشبّهوا تعالى اللّه عن ذلك بصير يسمع بما يبصر، ويبصر بما يسمع، قال: قلت: يزعمون انّه بصير على ما يعقلونه، قال: فقال: تعالى اللّه، انما يعقل ما كان بصفة المخلوق، وليس اللّه كذلك»( ) وفي صحيحة هشام في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبداللّه(عليه السلام) حيث قال له: «أتقول انّه سميع؟، فقال ابو عبداللّه(عليه السلام): هو سميع بصير سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي انّه يبصر بنفسه انّه شيء والنفس شيء آخر، ولكني أردت عبارة عن نفسي اذ كنت مسؤلاً، وافهام لك اذ كنت سائلاً، فأقول يسمع بكلّه لا انّ كله له بعض، ولكني أردت افهامك والتعبير عن نفسي»( )والاخبار بهذا المعنى كثير جداً، وقد قدمناها هناك، وفيها «انّ من دان بشيء من ذلك فقد اتخذ مع اللّه الهة اخرى وليس من ولايتنا على شيء».

وحظّ العبد من هذه الصفة من حيث الحسن حظّه في السميع لكنه قاصر فانه لا يدرك جميع المسموعات، بل ما قرب من الاصوات، ثم ان ادراكه بجارحة وادات معرض للافات فان خفي الصوت قصر عن الادراك، وان بعد لم يدرك، وان عظم الصوت ربما بطل السمع واضمحل. وامّا حظه الديني منه فأمران:

احدهما: أن يعلم انّ اللّه سميع فيحفظ لسانه.

والثاني: ان يعلم انّه لم يخلق له السمع إلاّ ليسمع كلام اللّه وكتابه الذي أنزله وحديث رسول اللّه الذي أرسله فيستفيد به الهداية الى طريق اللّه فلا يستعمل سمعه إلاّ فيه.

 

العليم

وهذه الصفة معناها ظاهره وكما له ان يحيط علماً بكل شيء ظاهره وباطنه دقيقة وجليلة اوّله وآخره عاقبته وفاتحته، وقد افصحت الاخبار

المتقدمة عن ذلك اجمالاً وتفصيلاً ففي خبر الحسين بن خالد( ) المتقدم، وانما سمى اللّه بالعالم بغير علم حادث علم به الاشياء واستعان به على حفظه ما يستقبل من أمره والروية فما يخلق من خلقه ويفنيه مما مضى مما أفنى من خلقه ومما لم يحضره ذلك العلم كان جاهلاً ضعيفاً كما انا رأينا علماء الخلق انما سموا بالعلم لعلم حادث اذ كانوا قبله أجهلة، وربما فارقهم العلم بالاشياء فصاروا الى الجهل، وانما سمي اللّه عالماً لانه لا يجهل شيئاً فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العلم واختلف المعنى، وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على ما كان فيه حيث لا يتصور مشاهدة وكشف اظهر منه، ثم لا يكون مستفاداً من المعلومات، بل يكون المعلومات مستفادة منه.

وحظ العبد منه لا يكاد يخفى ولكن يفارق علمه علم اللّه تعالى في الخواص الثلاث: احدهما: في المعلومات في كثرتها فانّ معلومات العبد وان اتسعت فهي محصورة في قلبة فانا يناسب ما لا نهاية له. والثاني: ان كشفه وان اتضح فلا يبلغ الغاية التي لا يمكن وراءها شيء اجلاً، بل مشاهدته للاشياء كانه يراها من وراء ستر الرقيق ولا تنكرت درجات الكشف فان البصيرة الباطنة كالنظر الظاهر، وفرق بينما تتضح في وقت الاسفار وبين ما يتضح بين صحوة النهار. والثالث: انّ علم اللّه تعالى بالاشياء غير مستفاد من الاشياء، بل الاشياء مستفادة منه، وعلم العبد للاشياء تابع للاشياء وحاصل بها فان اعتاض عليك فهم هذا الفرق فانسب علم متعلم الشطرنج الى علم واضعه فان علم الواضع هو سبب وجود الشطرنج ووجود الشطرنج هو سبب علم المتعلم، وعلم الواضع سابق على الشطرنج، وعلم المتعلم مسبوق ومتأخر وكذلك علم اللّه تعالى بالاشياء سابق عليها وعلمنا بخلاف ذلك (وللّه المثل الاعلى)( ) وشرف العبد بسبب العلم من حيث انّه من صفات اللّه تعالى ولكن العلم الاشرف ما معلومه أشرف وأشرف المعلومات هو اللّه تعالى فلذلك كانت معرفة اللّه أشرف المعارف، بل معرفة سائر الاشياء أيضاً انما تشرف لانها معرفته العلم اللّه تعالى أو معرفة للطريق الذي يقرب العبد من اللّه والامر الذي يسهل به الوصول الى معرفة اللّه تعالى والقرب منه فلا نظر اذا إلاّ في اللّه وكل معرفة خارجة عن ذلك فليس فيها كثير شرف.

 

العليّ

هو الذي لا رتبة فوق رتبته وجميع المراتب منحطة، وذلك لان العلي مشتق من العلو مأخوذ من العلو المقابل للسفل، وذلك امّا في درجات

محسوسة كالدرج والمراقي وجميع الاجسام الموضوعة بعضها فوق بعض، وأما في المراتب المعقولة للموجودات المترتبة بنوع من الترتيب العقلي، وكلما له الفوقية في المكان فله العلو المكاني، وكلما له الفوقية في الرتبة فله العلو في الرتبة والتدريجات العقلية مفهومة كالتدريجات الحسية ومثال الدرجات العقلية هو التفاوت البري بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والمفعول والعاقل والمعقول والكامل والناقص واذا قدرت مثلاً شيئاً وهو سبب لشيء ثان وذلك سبب ثالث، والثالث لرابع الى عشر درجات مثلاً فالعاشر واقع في الرتبة الاخيرة وهو الاسفل الادنى، والاول واقع في الدرجة الاولى من السببية وهو الاعلى، ويكون الاول فوق الثاني فوقية بالمعنى لا بالمكان والعلو عبارة عن الفوقية، فاذا فهمت معنى التدريج العقلي. فاعلم انّ الموجودات لا يمكن قسمتها الى درجات متفاوتة في العقل إلاّ ويكون الحق في الدرجة العليا من درجات أقسامها حتى لا يتصور أن يكون فوقه شيء درجة وذلك هو العليّ المطلق، وكل ما سواه يكون عليّا بالاضافة إلا ما دونه، ويكون دنيّاً وسافلاً بالاضافة الى ما فوقه، ومثال قسمة العقل انّ الموجودات تنقسم الى: ما هو سبب، والى ما هو مسبب، فالسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة فالفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الاسباب، وكذلك ينقسم الموجود الى ميّت وحي، والحي ينقسم الى ما ليس له إلا الادراك الحسّي وهو البهيمة، والى ما له مع الادراك الحسي الادراك العقلي، والذي له الادراك العقلي ينقسم الى: ما يعارضه في معلوماته الشهوة والغضب، وهو الانسان، والى ما يسلم ادراكه عن معارضه المكدرات، والذي يسلم عنها ينقسم الى: ما يمكن ان يبتلى به ولكن رزق السلامة كالملائكة، والى ما يستحيل ذلك في حقه، وهو اللّه تعالى، وليس يخفى عليك في هذا التقسيم والتدريج انّ الملك فوق الانسان والانسان فوق البهيمة، وانّ اللّه تعالى فوق الكل وهو العلي المطلق فانّه الحي المحيي العالم المطلق الخالق لعلوم العلماء المنزّه المقدس عن جميع أنواع النقص، وقد وقع الميت في الدرجة السفلى من درجات الكمال ولم يقع في الطرف الاخر إلا اللّه تعالى، فهكذا ينبغي ان يفهم فوقه وعلوه فانّ هذه الاسامي وضعت أولاً بالاضافة الى ادراك البصر وهو درجة العوام ثم لما تنبّه الخواص الى ادراك البصائر قدروا بينها وبين الابصار موازاة استعاروا منها الالفاظ المطلقة وفهمها الخواص وانكرها العوام الذي لم يجاوز ادراكهم من الخواص التي هي رتبة البهائم ولم يفهموا عظمه إلا بالمساحة ولا علوّا إلا بالمكان وللفوقية إلا به، فاذا فهمت هذا فهمت معنى كونه فوق العرش لان العرش أعظم الاجسام، وهو فوق جميعها والموجود المقدس المنزّه عن التحديد، والتقدير بحدود الاجسام ومقاديرها فوق الاجسام كلها في الرتبة ولكن خصّ العرش بالذكر لانه فوق جميع الاجسام فما كان فوقها كان فوق جميعها، وهو كقول القائل: الخليفة فوق السلطان تنبيهاً انه اذا كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان، والعجب من الحشوي الذي لا يفهم من الفوق إلا المكان ومع ذلك اذا سئل عن شخصين أحدهما من الاكابر والثاني من الاسافل وقيل له: كيف يجلسان في الصدور والمحافل، فيقول: يجلس فوق ذلك وهو يعلم انّه لا يجلس إلا بجنبه، وانّما كان يجلس فوقه لووقف على رأسه أو مكان مبني فوق رأسه، ولو قيل له: كذبت ما جلس فوقه ولا تحته ولكنه جلس بجنبه اشمأز من هذا الانكار، وقال: انّما أعني به فوقية الرتبة والقرب من الصدر فانّ الاقرب الى الصدور هو المسمّى فوق بالاضافة الى الابعد، ثمّ لا يفهم من هذا انّ كل ترتيب له طرفان يجوز أن يطلق على أحدهما اسم الفوق والعلو، وعلى الطرف الاخر ما يقابله، وأما ما يدل من الاخبار على خصوص هذا الوصف فما رواه في التوحيد والمعاني والعيون مسنداً عن محمد بن سنان، وفي الاحتجاج مرسلاً «قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): هل كان الله عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟، قال: نعم» فساق الحديث الى أن قال: «وقد تقدم ولكنه اختار لنفسه اسماءً لغيره يدعوه بها، لانّه اذا لم يدع باسمه لم يعرف»( )، فأوّل ما اختار لنفسه العليّ العظيم هو أول أسمائه لانّه عليّ على كل شيء.

واعلم انّ العبد لا يتصور أن يكون عليّاً مطلقاً إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود ما هو فوقها وهو درجات الانبياء والملائكة والاوصياء، نعم يتصور أن ينال درجة لا يكون في جنسه من يفوقه فيها وهي درجة نبيّنا(صلى الله عليه وآله) وكذلك درجة أوصيائه(عليهم السلام) بعد درجته ولكنها قاصرة بالاضافة الى العلو المطلق من وجهين: أحدهما بأنّه علو بالنسبة الى بعض الموجودات، والاخر بأنّه علو بالاضافة الى الموجود لا بطريق الوجوب، بل يقارنه امكان وجود انسان فوقه فالعلي المطلق هو الذي له الفوقية لا بالاضافة وبحسب الوجوب لا بحسب الوجود الذي لا يقارنه امكان نقيضه.

 

الاول والاخر

اعلم انّ الاول قد يكون أولاً بالاضافة الى شيء، والاخر يكون آخراً بالاضافة الى شيء، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالاضافة الى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً، بل اذا نظرت

الى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فاللّه تعالى بالنسبة اليها أول اذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه، وأما هو فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره ومهما نظرت الى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين اليه فهو آخر اذ هو آخر ما يرتقي اليه درجات العارفين، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرتاه الى معرفته والمنزل الاقصى هو معرفته اللّه تعالى وهو اخر بالاضافة بالسلوك اليه فهو أول بالاضافة الى الوجود فمنه المبدأ واليه المرجع والمنتهى، ويفسر أيضاً معنى الاول الذي لا ابتداء له، ومعنى الاخر الذي لا انتهاء له، وفي كتاب التوحيد والمعاني باسناد صحيح عن محمد بن حكيم عن ميمون البان قال: «سمعت أبا عبداللّه(عليه السلام) قد سئل عن قوله عزوجل (هو الاول والاخر) فقال: لا عن أوّل( ) قبله، ولا عن بدء سبقه، وآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفات المخلوقين، ولكن قديم أوّل اخر لم يزل، ولا يزال بلا بدء ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال الى حال، خالق كل شيء»( ).

وفي التوحيد باسناد صحيح عن أبي يعفور، «قال: سألت ابا عبداللّه عن قول اللّه عزوجل (هو الاول والاخر) قلت: امّا الاول فقد عرفناه، وأما الاخر فبيّن لنا تفسيره؟، فقال: انّه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله الغير والزوال أو ينتقل من لون الى لون وهيئة الى هيئة، ومن صفة الى صفة، ومن زيادة الى نقصان، ومن نقصان الى زيادة إلا ربّ العالمين فانّه لم يزل ولا يزال واحداً هو الاول قبل كل شيء، وهو الاخر على ما لم يزل لا يختلف عليه الصفات والاسماء ما يختلف على غيره مثل الانسان الذي يكون تراباً مرّة ومرّة لحماً ومرّة دماً ومرّة رفاتاً ورميماً وكالتمر الذي يكون مرّة بلحاً ومرّة بسراً ومرّة رطباً ومرّة تمراً فيتبدل عليه الاسماء والصفات، واللّه عزوجل بخلاف ذلك»( ).

 

الجواد

معناه المحسن المنعم الكثير الانعام والاحسان ويرادفه السخي لكن قد سمعت ما سبق فيه من الكلام والبحث لانه مأخوذ من السخاوة وأصلها

اللين فلا يناسب اطلاقه عليه، وقد عرفت الجواب عن ذلك لكونه قد جاء في أسمائه الحسنى المشتملة عليها الدعوات كدعاء الصحيفة المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله) من طريقين لقوله فيه «وسبحانه من توّاب ما اسخاه وسبحانه من سخي ما أنصره»( ) .

وفي كتاب الخصال والعيون في الحسن عن أحمد بن سليمان «قال: سأل رجل أبا الحسن(عليهما السلام) وهو في الطواف فقال له: أخبرني عن الجواد فقال: انّ لكلامك وجهين: فان كنت تسأل عن المخلوق، فانّ الجواد الذي يؤدي ما افترض اللّه عليه، والبخيل ما بخل بما افترض اللّه عليه، وان كنت تعني الخالق فهو الجواد ان اعطى، وهو الجواد ان منع لانه ان اعطى عبداً اعطى ما ليس له، وان منع منع ما ليس له»( ).

وفي المعاني باسناده عن أحمد بن سلمة مثله إلا انّ فيه «ما افترض اللّه عليه وان كنت تسأل عن الخالق بأنّه ان اعطاك اعطاك ما ليس لك، وان منعك منعك ما ليس لك»( ).

 

القديم

معناه المتقدم للاشياء كلها، وكل متقدم لشيء يسمّى قديماً اذا بولغ في الوصف، ولكنه سبحانه قديم بنفسه بلا أول ولا نهاية، وسائر الاشياء لها

أول ونهاية ولم يكن لها هذا الاسم في بدءها فهي قديمة من وجه ومحدثه من وجه، وقد قيل انّ القديم معناه انّه الموجود لم يزل، واذا قيل لغيره انّه قديم كان على المجاز لان غيره محدث ليس بقديم.

وفي التوحيد والعيون في الخبر الذي رواه الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) الذي مرّ ذكره: «اعلم علمك اللّه الخير انّ اللّه تبارك وتعالى قديم، والقدم صفة دلّت العاقل على انّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديمومته، فقد بان لنا بإقرار العامّة معجزة الصفة، وانّه لا شيء قبل اللّه، ولا شيء مع اللّه في بقائه وبطل قول من زعم انّه كان قبله أو كان معه شيء، وذلك انّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكن خالقاً لانه لم يزل معه فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه، ولو كان قبله شيء كان ذلك الشيء لا هذا، وكان الاول أولى بأن يكون خالقاً للثاني»( ) الحديث.

ورواه في الاحتجاج مرسلاً مثله.

 

الملك

هو الذي يستغني في ذاته وصفاته من كل موجود، ويحتاج اليه كل موجود، بل لا يحتاج عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا

في وجوده ولا في بقائه، بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه فكل شيء سواء فهو له مملوك في ذاته وصفاته وهو مستغني عن كل شيء، فهذا هوالملك المطلق.

وأمّا خط العبد من هذه الصفة هو ان لا يتصور ان يكون ملكاً مطلقاً فانّه لا يستغني عن كل شيء، بل هو أبداً فقير الى اللّه وان استغنا عمّا سواه ولا يتصور ان يحتاج اليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات، ولكن لمّا تصور ان يستغنى عن بعض الاشياء ولا يستغنى عنه بعض الاشياء كان له شوب من الملك، فالملك من العباد هو الذي لا يملكه إلا اللّه، بل مستغنى عن كل شيء سوى اللّه ،وهو مع ذلك يملك مملكته بحيث يطيعه فيها جنوده ورعاياه، وانّما مماسكته الخاصة به قلبه وقالبه وجنده شهوته وغضبه وهواه ورعيته لسانه وعيناه يداه ورجلاه، وسائر أعضائه فاذا ملكها ولم تملك واطاعته ولم يطعها فقد نال درجة الملك في عالمه فان انضم اليه مع ذلك استغناؤه عن كل الناس واحتياج الناس كلهم اليه في حياتهم العاجلة والاجلة فهو الملك في العالم الارضي وتلك رتبة للانبياء صلى اللّه عليهم، وكذلك الائمة المعصومين فانهم استغنوا في الهداية عن الحياة الاخرة عن كل واحد إلا عن اللّه، واحتاج اليهم كل واحد، ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الانبياء وانّما ملكهم بقدر قدرتهم على ارشاد العباد واستغنائهم عن الاسترشاد، وبهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة في الصفات ويتقرب الى اللّه تعالى بها، وهذا الملك عطية للعبد من الملك الحق الذي لا مثنوية في ملكه، ولقد صدق بعض الحارفين لما قال له بعض الامر اسلمنى حاجتك حيث قال: اولي تقول هذا ولي عبدان هما سيداك قال: ومن هما؟، قال: الحرص والهوى، فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وقال بعضهم لبعض: الشيوخ أوصني، فقال له كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الاخرة معناه اقطع طمعك وشهوتك فان الملك في الحرية والاستغناء.

 

القدوس

هو المنزّه عن كل وصف يدركه حسّ أو يتصوره خيال أو يسبق اليه وهم أو يختلج له به ضمير أو يقضي به تفكير، ولست أقول منزهاً عن العيوب

والنقائص فان ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الادب، فليس من الادب أن يقول القائل: ملك البلد ليس بحائك ولا حجّام، فان نفي الوجود يوهم امكان الوجود، وفي ذلك الايهام نقص، بل أقول القدوس وصف منزّه عن أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق كمالاً في حقهم لان الخلق اولاً نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم فادركوا انقسامها الى ما هو كمال، ولكن في حقّهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم وارادتهم واختيارهم ووضعوا هذه الالفاظ بازاء هذه المعاني، وقالوا: ان هذه هي أسماء الكمال والى ما هو نقص في حقهم فوضعوا بازاء هذه المعاني هذه الالفاظ مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم، ثم كان غايتهم في الثناء على اللّه ووصفه ان وصفوه بما هو اوصاف كمالهم من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام وان نفوا عنه ما هو صفات نقصهم، واللّه تعالى منزه عن أوصاف كمالهم كما انّه منزّه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة يتصور للخلق فهو مقدس عنها وعمّا يشبهها ويماثلها، ولولا ورود الاذن والرخصة باطلاقها لم يجز اطلاق أكثرها.

وأما حظّ العبد من هذه الصفة فهو ان ينزه ارادته وعلمه، اما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكلما يشارك فيه البهائم من الادراكات، بل يكون ترداد( ) نظره وتطواف علمه حول الامور الازلية الالهية المنزهة عن ان تقرب وتدرك بالحسّ أو تبعد فتغيب عن الحسّ، بل يصير متجرداً عن نفسه من المحسوسات والمتخيلات كلها ويقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسّه وتخيله بقي ربانياً بالعلوم الشريفة الكلية الالهية المتعلقة بالمعلومات الابدية الازلية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة، وامّا اراداته فينزهها عن ان تدور حول الخصوص البشرية التي ترجع الى لذة الشهوة والغضب ومتعة المطعم والمشرب والمنكح والملبس والمنظر وما لا يصل اليه من اللذات إلا بواسطة الحسن والقالب، بل لا يريد إلا اللّه ولا يبقى له حظّ إلا في اللّه، ولا يكون له شوق إلا اللقاء الى اللّه ولا فرح إلا بالقرب من اللّه، ولو عرضت له الجنة وما فيها من النعيم لم تلتفت اليه همته ولم يقنع من الدار الا برب الدار، وعلى جملة الادراكات الحسية والخيالية يشارك البهائم فيها، فينبغي ان يرتقي عنها الى ما هو من خواص الانسانية والحظوظ البشرية لشهوة الحيوانية تزاحم البهائم فيها، فينبغي ان يتنزّه عنها فجلاله المريد على قدر جلالة مراده ومن كان همّه( ) ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه، ومن يكن له همّة سوى الله فدرجته على قدر همّته ومن رقى علمه على درجة المحسوسات والمتخيلات وقدس ارادته عن مقتضى الشهوات فقد نزل بحبوحة حضيرة القدس وفي الخبر المروي في المجالس والفقيه عن علي (عليه السلام) «قيمة كل امرء ما يحسن»( )، وفي الخبر عن الصادق (عليه السلام) في الحديث القدسي «ان عبدي ليتقرب اليّ بالنوافل حتى احبّه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها» الحديث.

 

السّلام

هو الذي تسلم ذاته عن الغيب، وصفاته عن النقص، وافعاله عن الشر حتى اذا كان كذلك لم تكن في الوجود سلامة إلا وكانت معزية اليه

وصادرة منه واليه اشار(عليه السلام)في دعائه المأثور «اللّهم انت السلام، ومنك السلام، واليك يهدى السلام» وفي الخبر «انّ السلام اسم من أسماء اللّه تعالى» وقد عرفت انّ أفعاله تعالى سالمة عن الشرور المطلقة فهو لايكون إلا لخير حاصل في ضمنه، وان كان ظاهره الشرية، وليس في الوجود شيء بهذه الصفة كما سبق الايماء اليه إلا اللّه تعالى.

وأما حظّ العبد منه فكل عبد سلم من الغش والحقد والحسد واراده الشر قلبه وسلم عن الافات والمحظورات جوارحه، وسلم عن الانعكاس والانتكاس صفاته فهو الذي ياتي اللّه بقلب سليم، وهو السلام من العباد القريب في وصفه من السلام المطلق الحق الذي لا مثنوية في صفة، واعني بالانعكاس في صفاته ان يكون عقله أسير شهوته وغضبه اذ الحق عكسه، وهو ان يكون الشهوة والغضب اسير العقل وطوعه فاذا انعكس فقد انتكس ولا سلامة حيث يصير الامير مأموراً والملك عبداً ولن يوصف بالسلام، والاسلام إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقد أشار قوله تعالى الى ذلك (فسلام لك من أصحاب اليمين)( ) اي فسلامة لك منهم كما ورد في الخبر الوارد في تفسيرها.

 

المؤمن

هو الذي يعزى اليه الامن والامان بافادته وأسبابه وسده طرق المخاوف ولا يتصور أمن إلا في محلّ الخوف ولا خوف إلا عند امكان العدم

والنقص والهلاك والمؤمن المطلق هو الذي لا يتصور امن أمان إلا ويكون مستفاداً من جهته، وهو اللّه تعالى، وليس بخفي عليك انّ الاعمى يخاف ان يناله هلاك من حيث لا يرى فعينه البصيرة تقيه امنا منه، والاقطع يخاف افة لا تندفع الا باليد، فاليد السليمة أمان منها وهكذا جميع الحواس والاطراف والمؤمن خالقها ومصورها ومقوّمها ومعدّلها، ولو قدرنا انساناً وحده مطلوباً من جهة اعداء وهو ملقىً في مضيعة لا يتحرك عليه اعضاؤه لضعفه وان تحركت فلا سلاح معه وان كان معه سلاح لم يقاوم غيره لضعفه، وان كانت له جنود لم يأمن ان تنكسر جنوده فجاء من عالج ضعفه فقوّاه وامدّه بجنود وأسلحة وغير ذلك مما يورثه وقاية كالجنن والدروع وغير ذلك فقد أفاده أمناً وأماناً فبالحري أن يسمّى مؤمناً في حقه، والعبد ضعيف في أصل فطرته وهو عرضة الامراض والجوع والعطش من باطنه وعرضة الافات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظاهره ولم يؤمنه من هذه المخاوف إلا الذي أعدّ الادوية الدافعة لامراضه والاطعمة المزيلة لجوعه والاشربة المميطة لعطشه والاعضاء الدافعة عن بدنه والحواس حواسيس( ) منذرة بما يقرب من مهلكاته ثم خوفه الاعظم من هلاكه في الاخرة ولا يحصنه عنه إلا كلمة التوحيد واللّه تعالى هاديه اليها ومرغبه فيها حيث قال «لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» فلا أمن من عذاب في العالم إلا وهو مستفاد باسباب هو متفرد بخلقها والهداية الى استعمالها فهو الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى فهو المؤمن المطلق حقاً، ولعلك تقول: الخوف على الحقيقة من اللّه فلا مخوف إلا ايّاه فهو الذي خوف عباده، وهو الذي خلق اسباب الخوف فلم لا ينسب اليه الامن. فجوابك: ان الخوف منه والامن منه جميعاً فكونه مخوفاً لا يمنع كونه مومّناً وكونه مذلاً لا يمنع كونه معزّاً، بل هو المعز والمذل وكونه خافظاً لا يمنع كونه رافعاً، بل هو الخافظ والرافع فكذلك هو المؤمن والمخوف، ولكن المؤمن وقع التوقيف به دون المخوّف.

 

المهيمن

معناه في حق اللّه انه القائم على خلقه بأعمالهم وارزاقهم واجالهم، وانّما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكل مشرف على كنه إلا

مستولي عليه حافظ له، فهو مهيمن عليه، والاشراف يرجع الى العلم، والاستيلاء يرجع الى القدرة، والحفظ الى الفعل فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن، ولن يجتمع ذلك على الاتمام والكمال إلا للّه تعالى.

ولذلك قيل: انّه من أسماء اللّه تعالى في الكتب القديمة.

وحظّ العبد من هذه الصفة انه كل عبد راقب قلبه حتى اشرف على اغواره واسراره واستولى مع ذلك على تقويم احواله وأوصافه وقام بحفظها على الدوام على مقتضى تقويمه فهو مهيمن بالاضافة الى قلبه، فان اتسع اشراقه واستيلاءه حتى قام بحفظ بعض عباد اللّه على نهج السداد بعد اطلاعه على بواطنهم وأسرارهم بطريق التفرّس والاستدلال بظواهرهم، كان نصيبه من هذا المعنى اوفر وحظّه اتم.

 

العزيز

هو الخطير الذي يقلّ وجود مثله، وتشتد الحاجة اليه ويصعب الوصول اليه فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة فيه لم يطلق عليه اسم العزيز فكم

من شيء يقل وجوده لكن اذا لم يعظم خطره، ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزاً، وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن اذا لم يصعب الوصول اليه لم يسم عزيزاً كالشمس مثلاً فانه لا نظير لها، والارض كذلك اذا النفع عظيم فيها إلا انه لم يصعب الوصول اليها فلم توجد هذه المعاني الثلاثة إلا في اللّه سبحانه وتعالى ويكون بحيث يستحيل وجود مثله، فالشمس وان كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الامكان، فيمكن وجود مثلها في الكمال والنفاسة وشدة الحاجة، ومعنى شدة الحاجة اليه ان يحتاج كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقاءه وصفاته، وليس ذلك على الكمال إلا للّه تعالى، والكمال في صعوبة المنال ان يستحيل الوصول اليه على معنى الاحاطة بكنهه، وليس ذلك على الكمال إلا للّه تعالى، فقد ثبت ان لا يعرف اللّه الا اللّه، وفي المستفيض «اعرف اللّه باللّه» فهو العزيز المطلق الحق الذي لا يوازيه فيه غيره.

واما حظّ العباد من هذه الصفة فالعزيز منهم من يحتاج اليه عباد اللّه في أهم امورهم، وهي الحياة الاخروية، والسعادة الابدية، وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب ادراكه، وهي رتبة الانبياء وأوصياءهم الافضل، فالافضل منهم ويشاركهم في العز من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصرهم كالخلفاء وورثتهم من العلماء، وعزة كل واحد منهم بقدر علوّ رتبته عن سهولة النيل، والمشاركة وبقدر غنائه، وفي ارشاد الخلق هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الاجبار في كل واحد ولا ينفذ فيه مشيئة أحد، فالذي لا يخرج احد من قبضته وتقصر الايدي دون حمى حضرته فهو الجبار المطلق، وهو اللّه تعالى، فانه يجبر كل احد، ولا يجبره أحد، ولا مثنوية في حقه في الطرفين.

واما حظّ العباد منها فالجبار منهم من ارتفع من الاتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلوّ مرتبته بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمة وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، ويستتبع ولا يتبع ولا يشاهده أحد إلا وينقاد له، ولهذا جاء في الحديث النبوي «لو كان موسى بن عمران حياً لما اوسعه الا اتباعي، وانا سيّد ولد آدم ولا فخر».

 

المتكبّر

هو الذي يرى الكل حقيراً بالنسبة الى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر الى غيره نظر الملوك الى العبد، فان كانت هذه الرؤية

صادقة كان التكبر حقاً، وكان صاحبها متكبراً حقاً ولا يتصور ذلك على الاطلاق إلا للّه تعالى، وان كان رؤية ذلك التكبر والاستعظام باطلاً ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة كما يراه، كان التكبر باطلاً ومذموماً، فكل من رآء العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته باطلة ونظره باطلاً إلا للّه تعالى، وفي الحديث المستفيض القدسي «الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي، قصمت ظهره» وفي كثير من الايات (أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين)( ) وفي الخبر المروي عن علي (عليه السلام) «التكبر على المتكبر عبادة» والمتكبر من العباد الذي له لمّ بهذه الصفة على الحقيقة المستحق بها المدح هو الزاهد العارف، ومعنى زهد العارف ان يتنزه سره عمّا يشغل عن الحق، ويتكبّر عن كل شيء سوى الله، فيكون مستحقراً للدنيا والاخرة جميعاً مترفعاً عن ان يشغله عن الحق تعالى، ومعنى زهد غير العارف معامله ومعاوضه انّما يشتري بمتاع الدنيا متاع الاخرة فيترك الشيء عاجلاً طمعاً في اضعافه آجلاً، وانما هو سلم ومبايعة ومن استعبدته شهوه المطعم والمنكح فهو حقير، وان كان ذلك دائماً، وانما المتكبر من يستحقر كل شهوه، وحظّ يتصور ان يساهمه البهائم فيها.

 

الخالق

الباريء

المصوّر

قد يظن ان هذه الاسماء مترادفة فترجع الثلاثة الى اسم واحد فينقص العدد المجمل والمفصل عن التسعة والتسعين، وكانهم رجعوا الكل الى الخلق والاختراع، وليس كذلك، بل كل ما يخرج من العدم الى الوجود فانه يحتاج الى التقدير اولاً، والى الايجاد على وفق التقدير ثانياً، والى

التصوير بعد الايجاد ثالثاً، واللّه تعالى خالق من حيث انه مقدر، وباريء من حيث انه مخترع موجد، ومصوّر من حيث انه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب، وهذا كالبناء مثلاً فانه يحتاج الى مقدّر لما لابد منه من الخشب واللبن ومساحة الارض وعدد الابنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج الى بناء يتولى الاعمال التي عندها تحدث اصول الابنية، ثم يحتاج الى مزيّن نقاش ينقش ظاهره ويزيّن صورته فيتولاه غير البناء، هذه هي العادة في التقدير والبناء والتصوير، وليس كذلك في أفعال اللّه تعالى، بل هو المقدر والموجد والمزين فهو الخالق الباريء المصور ومثاله الانسان هو أحد مخلوقاته، وهو محتاج في وجوده اولاً الى ان يقدر ما منه وجوده فانه جسم مخصوص فلابد من الجسم اولاً حتى يخصص بالصفات كما يحتاج البناء الى الالات حتى يبني، ثم لا يصلح لبنيته الانسان إلا الماء والتراب جميعاً، اذ التراب وحده يابس محض لا ينثني ولا ينعطف في الحركات، والماء وحده رطب محض لا يتماسك ولا ينصب بل ينبسط ويسيل، فلابد ان يمتزج الرطب باليابس حتى يعتدل ويعبر عنه بالطين، ثم لابد من حرارة طابخة حتى يستحكم مزج الماء بالتراب ولا ينفصل فلا يتخلق الانسان من الطين المحض بل من (صلصال كالفخار)( ) وهو الطين المعجون بالماء الذي قد علمت فيه النار حتى احكمت مزاجه، ثم يحتاج الى تقدير الماء والطين بمقدار مخصوص فانه ان صغر مثلاً لم يحصل عنه الامثال الانسانية، بل ولو كان على قدر الدر والنمل فتنسفه الريح والهلكة ادنى شيء ولا يحتاج الى مثل الجبل من الطين، فان ذلك يزيد على قدر الحاجة، بل الكافي من غير زيادة ونقصان قدر معلوم يعلمه اللّه تعالى، وكل ذلك يرجع الى التقدير فهو باعتبار تقدير هذه الامور وباعتبار الايجاد على وفق التقدير خالق باعتبار مجرد الاختراع والايجاد من العدم الى الوجود باريء والايجاد المجرد شيء والايجاد على وفق التقدير شيء آخر، وهذا يحتاج اليه من يبعد رد الخلق الى مجرد التقدير مع انّ له في اللغة وجهاً، اذ العرب تسمى الحذّاء خالقاً( )لتقديره بعض طبقات النعل على بعض فامّا اسم المصور فهو له من حيث رتب صور الاشياء أحسن ترتيب وصورها أحسن تصوير، وهذا من أوصاف الفعل فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صور العالم على الجملة ثم على التفصيل، فان العالم كلّه في حكم شخص واحد مركب من أعضاء مختلفة متفاوتة على الغرض منه، وانّما اعضاؤه واجزاؤه السموات والكواكب والارضون وما بينهما من الماء والهواء وغيرهما، وقد رتبت اجزاؤه ترتيباً محكماً لو غير ذلك الترتيب لبطل النظام فخصص بجهته الفوق ما ينبغي ان يعلو، وبجهة السفل ما ينبغي ان يسفل، وكما ان البناء يضع الاحجار اسفل الخيطان والاخشاب فوقها لا بالاتفاق، بل بالحكمة والقصد لارادة الاحكام ولو قلب ذلك فوضع الحجارة فوق الخيطان والخشب اسفلها لانهدم البناء ولم يثبت صورته اصلاً، وكذالك ينبغي ان تفهم السبب في علوّ الكواكب وتسفل الارض والماء وسائر انواع المترتب في الاجزاء العظام من أجزاء العالم، ولو ذهبنا نصف اجزاء العالم ونحصيها ثم نذكر الحكمة في ترتيبها لطال، وكل من كان اوفر علماً بهذا الترتيب كان اعظم احاطة على اسم المصور، وهذا الترتيب والتصوير موجود في كل جزء من أجزاء العالم حتى في النملة والذرة، بل في كل عضو من اعضاء النملة، بل الكلام يطول في شرح صورة العين التي هي اصغر عضو في الحيوان ومن لم يعرف طبقات العين وعددها وهيئتها وشكلها ومقاديرها والوانه ووجه الحكمة فيها فلن يعرف مصورها إلا باسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات، بل في كل جزء من كل حيوان ونبات.

وامّا حظّ العبد من هذا الاسم فهو ان يحصل في نفسه صورة الموجودات كلها على هيئاته وترتيباته حتى يحيط بهيئة العالم كله كانه ينظر اليها، ثم ينزل من الكل الى التفصيل فيشرف على صورة الانسان من حيث بدنه واعضائه الجسمانية فيعلم انواعها وعددها وتركيبها والحكمة في خلقها وترتيبها، ثم يشرف على صفاته المعنوية ومعانيه الشريفة التي بها ادراكاته وارادته، وكذلك يعرف صور الحيوانات وصور النبات ظاهراً وباطناً بقدر ما في وسعه حتى يحصل نقش الجميع وصورته في قلبه، وكل ذلك يرجع الى معرفة صور الجسمانية وهي معرفة مقتصرة الى معرفة ترتيب الروحانية وفيه يدخل معرفة الملائكة ومعرفة مراتبهم وما وكل الى كل واحد منهم من التصرف في السموات والكواكب ثم التصرف في القلوب البشرية بالهداية والارشاد، ثم التصرف في الحيوانات بالالهامات الهادية الى مظنة الحاجات، فهذا حظّ العبد من هذا الاسم وهو اكتساب الصورة العلمية المطابقة للصورة الوجودية، فانّ العلم صورة في النفس مطابقة للمعلوم، وعلم اللّه في الصورة سبب لوجود الصور في الاعيان، والصور الموجودة في الاعيان سبب لوجود الصور العلمية في قلب الانسان، وبذلك يستفيد العبد العلم بمعنى اسم المصور من اسماء اللّه تعالى ويصير ايضاً باكتساب الصور في نفسه كانه مصور، واما الخالق الباريء فلا مدخل للعبد في هذين الاسمين إلا بنوع من المجاز بعيد، ووجهه ان الخلق والايجاد يرجع الى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق اللّه للعبد علماً وقدرته له سبيل الى تحصيل مخلوقاته على وفق تقديره وعلمه والامور الموجودة تنقسم الى ما لا يرتبط حصولها بقدرة العباد اصلاً كالسماء والكواكب والارض والحيوان والنبات وغيره والى ما لا حصول لها إلا بقدرة العباد وهي التي ترجع الى اعمال العباد كالصناعات والسياسات( ) والعبادات والمجاهدات فاذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه طريق الرياضة في سياستها، وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط امور لم يسبق اليها ويقدر مع ذلك على فعلها والترغيب وفيها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل اذ يقال لواضع الشطرنج انه الذي وضعه واخترعه حيث وضع ما لم يسبق اليه إلا انه ان وضع ما لا خير فيه لا يكون من صفات المدح، وكذلك في الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات التي هي منبع الخيرات صور وترتيبات بتعلمها الناس بعضها من بعض ويرتقي لا محالة الى اول مستنبط واضع، فيكون ذلك الواضع كالمخترع لتلك الصورة، وكالخالق المقدر لها حتى يجوز اطلاق الاسم عليه مجازاً، ومن الاسماء مجازاً ما يكون نقله الى العبد مجازاً وهو الاكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقة وفي حق اللّه مجازاً كالصور والشكور، ولا ينبغي ان يلاحظ المشاركة في الاسم ويذهل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه، وقد تقدمت جملة من الاخبار دالة على ذلك في الكلام على السميع والبصير والخبير، فلا تكن في غفلة عن ذلك.

 

الغفّار

هو الذي اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها باسبال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الاخرة،

والغفر لغةً الستر فاول ستره على العبد ان جعل مقابح بدنه التي يستقبحها الاعين مستورة في باطنه مغطاة بجمال ظاهره، فكم بين باطن العبد وظاهره في النظافة والنظارة وفي القبح والجمال، فانظر، اما الذي ستره الثاني ان جعل مستقر خواطره المذمومة واراداته القبيحة ستر قلبه حتى لا يطلع احد على سرّه، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وساوسه وما ينطوي عليه ضمائره من الغش والخيانة والظن بالناس لمقتوه، بل سعوا في روحه واهلكوه، فانظر كيف ستر عن غيره اسراره وعوراته، وستره الثالث مغفرته ذنوبه التي كان يستحق بها الافتضاح من الخلق، وقد وعد ان يبدل سيئاته بحسنات ليستر مقابح ذنوبه بثواب حسناته مهما مات على الايمان

وحظّ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يجب ان يستر منه مع الاخبار المستفيضة عنهم(عليهم السلام) «من ستر على مؤمن عورته، ستر اللّه عليه عورته يوم القيامة»( )والمغتاب والمتجسس والمكافيء على الاساءة بمعزل عن هذا الاسم والوصف، وانما المتصف به من لا يفشي من خلق اللّه إلا الاحسن.

 

القهّار

هو الذي يقصم ظهور الجبابرة فيقهرهم بالاماتة والاذلال، بل الذي لا موجود إلا هو مسخر تحت قهره وقدرته حاصل في قبضته.

واما حظّ العباد منها فهو يقهر اعدائهم واعداء عدو على الانسان نفسه التي بين جنبيه، ومن هنا صار جهادها أفضل الجهاد وهي اعداء له من الشيطان الذي قد حذر عداوته ومهما قهر شهوات نفسه فقد قهر الشيطان اذ الشيطان يستهويه الى الهلاك بواسطة شهواته واحدى حبائل الشيطان النساء، ومن فقد شهوة النساء لم يتصور ان ينعقل بهذه الاحبولة، وفي الخبر «ما آيس الشيطان من بني آدم إلا واتاهم من قبل النساء» ومن قهر شهوات نفسه فقد قهر الناس كافة حتى لم يقدر عليه أحد اذ غاية اعداءه السعي في اهلاك بدنه، وذلك احياء لروحه فانّ من مات من شهوات في حياته عاش في مماته (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم)( ).

 

الوهّاب

الهبة في الاصل هي العطية الخالية عن الاغراض والاعواض، فاذا كثرت العطايا بهذه الصفة سمي صاحبها جواداً ووهاباً ولن يتصور الجود

والعطاء والهبة حقيقة إلا من اللّه تعالى فان الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج اليه لا لعوض وغرض عاجل ولا اجل ومن وهب وله في هبته عوض يناله عاجلاً او اجلاً من ثناء أو مدح أو مودة او تخلص من مذمة او اكتساب شرف وذكر فهو معامل معتاض وليس بوهاب ولا جواد فليس العوض كله عيناً يتناول، بل كل ما ليس بحاصل ويقصد الواهب حصوله بالهبة فهو عوض، فمن وهب وجاد ليشرف او ليثنى عليه او لئلا يذم فهو معامل، وانّما الجواد الحق هو الذي يفيض هذا الفوائد على المستفيد لا لغرض وعوض يعود اليه، بل الذي يفعل شيئاً لو لم يفعله لقبح به فهو بما يفعله متخلص وذلك غرض وعوض فعلي هذا لا يتصور من العبد الجود والهبة فانه ان لم يكن الفعل به أولى من الترك لم يقدم عليه فيكون اقدامه لغرض نفسه، ولكن الذي يبدل جميع ما يملكه حتى الروح لوجه اللّه فقط لا للوصول الى نعيم الجنة أو الحذر من عذاب النار أو لحظ عاجل أو اجل مما يعد من حظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمّى وهاباً وجوداً ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة ودونه يجود لينال جزاء الا حدوثه، وكل من لم يطلب عوضاً يتناول سمي جواداً عند من يظن ان لا عوض إلا عند الاعيان،

فان قلت: فالذي يجود بكل ما يملك خالصاً لوجه اللّه تعالى من غير توقع حظ عاجل أو اجل كيف لا يكون جواداً اذ لاحظ له اصلاً فيه،

قلت: حظّه هو اللّه تعالى ورضاه ولقاء والوصول اليه، وذلك هو السعادة التي يكتسبها الانسان بأفعاله الاختيارية، وهو الحظّ الذي تستحقر سائر الحظوظ( ) في مقابلته.

فان قلت: فما معنى عنهم ان العارف باللّه هو الذي يعبد اللّه للّه لا لحظّ وراءه فان كان لا يخلو فعل العبد عن حظّ، فما الفرق بين من يعبد اللّه للّه خالصاً وبين من يعبده لحظّ من الحظوظ،

قلت: اعلم انّ الحظّ عبارة عند الجماهير عن الاغراض المشهورة عندهم ومن تنزّه عنها ولم يبق له مقصد إلا اللّه يقال انه تبرء من الخطوط عمّا يعده اللّه حظاً، وهو قولهم ان العبد يراعي سيده لا لسيده، ولكن لحظ يناله من سيده من نعمة أو اكرام والسيد يراعي عبده لا لعبده ولكن لحظ يناله لخدمته، واما الوالد فانه يراعي ولده لذاته لا لحظ يناله منه، بل لو لم يكن منه حظاً أصلاً لكان معتنياً بمراعاته ومن طلب شيئا لذاته لا لغيره فكانه لم يطلب فانه ليس غاية طلبه، بل غاية طلبه غيره كمن يطلب الذهب فانه لا يطلبه لذاته بل ليتوصل به الى الملبس والمطعم، وهما لا يرادان لذاتهما، بل ليتوصل بهما الى جلب اللذة ودفع الالم، واللذة تراد لذاتها لا لغاية اخرى وكم وراءها، وكذا دفع الالم فيكون الذهب واسطة الى الطعام، والطعام واسطة الى اللذة، واللذة هي الغاية وليست بواسطة الى غيرها، وكذلك الولد ليس بواسطة في حق الوالد، بل مطلوبه سلامة الولد لذات الولد لان عين الولد حظ، وكذلك من يعبد اللّه للجنة فقد جعل اللّه تعالى واسطة في طلبه ولم يجعله غاية مطلبه وعلامة الواسطة انه لو حصلت الغاية دونها لم يطلب كما لو حصلت المقاصد دون الذهب لم يكن الذهب محبوباً ولا مطلوباً فالمحبوب بالحقيقة الغاية المطلوبة دون الذهب، ولو حصلت الجنة لم يعبد اللّه لاجلها فمحبوبه ومطلوبه الجنة اذاً لا غير، واما من لم يكن له محبوب ولا مطلوب سوى اللّه بل حظّه الابتهاج بلقاء اللّه والقرب منه والمرافقة للملا الاعلى المقربين من حضرته، فيقال له: انّه يعبد اللّه للّه لا على معنى انه غير طالب للحظّ بل على معنى ان اللّه تعالى هو حظه، وليس يبتغي وراءه حظاً ومن لم يؤمن بلذة البهجة بلقاء اللّه ومعرفته والمشاهدة والقرب منه لم يشتق اليه، ومن لم يشتق اليه لم يتصور ان يكون ذلك من حظه فلم يتصور ان يكون ذلك من مقصده اصلاً، ولذلك لا يكون في عبادته إلا كالاجير السوء لا يعمل إلا بالاجرة طمعاً فيها، واكثر الخلق لم يذوقوا هذه اللذة ولم يعرفوها، وانما ايمانهم بذلك من حيث النطق باللسان فاما بواطنهم فانها مائلة الى التلذذ بلقاء الحور العين ومصدقة به فقط، فافهم من هذا ان البراءة من الحظوظ محال ان كنت تجوز ان يكون هو اللّه تعالى ولقاءه والقرب منه مما يسمى حظاً، فان كان الحظ عبارة عما يعرفه الجماهير وتميل اليه فليس هذا حظاً، وان كان عبارة عمّا حصوله اولى من عدمه في حق العبد فهو حظ.

 

الرزّاق

هو الذي خلق الارزاق والمرتزقة وأوصلها اليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها، والرزق رزقان: ظاهر وهو الاقوات والاطعمة، وذلك للظواهر

وهي الابدان، وباطن وهي المعارف والمكاشفات، وذلك للقلوب والاسرار، وهذا اشرف الرزقين، ومن هنا ورد في عدّة من الاخبار المعتبرة في تفسير قوله تعالى (فلينظر الانسان الى طعامه)( ) انّ المراد به علمه عمّن يأخذه، لانه طعام الروح الذي هو أهم من طعام البدن( ) لان ثمرته حياة الابد، وثمرة الظاهر قوة الجسد الى مدة مرتبة الامد، واللّه تعالى هو المتولي لخلق الرزقين والمتكفل للايصال الى كل من الفريقين، ولكنه يبسط الرشد لمن يشاء. ويقدر وحظّ العبد من هذا الوصف امران:

احدهما ان يعرف حقيقة هذا الوصف وانه لا يستحقه إلا اللّه تعالى فلا ينتظر الرزق إلا منه ولا يتوكل فيه إلا عليه.

الثاني: ان يرزقه علماً هادياً ولساناً مرشداً معلماً ويداً منفقة متصدقة، ويكون سبباً لوصول الارزاق الشريفة الى القلوب باقواله ووصول الارزاق الى الابدان بافعاله واعماله، وفي الحديث النبوي والصادقي «اذا احب اللّه عبداً اكثر حوائج الخلق اليه»( )ومن كان واسطة بين اللّه وبين العباد في وصول الارزاق اليهم فقد نال حظاً من هذه الصفة، وفي الحديث النبوي ايضاً: «ايدي العباد خزائن للّه تعالى»( ) فمن جعلت يده خزانة ارزاق الابدان ولسانه خزانة ارزاق القلوب، فقد اكرم بشرف هذه الصفة.

 

الفتّاح

هو الذي بعنايته ينفتح كل منغلق، وبهدايته ينكشف كل مشكل فتارة يفتح الممالك لانبيائه ويخرجها من أيدي اعدائه ويقول (انّا فتحنا لك

فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه)( ) وتارة يرفع الحجاب من قلوب اوليائه ويفتح لهم الابواب الى ملكوت سمائه وجمال كبريائه ويقول (ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها)( ) ومن بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري ان يكون فتاحاً، فينبغي على هذا ان يتعطش العبد الى ان يصير بحيث تنفتح بلسانه مغاليق المشكلات الالهية، وان يتيسر بمعونة ما يتعسر على الخلق من الامور الدينية والدنيوية ليكون لهم حظ من اسم الفتاح .

 

القابض

الباسط

وهما مقولان على معنيين:

احدهما: هو الذي يقبض الارواح عن الاشباح عند الممات، ويبسط الارواح في الاجساد عند الحياة.

والثاني في يقبض الصدقات من الاغنياء، ويبسط الارزاق للضعفاء، ويبسط الرزق على الاغنياء حتى لا تبقى فاقة، ويقبضه عن الفقراء حتى لا تبقى طاقة، ويقبض القلوب ويضيقها بما يكتف لها من قلّة مبالاته وتعاليه وجلاله، ويبسطها بما يتعرف اليها من بره ولطفه وجماله.

أمّا حظ العباد منهما فالقابض الباسط من العباد ما الهم بدائع الحكم وأوتي جوامع الكلم، فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من الاء اللّه ونعمائه، وتارة يقبضها بما ينذرهم من جلال اللّه وكبرياءه وفنون عذابه وبلائه، وانتقامه من اعدائه.

 

الخافض

الرافع

هو الذي يخفض الكفار بالاشقا، ويرفع المؤمنين بالاسعاد يرفع اولياءه بالتقرب، ويخفض أوليائه بالابعاد، ومن رفع مشاهدته من المحسوسات والمتخيلات وارادته عن ذميم الشهوات فقد رفعه الى افق الملائكة

المقربين، ومن قصر مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات وارادته عن ذميم الشهوات، فقد رفعه الى افق الملائكة المقربين، ومن قصر مشاهدته على المحسوسات والمتخيلات وهمته على ما يشاركه فيه البهائم من الشهوات، فقد خفظه الى اسفل السافلين ولا يفعل ذلك إلا اللّه تعالى فهو الخافض الرافع.

وحظّ العبد من ذلك ان يرفع الحق، ويخفض الباطل، وذلك بان ينصر الحق ويزجر الباطل فيعادي اعداء اللّه ليخفظهم، ويوالي اولياء اللّه ليرفعهم، ولذلك قال اللّه تعالى لبعض اوليائه «اما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحتك، وامّا ذكرك ايّاي، فقد تشرّفت في فهل واليت فيّ ولياً وهل عاديت فيّ عدوّاً»( ).

 

المُعزّ

المُذل

هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء، والملك الحقيقي في الاخلاص عن ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصمة الجهل فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته، ورزقه القناعة حتى

استغنى بها عن خلقه، وامدّه بالقوة والتأييد حتى استولى بهما على صفات نفسه فقد اعزّه واتاه الملك عاجلاً وسيعزّه في الاخرة بالتقريب ويناديه (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك)( ) الاية، ومن مدّ عينيه الى الخلق حتى احتاج اليهم وسلّط عليه الحرص حتى لم يقنع بالكفاية، واستدرجه بمكره حتى اغتر بنفسه، وبقى في ظلمة الجهل فقد اذلّه وسلبه الملك، وذلك صنع اللّه حيث يشاء كيف يشاء فهو المعزّ والمذل يعزّ من يشاء ويذل من يشاء، وهذا الذليل هو الذي يخاطبه ويقال له (ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الاماني) الى قوله (وبئس المصير)( )وهذا غاية الذل، وكل عبد استعمل في تيسير اسباب العزّ على يده ولسانه فهو ذو حظّ من هذا الوصف.

 

العادل

معناه العادل وهو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور، ولن يعرف العادل من لم يعرف فعله فمن اراد ان يفهم هذا الوصف، فينبغي ان

يحيط علماً بأفعال اللّه تعالى من ملكوت السموات الى منتهى الثرى حتى لم ير في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع فما رأى من فطور، ثم رجع مرّة اخرى فانقلب البصر اليه خاسئاً وهو حسير قد بهره جمال حضرت الربوبية وخسأه اعتدالها وانتظامها، فعند ذالك يسبق بفهمه بشيء من معاني عدل اللّه تعالى قد خلق اقسام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها، واعطى كل شيء خلقه وهو بذلك جواد ورتبه في موضعه الايق به، وهو بذلك عدل فمن الاجسام العظام في العالم الارض والماء والهواء والسموات والكواكب وقد خلقها ورتبها فوقع الارض في اسفل السافلين، وجعل الماء فوقها والهواء فوق الماء والسموات فوق الهواء، ولو عكس هذه الترتيب لبطل النظام، ولعل شرح وجه استحقاق هذا الترتيب في العدل والنظام مما يصعب على اكثر الافهام، فلننزل الى درجة العوام، ونقول: لينظر الانسان الى بدنه فانه مركب من اعضاء مختلفة كما ان بدن العالم مركباً في اجزاء مختلفة فأول اختلافه انه ركبه من العظم واللحم والجلد، وجعل العظم عماداً مستبطناً، واللحم اعواناً له مكتنفاً له، والجلد صوناً لللحم فلو عكس هذا الترتيب، واظهر ما بطن لبطل النظام، وان خفي عليك هذا فقد خلق للانسان اعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين والانف والاذن فهو يخلق هذه الاعضاء ويوضعها مواضعها الخاصة اللايقة بها عدل لانه وضع العين في اولى المواضع بها من البدن اذ لو خلقها على القفا أو على الرجل أو على اليد أو على قمة الرأس لم يخف ما يتطرق اليها من النقصان والتعرض للافة، كذلك خلق اليدين وعلقهما من المنكبين ولو علقهما من الرأس أو من الحقو أو من الركبتين لم يخف ما يتولد منهما من الخلل، وكذلك وضع جميع الحواس على الرأس فانها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن فلو وضعها على الرجل اختل نظامها قطعاً، وشرح ذلك في كل عضو يطول، وقد تضمن ذلك حديث توحيد المفضل بن عمر مفصلاً( ).

وبالجملة فينبغي ان يعلم انّه لم يخلق شيء في موضعه إلا لانه تعيّن له لو تيامن عنه أو تياسر أو تسفل أو تعلاّ لكان باطلاً أو قبيحاً خارجاً عن التناسب كريهاً في المنظر، وكما ان الانف خلق على وسط الوجه ولو خلق على الجبهة أو على الخد تطرق النقصان الى فوائده، وربما قويت بعض الافهام على ادراك حكمته في خلقه، فيعلم ان الشمس ايضاً لم يخلقها في السماء الرابعة، وهي واسطة السموات السبع هزلاً، بل ما خلقها إلا بالحق وما موضعها الا موضعها المستحق لها لحصول مقاصدها مهما نظرت إلا انّك ربما عجزت عن ادراك الحكمة فيه لانك قليل التفكر في ملكوت السموات والارض وعجائبها، ولو نظرت فيها لرأيت من عجائبها ما تستحقر فيه عجائب بدنك، وكيف لا وخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس، وليتك وفيت بعجائب نفسك فتفرغت للتأمل فيها، وفيما يكتنفها من الاجسام فتكون ممن قال اللّه فيهم (سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم)( )، ومن اين لك ممن قال اللّه تبارك وتعالى فيهم (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض)( ) وانى تفتح أبواب السماء لمن استغرقه همّ الدنيا واستعبده الحرص والهوى. واعلم ان الاسامي المشتقة من الافعال لا يفهم إلا بعد فهم الافعال، وكل ما في الوجود من أفعال اللّه ومن لم يحط علماً بتفصيلها ولا مجملها( ) فلا يكون معه منها إلا محض التفسير واللغة ولا مطمع في العلم بتفصيلها، فانه لا نهاية لها، وامّا الجملة فللعبد طريق في معرفتها وبقدر اتساع معرفته فيها يكون حظه من معرفة الاسماء.

وحظ العبد من العدل غير خفي عند التأمل فاول ما عليه من العدل في صفات نفسه، وهو ان يجعل الشهوة والغضب اسيرين تحت امارة العقل والدين، ومهما جعل العقل خادماً الشهوة والغضب فقد ظلم هذا جملة عدله في نفسه، وتفصيله مراعاة حدود الشرع كلها، وعدله في كل عضو من اعضائه ان يستعمله على الوجه الذي اذن الشرع فيه، وامّا عدله في أهله وذويه ثم في رعيته ان كان من أهل الولاية فلا يخفى، وربما ظنّ ان الظلم هو الايذاء والعدل هو ايصال النفع الى الناس، وليس كذلك، بل لو فتح الملك خزائنه المشتملة على الاسلحة والكتب وفنون الاموال ففرقها، ولكن فرق الاموال على الاغنياء، ووهب الاسلحة( ) أهل العلم وسلم اليهم القلاع، ووهب الكتب اهل القتال وسلم اليهم المساجد والمدارس، فقد نفع، ولكن قد ظلم وعدل عن العدل اذ وضع كل شيء في غير اللائق به ولو اذى المرضى يسقي الادوية والحجامة والفصد وبالاجبار على ذلك واذا الجنات بالعقوبة قتلاً وقطعاً وضرباً كان عدلاً لانه وضعها في مواضعها.

وامّا حظّ العبد ديناً من مشاهدة هذا الوصف للّه تعالى بالايمان لان اللّه تعالى عدل لا يعترض عليه في تدبيره وحكمه، وهو على ما ينبغي وعلى ما لا ينبغي، ولو لم يفعل كما فعله لحصل منه امراً اخر اعظم ضرراً مما حصل كما ان المريض لو لم يحتجم لتضرر ضرراً يزيد على الم الحجامة، فهذا يكون اللّه تعالى عدلاً والايمان به يقطع الانكار والاعتراض ظاهراً وباطناً وتمامه ان لا يسب الدهر ولا ينسب الاشياء الى الفلك ولا يعترض عليه كما جرت به العادة فجرت مستمراً بحكمه وتقديره الى حين يطويها وينقضها، بل يعلم ان كل ذلك أسباب مسخرة، وانها رتبت ووجهت الى المسببات أحسن ترتيب، وتوجيه بأقصى وجه العدل واللطف.

 

الحليم

هو الذي يشاهد معاصي العباد ومخالفتهم الاوامر ثم لا يستفزّه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مع غاية الاقتدار

عجلة وطيش كما قال تعالى (ولو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة)( )، حظّ العبد من الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العلم، وهو مستغن عن الاطالة في شرحه.

 

العظيم

هو في أول الوضع انما يطلق على الاجسام يقال هذا جسم عظيم، وهذا اعظم من ذلك الجسم اذا كان امتداد مساحته في الطول والعمق اكبر منه،

ثم هو ينقسم الى عظيم يملا العين ويأخذ منها مأخذاً، والى ما لا يتصور ان يحيط به البصر بجميع اطرافه كالارض والسماء، فان الفيل عظيم ولكن البصر يحيط باطرافه فهو عظيم بالاضافة الى ما دونه، وأما الارض فلا يتصور ان يحيط البصر باطرافها، وكذا السماء فذلك هو العظيم المطلق في مدركات البصر، واذا عرفت ذلك.

فاعلم انّ في مدركات البصر أيضاً تفاوتاً، فمنها ما يحيط العقول بكنه حقيقته، ومنها ما يقصر عنه وما يقصر العقول عنه ينقسم الى ما يتصور منه بعض العقول وان قصر عنه اكثرها، والى ما لا يتصور ان يحيط العقل اصلاً بكنه حقيقته، وذلك هو العظيم المطلق الذي تجاوز جميع حدود العقل حتى لم يتصور الاحاطة بكنهه، وذلك هو اللّه تعالى، ومنهم من فسر العظيم بالسيد، وسيد القوم عظيمهم وجليلهم، ومنهم من اثبت له معنى ثانياً، وهو ان يوصف بالعظمة لغلبته على الاشياء وقدرته عليها، ولذلك كان الواصف بذلك معظماً، ومعنى ثالث انه عظيم لان ما سواه كله له ذليل خاضع فهو عظيم السلطان عظيم الشأن، ومعنى الرابع انّه المجيد يقال: عظم فلان في المجد عظامة، والعظامة مصدر عظم الامر العظام، وقد جاء في الخبر عنهم(عليهم السلام) «انه سمي العظيم لانه خالق الخلق العظيم، وربّ العرش العظيم وخالقه»( ).

وامّا حظ العباد من هذا الوصف فالعظيم من العباد الانبياء والاولياء والعلماء الذي اذا عرف العاقل شيء من صفاتهم امتنع بالهيبة صدره، وصار مستوفاً بالهيبة قلبه حتى لا يبقى فيه متسع، فالنبي عظيم في حق امّته، والاستاذ في حق تلميذه اذ يقصر عقله على الاحاطة بكنه صفاته، فان ساواه او جاوره لم يكن عظيما بالاضافة اليه، وكل عظيم يفرض لغير اللّه فهو ناقص وليس بعظيم مطلق، لانه انّما يظهر بالاضافة الى شيء دون شيء سوى عظمة اللّه تعالى فانه عظيم المطلق لا بالاضافة .

 

الغفور

بمعنى الغفار، ولكنه ينبيء عن نوع مبالغة لا ينبيء عن غفار، فانّ الغفار مبالغة في المغفرة بالاضافة الى مغفرة متكررة مرّة بعد اخرى، فالفعال

ينبيء عن كثرة الفعل، والفعول ينبيء عن جودته وكماله وشموله فهو غفور، بمعنى انه تام الغفران كامله حتى يبلغ اقصى درجات المغفرة، والكلام عليه قد سبق .

 

الكبير

هو ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، واعني بكمال الذات كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع الى شيئين:

احدهما: دوامه ازلاً وأبداً، وكل وجود مقطوع بعدم سابق او لاحق فهو ناقص، ولذلك يقال: للانسان اذا طالت مدة وجوده انه كبير اي كبير السن طويل مدة البقاء، ولا يقال عظيم السن فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم، فان كان مال( ) مدة وجوده مع كونه محدود مدة البقاء كبيراً فالدائم الازلي الابدي الذي يستحيل عليه العدم اولى بان يكون كبيراً.

والثاني: ان وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود، فان كان الذي تمّ وجوده في نفسه كاملاً وكبيراً فالذي حصل منه الوجود بجميع الموجودات ان يكون كاملاً وكبيراً، اما الكبير من العباد فهو الكامل الذي لا يقصر عليه كماله، بل يسري غيره فلا يجالسه احد الا ويفيض عليه شيء من كماله، وكمال العبد في عقله وورعه، فالكبير هو العالم التقي المرشد للخلق الصالح ان يكون قدوة يقتبس من انواره وعلومه، ولذلك قال عيسى بن مريم(عليه السلام) كما في بعض الاخبار، وجاء ايضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله)والائمة (عليهم السلام) «من عمل وعلم وعلّم، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السموات والارض»( ) .

 

الشكور

هو الذي يجازي( ) على جزيل الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في ايام معدودة نعيماً في الاخرة غير محدود، ومن جاء الحسنة

باضاعفها يقال انه شكر تلك الحسنة، ومن اثنى على المحسن ايضاً يقال انه: شكره، فان نظرت الى معنى الزيادة في المجازات لم يكن الشكور مطلقاً إلا اللّه تعالى لانه زيادته في المجازاة غير محصورة ولا محدودة، فان نعيم الجنّة لا اخر له واللّه تعالى يقول (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية)( ) وان نظرت الى معنى الثناء فثناء كل شيء على فعل غير،ه والرب تعالى اذا اثنى على أعمال عباده فقد اثنى على فعل نفسه لان اعمالهم من خلقه، فان كان الذي اعطى فاثنى شكور فالذي اعطى واثنى على المعطي احق ان يكون شكور فثناء اللّه على عباده كقوله (والذاكرين اللّه كثيراً والذكرات)( ) وكقوله (نعم العبد انّه اواب)( ) وما يجري مجراه، فكل ذلك عطية منه واما نسبة هذا الوصف الى العبد فانه يتصور ان يكون شاكراً في حق عبد اخر مرة بالثناء عليه باحسانه، واخرى بمجازاته لكنه اكثر مما صنعه اليه فذلك من الخصال الحميدة، ومن هنا جاء في الخبر النبوي المستفيض من الطرفين وغيره «من لم يشكر الناس، لم يشكر اللّه، ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق»( ) وقال تعالى (واشكر لي ولوالديك)( ) فأما شكره للّه فلا يكون الا لنوع من المجاز والتوسع فانه ان اثنى فثناؤه قاصر لانه لا يحصى ثناءً عليه كما قال(صلى الله عليه وآله) «لا أحصي ثناءً عليك أنت كما اثنيت على نفسك»( ) وان أطاع فطاعته نعمة أخرى من الله تعالى عليه، بل عين شكره نعمة أخرى وراء النعمة المشكورة كما دلّت عليها الاخبار ايضاً، فلذلك قلنا: ان شكر العبد لا يكون إلا بنوع من المجاز، وانّما أحسن وجوه الشكر لنعم الله تعالى ان لا يستعملها في معاصيه، بل في طاعته وذلك ايضاً بتوفيق الله وتيسيره وفي كون العبد شاكراً لعبده، وفي تصوير ذلك كلام خفي قد ذكره أهل السلوك في مؤلفاتهم واليه لوحت جملة من الاخبار ليس هذا موضع ذكرها .


الحفيظ

هو الحافظ جداً ولن يفهم ذلك إلا بفهم معنى الحفظ كما قررنا لك فيما سبق من ان فهم الصفات الفعلية متوقف على فهم مأخذ الاشتقاق ولو

على جهة الاجمال، وهو هنا على وجهين:

أحدهما: ادامة وجود الموجودات وابقاؤها ويضاد الاعدام، والله تعالى هو الحافظ للسموات والارض والملائكة والموجودات جميعها التي يطول أمد بقاءها والتي لا تطول مثل الحيوان والنبات وغيرهما.

والوجه الثاني: وهو أظهر معني الحفظ صيانة المتعاديات والمتضادات بعضها عن بعض وأعني بهذا التعادي ما بين الماء والنار فانهما يتعاديان بطبعهما فأما ان يطفي الماء النار، وامّا ان تحيل النار الماء ان غلبته هواءً ثم بخاراً بقهر أحدهما للاخر والتضاد في التعادي ظاهر بين الحرارة والبرودة أذ تقهر أحديهما الاخرى، وكذلك بين الرطوبة واليبوسة وسائر الاجسام الارضية المركبة من هذه الاصول المتعادية اذ لابد للحيوان من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته، ولابد له من رطوبة تكون غداء لبدنه كالدم وما يجري مجراه، ولابد له من يبوسة بها تتماسك اعضاؤه خصوصاً ما صلب منها كالعظام، ولابد له من برودة تكسر سورة الحرارة حتى يعتدل ولا يحترق ولا يتحلل الرطوبات الباطنة بسرعة، وهذه متعاديات متنازعات، وقد جمع الله تعالى بين هذه المتعاديات المتضادات المتنازعة في اهاب الانسان وبدن الحيوان والنبات وسائر المركبات ولولا حفظه اياها لتنافرت وتباعدت وبطل واضمحل تركيبها وبطل المعنى الذي صارت مستعدة لقبوله بالتركيب والمزاج وحفظ الله سبحانه تعالى ايّاها بتعديل قواها مرة وبامداد المغلوب منها ثانياً، أما التعديل وهو أن يكون مبلغ قوة الحار مساوياً لقوة البارد فاذا اجتمعا لم يغلب أحدهما الاخر بل يتدافعان اذ ليس أحدهما بان يغلب أولى من ان يُغلب فيقاومان ويبقى مزاج قوام المركب لتقاومهما وتعادلهما وهو الذي يعبر عنه باعتدال المزاج، والثاني امداد المغلوب منها بما يعيد قوته حتى يقاوم الغالب ومثاله ان الحرارة تغير الرطوبة وتجففها لا محالة فاذا غلبت ضعفت البرودة والرطوبة وغلبت الحرارة واليبوسة، ويكون امداد الضعيف بالجسم البارد الرطب وهو الماء، ومعنى العطش وهو الحاجة الى البارد الرطب مدداً للبرودة والرطوبة اذا غلبتا وخلق الاطعمة والادوية وسائر الجواهر المتضادة والاعراض حتى اذا غلب شيء عورض بضده فانقهر وهذا هوالدواء، وانما تمّ ذلك بخلق الله الاطعمة والادوية ويخلق الالات المصلحة لها وخلق المعرفة الهادية الى استعمالها، وكل ذلك لحفظ ابدان الحيوانات والمركبات من المتضادات، وهذه هي الاسباب التي تحفظ الانسان من الهلاك الداخل عليه وهو متعرض للهلاك من أسباب خارجة كسباع ضارية واعداء متنازعة فحفظه عن ذلك بما خلق له من الجواسيس المنذرة بقرب العدو وهي الاربعة كالعين والاذن وغيرهما ثم خلق اليد الباطشة والاسلحة الدافعة كالدرع والترس والعاضدة كالسيف والسكين ثم ربما يعجز عن الدفع مع ذلك فامدّه بآلة الهرب، وهي الرجل للحيوان الماشي والجناح للطائر وكذلك شمل حفظه جلّت قدرته كل ذرة في ملكوت السماوات والارض حتى الحشيش الذي ينبت من الارض يحفظ لبابه بالقشر الصلب وطراوته بالرطوبة، وما لا تحفظ بمجرد القشر يحفظه بالشوك النابت فيه فينتفع به بعض الحيوانات المتلفة له فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والانياب للحيوانات، بل كل قطرة من ماء فمعها حافظ يحفظها عن الهواء المضاد لها، فان الماء اذا جعل في اناء وترك مدة استحال هواءً وسلب الهواء صفة المائية ولو غمست الاصبع في ماء فرفعتها ونكستها تدلّت منها قطرة ماء تبقى متنكسة لا تنقص مع ان من شأنها الهوي الى أسفل ولكنها لو انفصلت وهي صغيرة لاستولى الهواء عليها وأحالها فلا تزال تنكس متدلية حتى يجتمع اليها بقية البلل وكبر القطرة فستجري على خرق الهواء بسرعة ولا يستولي الهواء على احالتها، وليس ذلك منها حفظاً لنفسها عن معرفة ضعفها وقوة ضدها وحاجة استمدادها من بقية البلل، وانما ذلك حفظ من ملك موكل بها بواسطة معني متمكن من ذاتها، وقد روي في الخبر انّه لا تنزل قطرة من الماء إلا معها ملك يحفظها الى ان تصل مستقرها من الارض، وذلك حق والمشاهدة الباطنة لارباب البصائر قد دلت عليه وارشدت اليه فامنوا بالخبر لا عن التقليد بل عن بصيرة والكلام ايضاً في شرح حفظ السموات والارض وما بينهما طويل كما في سائر الافعال به يعرف هذا الاسم لا بمعرفته الاشتقاق في اللغة وتوهم معنى الحفظ على الاجمال.

واما حظ العباد من هذا الاسم فالحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه وقلبه عن سطوة الغضب وخداع النفس وغرور الشيطان فانه على شفا جرف هار، وقد اكتنفته ومن المهلكات المقضية الى البوار.

 

المقيت

معناه امّا ان يكون خالق الاقوات وموصلها الى الابدان، وهي الاطعمة والى القلوب، وهي المعرفة فيكون بمعنى الرازق إلا انّه اخصّ منه اذا

الرزق يتناول القوت وغير القوت والقوت ما يكتفي به في قوام البدن، واما ان يكون معناه المتولي على الشيء القادر عليه والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم، وعليه قوله تعالى (وكان الله على كل شيء مقيتا)( ) اي مطلعاً قادراً فيكون معناه راجعاً الى القدرة والعلم، اما العلم فقد سبق، واما القدرة فسيأتي الكلام عليها فوصفه بالمقيت ما شمل من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لانه دال على اجتماع المعنيين، وبهذا التقرير يخرج هذا الاسم عن الترادف .

 

الحسيب

هو الكافي وهو الذي من كان له كان حسبه، والله تعالى حسب كل واحد وكافيه، وهذا وصف لا يتصور حقيقته لغيره فانّ الكفاية انما يحتاج اليها

المكفي لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لكل شيء إلا الله تعالى فانه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الاشياء أي وحده كاف ليحصل به وجود الاشياء، ويدوم به وجودها ولا تظن بأنك اذا احتجت الى غيره فلم يكن هو حسبك ولا تظنن ان الطفل الذي يحتاج الى امّ ترضعه وتتعهده فليس الله حسبه وكافيه، بل الله حسبه وكافيه اذ هو خلق امّه وخلق اللبن في ثديها وخلق له الهداية الى التقامه وخلق الشفقة والمودة في قلب الام حتى مكّنته من الالتقام ودعته اليه وحملته عليه فالكفاية انما حصلت بهذه الاسباب، والله وحده هو المتفرد بخلقها لاجله، ولو قيل لك ان الام وحدها كافية للطفل وهي حسيبة لصدقت به ولم تقل انها لا تكفيه لانه يحتاج الى اللبن فمن أين تكفيه اذا لم يكن لها لبن، ولكنك تقول: نعم يحتاج الى اللبن، ولكن اللبن ايضاً من الام فليس محتاجاً الى غير الام، فاعلم انّ اللبن ليس من الام، بل هو والام من الله تعالى من فضله ومن جوده فهو وحده حسيب كل أحد فليس في الوجود شيء وحده هو حسيب شيء سواه، بل الاشياء تتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة الله تعالى وخلقه ما يكون به دوامها والنفع بها، واعلم انه ليس للعبد مدخل في هذا الوصف إلا بنوع من التجوز بعيد وبالاضافة الى بادي الراي وسابق الظن العامي اما كونه مجازاً فهو انه اذا كان كافياً لطفله في القيام بتعهده أو لتلميذه في تعليمه حتى لم يفتقر في الاستعانة الى غيره كأن كان واسطة في الكفاية فيه لم يكن كافياً لان الله تعالى هو الكافي اذ لا قوام له بنفسه ولا كفاية له بنفسه فكيف يكون هو كفاية غيره، واما كونه بالاضافة الى باديء الراي وسابق الظن العامي فهو انه وان قدر انه مستقل بالكفاية وليس بواسطة فهو وحده لا يكفي اذ يحتاج الى محل قابل لفعله وكفايته هذا أقل الامور فالقلب الذي هو محل العلم لابد منه اولاً ليكون هو كافياً في التعليم والمعدة الذي هو مستقر الطعام لابد منها لتكون كافية لايصال الطعام الى بدنه هذا مع ما يحتاج اليه من أمور كثيرة لا يحصيها ولا يدخل شيء منها في اختياره، واقل درجات الفعل حاجته الى فاعل وقابل والفاعل لا يكفي بدون القابل أصلاً، وانما صح هذا في حق الله تعالى لانه خالق الفعل وخالق المحل القابل وخالق شرائط قبوله وما يكفيه ولكن بادي الراي ربما يسبق الى الراي ولا يخطر بالبال غيره فيظن انّ هذا الفاعل حسبه للاضافة الى همته وارادته وهو انه لا يريد إلا الله فلا يريد الجنة ولا يشغل قلبه بالنار ليحذر منها، بل يكون مستغرق الهم بالله وحده واذا كاشفه بجلاله قال ذلك حسبي فلست اريد غيره ولا أبالي فاتني غيره أم لم يفت.

 

الجليل

هو الموصوف بنعوت الجلال هي الغناء والملك والقدس والعلم والقدرة وغيرها من الصفات التي ذكرناها والجامع لجميعها والجليل المطلق

والموصوف ببعضها جلالته بقدر ما نال منها فالجليل المطلق هو الله سبحانه فقط وكأن الكبير يرجع الى كمال الذات، والجليل يرجع الى كمال الصفات، والعظيم يرجع الى كمال الذات، والصفات جميعاً منسوباً الى ادراك البصيرة اذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة، ثم صفات الجلال اذا نسبت الى البصيرة والمدركة لها سميت جمالاً ويسمى المتصف بها جميلاً واسم جميل في الاصل وضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت بحيث تلائم البصر وتوافقه ثم نقل الى الصورة الباطنة التي تدرك البصائر حتى يقال صورة حسنة جميلة، ويقال: خلق جميل، وذلك يدرك بالبصائر لا بالابصار والصور الباطنة اذا كانت كامنة متناسبة جامعة جميع كمالاتها اللائقة بها كما ينبغي وعلى ما لا ينبغي فهي جميلة بالاضافة الى البصيرة الباطنة المدركة لها وملائمة ملائمة يدرك صاحبها عند مطالعتها من اللذة والبهجة والاهتزاز اكثر مما يدرك الناظر بالبصر الظاهر الى الصورة الجميلة، فالجميل الحق المطلق هو الله تعالى فقط لان كل ما في العالم من جمال أو كمال أو بهاء أو حسن فهو نور من أنوار ذاته واثر من اثار صفاته، وليس في الوجود موجود له الكمال المطلق الذي لا مثنوية فيه لا وجوداً ولا امكاناً سواء، ولذلك يدرك عارفه والناظر الى جماله من البهجة والسرور واللذة والغبطة ما يستحقر معه نعيم الجنة وجمال الصور المبصرة، بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعاني الظاهرة المدركة بالبصائر، فاذا ثبت انه جليل، وجميل وكل جميل فهو محبوب ومعشوق عند مردك جماله، فكذلك كان الله تعالى محبوباً ولكن عند العارفين كما تكون الصورة الجميلة الظاهر محبوبة، ولكن عند المبصرين لا عند العميان، واما الجليل الجميل من العباد فهو من حسنت صفاته التي تستلذها القلوب البصيرة فأما جميل الظاهر فنازل القدر.

 

الكريم

هو الذي اذا قدر عفا، واذا وعد وفا، واذا اعطا زاد على منتهى الرجاء ولا يبالي كم اعطى ولا لمن اعطى ولا يمنّ اذا اعطى، وان رفعت حاجة الى

غيره لا يرضى، واذا جفي عاتب وما استقصى ولا يضيع من لاذ به والتجى يغنيه عن الوسائل والشفعاء فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الله تعالى فقط، وهذه الخصال قد يتحمل العبد في اكتسابها، ولكن في بعض الامور ومع نوع من التكلف ولذلك قد يوصف بالكرم ولكنه ناقص بالاضافة الى الكريم المطلق، وكيف لا يوصف به العبد، وقد وجاء في الخبرالنبوي وغيره «لا تقولوا لشجر العنب الكرم، فان الكرم كرم الرجل المسلم»( ) وانما وصف شجر العنب بالكرم لانه لطيف الشجر طيب الثمرة سهل القطاف وقريب التناول سليم عن الشوك والاسباب المؤذية بخلاف النخل.

 

الرقيب

هو العليم الحفيظ فمن راعى الشيء حتى لا يغفل عنه، ولاحظه ملاحظة دائمة، لازمه لزوماً لو عرضه الممنوع لما قدم عليه سمي رقيباً عميداً،

وكانه يرجع الى العليم والحفيظ ولكنه باعتبار كونه لازماً دائماً وبالاضافة الى ممنوع عنه محروس عن التناول. اما نصيب العبد منها فانما يحمد ويوجد اذا كانت مراقبته لربه وقلبه، وذلك بان يعلم بانّ الله رقيبه وشاهده، وان الشيطان عدوّ له والنفس عدوّ له، وانهما ينتهزان فيه الفرص حتى يحملاه على الغفلة فياخذ منهما حذره بان يلاحظ مكانهما وتلبيسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسد عليهما المنافذ والمجاري، فهذه مراقبته.

 

المجيب

هو الذي يقابل مسألة السائل بالاسعاف، ودعاء الداعين بالاجابة، والضرورة المضطرين بالكفاية، بل ينعم قبل الندا، ويتفضل قبل الدعاء،

وليس ذلك إلا الله تعالى فانه يعلم حاجة المحتاجين قبل سؤالهم، وقد علمها في الازل فدبر أسباب كفاية الحاجات بخلق الاطعمة والاقوات وتيسير الاسباب والالات الموصلة الى جميع المهمات، والعبد يجب ان يكون مجيباً اولاً لربه تعالى فيما أمره به ونهاه عنه وفيما ندبه اليه ودعاه ثم لعباده فيما أمر الله عليهم بالاقتدار عليه وفي اسعاف كل سائل بما يسأله ان قدر عليه، وفي لطف الجواب ان عجز عنه قال الله تعالى (وأما السائل فلا تنهر)( ) وفي النبوي وغيره «لو دعيت الى كراع لاجبت، ولو اهدي اليّ ذراع ذراع لقبلت»( ) وفي بعضها «كراع لقبلت» وكان حضوره الدعوات وقبوله الهدايا غاية الاكرام والايجاب منه، فكم من خسيس متكبر عن قبول كل هدية ولا يستبدل بحضور كل دعوة، بل يصون جاهه وكبره ولا يبالي بقلب السائل المستدعي، وان تأذن بسببه، فلاحظ لمثله في هذا الاسم.

 

الواسع

مشتق من السعة، والسعة تضاف مرة الى العلم اذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، ويضاف تارة الى الاحسان وبسط النعم، وكيفما قدر

وعلى اي شيء نزل فالواسع المطلق هو الله تعالى، لانه ان نظر الى علمه فلا ساحل لخضم معلوماته، بل تنفذ البحار قبل نفاده لو كانت مداداً لكماته وان نظر الى احسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وان عظمت فتنتهي الى طرق والذي لا يتناهى الى طرق فهو أحق باسم السعة، والله هو الواسع المطلق لان كل واسع منته، وكل سعة تنتهي الى طرف فالزيادة عليها متصورة، وما لا نهاية ولا طرف فلا يتصور عليه الزيادة

واما حظ العبد منها فهو باعتبار معارفه واخلاقه وكل ما كثرت علومه كانت سعته بقدر سعتها، وان اتسعت اخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر ولا غيظ الحسود وغلبة الحرص وسائر الصفات فهو واسع، وكل ذلك فهو الى نهاية، وانما الواسع الحق هو الله تعالى .

 

الحكيم

هو ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الاشياء بأفضل العلوم وأفضل العلوم العلم بالله سبحانه وأجل الاشياء هو الله، وقد سبق انه لا

يعرف كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلاله المعلوم فهو الحكيم الحق، لانه يعلم أجل الاشياء باجل العلوم اذ أجل العلوم هو العليم الازلي الدائم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق اليه الخفا ولا شبهة ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى، وقد يقال: لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيم وكمال ذلك ليس إلا الله تعالى وهو الحكيم الحق.

واما حظ العبد منها فمن لم يعرف الله تعالى لم يستحق ان يسمى حكيماً، وان عرف جميع الاشياء لانه لم يعرف أجل الاشياء وافضلها، والحكمة أجل العلوم كما سمعت وجلالة العلم بقدر جلاله المعلوم فمن عرف الله فهو حكيم، وان كان ضعيف المهنة في سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها إلا انّ نسبة حكمة العبد الى حكمة الله كنسبة معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين، وشتان ما بين الحكمتين، ولكن مع بعده عنه فهو أنفس المعارف وأكثرها خيراً فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، نعم من عرف الله كان كلامه مخالفاً لكلام غيره فانه قلما يتعرض للجزئيات، بل يكون كلامه جملياً ولا يتعرض لمصالح العاجلة، بل يتعرض لما ينفع في العاقبة، ولما كانت الكلمات الكلية اظهر احوال الحكيم عند الناس لمعرفته بالله، فربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال: للناطق بها حكيم، وفي الكافي، والعياشي عن الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) قال: «طاعة الله ومعرفة الامام» وفي العياشي عن الصادق(عليه السلام) «الحكمة المعرفة، والفقه في الدين، فمن فقّه منكم فهو حكيم، وما أحد يموت من المؤمنين أحب الى ابليس من موت فقيه»( ) وفي مصباح الشريعة عنه (عليه السلام)برواية البلخي قال«الحكمة ضياء المعرفة، وميراث التقوى، وثمرة الصدق، ولو قلت: ما انعم الله على عبد بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة، لقلت: قال: الله عزوجل (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا اولوا الالباب)»( ) اي لا يعلم ما اودعت، وهيأت في الحكمة إلا من استخلصته لنفسي وخصصته بها، والحكمة هي الكتاب وصفة الحكيم الثبات عند اوائل الامور والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله الى الله، وفي المجمع عن النبي (صلى الله عليه وآله)قال: «ان الله تعالى أتاني القرآن، وأتاني من الحكمة مثل القران، وما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلا كان خراباً الا فتفقهوا، وتعلموا، ولا تموتوا جهالاً»( ).

وفي الخصال عنه(صلى الله عليه وآله) «رأس الحكمة مخافة الله»( )، وفي الكافي عنه (صلى الله عليه وآله) «انه كان ذات يوم في بعض اسفاره اذ لقيه ركب، فقالوا: السلام عليك يا رسول اللّه، فالتفت اليهم فقال: ما انتم، فقالوا: مؤمنون فقال: ما حقيقة ايمانكم، قالوا: الرضا بقضاء الله، والتسليم لامر الله والتفويض الى الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) علما حكما كادوا ان يكونوا من الحكمة انبياء فان كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي لايه ترجعون» ولا منافاة بين ما ذكرنا من التفسير وبين ما ذكرته هذه الاخبار عند الناقد البصير، لان هذه الامور المذكورة ثمرة الحكمة التي هي المعرفة، فان من عرف الله حق معرفته التي لا تحصل إلا بمعرفة النبي والامام فقد اثمرت شجرتها هذه الثمار، وتفجرت عن عيونها تلك الانهار، وهل يستدل على الشيء إلا بالاثار، وكثيرا ما تطلق الحكمة على القوانين الكلية الراجعة الى المعرفة، وان كان بمجرد التلفظ بها لان المراد منها ثمرة تلك الحكمة، وعلى المكلف ان يتلقاها، ولو من السفيه كما دلّت عليه الروايات( )ولان الحكمة ضالة المؤمن كما في الاخبار فليتلقها ممن وجدها .

 

الودود

هو الذي يحب الخير جميعاً لجميع الخلق فيحسن اليهم ويثني عليهم وهو قريب من معنى الرحيم لكن الرحمة اضافة الى المرحوم، والمرحوم

هو المحتاج والمضطر وأفعال الرحيم تستدعي مرحوماً ضعيفاً وأفعال الودود لا تستدعي ذلك، بل الانعام عن سبيل الابتداء من نتائج الودّ فكما ان معنى رحمته تعال ارادته الخير للمرحوم وكفايته له وهو منزه عن دفّة الرحمة، فكذلك ودّه ارادته الكرامة والنعمة للمودود واحسانه وانعامه عليه، وهو منزه عن ميل المودة، لكن المودة والرحمة لا يرادان في حق المرحوم والمودود الا لثمرتهما وفائدتهما لا للرقة والميل، فالفائدة هي لباب المودة، والرحمة وروحهما، وذلك هو المقصود في حق الله تعالى دون ما هو مقارن لهما وهو غير مشروط في الافادة.

اما حظّ العباد منها فمن يريد بخلق الله كما يريده لنفسه واعلا من ذلك من يوثرهم على نفسه كمن قال منهم: اريد ان اكون جسراً على النار يعبر الخلق عليّ وكمال ذلك لا يمنعه عن الايثار والاحسان الغضب والحقد وما ناله من الاذى، ولهذا جاء في الاخبار المستفيضة عنه (صلى الله عليه وآله) وعن خلفائه «ان اردت ان تسبق المقربين فصل من قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك»( ) وفي المستفيضة ايضاً «حبّ لاخيك ما تحب لنفسك»( ).

 

المجيد

هو الشريف ذاته الجميل فعاله الجزيل عطاؤه ونواله وكان شرف الذات اذا قارنه حسن الفعال سمي مجيداً، وهو الماجد ايضاً، ولكن أحدهما

ادلّ على المبالغة، وكأنه يجمع معنى اسم الجليل والكريم والوهاب، وقد مرّ الكلام فيما سبق في .

 

الباعث

هو الذي يحي الخلق يوم النشور، ويبعث من في القبور، والبعث هو النشأة الاخيرة، ومعرفة هذا الاسم موقوفة على معرفة معنى البعث كما

مرّ تقريره في سائر الصفات المشتقة إلا انها في سائر المشتقات، يمكن أخذها من اللغة، ومن الحقائق العرفية المناسبة لها وفي مثل هذه مشكل لاختلاف الفرق( ) في حقيقة البعث فيكون من اغمض المعارف وأكثر الخلق منه على توهمات مجملة وتخيلات مبهمة وغايتهم فيها ان الموت عدم، والبعث ايجاد بعد العدم مثل الايجاد الاول، وذلك ظنّ غير صحيح، لان الموت ليس بعدم محض، وكذلك ظنهم ان الايجاد الثاني مثل الايجاد الاول غلط، اما ظنهم انّ الموت عدم، فالخطأ فيه ظاهر لان القبر امّا حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنان، والموتى سعداء هم ليس امواتاً سيما الشهداء لقول الله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)الاية( )، وأما اشقياؤهم فهم ايضاً كذلك ليسوا بأموات، بل هم معذّبون كما دلّت عليه الايات والروايات ولدلالة جملة من الاخبار النبوية «انكم خلقتم للبقاء لا للفناء»( ) نعم تارة يقطع تصرفه عن الجسد، فيقال: مات، وتارة يعاد اليه فيقال: احيي وبعث اي احيي جسده، واما ظنهم ان البعث ايجاد ثان وهو مثل الايجاد الاول، فغير صحيح، بل البعث انشاء آخر لا يناسب الانشاء الاول اصلاً وللانسان من مبدء الى موته نشآءت كثيرة، وليس هي نشئتين فقط قال الله تعالى (وننشئكم فيما لا تعلمون)( ) وقال تعالى بعد خلق النطفة والعلقة والمضغة والعظم (ثم أنشاناه خلقاً اخر)( ) اي أولجنا فيه الروح كما فسرته جملة من الاخبار، بل النطفة نشأة من التراب والعلقة نشأة من النطفة، وهكذا ولشرف نشأة الروح وجلالتها وكونها امراً ربانياً قال عند ذالك (ثم أنشأناه خلقاً اخر فتبارك الله أحسن الخالقين)( ) فقال (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)( ) ثم خلق الادراكات الحسية بعد خلق الروح نشأة اخرى، وكل نشأة طور وقد خلقكم اطواراً ثم ظهور خاصية الولاية لمن رزق تلك الخاصية نشأة اخرى ثم ظهور خاصية النبوّة بعد ذلك نشأة اخرى وهو نوع من البعث ايضاً والله سبحانه باعث الرسل كما انه الباعث يوم النشور، وحقيقة البعث ترجع الى احياء الموتى بأنشائهم نشأة اخرى والجهل هو الموت الاكبر والعلم هو الحياة الاشرف، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز العلم والجهل في غير موضع وسماهما حياة وموتاً كما جاء في الاخبار في تفسير قوله تعالى (من كان ميتاً فأحييناه)( ) اي من كان ميتاً بالجهل فأحييناه بالعلم( ) وفي تفسير قوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)( ) اي أخرجها من ضلالة الى هداية، وان كان لها تفسير آخر ايضاً قد جاءت به الاخبار، وهو ان المراد بالحياة والموت الحقيقيين( )فمن رقّى غيره من الجهل الى العلم فقد انشأه نشأة اخرى وأحياه حياة طيبة فاذا كان للعبد مدخل في افادة الخلق العلم ودعائهم الى الله تعالى فذلك نوع من الاحياء وهي مرتبة الانبياء والاوصياء وورثتهم من العلماء.

 

الشهيد

ومعنى هذا الاسم يرجع الى العليم مع خصوص اضافة، فاذا اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم، واذا اضيف الى الغيب والامور الباطنة فهو الخبير، واذا

اضيف الى الامور الظاهرة فهو الشهيد، لانه تعالى عالم الغيب، والشهادة والغيب عبارة عما بطن والشهادة عبارة عما ظهر أو ان الشهادة عما وجد، والغيب عما لم يوجد، وقد يعبّر عن هذا ما يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم، والكلام في هذا الاسم يغني عنه الكلام في العليم والخبير، وقد مرّ الكلام فيهما محققاً فلا يحتاج هنا الى الاعادة، وما ذكرناه هناك كاف.

 

الحق

هو في الحقيقة في مقابلة الباطل والاشياء قد تستبان بأضدادها فكلما يخبر عنه اما باطل مطلقاً، واما حق مطلقاً، وأما حق من وجه باطل من

وجه اخر فالممتنع بذاته مطلقاً هو الباطل مطلقاً والواجب بذاته هو الحق مطلقاً، والممكن بذاته الواجب بغيره هو حق من وجه باطل من وجه وهو من حيث ذاته لا وجود فهو باطل ومن جهة غيره مستفيد للوجود فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود فهو من هذا الوجه حق ومن جهة نفسه باطل، فلذلك قال الله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه)( ) فهو كذلك ازلاً وأبداً ليس ذلك في حال دون حال لان كل شيء سواه اولاً وأبداً من حيث ذاته لا يستحق الوجود وهو من جهته يستحق الوجود فهو باطل بذاته حق بغيره، وعند هذا يعرف بان الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته الذي منه يأتي كل حقيقة، وقد يقال: ايضاً بالمعقول الذي صادفه به العقل الموجود حتى طابقه احق فهو من حيث ذاته يسمى موجوداً، ومن حيث اضافته الى العقل الذي ادركه على ما هو عليه يسمى حقاً فاذاً أحق الموجودات بان يكون حقاً هو الله تعالى، وأحق المعارف بأن تكون حقاً هي معرفته فانه حق في نفسه اي مطابق للمعلوم ازلاً وأبداً ومطابقته لذاته لا لغيره لا كالعلم بوجود غيره فانه لا يكون إلا مادام ذلك الغير موجوداً فاذا عدم عاد ذلك الاعتقاد باطلاً، وذلك الاعتقاد ايضاً لا يكون حقاً لذات المتعقد لانه ليس موجوداً لذاته، بل موجود لغيره قد يطلق ذلك على الاقوال فيقال: قول حق وقول: باطل، وعلى ذلك فاحق الاقوال قول: لا إله إلا الله لانه صادق ازلاً وأبداً ولذاته لا لغيره، فاذا يطلق الحق على الموجود بالاعيان وعلى الموجود في الاذهان وهو المعرفة، وعلى الموجود باللسان وهو النطق فاحق الاشياء بان يكون حقاً هو الذي يكون وجوده ثابتاً لذاته اولاً وأبداً ومعرفته حقاً والشهادة له حقاً ازلاً وابداً، وكل ذلك لذات الموجود الحقيقي لا لغيره .

وأما حظ العبد من هذه الصفة والاسم، هو ان يرى نفسه باطلاً ولا يرى غير الله حقاً، والعبد وان كان حقاً فليس حقاً بنفسه بل هو حق بالله فانه موجود به لا بذاته بل هو بذاته باطل لولا ايجاد الحق له فقد اخطأ من قال: انا الحق إلا بأحد التأويلين: أحدهما: انه يعني انه بالحق، وهذا التأويل بعيد لان اللفظ لا يبني عنه، ولان ذلك لا يخصه بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق،

الثاني ما ذكره الامام الغزالي في كتابه الذي وضعه في شرح أسماء الله الحسنى وهو أن يكون مستغرقاً بالحق حتى لا يكون فيه متسع لغيره، وما أخذ كلية الشيء واستغرقه قد يقال: انه هو، ويعني به الاستغراق، وقد جاء في الخبر عن الصادق (عليه السلام)انه قال «لنا مع الله وقت، ونحن فيه ونحن هو، ونحن نحن، وهو هو» وفي خبر مصباح الشريعة برواية البلخي عن الصادق (عليه السلام)«العبودية جوهرة كنهها الربوبية» ومن هنا ذهب اهل التصوف لما كان الغالب عليهم سلوك هذه الطريقة حيث زعموا انهم علماء الحقيقة، وكانوا يرون فناء أنفسهم من حيث ذاتهم كان الجاري على لسانهم من اسماء الله في اكثر الاحوال هو الحق لانهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه، واهل الكلام من أهل الظاهر لما كانوا متوغلين في مقام الاستدلال بالافعال كان الجاري على لسانهم في الاكثر اسم الباري الذي هو بمعنى الخالق، وأكثر الخلق يرون كل شيء سواء فيستشهدون عليه بما يرونه وهم المخاطبون بقوله تعالى (أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شيء)( ) والخواص لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه، وهم المخاطبون بقوله (او لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد)( ).

 

الوكيل

هو الموكول اليه الامور لكن الموكول اليه ينقسم: الى من يوكل اليه في بعض الامور، وذلك ناقص، والى من يوكل اليه الكل، وليس ذلك إلا الله.

والموكول اليه ينقسم: الى مَن يستحق ان يكون موكولاً اليه لا بذاته، ولكن بالتوكيل والتفويض وهو ناقص لانه فقير الى التفويض والتولية، والى من يستحق بذاته ان يكون الامور موكولة اليه، والقلوب متوكّلة عليه لا بتولية وتفويض من جهة غيره، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل ايضاً ينقسم: الى من يفي بمن وكلّ اليه وفاءً تاماً من غير قصور، والى من لا يفي بالجميع والوكيل المطلق، هو الذي الامور موكولة اليه وهو مليّ بالقيام بها وفيّ باتمامها، وذلك هو الله تعالى، فقد فهمت من هذا التحقيق مقدار مدخل العبد في معنى هذا الاسم.

 

القوي

والمتين

القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله تعالى من حيث انه بالغ القدرة تامها قوي، ومن حيث انه شديد القوة متين، وذلك يرجع الى معاني القدرة.

 

المولى

الناصر

هو المحب الناصر، ومعنى ودّه ومحبته قد سبق، ومعنى نصرته ظاهر فانه يقمع اعداء الدين وينصر أولياءه أو انه اولى بهم من أنفسهم او انه شديد التصرف فيهم لانهم مماليكه وعبيده، وهذه المعاني كلها محتملة

لاشتراك الولي فيها وضعاً واستعمالاً قال الله تعالى (الله ولي الذين امنوا)( ) ذلك بانّ الله مولى الذين امنوا وان الكافرين لا مولى لهم.

واما حظّ العباد من هذا الاسم، فالولي من العباد من يحب الله تعالى ويحب اولياءه وينصره وينصر أولياءه ويعادي أعداءه، ومن جملة اعدائه النفس والشيطان فمن خذلهما ونصر امر الله ووالى أولياء الله وعادى اعداءه فهو الوليّ من العباد.

 

الحميد

هو المحمود المثنى عليه، والله تعالى هو الحميد يحمد نفسه اولاً ويحمد عباده له ابداً، ويرجع هذا الى صفات الجلال منسوباً الى ذكر

الذكرين له فان الحمد هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال، وأما الحميد من العباد من حمدت عقائده واخلاقه واعماله وأقواله وأفعاله من غير شوب بشيء من المذمّة والنقص، وذلك هو محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ومن يقرب منه من الاوصياء والانبياء، وان كان كل واحد منهم حميداً بقدر ما يحمد منه من عقائده وأخلاقه وأقواله، واذا كان لا يخلو أحد من مذمّة ونقص وان كثرت محامده فالحميد المطلق هو الله .

 

المحصي

هو العالم، ولكن اذا اضيف العلم الى المعلومات من حيث يحصى المعلومات ويعدها ويحيط بها سمي احصاءً، والمحصي المطلق هو

الذي ينكشف في علمه حدّ كل معلوم وعدده ومبلغه، والعبد وان امكنه ان يحصي بعلمه بعض المعلومات فانه يعجز عن حصر اكثرها فمدخله في هذا الاسم ضعيف كمدخله في أصل صفة الاسم.

 

المبدىء

والمعيد

معناه الموجد لكن الايجاد اذا لم يكن مسبوقاً بمثله سمي ابداءً، واذا كان مسبوقاً بمثله سمي اعادة، والله تعالى بدء خلق الناس ثم هو الذي يعيدهم اي يحشرهم، والاشياء كلها منه بدت وبه بدت، وله تعود.

 

المحيي

المميت

هما ايضاً يرجعان الى الايجاد، ولكن الموجود اذا كان هو الحياة يسمى فعله احياء، واذا كان هو الموت سمي فعله اماتة ولا خالق للحياة والموت إلا الله فلا محيي ولا مميت إلا الله، وقد سبق الاشارة الى معنى

الحياة في اسم الباعث.

 

الحي

هو الفعال الدرّاك حتى انّ من لا عقل له ولا ادراك فهو ميت، واقل درجات ان يشعر المدرك بنفسه فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت،

فالحي الكامل المطلق هو الذي يندرج جميع المدركات تحت ادراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول، وكل ذلك لله تعالى فهو الحق المطلق، وكل من سواه فحياته بقدر ادراكه وفعله وعقله، وذلك محصور في قدر، ثم ان الاحياء يتفاوتون فمراتبهم بقدر تفاوتهم كما سبقت الاشارة اليه في مراتب الملائكة والانس والبهائم.

 

الواجد

هو الذي لا يعوزه شيء مما لابد منه وهو في مقابله الفاقد، ولعل من فاته ما لا حاجة به الى وجوده لا يسمى فاقداً ومن لا يحضره من لا تعلق له

بذاته ولا بكمال ذاته لا يسمى واجداً، بل الواجد من لا يعوزه شيء مما لابد منه، وكل ما لابد منه في صفات الالهية وكمالها فهو موجود لله تعالى فهو بهذا الاعتبار واجد، وهو الواجد المطلق ومن عداه ان كان واجداً لشيء من صفات الكمال واسبابه فهو فاقد لاشياء، فلا يكون واجداً إلا بالاضافة.

 

القادر

المقتدر

معناهما ذو القدرة، لكن المقتدر اكثر مبالغة، والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدراً بتقدير الارادة والعلم واقعاً عن وفقهما، والقادر ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل، وليس من شرطه ان يشا لا

محالة فان الله تعالى قادر على اقامة القيامة الان لانه لو شاء لاقامها، وان كان لا يقيمها لانه لم يشأها ولا يشاءها لما جرى في سابق علمه من تقدير أجلها ووقتها، وذلك لا بقدح في القدرة والقادر المطلق هو الذي يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره وهو الله تعالى إلا انّ القدرة لما كانت عين ذاته كالعلم والسمع فلا تتعقل إلا باعتبار متعلقها، واما العبد فله قدرة على الجملة لكنها ناقصة اذ لا يتناول إلا بعض الممكنات ولا يصلح للاختراع، بل الله هو المخترع لمقدورات العبد بواسطة قدرته مهما هيّأ جميع أسباب الوجود لمقدوره.

 

المقدم

والمؤخر

هو الذي يقرب ويبعد من قربه فقد قدمه، ومن أبعده فقد اخره، وقد قدم انبيائه وأولياءه بتقربهم وهدايتهم، وأخّر اعداءه بابعادهم، وضرب الحجاب بينه وبينهم، والملك اذا قرب شخصين مثلاً ولكن جعل

أحدهما اقرب الى نفسه يقال: قدمه اي جعله قدام غيره، والقدام تارة يكون في المكان، وتارة في الرتبة وهو مضاف لا محالة الى متأخر عنه ولابد فيه من مقصد هو الغاية بالاضافة اليه يتقدم ما يتقدم ويتأخر ما يتأخر والمقصد هو الله، والمقدم عند الله هو المقرب فقد قدم الملائكة والانبياء ثم الاوصياء ثم العلماء، وكل متاخر فهو مؤخر بالاضافة الى ما قبله مقدم بالاضافة الى ما بعده، والله تعالى هو المقدم والمؤخر لانك ان احلت تقدمهم وتاخّرهم على توفيرهم وتقصيرهم وكمالهم في الصفات ونقصهم فمن الذي حملهم على التوفير بالعلم والعبادة وباثارة دواعيهم الى غير الصراط المستقيم، وذلك من الله لسلب العناية والتوفيق لا بالالجاء والتضييق وإلا كانوا معذورين فلا يستحق التأخير، والمراد هو التقديم والتأخير في الرتبة وفيه اشارة الى انه لا يتقدم من تقدم بعمله، بل بتقديم الله اياه وكذلك المتأخر، وقد صرح ذلك قوله تعالى (انّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون)( ).

وحظّ العبد من صفات الافعال كلها ظاهر.

 

الظاهر

الباطن

هذان الوصفان ايضاً من المضافات فان الظاهر يكون ظاهراً لشيء وباطناً لشيء ولا يكون من وجه واحد ظاهراً وباطناً، بل يكون ظاهراً من وجه باطناً من وجه، فان الظهور والبطون انما يكونان بالاضافة الى الادراكات،

والله تعالى باطن ان اطلب من ادراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر ان طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال، وفي الدعاء «يا ظاهراً في بطونه، ويا باطناً في ظهوره» وفي الخبر المروي في المعاني وقد مرّ ذكره عن الصادق(عليه السلام) «ان التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره»( ) باعتبار احد معانيه، وقد مرّ بعض الكلام عليه.

فان قيل: ان كونه باطناً بالاضافة الى ادراك الحواس ظاهر، واما كونه ظاهراً للعقل فغامض اذ الظاهر ما لا يتمارى فيه ولا يختلف الناس في ادراكه، وهذا مما وقع فيه الريب الكثير للخلق فكيف يكون ظاهراً.

قلت: انّه انّما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، فظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره، ومن هنا جاء في الحديث عن علي (عليه السلام) في بعض خطبه «احتجب بغير حجاب محجوب»( ) وكل ما جاوز حدّه انعكس الى ضده، ولعلك تتعجب من هذا الكلام وتستبعده ولا تفهمه إلا بمثال.

فنقول: لو نظرت الى كلمة واحدة كتبها الكاتب لاستدللت بها على كون الكاتب عالماً قادراً سميعاً بصيراً، واستفدت منها اليقين بوجود هذه الصفات لذلك الكاتب، بل لو رأيت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين قاطع بوجود كاتب لها عالم قادر سميع بصير حي ولم تدل عليه إلا صورة كلمة واحدة، وكما شهدت هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب فما من ذرة في السموات والارض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وصفة وموصوف إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة الى مدبر دبرها وقدرها وخصصها بخصوص صفاتها، بل لا ينظر الانسان الى عضو من أعضاء نفسه وجزء من أجزائه ظاهراً وباطناً، بل الى صفة من صفاته وحالة من حالاته التي تجري عليه قهراً بغير اختياره إلا ويراها ناطقة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبرها وكذلك كل ما يدركه بجميع حواسه في ذاته وخارجاً من ذاته، ولو كانت الاشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ولا يشهد بعضها لكان اليقين حاصلاً للجميع، ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور ومثاله ان اظهر الاشياء ما يدرك بالحواس واظهرها ما يدرك بحاسة البصر، واظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس المشرق على الاجسام الذي يظهر كل شيء فما به يظهر كل شيء كيف لا يكون ظاهراً، وقد اشكل ذلك على خلق كثير حتى قالوا: الاشياء المتلونة ليس فيها إلا الوانها فقط من سواد وحمرة فاما ان يكون فيها مع اللون ضوء ونور مقارن للون فلا وسوى هؤلاء، انما تنبهو على قيام النور بالمتلونات بالتفرقة التي يدركونها بين الظلم وموضع النور وبين الليل والنهار، فان الشمس لما تصور غيبتها بالليل واحتجابها بالاجسام المظلمة بالنهار انقطع اثرها عن المتلونات فادركت التفرقة بين الموثر المستضيء بها وبين المظلم المحجوب عنها، فعرف وجود النور بعدم النور اذ اضيف حالة الوجود الى حالة العدم فادركت التفرقة مع بقاء الالوان في الحالتين، ولو اطبق نور الشمس كل الاجسام الظاهرة لشخص ولم تغب الشمس عنها حتى يدرك التفرقة لتعذر عليه كيفية كون النور شيئاً موجوداً زائداً على الالوان مع انه اظهر الاشياء، بل هو الذي يظهر جميع الاشياء ولو تصور لله تعالى عدم أو غيبة عن بعض الامور لانهدت السموات والارض، وكل من قطع نور عينه وادركت التفرقة بين الحالتين علم وجوده قطعاً، ولكن لما كانت الاشياء كلها متفقة في الشهادة، والاحوال كلها مضطردة على نسق واحد كان ذلك سبباً لخفائه فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم لشدة ظهوره فهو الظاهر الذي لا اظهر منه، والباطن الذي لا ابطن منه، ولا تتعجبن في هذا من صفات الله فانه جار ايضاً في المعنى الذي به الانسان انسان فانه ظاهر باطن، فانه ظاهر ان استدل عليه بأفعاله المرئية المحكمة باطن ان طلب من ادراك الحس فان الحس انما يتعلق بظاهر بشرته، وليس الانسان انساناً بالبشرة المرئية منه، بل لو تبدلت تلك البشرة، بل سائر اجزائه فهو والاجزاء متبدلة ولعل اجزاء كل انسان بعد كبره غير الاجزاء التي كانت فيه عند صغره فانها تحللت بطول الزمان وتبدلت بامثالها بطريق الاغتداء وهويته لم تتبدل، وتلك الهوية باطنة من الحواس ظاهرة للعقل بطريق الاستدلال عليها باثارها وأفعالها.

 

الـبرّ

هو المحسن والبر المطلق هو الذي منه كل مبرّة، واحسان والعبد انما يكون برّاً بقدر ما يتعاطاه من البر لاسيما بوالديه واستاذته وشيوخه، وفي

الخبر الذي روته العامّة وفي بعض اخبارنا ما يقرب منه وهو ان «موسى (عليه السلام) لما كلمه ربّه رأى رجلاً قائماً عند ساق العرش، فتعجب من علوّ مكانه، فقال: يا ربّ بم بلغ هذا العبد هذا المحل؟ فقال: انه كان لا يحسد عبداً من عبادي على ما أتيته، وكان برّاً بوالديه» هذا برّ العبد.

واما تفصيل برّ الله واحسانه فمما لا يأتي عليه المداد والاقلام ولا تحيط به العقول والا الافهام، وفي بعض ما ذكرناه غنية ان شاء الله تعالى.

 

التوّاب

هو الذي يرجع الى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد اخرى، ويوقفهم على أبوابها ويرفع عنهم ما يحول بينهم وبينها من حجابها كما جاء في

تفسير قوله تعالى (ثم تاب عليهم)( ) ليتوبوا فيسوفهم اليها بتنبيهاته، ويطلعهم عليها بتخويفاته وتحذيراته حتى اذا اطّلعوا بتعريفه على عوائل الذنوب استشعرو الخوف بتخويفه فرجعوا الى التوبة ورجع اليهم فضل الله تعالى بالقبول.

وامّا حظ العبد من هذا الاسم فهو من قبل معاذير المجرمين من رعاياه واصدقائه ومعارفه مرة بعد اخرى، فقد تخلق بهذا الخلق، واخذ منه نصيباً.

 

المنتقم

هو الذي يقصم ظهور العتاة وينكل بالجنات، ويشدد بالعقاب على الطغاة، وذلك بعد الاعذار والانذار وبعد التمكين والامهال، وهو أشد

للانتقام من المعاجلة للعقوبة فانه اذا عوجل بالعقوبة لم يمعن في المعصية فلم يستوجب غاية النكال في العقوبة.

واما حظ العبد منه فالمحمود من انتقام العبد ان ينتقم من اعداء الله واعد الاعداء نفسه وحقه ان ينتقم منها مهما فارق معصية او اخلّ بعبادة، فهكذا ينبغي ان يسلك العبد.

 

العفو

هو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور ولكنه ابلغ من المغفرة لان المغفرة تنبيء عن الستر، والعفو ينبيء عن

المحو، والمحو أبلغ من الستر. وحظّ العبد من ذلك لا يخفى، وهو ان يعفو عن كل من ظلمه بل يحسن اليه كما يرى الله تعالى محسناً الى العصاة والكفرة غير معاجل لهم بالعقوبة، بل ربما يعفو عنهم بان يتوب عليهم، واذا تاب عليهم محى سيئاتهم، ففي المستفيضة عنهم(عليهم السلام)«ان التائب من الذنب كمن لا ذنب له».

 

الرؤوف

ذو الرأفة، والرأفة الرحمة فهو بمعنى الرحيم بالمبالغة فيه، وقد سبق الكلام عليه.

 

مالك

الملك

هو الذي ينفذ مشيئته في مملكته كيف شاء، وكما شاء ايجاداً واعلاماً وابقاءً وافناءً، والملك هنا بمعنى المملكة، والمالك القادر التام القدرة والموجودات كلها مملكة واحدة، وهو مالكها وقادرها، وانما كانت الموجودات كلها مملكة واحدة لانها مرتبطة بعضها ببعض فانها وان كانت كثيرة من وجه فلها وحدة من وجه ومثاله بدن الانسان فانها مملكة لحقيقة الانسان، وهي اعضاء كثيرة مختلفة ولكنها كالمتعاونة على تحقيق عرض مدبّر واحد، فكذلك العالم كله كشخص واحد واجزاء العالم كاجزائه وهي متعاونة على مقصود واحد، وهو اتمام غاية الخير الممكن وجوده على ما اقتضاه الجود الالهي، ولاجل انتظامها على ترتيب متسق وارتباطها برابطة واحدة كانت مملكة واحدة والله تعالى مالكها فقط، ومملكة كل عبد بدنه خاصة، فاذا نفذت مشيئته في صفات قلبه وجوارحه فهو مالك مملكة نفسه بقدر ما اعطى من القدرة عليها.

 

ذوالجلال

والاكرام

هو الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلالة له في ذاته، والكرامة فائضة منه على خلقه فنون اكرامه خلقه لا تكاد تنحصر وتتناهى وعليه دلَ قوله تعالى (ولقد كرّمنا

بني آدم)( ).

 

الوالي

هو الذي دبّر أمر الخلق ووليها اي تولاها، وكان ملياً بولايتها، وكان الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع جميع ذلك لم يطلق عليه

اسم الوالي ولا والي للامور إلا الله تعالى فانه المتفرّد بتدبيرها اولاً، والمنفذ للتدبير بالتحقيق ثانياً، والقائم عليها بالادامة والابقاء ثانياً.

 

المتعالي

بمعنى العلي مع نوع من المبالغة، وقد سبق معناه.

 

المقسط

الذي ينصف المظلوم من الظالم، وكماله في ان يضيف الى ارضاء المظلوم ارضاء الظالم، وذلك غاية العدل والانصاف ولا يقدر عليه إلا

الله تعالى واوفر العباد حظاً من هذا الاسم من ينتصف أولاً من نفسه بغيره، ثم لغيره من غيره ولا ينتصف لنفسه من غيره.

 

الجامع

هو المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات، اما جمعه بين المتماثلات فلجمعه الخلق الكثير من الانس على ظهر الارض ولحشره

ايّاهم في صعيد القيامة، واما المتباينات فلجمعه بين السموات والكواكب والهوا والارض والبحار والحيوانات والنباتات والمعادن المختلفة، كل من ذلك متباين الاشكال والالوان، وقد جمعها في الارض وجمع بين الكل في العالم، وكذلك جمعه بين العظم والعصب والعرق والعضلة والمخ والبشرة والدم وسائر الاخلاط في بدن الحيوان، وامّا المتضادات فلجمعه بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أمزجة الحيوانات، وفي الخبر المستفيض عنهم (عليهم السلام) في صفات الله تعالى( )وبجمعه بين المتضادات عرف الله ان لا ضدّ له، وذلك ابلغ وجوه الجمع، وتفصيل جمعه لا يعرفه الا من يعرف تفصيل مجموعاته في الدنيا والاخرة، وكل ذلك مما يطول شرحه.

وحظّ العباد من هذه الصفة فالجامع منهم من جمع بين الاداب الظاهرة في الجوارح وبين الحقائق الباطنة في القلوب فمن كملت معرفته وحسنت سريرته فهو الجامع، ولذلك قيل: الكامل من لا يطفى نور معرفته نور ورعه، وكانّ الجمع بين الصبر والبصيرة متعذر، ولذلك ترى صبوراً على الزهد والورع لا بصيرة وترى لا بصيرة له لا صبر له، فالجامع مَن جمع بين البصيرة والصبر.

 

الغني

المغني

هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفات ذاته، بل يكون منزهاً عن العلاقة مع الاغيار، فمن تعلق ذاته او صفات ذاته بأمر خارج من ذاته يتوقف عليه وجوده أو كماله فهو فقير محتاج الى الكسب ولا يتصور

ذلك إلا لله، والله هو المغني ايضاً، ولكن الذي اغناه لا يتصور ان يصير باغنائه غنياً مطلقاً، فان اقل اموره ان يحتاج الى المغني فلا يكون غنيا، بل يستغني عن الله تعالى بان يمده بما يحتاج اليه لا بأن يقطع عنه امر الحاجة، والغني الحقيقي هو الذي لا حاجة له الى أحد اصلاً، والذي يحتاج ومعه ما يحتاج اليه فهو غني بالمجاز، وهو غاية ما يدخل في الامكان في حق غير الله تعالى، فامّا فقد الحاجة بالكلمة فلا ولكن اذا لم تبق حاجة إلا الى الله تعالى يسمى غنياً ولو لم يبق له اصل الحاجة لما صح له قوله تعالى (والله الغني وانتم الفقراء)( ) ولولا ان يتصور ان يستغني عن كل شيء سوى الله لما صح لله تعالى وصف المغني.

 

الضار

النافع

هو الذي يصدر منه الخير والشر باعتبار المقضيات لا بالنظر الى أفعال العباد، وكذلك النفع والضر، وكل ذلك منسوب الى الله تعالى اما بواسطة الملائكة والانس والجمادات او بغير واسطة كما قال تعالى (ونبلوكم

بالشر والخير فتنة والينا ترجعون)( ) فلا تظنن ان السم يضر ويقتل بنفسه، وانّ الطعام ينفع ويشبع بنفسه، وان الملك أو الانسان والشيطان أو شيئاً من المخلوقات في فلك وكوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ بنفسه، بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له وخلق فيها بل صير بحكمته وقدرته اجسام العالم علويها وسفليها محلا لصفات يقرب مع خلقها خلق النفع والضر بها يجدد حدوث هذه الصفات، وحدوث النفع والضر بها في ثاني حال وجودها الى أجل معلوم، وجمله ذلك كله بالاضافة الى القدرة الازلية كالقلم بالاضافة الى الكاتب في اعتقاد العامي، وكما انّ السلطان اذا وقع لكرامة أو عقوبة لم يُرَ ضرّ ذلك ولا نفعه من القلم، بل من الذي مسخر له فكذلك سير الوسائط والاسباب، وانما قلنا في اعتقاد العامي لان الجاهل هو الذي يرى القلم مسخراً للكاتب، والعارف يعلم انه مسخر في يد الكاتب لله تعالى وهو الذي الكاتب مسخر له فانه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التي لا تردد فيها صدر منه حركة الاصابع والقلم لا محالة، فاذا عرفت هذا في الحيوان المختار فهو في الجمادات أظهر.

 

المانع

هو الذي يرد أسباب الهلاك والنقصان في الاديان والابدان لما يخلقه من الاسباب المعدة للحفظ، وقد سبق معنى الحفيظ، فكل حفيظ فمن

ضرورته دفع ومنع فمن فهم معنى الحفيظ فهم معنى المانع، فالمنع اضافة الى السبب المهلك، والحفظ اضافة الى المحروس عن الهلاك، وهو مقصود المنع، وغايته اذا المنع يراد للحفظ، والحفظ لا يراد للمنع، فكل حافظ مانع، وليس كل مانع حافظاً إلا اذا كان مانعاً مطلقاً لجميع أسباب الهلاك والنقص حتى يحصل الحفظ من ضرورته.

 

النور

هو الظاهر الذي به كل ظهور، وقد تقدمت جملة من الاخبار في تفسيره في تفسير قوله تعالى (الله نور السموات والارض) «بالهادي اي هادي من

في السموات وهادي من في الارض»( ) وهذا المعنى ينطبق على النور المحمدي، والنور المنبجس منه المتشعب الى الانوار العلوية والفاطمية فانه النور الهادي، فان حقيقته الظاهر في نفسه المظهر لغيره وكل ما كان كذلك فهو نور ومهما قوبل( )الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود ولا ظلام اظلم من العدم فالبري عن ظلمه العدم، بل عن امكان العدم المخرج كل الاشياء من ظلمه العدم الى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نوراً والوجود نور فائض على الاشياء كلها من نور ذاته فهو نور السموات والارض، وكما ان لا درة من نور الشمس الا وهي دالة على وجود النفس المنورة فلا درة من موجودات السموات والارض وما بينهما الا وهي بجواز وجودها دالة على وجوب وجود موجدها، وما ذكرناه في معنى الظاهر فيما سبق يفهمك معنى النور، ويغنيك عن التعسفات المذكورة في معناه.

 

الهادي

هو الذي هدى خواص عباده اولاً الى معرفة ذاته حتى استشهدوا على الاشياء به، وهدى عوام عباده الى دلائل مخلوقاته حتى استشهدوا بها

على ذاته، وهدى كل مخلوق إلا ما لابد منه في قضاء حاجاته، فهدى الطفل الى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخ الى التقاط الحب وقت خروجه، والنحل الى بناء بيته على شكل التسديس لكونه اوفق الاشكال الى بدنه وأحواها وأبعدها عن ان يتخللها فرج ضايعة وعنه عبر قوله تعالى (واعطى كل شيء خلقه ثم هدى)( ) والهداة من العباد الانبياء والعلماء الذين ارشدوا الخلق الى السعادة الاخروية، فهدوهم الى الصراط المستقيم، بل الله الهادي لهم على السنتهم، وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره.

البديع

هو الذي لا عهد بمثله فان لم يكن بمثله عهد لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في كل امر راجع اليه، فهو البديع المطلق، وان كان

شيء في ذلك معهوداً فليس ببديع مطلقاً، ولا يليق هذا الاسم مطلقاً إلا لله فانه ليس له قبل فيكون مثله معهوداً قبله، وكل موجود بعده فحاصل بايجاده فهو غير مناسب لموجدة فهو بديع ازلاً وابداً، وكل عبد اختص بخاصة في النبوّة او الولاية أو العلم لم يعهد مثلها اما في سائر الاوقات، واما في عصره فهو بديع بالاضافة الى ما هو منفرد به.

 

الباقي

هو الموجود الواجب وجوده بذاته، ولكنه اذا اضيف في الذهن الى الاستقبال يسمى باقياً، واذا اضيف الى الماضي يسمى قديماً، والباقي

هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال الى اخر، ويعبر عنه بانه ايدي، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي الى ازل، ويعبر عنه بانه ازلي، وقولك: واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك، وانما هذه الاسامي بحسب اضافة هذا الوجود في الذهن الى الماضي والمستقبل، وانما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات لانهما عبارتان عن الزمان ولا يدخل في الزمان الا التغير والحركة اذ الحركة بذاتها تنقسم: الى ماض ومستقبل والمتغير يدخل في الزمان بواسطة التغير فما جل عن التغير والحركة فليس في زمان وليس فيه ماض ولا مستقبل ولا ينفصل فيه القدم من المقابل الماضي والمستقبل، انما يكون لنا اذا مضى علينا، وفينا امور وسيجدد فينا امور ولابد من امور تحدث شيئاً بعد شيء حتى تنقسم الى ماض قد انعدم وانقطع والى حاضر والى ما يتوقع تجدده من بعد فحيث لا تجدد ولا انقضاء فلا زمان، وكيف لا؟ والحق تعالى قبل خلقه الزمان، وحيث خلق الزمان لم يتغير من ذاته شيء وقبل خلق الزمان لم يكن للزمان عليه جريان وهو بعد خلق الزمان على ما عليه كان، ولقد ابعد من قال: انّ البقاء صفة زائدة على ذات الباقي، وابعد عنه من قال: القدم وصف زائد على ذات القديم، وناهيك برهاناً على فساده مالزمه من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات، وقد نبهنا على ان لذلك اعتبارين ووجهين فراجعهما فيما تقدم( ) واستغن بها عن الفضول من الكلام وعما ابهم واشكل على أولى الافهام من طوائف الامم.

 

الوارث

هو الذي ترجع اليه الاملاك بعد فناء الملاك، وذلك هو الله اذ هوالباقي بعد فناء خلقه واليه مرجع كل شيء ومصيره وهو القائل( )  (لمن الملك

اليوم)( ) وهو المجيب لله الواحد القهار، وهذا بحسب ظن الاكثرين اذ يظنون لانفسهم ملكاً وملكاً فينكشف لهم ذلك اليوم حقيقة الحال، وهذا النداء حقيقته ينكشف لهم في ذلك الوقت، فأما ارباب القلوب والبصائر والموحدون له تعالى على الحقيقة فهم ابداً مشاهدون لمعنى هذا النداء من غير صوت ولا حرف موقنون بان الملك لله الواحد القهار في كل وقت، وفي كل ان، وفي كل ساعة، وفي كل لحظة، وكذلك كان ازلاً وابداً، ولهذا انما يدركه من ادرك حققة التوحيد في الفعل وعلم ان المتفرد في الملك والملكوة واحد.

 

الرشيد

هو الذي ينساق تدبيراته الى غاياتها على سنن السداد والرشاد من غير مشاورة مشير وتسديد مسدد وارشاد مرشد وهو الله تعالى ورشد كل

عبد بقدر هدايته في تدبيراته الى شاكلة الصواب من مقاصده في دينه ودنياه.

 

الصبور

هو الذي لا تحمله الجملة على المسارعة الى الفعل قبل اوانه، بل ينزل الامور بقدر معلوم ويجريها على سنن محدودة لا يؤخرها عن اجالها

المقدرة لها تاخير وتكاسل ولا يقدمها على اوقاتها تقديم مستعجل، بل يوزع كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب ان يكون وكما ينبغي، وكل ذلك من غير مقاساة داع على مضادة الارادة، اما صبر العبد وهو الذي يكون له به حظّ من هذه الصفة فلا يخلو عن المقاسات، لان معنى صبره هو بثبات داعي العقل أو الدين في مقابله داعي الشهوة أو الغضب فاذا تجاذبه داعيان متضادان، فان دفع العبد الداعي الى الاقدام والمبادرة وما الى باعث التاخير سمي صبوراً اذ قد جعل باعث العجلة مقهوراً وباعث العجلة في حق الله معدوم فهو أبعد عن العجلة ممن باعثه موجود ولكنه مقهور فهو احق بهذا الاسم بعد ان أخرج عن الاعتبار تناقض البواعث ومصايراتها بطريق المجاهدة.

 

الحفي

معناها العالم ومنه قوله تعالى (يسألونك عن الساعة)( كانّك حفيّ عنها)( ) اي يسألونك عن الساعة كأنك عالم بوقت مجيئها، ومعنى ثان

له ايضاً انه اللطيف والحفاية مصدر الحفي بمعنى اللطيف المحتفي بك وببرك وبلطفك.

 

الرب

الملك

وكل من ملك شيئاً فهو ربّه، ومنه قوله عزوجل (ارجع الى ربك)( ) وقال قائل: يوم حنين لان يربيني رجل من قريش يعني احب اليّ من ان يربيني رجل من هوازن يريد يملكني ويصير لي ربا ومالكاً( ) ولا يقال لمخلوق

الرب بالالف واللام، لان الالف واللام دالتان على العموم أو الكمال، وانما يقال للمخلوق ربّ كذا والربانيون نسبوا اليه بمعنى التأله في العبادة له، والربانيون ايضاً الذين صبروا مع الانبياء.

 

الدارء

معناه الخالق يقال: درء الله الخلق وبرءهم اي خلقهم، وقد قيل: ان الدرية منه اشتق اسمها كانهم ذهبوا الى انها خلق الله عزوجل خلقها من

الرجل واكثر العرب على ترك همزها.

 

الفاطر

اي المبتدع للخلق، وقد حكي عن الاصمعي انه قال اني كنت لا اعرف معنى الفاطر حتى ترافع اليّ اعرابيان في بئر فقال أحدهما: اني فطرتها

اي ابتدعتها، فهناك عرفت ان معنى هو الفاطر هو المبتدع( ).

 

المنان

معناه المعطي المنعم، ومنه قوله عزوجل (هذا اعطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب)( ) وقوله عزوجل (ولا تمنن تستكثر)( ).

 

الفالق

اسم مشتق من الفلق، ومعناه في اصل اللغة الشق يقال: سمعت هذا من فلق فيه، والله تعالى خلق كل شيء فانفلق عن جميع ما خلق ففلق

الارحام فانفلقت عن الحيوان، وفلق الحبّ والنوى فانفلقا عن النبات، وفلق الارض فانفلقت عن كل ما خرج منها، وفلق الظلام عن الاصباح، وفلق السماء فانفلقت عن القطر، وفلق البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم.

 

الرائي

معناه العالم والرؤية العلم، ومعنى ثان انه المبصر، ومعنى الرؤية الابصار ويجوز في معنى العلم لم يزل رائياً، ولا يجوز ذلك في معنى الابصار.

فهذه خلاصة اجل الاسماء المشتملة عليها اكثر الاخبار الواردة في الاسماء الحسنى، وقد سمعت من الاخبار المتقدمة عدم انحصار الاسماء الحسنى في هذا العدد المذكور سيما خبر غوالي اللئالي، وكذلك الادعية المشتملة على الاسماء الحسنى مثل دعاء الجوشن الكبير واضرابه من الادعية العلوية، والعلوية فانها مما تدل على الزيادة على التسعة والتسعين اسماً اضعافاً مضاعفة، وانما اطلنا الكلام في شرح هذه الاسماء زيادة على ما ذكره اكثر علمائنا وعلمائهم لان في هذا التقرير زيادة تقرير في الصفات الثبوتية والاظهار لاسرارها زيادة على ما تقدم في مباحثها وفصولها فتزداد به المعرفة والبصيرة كما هو غير خفي على تناول ذلك بيد غير قصيرة مع ان فيه غنية من مراجعة ما ذكره الاكثر كماترى، لكن منه على اتقان وتدبّر نظر بتصديق واذعان، ولما كان اتصافه بوجوب الوجود مستلزماً لنفي  صفات لا تليق به وهي المعبر عنها بالصفات الجلالية، وقد ذكرها أصحابنا في مؤلفاتهم مفصلة تارة ومجملة اخرى، فلابد من السلوك لمسلكهم والجري في طريقهم والتنسك بمنسكهم ليعلم الفرق بين صفات الكمال وصفات الجلال، وقد اشارت الاخبار المتواترة الى ذلك، بل القرآن قد صرح بما هنالك كما في قوله تعالى (تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام)( ) فانه اشارة الى ما يسلب عنه من الصفات التي تعالى وجل عنها ولابد من ايذاعها في فصول لتتميز كل واحدة منها بالبحث والتحقيق عن الاخرى، وهي وان كانت ترجع الى السلوب دون الايجاب إلا انها باعتبار متعلقاتها تحتاج الى زيادة التحقيق وفصل الخطاب.




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492850

 • التاريخ : 15/09/2019 - 23:01