الفصل العاشر: في بيان الصفات 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل العاشر

 

في بيان الصفات

 

أختلف فيها وتمسك مثبتها بادلة ظاهرها ثبوتها إلاّ ان تلك الادلة معارضة بما هو اقوى منها وفي تلك الصفات ما لا تليق به تعالى، ولكن الكلام فيها

مسبوق بمقدمة وقع النزاع فيها ايضاً وهي انّه: هل للّه تعالى صفة وجودية هي عين ذاته كما هو مذهب الامامية والمعتزلة والفلاسفة أو زائدة على ذاته كما ذكرنا كما هو مذهب الاشعرية من الصفات السبع التي هي الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام عندهم فمنع ذلك بعض الاشاعرة مقتصراً في نفيها على انّه لا دليل عليه فيجب نفيه، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال لما مر من ان عدم الدليل لا يدل على ثبوت ولا عدمه لان انتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء لازمه، ومنهم من زاد على هذا الاستدلال بان قال: نحن مكلّفون بكمال المعرفة وانما يحصل بمعرفة جميع صفاته فلو كان له صفة غيرها لعرفناها لكنّا لا نعرفها بل لا طريق لنا الى معرفة الصفات سوى الاستدلال بالافعال والتنزيه عن النقائص ولا يدل شيء منها على صفة زائدة فضلاً عن العينية على ما ذكرو وربما نوقش في الدليل الثاني، واجيب عنه بمنع التكليف بكمال المعرفة اذ هو بقدر وسعنا فنحن مكلّفون بان نعرف من صفاته ما يتوقف تصديق النبي (صلى الله عليه وآله) لا بمعرفة صفات اخرى أو بأن نقول سلمنا تكليفنا بكمال معرفته لكن لا يلزم من التكليف به حصوله من جميع المكلفين بل ربما يعرفه معرفة كاملة بعض منهم كالانبياء والكاملين من اتباعهم دون بعض وهو من عداهم، وهؤلاء وان كانوا هم الاكثرين ولكن لا يمتنع كثرة الهالكين بسبب ترك ما كلفوا به من كماله المعرفة، بل قد جاءت الاخبار التي مر ذكرها بالنهي عن وصفه تعالى بدون ما وصف به نفسه ووصف به نبيه(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بل سمعت في المستفيضة ان كمال دينه نفي الصفات عنه، وقد مر تحقيقه غير مرة اذ تقرر ذلك فقد اثبت بعض من المتكلمين صفات اخر وقد انهيت باعتبار مجموع المذاهب الى احدى عشرة صفة وسنبين ما هو الحق منها:

 

 

 

« الصفة([1]) الاولى

 

البقاء بعدما اتفقوا على انّه تعالى باق ازلاً وابداً لكن اختلفوا في كونه صفة ثبوتية عينية كما هو مذهب الامامية والمتكلمين او زائدة كما هو مذهب

الاشعرية او ليست بصفة بالكلية وانّما هي صفة الوجود والحياة من الصفات العينية وليس بقديم فاثبت ابو الحسن الاشعري واتباعه وجمهور معتزلة بغداد له وانه صفة وجودية غير الوجود اذ الوجود يتحقيق بدونه كما في اول الحدوث بل يتجدد بعده صفة هو البقاء. وقد اجيب عنه بانه منقوض بالحدوث فانه غير الوجود لتحقق الوجود بعد الحدوث يعني ان البقاء حصل بعدما لم يكن والحدوث زال بعد ان كان لانه الخروج من العدم الى الوجود عند الشيخ ومتابعيه فلو دل ذلك الذي ذكرتموه في البقاء على كونه وجوداً زائداً لكان الحدوث ايضاً وجوداً زائداً لما ذكرناه لان العدم بعد الحصول كالحصول بعد العدم في الدلالة على الوجود في الجملة اذ حاصلهما الانتقال الواقع بين العدم وما يقابله اعني الوجود، ولزم التسلسل في الحدوثات الوجودية ضرورة ان الحدوث لابد ان يكون حادثاً مع ان الشيخ ابا الحسن الاشعري معترف بان الحدوث ليس امراً زائدياً. وحلّه بعد نقضه ان تجدد الاتصاف بصفة لا يقتضي كونها وجودية كتجدد معية الباري مع الحادث وكذا زواله ايضاً لا يقتضيه وذلك كله لجواز الاتصاف بالعدميات وزوال ذلك الاتصاف بها ونفا القاضي ابو بكر والامامان امام الحرمين والامام الرازي وجمهور معتزلة البصرة، وقالوا: البقاء هو نفس الوجود في الزمان الثاني لا امر زائد عليه لوجهين:

 

الاول: لو كان البقاء زائداً لكان له بقاء اذ لو لم يكن البقاء باقياً لم يكن الوجود باقياً لان كونه باقيا انما هو بواسطة البقاء والمفروض زواله، وحينئذ يتسلسل البقاءآت الموجودة معاً.

 

والجواب من الاشاعرة ان بقاء البقاء نفس البقاء كما قيل في وجود الوجوب ووجوب الوجوب وامكان الامكان فلا تسلسل اصلاً. ويرد على هذا الجواب ما حققه المحقق الشريف في شرحه على المواقف([2]) انما يكرر نوعه يجب كونه اعتباريا كما مر غير مرّة .

 

الدليل الثاني انه احتاج البقاء على تقدير كونه وجودياً الى الذات لقيامه بها وزيادته عليها كما يقوله الاشعري ومتابعوه لزم الدور لانّ الذات محتاج الى البقاء ايضاً فان وجوده في الزمان الثاني معلل به ولا يحتاج البقاء الى الذات لكان محتاجاً اليه وكان هو مستغنياً عن الذات مع استغنائه عن غيره ايضاً فكان البقاء هو الواجب الوجود لانه الغني المطلق دون الذات .

 

والجواب: منهم منع احتياج الذات اللّه، وما قيل: من ان وجوده في الزمان الثاني معلل به ممنوع غاية ما في الباب ان وجوده فيه لا يكون إلاّ مع البقاء وذلك لا يوجب ان يكون البقاء علة لوجوده فيه اذ يجوز ان يكون تحققهما معاً على سبيل الاتفاق، والحق عندنا ما ذهب اليه علماء الامامية من انّه صفة عينية هي في الحقيقة نفس الوجود الذي هو عين ذاته وان الاشاعرة القائلين بزيادة الصفات الذاتية يلزمهم ما ذكرناه فيما سبق لانّ البقاء ان عني به استمرار لزم اتصاف العدم بالصفة الثبوتية وهو محال بالضرورة لبيان الملازمة ان الاستمرار كما يتحقق في جانب الوجود كما سمعت كذا يتحقق في جانب العدم لامكان تقسيم المستمر اليهما، ومورد التقسيم مشترك لان معنى الاستمرار كون الامر في اخر الزمانين كما كان في الزمن الاخر وان عني به صفة زائدة على الاستمرار فان احتاج كل منهما الى صاحبه دار، وان لم يحتج احدهما الى الاخر امكن تحقيق كل منهما بدون صاحبه فيوجد بقاء من غير استمرار وبالعكس، وهو باطل بالضرورة، وان احتاج احدهما الى صاحبه دون الاخر انفك الاخر عنه، وهو ضروري البطلان .

 

والثاني:انّه ان احتاج وجود الجوهر في الزمان الثاني الى البقاء لزم الدور لان البقاء عرض يحتاج في وجوده الى الجوهر فان احتاج الى وجود هذا الجوهر الذي فرض باقياً كان كل من البقاء ووجود الجوهر محتاجاً الى صاحبه، وهو عين الدور المحال وان كان ثمة احتاج الى وجود جوهر غيره لزم قيام الصفة بغير الموصوف، وهو غير معقول، ولا يجدي نفعاً ما اجابوا به كما تقدم من منع احتياج البقاء لا الجواهر فجاز ان يقوم بذاته لا في محل ويقتضي وجود الجوهر في الزمن الثاني لانه خطأ لافضائه الى القول بقيام البقاء بذاته فيكون جوهراً مجرداً والبقاء لا يعقل لا عرضاً قائماً بغيره، وايضاً يلزم ما ذكرناه من انّه يكون هو بالذاتية اولى من الذات، ويكون الذات بالوصفية اولى منه لانه مجرد مستغن عن الذات، والذات محتاجة اليه، والمحتاج اولى بالوصفية من المستغنى، والمستغنى اولى بالذات من المحتاج، ولانه يقتضي بقاء جميع الاشياء لعدم اختصاصه بذات دون اخرى.

 

الثالث: ان وجود الجوهر في الزمن الثاني هو عين وجوده في الزمن الاول وهو كان غنياً عن هذا البقاء فيستلزم وجوده في الزمن الخالي كذلك لامتناع كون بعض افراد الطبيعة محتاجاً لذاته الى شيء وبعض افرادها مستغنيا عنه. وقد أجاب عن هذا الكنجي في نقضه على العلامة لكتاب نهج الصدق وكشف الحق منتصراً لاصحابه الاشاعرة وجمهور معتزلة بغداد فأجاب عن الايراد الاول ان البقاء عني به استمرار الوجود لا الاستمرار المطلق حتى يلزم اتصاف العدم بالصفة الثبوتية الى اخر الدليل ورده المحقق الششتري في انتصاره للعلامة في كتابه احقاق الحق انّ استمرار الوجود فرد من الاستمرار المطلق واذا كان كذلك صح تعلّقه بالمعدوم تارة وبالموجود اخرى، وحاصل الدليل ان البقاء والاستمرار المطلق مفهوم واحد يستوي اطلاقه على الموجود والمعدوم فلو اقتضى القيام بالباقي لزم ان يكون قائما بالباقي المعدم ايضاً لما ذكرنا فيلزم اتصاف المعدم بامر ثبوتي، واذا كان هذا محالاً تعين عدم اقتضاء للقيام بشيء وبه تتم الحجة على الاشعري ولا يفيده اختياره الشق الثالث اعني استمرار الوجود. وأجاب عن الثاني بان الاشاعرة أجابوا عن ذلك بمنع احتياج الذات اليه، وما قيل ان وجوده في الزمن الثاني معلل به ممنوع كما ذكرنا سابقا عنهم غاية ما في الباب ان وجوده فيه لا يكون إلا مع وذلك لا يوجب ان يكون البقاء علّة لوجوده فيه اذ يجوز ان يكون تحققهما على سبيل الاتفاق فندفع كلما ذكر من المحذور، واعترضه الششتري في كتاب احقاق الحق من ان المحذور لازم لا مدفع عنه لان جواز ان يقوم البقاء بذته لمستلزم لجوهريته مع ظهور العرضية فيه فان جواز الاتفاق بلا علاقة بينهما مترتب على قيام البقاء بذاته لا في محل وهو المحذور الذي اورده العلامة على الاشاعرة ولا يندفع بهذا الجواب. وقد أجاب الكنجي عن الثالث من الالزامات بان جميع افراد الوجود محتاج الى البقاء في الزمن الثاني غنى عنه في الزمان الاول فلم تختلف افراد الطبيعة في الاحتياج والغناء الذتيين، ثم شنع على العلامة(قدس سره) بانه حسب ان الوجود في الزمان الاول فرد وفي الزمان الثاني فرد اخر ونسبه به الى الجهل وعدم التدبر والقدرة في شيء من المعقولات وهو سخيف([3])جداً، ولهذا اضطرب بعد ذلك وكتب في الحاشية ما هو اسخف منه، امّا ما ذكره في اصل جرحه فلان كلام العلامة صريح في انّه جعل المحذور لزوم اختلاف حكم فرد واحد من الوجود في الزمانين بحسب الفنا والافتقار حيث قال: ووجود الجوهر في الزمن الثاني عين وجوده في الزمن الاول كيف يتاتى فهذا لمعترض ان يقول: ان العلامة حسب في الوجود في الزمن الاول فرد وفي الزمن الثاني فردا اخر، وهل هذا الاشتباه دليل جهله وعدم تمكنه من فهم العبارات في مدلولاتها فضلاً عن التفطن لدقائق العلوم ومعقولاتها، واما ذكره في الحاشية من ان المقصود من هذا الجواب انّه لا يلزم من تساوي افراد الطبيعة في الاستغناء والاحتياج اليه ان لا يكون الوجود في الزمن الثاني محتاجاً الى البقاء وانما لزم ذلك منه ان لو كان الوجود في الزمن الثاني فرداً مغايراً للوجود في الزمن الاول اذ لما استغنى الوجود في الزمن الاول عنه فيجب استغناء في الزمن الثاني عنه ايضاً إلاّ انّه لا مغايرة بينهما بل هو عينه كما نص عليه هذا الرجل في اول تقرير هذا الاعتراض فحينئذ جاز ان يكون كل فرد من أفراد الوجود مستغنياً عن البقاء في الزمان الاول محتاجاً اليه في الزمن الثاني ولا يلزم التفاوت في افراد طبيعة واحدة استغناء واحتياجاً انتهى كلامه في الحاشية([4]) .

 

وقد بناه على ان العلامة اراد انّه يلزم اختلاف افراد طبيعة الوجود، وقد علمت بما نبهناك عليه من دلالة صريح كلامه على ارادة لزوم اختلاف فرد واحد من طبيعة واحدة في زمانين، وبهذا يتبين انما فهمه هذا المعترض على العلامة بما ذكره في الحاشية ايضاً غير مفهوم من كلام العلامة اصلاً كما هي عادته معه اما جهلاً او تجاهلاً والا فعبارة العلامة فيما ذكرناه في الظهور من الشمس اجلاً، واذا تقرر ذلك وثبت ان صفة البقاء عين ذاته تعالى كسائر الصفات العينية فيكون بقاؤه لذاته ولم يكن محتاجاً في بقاؤه الى غيره لانه لو احتاج في بقائه الى غيره كما هو مذهب الاشاعرة في ذلك حيث ذهبوا الى انّه باق بالبقاء الزائد على ذاته لانه لو كان كذلك كان ممكناً فلا يكون واجباً للتنافي الضروري بل الواجب والممكن ولان البقاء ان قام بذاته تعالى لزم تكثره واحتاج البقاء الى ذاته تعالى مع ان ذاته محتاج الى البقاء فيدور وان قام بغيره كان وصف الشيء حالاً في غيره لان غيره محدث فان كان البقاء قائما بذاته كان مجرداً وايضاً بقاؤه تعالى باق لامتناع تطرق العدم الى صفاته تعالى، ولانه يلزم ان يكون محلاً للحوادث فيكون له بقاء اخر ويتسلسل وايضاً صفاته باقية فلو بقيت بالبقاء لزم قيام المعنى بالمعنى، وقد تمحلوا في الجواب عن هذه الايرادات كما تمحلوا عنها فيما تقدم فيها من الصفات، وكلها في الحقيقة تعود الى الخرافات فلا حاجة الى اطالة الكلام والبحث معهم فانه يرجع الى نفخ في رماد وهيهات هيهات ان يرجعوا عن التعصب والعناد وان يبرؤا انفسهم من تلك الامراض والافات، وقد جاءت هذه الصفة في الخطب النبوية والاحاديث المرتضوية والكلمات والدعوات المعصومية فمن تلك الخطب ما رواها الشيخ في الامالي عن زيد بن علي ابن الحسين عن أبيه(عليه السلام) قال: «خطب علي بن أبي طالب(عليه السلام) بهذه الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد للّه المتوحد بالقدم والاولية والازلية الذي له غاية في دوامه ولا له اوليه ـ وساق الخطبة الى ان قال: ـ هو الباقي بغير مدة، والمنشيء لا باعوان ولا بآلة»([5]) الخطبة وفي نهج البلاغة في بعض خطبه (عليه السلام): «الحمد للّه خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد ليس لاوليته ابتداء، ولا لازليته انقضاء هو الاول لم يزل، والباقي بلا اجل» الخطبة([6])وفي كتاب التوحيد باسناده الصحيح عن أبي عمير قال: دخلت على سيدي موسى بن جعفر فقال« يا أبا احمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه تعالى ذكره في كتابه فتهلك واعلم ان اللّه تبارك وتعالى واحد احد صمد لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً» وساق الكلام الى ان قال: «والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى والثابت الذي لايزول»([7]) الحديث.

 

وفي التوحيد باسناده عن فتح ابن يزيد الجرجاني قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا(عليه السلام) أسأله عن شيء من التوحيد؟ فكتب الي بخطه قال جعفر بن محمد الاشعري وان فتحاً اخرج اليّ الكتاب فقرأته بخط ابي الحسن(عليه السلام): بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الملهم على عباده الحمد وفاطرهم على معرفة ربوبيته» وساق الكلام الى ان قال: «لا امد لكونه ولا ابد لبقاؤه»([8]) الحديث .

 

« تتمة

 

قد صح بعض محقق المتأخرين ان المثبتين للبقاء يعتبرونه تارة باستمرار الوجود ويدعون ان الوجود في الزمان الثاني زائد على الذات، واخرى بانه معنى يعلل به الوجود في الزمان الثاني، واول الوجهين للنافين بنفي المعنى الاول من معنيي البقاء لان الاستمرار اذا لم يكن باقياً لم يكن الوجود مستمراً ولا ينفي الثاني لان البقاء اذا كان امراً يعلل به الوجود في الزمان الثاني. الثاني لا يلزم ان يكون له بقاء اخر والوجه الثاني ينفي المعنى الثاني دون الاول اذ لا يلزم من استمرار الوجود وكونه زائداً على الذات احتياج الذات في وجوده الى البقاء الذي هو الاستمرار، فلا يلزم الدور، وقد أشار الى هذا الكلام المحقق السيد نور اللّه الششتري في كتاب احقاق الحق حيث قال: ومما ينبغي ان ينبه عليه ان البقاء قد فسره بعضهم باستمرار الوجود في الزمان الثاني كما مر، وفسره اخرون بانه صفة يعلل بها الوجود في الزمان الثاني والظاهر ان الدليل الثاني الذي ذكره العلامة وهو المذكور في المواقف للعضدي ايضاً الزامي لمن فسر البقاء بالتفسير الثاني مع القول بزيادته فما فعله صاحب المواقف في جوابه من منع كون الوجود في الزمن الثاني معللاً بالبقاء كما ترى([9]) .

 

 

 

« الصفة الثانية

 

القِدم من تلك الصفات التي زيدت القدم والخلاف فيها مشهور بين الفرق([10])وقد احالها جمهور الاشاعرة حيث قالوا: انّه قديم بنفسه لا يقدم

وجودي زائد على ذاته واثبتها ابن سعيد من الاشاعرة، ودليله ما مرّ في البقاء تقريره هاهنا ان يقال: القديم قد يطلق على المتقدم بالوجود اذا تطاول عليه الامد ومنه قوله تعالى (حتى عاد كالعرجون القديم) والجسم لا يوصف بهذا القدم في أول زمان حدوثه بل بعده وقد تجدد له القدم بعدما لم يكن فيكون موجوداً زائداً على الذات فكذا القدم الذي هو التقدم بلا نهاية لا بمجرد مدة فيبطل هذا المذهب بابطاله في البقاء كما مر فلا حاجة الى اعادة شيء منها والذي يختص بابطال القدم دون البقاء انّه ان اراد به انّه الذي لا اول له فسلبيّ ولا يتصور كونه وجودياً او انّه صفة لاجلها لا تخص بالباري سبحانه كما فسره الشيخ ابو اسحاق الاشعري فانه قال معنى كلامه اي كلام ابي سعيد المثبت لذلك انّه تعالى مختص بمعنى لاجله ثبت وجوده لا في حيز كما ان المتحيز بمعنى لاجله كان متحيزاً، ولا يخفى عليك ان هذا التفسير بعيد جداً عن دلالة زيادة القدم عليه وكذلك يكون القدم امراً سلبياً مرجعه حينئذ الى وجوده لا في حيز. فان قلت: هذا السلبي معلل بالقدم لانفسه. قلت: ان الصفات السلبية لا تعلل بخلاف الثبوتية او غيرهما من المعاني فعليه تصوير ذلك المعنى المراد ولا نمنع التقرير، والتحقيق إلاّ باقمة الدليل عليه وهذا المبطل له هو الذي قرر هاهنا وله مبطلات اخرى قد صرح بها في مباحث الامور العامة، فالحق اذاً ان القدم والحدوث من الصفات الاعتبارية القائمة بالوجود وما ذكرناه في ابطال زيادة البقاء كاف في بطلان القدم وكونه صفة زائدة، وقد ذهب الاشاعرة كما سمعت الى ان القدم نص ثبوتي قائم بذات الحادث، وهو باطل ايضاً لان القدم لو كان موجوداً مغايراً للذات لكان اما قديماً او حادثاً فان كان قديماً موجوداً كان له قدم اخر ولقدمه قدم وتسلسل، وان كان حادثاً كان موصوفاً بنقيضه وهو محال ومعلوم البطلان وكان اللّه تعالى محلاً للحوادث، وهو محال وكان سبحانه قبل حدوثه ليس تقديم، والكل معلوم البطلان، واما الحدوث فان كان قديماً لزم قدم الحادث الذي هو شرطه وكان الشيء موصوفاً بنقيضه، وان كان حادثاً تسلسل، فالحق اذاً ان القدم والحدوث من الصفات الاعتبارية هكذا قرره العلامة في كتاب نهج الحق وكشف الصدق([11]) وقد اعترضه الشارح الفضولي الكنجي بما لا يسمن ولا يغني من جوع وهو أنا لا نمنع لزوم التسلسل اذ قد يكون قدم القدم نفسه وايضاً جاز أن يكون قدم القدم امر اعتباريا فان وجود فرد من أفراد الطبيعة لا يستلزم وجود افرادها، واورد عليه السيد نور اللّه الششتري بانّ ما ذكره في الجواب مدخول بما حقق في الشرح الجديد للتجريد والحاشية الشريفية على القديم من ان الصفة القائمة بشيء لا يجوز ان تتصف بصفة هي عينها نعم لو كانت قائمة بالذات جاز اتصافه بصفة هي عينها كالواجب تعالى فانه عين الوجود القائم بالذات ولهذا كان موجوداً بوجود هو عينه فالقدم لما كان قائماً بالقديم لم يجز ان يتصف بقدم([12]) وايضاً مدفوع بما سبق من ان الكلام الواقع من العلامة الزامي لهم حيث قد احالوا عينية الصفات معللاً بانه مثل ان يقال: عالم لا علم له قادر لا قدرة له اسود لا سواد له، وهذا التعليل والتمثيل جار فيما تحن فيه، فلا يمكنهم ان يقال: في مقابل كلام العلامة والزامه ايّاهم بما ذكر من ان قدم القدم عينه كما لا يخفى وايضاً انما ذكره ثانياً من ان وجود فرد من افراد الطبيعة لا يستلزم وجود جميعها مردود بما حقق في الكتابين المذكورين اعني شرح الجديد والحاشية على القديم من ان نوع الصفة اذا كانت من الموجودات الخارجية لا يجوز ان يكون فرض منها عارضاً لشيء وصفة له ولم تكن تلك الصفة موجودة فقدم القدم لما كان نوعه موجوداً كان عند عروضه للقدم موجوداً. وبعبارة اخرى لا يجوز ان يكون بعض افراد الحقيقة النوعية الموجودة موجودة في الخارج وبعضها اعتبارية ممتنع الوجود فالبياض مثلاً لما كان شأنه الوجود في الخارج لم يجز أن يتصف به الشيء اتصافا لم تترتب عليه الاثار والا بان يوجد في موصوف الوجود الخارجي والا لزم ان يجوز كون الجسم ابيض بالبياض المعدوم ويتحرك بالحركة المعدومة، وهذا سفسطة ظاهرة البطلان صرح بذلك الشارح الجديد للتجريد وتلقّاه بعض اجلة المتأخرين بالقبول والتأييد، وهو حق لا ريب فيه رغماً لانف هذا الجاحد العنيد.

 

والحاصل ان بديهة العقل حاكمة بانه اذا كانت الصفة معدومة لا يمكن اتصاف الموجود بها اتصافاً كالموجود بها بحيث يترتب عليه الاثار فانه كما لا يمكن اتصاف الجسم الموجود بالبياض المعدوم اتصافاً يترتب عليه تفريق البصر كذلك لا يمكن اتصاف القديم الموجود الثابت بالقدم المعدوم بحيث يترتب عليه بثوت القدم وايضاً القائل بثبوت القدم وقيامه بذاته تعالى يلزمه القول بثبوت قدم القدم ايضاً لان السبب الذي حمله على القول بذلك في القدم هو انّه لو لم يكن ثابتاً قائما بالموصوف لما كان اتصافه تعالى بالقدم حقيقة موجود في القدم القدم اذ لو لم يكن ثابتاً لم يكن اتصاف القدم به اتصافاً حقيقياً كما لا يخفى على اولي التحقيق، وامّا الاخبار الدالة على ثبوت هذا الوصف في صفاته تعالى فما رواه في التوحيد والعيون باسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انّه قال:«اعلم علمك اللّه الخير انّ اللّه تبارك وتعالى قديم، والقدم صفة دلت العاقل على انّه لا شيء قبله، ولا شيء معه في ديموميته فقد بان لنا باقرار العامة معجزة الصفة انّه لا شيء قبل اللّه، ولا شيء مع اللّه في بقائه، وبطل قول من زعم انّه كان قبله لو كان معه شيء وذلك انّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز ان يكون خالقاً له لانه لم يزل معه فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه، ولو كان قبله شيء كان الاول ذلك الشيء لا هذا وكان الاول اولى بان يكون خالقاً للثاني»([13]).

 

وما رواه في الاحتجاج مرسلاً مثله وما في كتاب التوحيد ايضاً عن أبي هريرة ان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال «انّ للّه تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحد انّه وتر يحب الوتر من احصاها دخل الجنّة فبلغنا ان غير واحد من أهل العلم» وساق الحديث وذكر الاسماء واحداً بعد واحد الى ان قال الصادق «النور القديم الحق الفرد»([14]) الحديث .

 

وفي كتاب الاحتجاج عن ابي هاشم الجعفري قال: «كنت عند أبي جعفر الثاني(عليه السلام)فسأله رجل فقال له اخبرني عن الرب تبارك وتعال له أسماء وصفات في كتابه وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟، فقال ابو جعفر(عليه السلام): انّ لهذا الكلام وجهين: ان كنت تقول: ان هي هو انّه ذو عدد وكثرة فتعالى اللّه عن ذلك، وان كنت تقول: ان هذه الاسماء والصفات لم تزل فانما لم يزل محتمل معنيين: فان قلت: لم تزل عنده في علمه وهو يستحقها، فنعم، وان كنت تقول: لم يزل صورها وهجاوها وتقطيع حروفها، فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره، بل كان اللّه تعالى ذكره ولا خلق ثم خلقها وسيلةً بينه وبين خلقه يتضرعون بها اليه ويعبدونه، وهي  ذكره وكان اللّه بحانه ولا ذكر والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل ولا سماء، والصفات مخلوقات والمعنى بها هو اللّه الذي لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وانّما يختلف ويأتلف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير ولكنه العديم في ذاته لان ما سوى الواحد متجزيء واللّه واحد لا متجزىء ولا متوهم»([15]) الحديث .

 

وفي أمالي الشيخ باسناده عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه(عليه السلام)، قال: «خطب علي بن أبي طالب بهذا الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد للّه المتوحّد بالقدم والازلية الذي ليس له غاية في دوامه ولا له اولية»([16]) الخطبة .

 

وفي التوحيد باسناده عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: «لقيت الرضا (عليه السلام) على طريق عند منصرفه من مكة الى خراسان وهو سائر الى العراق فسمعته يقول: من اتقى اللّه يتقى ومن اطاع اللّه يطاع، فتلطفت في الوصول اليه فسلمت فرّد عليّ السلام ثم قال: يا فتح من أرضى الخالق لم يبال بسخط المخلوق ومن أسخط الخالق فقمِن أن يسلط اللّه عليه سخط المخلوق وان الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه» ثم ساق الكلام في صفة اللّه وبيان صفاته الى ان قال:«قلت: جعلت فداك قد بقيت مسألة قلت قال: هات للّه أبوك قلت: يعلم القديم الشيء الذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون، قال: ويحك ان مسائلك لصعبة فما سمعت اللّه يقول (لو كان فيهما الهة إلاّ اللّه لفسدتا)»([17]) الحديث .

 

وفي التوحيد باسناده عن عمر بن أبي المقدام عن اسحاق بن غالب عن أبي عبداللّه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في بعض خطبه: الحمد للّه الذي كان في اوليته وحدانيا» وساق الخطبة الى ان قال: «ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق وباحكام قدرته حكم جميع ما خلق» الى اخر الخطبة([18]) .

 

وفي الاحتجاج مرسلاً عن علي(عليه السلام) انّه قال في خطبة له: «لا يشمل بحدّ ولا يحسب بعدّ وانّما اتحد الاذوات انفسها وتشير الالات الى نظائرها منعتها منذ القدمة وحمتها قد الازلية وجنبتها لولا التكلمة» ثم ساق الكلام الى ان قال «ومثله لم يكن من قبل ذلك كانياً ولو كان قديماً لكان الهاً ثانياً، لا يقال له كان بعد ان لم يكن»([19]) .

 

وفي التوحيد والعيون باسناده عن الهيثم بن عبداللّه الرماني قال: «حدّثنا علي ابن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: خطب امير المؤمنين (عليه السلام) الناس في مسجد الكوفة فقال: الحمد للّه الذي لا من شيء كان ولا من شيء كون ما قد كان المستشهد بحدوث الاشياء على ازليته وبما وسمها به من العجز على قدرته»([20]).

 

وفي العيون والتوحيد والامالي باسناده عن الحسين بن خالد قال: «سمعت الرضا علي بن موسى(عليه السلام) يقول: لم يزل اللّه تبارك وتعالى عالماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً قلت: يابن رسول اللّه ان قوماً يقولون انّه عزوجل انّه لم يزل عالماً بعلم، وقادراً بقدرة وحياً بحياة وقديماً بقدم وسميعاً بسمع، وبصيراً ببصر فقال (عليه السلام): من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه الهة اخرى، وليس من ولايتنا على شيء، ثم قال(عليه السلام): لم يزل اللّه عزوجل عالماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً»([21]).

 

ورواه في الاحتجاج مرسلاً مثله، وهذا الخبر وما شابهه صريح في ان القدم من الصفات العينية الذاتية وانّه كالعلم والقدرة والحياة إلاّ انّه لا ينافي ما قررناه فيما تقدم من انها صفة اعتبارية لعودها الى السلب والاعتبار في المعنى ففي الحقيقة هي صفة للوجود الذي هو عين ذاته، ويمكن جعلها صفة ذاتية مستقلة وان لم نتعقل لها معنىً ثبوتياً، بل معنى سلبياً كما في سائر الصفات العينية عند جماعة من القدماء كما ذكرهم، وفي التوحيد باسناده الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال في صفة القديم انّه «واحداً احداً صمد احدي معنى ليس بمعان كثيرة مختلفة».

 

وبالجملة: انّ صفة القدم لا اشكال في وصفه بها وصفاً حقيقياً، وانما تجري لغيره على جهة التجوز كما في قوله تعالى (حتى عاد كالعرجون القديم) ونحو ذلك كما جاء في الاخبار في حكم من نذر ان يعتق كل عبد قديم، ولهذا فسر القدم هنا بامر خاص وهو من مضى عليه في الملك ستّة أشهر كما فسرّ بة القديم في الاية ايضاً.

 

 

 

الصفة([22]) الثالثة

 

الاستواء من الصفات المختلف فيها من الصفات الثبوتية الاستواء حتى وصف اللّه تعالى نفسه به في قوله (الرحمن على العرش استوى)([23]) وقد اختلف

الفرق في ذلك، فقال الاكثرون من علماء الاسلام انّه في الاية بمعنى الاستيلاء، وحينئذ فيعود الاستواء الى صفة القدرة كما قال الشاعر

قد استوى عمرو على العراق     من غير سيف ودم مهراق

 

اي استولى وقال الاخر:

 

 

 

فلما علَونا واستوينا عليهم     تركناهم صرعى لنسر وطائر

أي استولينا لا يقال الاستواء بمعنى الاستيلاء يشعر بالاضطراب والمقاومة والمغالبة فيستحيل في حقه تعالى وأيضاً لا فائدة في تخصيص العرش بالاستيلاء استيلاؤه يعم الكل. واجيب عن ذلك اما عن الاول فبمنع الاول عن الاشعار المذكور الاترى الى ان الغالب لا يشعر به كما في قوله تعالى (واللّه غالب على امره)([24]) نعم ربما يفهم سبق تلك الامور من خصوصيته من اسند اليه الاستيلاء في امر مخصوص وعن الثاني هو الفائدة بالاشعار عن الاعلى على الادنى لما تقرر في الاوهام ان العرش اعظم الخلق فاذا استولى عليه كان مستولياً على غيره قطعاً، وهذا عكس ما هو المشهور من التنبيه بالادنى على الاعلى، وكلاهما صواب فانه كما يفهم من حكم الادنى حكم الاعلى اذا كان به اولى كذلك يفهم عكسه اذا كان الادنى بالحكم اولى .

 

وقيل: هو القصد فيكون الاستواء صفة تعود الى الارادة نحو قوله تعالى (ثم استوى الى السماء)([25]) أي قصد اليها وهو بعيد لان ذلك اذا تعدى بإلى كالقصد كما في الاية الثانية بخلافة كما في الاية التي نحن بصدد الكلام عليها لتعديتها بعلى وذهب ابو الحسن الاشعري في أحد قوليه الى ان الاستواء صفة زائدة ليست عائدة الى الصفات السابقة وان لم نعلمها بعينها، وقد رد عليه اكثر اصحابه انّه لم يقم على ذلك دليلاً ولا يجوز التعويل في اثباته على الظواهر من الايات والاحاديث مع قيام الاحتمال المذكور وهو ان يراد به الاستيلاء أو القصد على ضعف، فالحق التوفيق مع القطع من انّه ليس كاستواء الاجسام .

 

والتحقيق هنا وفيه المخرج إن شاء اللّه من هذه الشبهات والكشف لغياهب الاشكالات الرجوع الى الروايات في كشف متشابهات الايات ففي كافي والمحاسن عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) «وسئل عن معنى قول اللّه تعالى (الرحمن على العرش استوى) فقال استوى على ما دق وجلّ»([26]) .

 

وفي الاحتجاج عن الحسن بن علي (عليه السلام) مرسلاً مثله، وفي كتاب المعاني والتوحيد باسناده عن مقاتل بن سليمان قال: «سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شيء فلا شيء اقرب اليه من شيء»([27]).

 

وفي الكافي والتوحيد باسناديهما عن الخشاب عن بعض رجاله عن أبي عبداللّه(عليه السلام) انّه سئل عن قول اللّه عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: «استوى من كل شيء فلا شيء أقرب منه الى شيء»([28]) .

 

وفي الكافي وتفسير القمي عن محمد بن مارد ان ابا عبدالله(عليه السلام) «انه سئل عن قول الله عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال استوى من كل شيء، فليس شيء اقرب منه الى شيء»([29]).

 

وفي التوحيد وكافي بسند صحيح عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: «سألت ابا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شيء فليس شيء أقرب اليه من لا شيء، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب استوى من كل شيء»([30]). وفي التوحيد باسناده عن محمد بن مارد ايضاً ثم ذكر مثل حديثه الاول([31]).

 

وتحقيق مؤدّى هذه الاخبار يتوقف على ذكر معان الاستواء حيث انّه يطلق لغة على معان ليلائم بين ما يليق من المعاني وبين الاية بالنظر الى الاخبار والمفسرة لها فالاول من تلك المعاني الاستقرار والتمكن على الشيء، الثاني قصد الشيء والاقبال اليه، الثالث: الاستيلاء على الشيء، الرابع: الاعتدال يقول سويت الشيء فاستوى، الخامس: المساواة في النسبة، فامّا المعنى الاول فيستحيل على اللّه تعالى لما ثبت بالبراهين العقلية والنقلية من استحالة كونه تعالى مكانيا فمن المفسرين من حمل الاستواء في الاية على المعنى الثاني كما هو مذهب جماعة من المتكلمين ايضاً كما سمعت فيما سبق اي أقبل على خلقه وقصد الى ذلك، وقد رووا انّه سئل ابو العباس احمد بن يحيى ثعلب عن هذه الاية فقال: الاستواء الاقبال على الشيء ونحو هذا، قال افراوالزجاج في قوله عزوجل (ثم استوى الى السماء) كما سمعت فيما سبق ايضاً، والاكثرون منهم حملوها على المعنى الثالث اي استولى عليه وملكه ودبره وقال الزمخشري في كشافه: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على السرير يريدون ملكه وان لم يقعد على السرير البته، وانما عبّروا عن حصول الملك بذلك لانه اصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال: فلان ملك ونحوه قولك يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة بمعنى انّه جواد أو بخيل لا فرق بين العبارتين إلاّ فيما قلت حتى ان من لم يبسط يده قط بالنوال او لم يكن له يد رأساً وهو جواد قيل فيه يد مبسوطة لانه لا فرق عندهم بينه وبين قولهم جواد انتهى([32]).

 

ويحتمل ان يكون المراد المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه فيكون قوله تعالى على العرش حالية وسيأتي توجيهه ولكنه بعيد،وأمّا المعنى الخامس فهو الظاهر مما مرّ من الاخبار، فاعلم انّ العرش قد يطلق على الجسم العظيم الذي حاط بسائر الجسمانيات، وقد يطلق على جميع المخلوقات، وقد يطلق على العلم ايضاً كما ورد به الاخبار الكثيرة، واذا تقرر هذا فاما ان يكون (عليه السلام) فسّر العرش بمجموع الاشياء وضمن الاستواء ما يعتدى بعلى كالاستيلاء والاستعلاء والاشراف والمعنى استوت نسبته الى كل شيء حال كونه متمكناً على عرش العلم فيكون باشارة الى بيان نسبته تعالى وانها بالعلم والاحاطة او المراد بالعرش عرش العظمة والجلال والقدرة كما فسر بها ايضاً في بعض الاخبار اي استوى من كل شيء مع كونه في غاية العظمة ومتمكنا على عرش التقدير والجلالة .

 

والحاصل ان علوّ قدره ليس مانعاً من دونه بالحفظ والتربية والاحاطة وكذا العكس وعلى التقادير فقوله (استوى) خبر وقوله (على العرش) حال، وتحتمل ان يكونا خبرين على بعض التقادير ولا يبعد على الاحتمال الاول جعل قوله (على العرش)متعلقاً بالاستواء بان يكون كلمة «على» بمعنى الى، ويحتمل على تقدير حمل (العرش) على العلم ان يكون قوله (على العرش) خبر او قوله (استوى) حالاً عن العرش، ولكنه بعيد، وعلى التقادير يمكن ان يقال: ان النكتة في إيراد الرحمن بيان ان رحمانيته توجب استواء نسبته ايجاداً وحفظاً وتربية وعلما الى الجميع بخلاف الرحيمية، فانها تقتضي افاضة الهداية على خاصة المؤمنين فقط وكذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما سيأتي تحقيقها، ويؤيد بعض هذه الوجوه التي ذكرناها ما ذكره الصدوق رحمه اللّه في كتاب العقائد حيث قال: اعتقادنا في العرش انّه جملة جميع الخلق والعرش في وجه آخر هو العلم وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: «استوى من كل شيء فليس شيء أقرب منه الى شيء» وقال الصدوق في عقائده ان المشبهة تتعلق بقوله عزوجل (إن ربكم اللّه الذي خلق السموات والارض في ستّة أيّام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار)ولا حجّة لهم في ذلك لانه عزوجل عنى بقوله (استوى على العرش) اي ثم نقل العرش الى فوق السموات وهو مستول عليه ومالك له فقوله عزوجل (ثم) انما هو لرفع العرش الى مكانه الذي هو فيه ونقله الاستواء، ولا يجوز ان يكون معنى قوله (استوى)استولى لان الاستيلاء اللّه على الملك وعلى الاشياء ليس هو بامر حادث بل كان لم يزل مالكاً لكل شيء، وانّما ذكر عزوجل الاستواء بعد قوله (ثم) وهو يعني الرفع مجاراً وهو كقوله (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)([33])فذكر نعلم مع قوله (حتى) وهو عزوجل يعني حتى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك لان حتى لا تقع إلاّ على علم حادث وعلم اللّه عزوجل بالاشياء لا يكون حادثاً وكذلك ذكر قوله عزوجل (استوى على العرش) بعد قوله (ثم) وهو يعني بذلك ثمَّ رفع العرش لاستيلائه عليه ولم يعن بذلك الجلوس واعتدال البدن لان اللّه تعالى لا يجوز ان يكون جسماً ولا ذا بدن تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

 

وبالجملة انّ الاخبار في تفسير هذه الاية، والجواب عنها وان كانت مختلفة في الظاهر إلاّ انّها في الحقيقة متحدة اذ لابد من حمل الاستواء فيها على معنى صفة يصح نسبتها الى اللّه سواء حملنا العرش فيها على الجسم المخصوص او على العلم او على ما سوى اللّه من العالم، بل اذ قد نقل الشيخ المحدّث الشيخ عبد علي في كتاب التفسير القرائن الموسوم بنور الثقلين انّ العرش في الاخبار جاء لاربعين معنى وتلك الاخبار موجودة يقف عليها من تتبعها إلاّ انّها متفرقة في المباحث من كتب الاخبار وإلا ان اكثر الاخبار هنا الواردة في تأويلها ترجع في الحقيقة الى صفة فعلية تلزمها صفة ذاتية وهي العلم والقدرة أو الارادة بالمعنى الذاتي فالاشياء كلها بالنسبة الى ذاته قدرة وعلماً مستوية لا يسبق حال منها حالاً كما هي شأن الصفات الذاتية، وانّما الاختلاف في التعلق الفعلي، فبعضها متقدم وبعضها متأخر، وبهذا يتبين لك ان الاستواء ليس من الصفات الحقيقة إلاّ باعتبار التجوز والرجوع فيها الى احد الصفات الذاتية لان ثبوت الصفات لا يمكن الاستدلال عليه بمثل هذه الايات حتى ان الحنابلة اثبتوا بها التجسيم ولم يتعقّلوا لها معان ملائمة، ولابأس بايراد بعض الاخبار الواردة في معنى العرش ليسهل التأويل في مثل هذه الايات ولتنتفي عنه تعالى الجسمية والحلول والمكان تعالى شأنه علواً كبيراً فمن تلك الاخبار ما رواه في الخصال في مسائل اليهودي لامير المؤمنين صلوات اللّه عليه عن اللّه فقال له: «فربك يحمل أو يُحمل؟، فقال: انّ ربي عزوجل يحمل كل شيء بقدرته، ولا يحمله شيء قال: كيف قوله عزوجل (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فقال: يا يهودي ألم تعلم انّ للّه ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى فكل شيء على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة تحمل كل شيء»([34]).

 

وفي العيون والتوحيد باسناده عن الهروي قال «سأل المأمون أبا الحسن علي ابن موسى الرضا(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيّام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) فقال: ان اللّه تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السموات والارض، وكانت الملائكة تستدل بانفسها وبالعرش والماء على اللّه تبارك وتعالى، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر ذلك قدرته للملائكة فتعلم انّه على كل شيء قدير، ثم رفع العرش بقدرته فجعله فوق السموات السبع، ثم خلق السموات والارض في ستة أيام، وهو مستول على عرشه وكان قادراً ان يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء فيستدل بحدوث ما يحدث على اللّه تعالى ذكره مرة بعد مرة، ولم يخلق اللّه العرش لحاجته به اليه ولانه غني عن العرش وعن جميع ما خلق لا يوصف بالكون على العرش لانه ليس بجسم تعالى عن صفة خلقه علواً كبيراً»([35]) الحديث واذا تأملت هذا الخبر ظهر لك منه ما ذكره الصدوق في عقائده من التأويل المذكور .

 

وفي كتاب التوحيد ايضاً باسناده عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي اتى ابا عبداللّه(عليه السلام) وسأله عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) قال ابو عبداللّه(عليه السلام): «بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه من غير ان يكون العرش حاملاً له ولا أن يكون العرش حاوياً له ولا أنّ العرش محتاز له، ولكن نقول: هو حامل العرش وممسك العرش، ونقول: من ذلك ما قال (وسع كرسيه السموات والارض)فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش، والكرسي حاوياً له، وان يكون عزوجل محتاجاً الى مكان او الى شيء مما خلق بل خلقه محتاجون اليه» ثم ساق الحديث الى ان قال: «قال السائل: فتقول انّه ينزل الى السماء الدنيا؟، قال أبو عبداللّه (عليه السلام): نقول ذلك لان الروايات قد صحت به والاخبار، قال السائل: واذا أنزل أليس قد حال عن العرش وحوله عن العرش انتقال؟، قال أبو عبداللّه(عليه السلام): ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الذي ينتقل باختلاف المحال عليه والملالة والسامة وناقل ينقله، ويحوله من حال الى حال بل تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال، ولا يجري عليه الحدوث فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي ان تنحى عن مكان خلي منه المكان الاول، ولكنه ينزل الى سماء الدنيا بغير مفارقة ولا حركة فيكون هو كما في السماء السابعة وعلى العرش كذلك هو في سماء الدنيا انّما يكشف عن عظمته ويرى أولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته، ونظره في القرب والبعد سواء»([36]) قال الصدوق في الكتاب المذكور بعد ايراده لهذا الخبر: قوله (عليه السلام): «انّه على العرش» انّه ليس بمعنى التمكن فيه ولكنه بمعنى التعالى عليه بالقدرة، يقال فلان على خير واستعانة على عمل كذا وكذا ليس بمعنى التمكن فيه والاستقرار([37]) عليه ولكن ذلك بمعنى التمكن منه والقدرة عليه، وقوله في النزول ليس بمعنى الانتقال وقطع المسافات ولكنه بمعنى انزل الامر منه الى سماء الدنيا، لان العرش هو المكان الذي ينتهي اليه باعمال العباد من السدرة المنتهى اليه، وقد يجعل اللّه عزوجل سماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل وفي ليالي الجمعة مسافة الاعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الاوقات الى العرش، وقوله «يري أولياءه نفسه» فانه يعني باظهار بدائع فطرته فقد جرت العادة بان يقال للسلطان اذا ظهر له قولة وقدرة وخيلاً ورجلاً قد أظهر نفسه، وعلى ذلك دل الكلام ومجاز انتهى كلامه([38]) .

 

وفي التوحيد باسناده عن أبي هاشم الرماني (عن زاذان) عن سلمان الفارسي في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسوله(عليه السلام) وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها فدلّ على أمير المؤمنين وأرشد اليه فكان مما سأله ان قال «اخبرني عن ربّك يحمل أو يُحمل فقال علي(عليه السلام): إنّ ربنا جل جلاله يحمل ولا يحمل، قال النصراني: كيف ذلك ونحن نجد في الانجيل (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)، فقال علي(عليه السلام): ان الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما نظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر، وربك عزوجل مالكه لا انّه عليه ككون الشيء على الشيء، وامر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما اقدرهم عليه، قال النصراني صدقت يرحمك اللّه»([39]).

 

وفي التوحيد باسناده عن داود الرقي قال: «سألت أبا عبداللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (وكان عرشه على الماء) فقال لي: ما يقولون، قلت: يقولون انّ العرش على الماء والرب فوقه فقال: فقد كذبوا من زعم هذا فقد صير اللّه محمولاً، ووصفه بصفة المخلوق ولزمه ان الشيء الذي يحمله اقوى منه، قلت: بين لي جعلت فداك؟، فقال: انّ اللّه عزوجل حمل دينه وعلمه الماء قبل ان تكون ارض أو سماء أو جن أو انس او شمس أو قمر، فلما ان أراد يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال: لهم من ربكم فكان اول من نطق رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) والائمة صلوات اللّه عليهم فقالوا: أنت ربنا فحملهم العلم والدين ثم قال للملائكة هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون ثم اقبل النبي (ادم)(عليه السلام)فقال اقرّوا للّه بالربوبية ولهؤلاء النفر بالطاعة فقالوا: ربّنا اقررنا، فقال للملائكة أشهدوا فقالت الملائكة شهدنا على انّ لا يقولوا انّا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا انما اشرك اباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق»([40]).

 

وفي كتاب معاني الاخبار باسناده عن حنان بن سدير قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن العرش والكرسي؟، فقال: ان للعرش صفات كثيرة مختلفة له في سبب وضع في القرآن صفته على حدة فقوله (رب العرش العظيم) يقول الملك العظيم وقوله (الرحمن على العرش استوى) يقول على الملك احتوى وهذا ملك الكيفوفيه في الاشياء ثم العرش في الوصل مفرد من الكرسي لانهما بابان من اكبر أبواب الغيوب، وهما جميعاً غيبان، وهما في الغيب مقرونان  لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع، ومنها الاشياء كلها، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدرة والحدّ والاين والمشيئة وصفة الارادة، وعلم الالفاظ والحركات والترك، وعلم العود والبدء فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه اغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال ربّ العرش العظيم اي صفته اعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك مقرونان، قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي؟، قال (عليه السلام) انّه صار جاره لان علم الكيفوفية وفيه الظاهر من أبواب البدا وانيتها وحد رتقها وفتقها فهذان جاران احدهما حمل صاحبه في الظرف ويمثل صرف العلماء وليستدلوا على صدق دعواهما لانه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز فمن اختلاف صفات العرش انّه قال تبارك وتعالى (رب العرش) رب الوحدانية عما يصفون وقوم وصفوه بيدين فقالوا (يد اللّه مغلولة) وقوم وصفوه بالرجلين فقالوا: وضع رجله على صخر بيت المقدس فمنها ارتقى الى السماء وصفوه بالانامل فقالوا: ان محمداً(صلى الله عليه وآله) قال انّي وجدت برد أنامله على قلبي فلمثل هذه الصفات قال (رب العرش عمّا يصفون) يقول رب المثل الاعلى عما به مثلوه، وللّه المثل الاعلى الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهم فذلك المثل الاعلى، ووصف الذين لم يؤتوا من اللّه فوائد العلم فوصفوا ربهم بادنى المثال وشبهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به فذلك قال (ما اوتيتم من العلم إلاّ قليلاً) فليس له شبه ولا مثل ولا عدل وله الاسماء الحسن التي لم يسم بها غيره وهي التي وصفها في الكتاب فقال (فادعوه بها وذروا الذين يلحدون) في اسمائه جهلاً بغير علم فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم ويكفر وهو يظن انّه يحسن فلذلك قال (وما يؤمن اكثرهم باللّه إلاّ وهم مشركون) فهم الذين يلحدون في أسمائه جهلاً بغير علم فيضعونها غير مواضعها»([41]) الحديث.

 

وفي المعاني باسناده عن المفضل بن عمر قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن العرش والكرسي ما هما؟، قال: العرش في وجه هو جملة الخلق، والكرسي وعاءه، وفي وجه اخر هو العلم الذي اطلع اللّه عليه انبياءه ورسله وحججه، والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه احدا من انبيائه ورسله وحججه (عليهم السلام)»([42]).

 

والاخبار الشاهدة بتعددها معاني العرش والكرسي مستفيضة، ومن هنا قد سمعت ما سمعت من التأويلات في تلك الاخبار التي قد اوردناها وسيما خبر حنان بن سدير قال بعض الافاضل من المحدثين: اعلم ان ملوك الدنيا لما كان ظهورهم واجراء احكامهم على رعيتهم انما يكون عند صعودهم على كراسي الملك وعروجهم على عرش السلطنة ومنها تظهر آثارهم وتتبيّن اسرارهم واللّه سبحانه منزّه عن المكان لا يوصف بمحل ولا مقر وليس له عرش ولا كرسي يستقر عليهما بل يطلقان على أشياء من مخلوقاته أو صفاته الكمالية على وجه المناسبة، فالكرسي والعرش يطلقان على معان:

 

احدهما: جسمان عظيمان خلقهما اللّه سبحانه فوق سبع سموات، وظاهر اكثر الاخبار انّ العرش ارفع واعظم من الكرسي، ويلوح من بعضها العكس، والحكماء يزعمون ان الكرسي هو الفلك الثامن، والعرش هو الفلك التاسع، وظواهر الاخبار تدل على غير ذلك من كونها مربعين ذاتي قوائم واركان وربّما يأولان بالجهات والحدود وبالصفات التي بها استحق التعظيم والتكريم ولا حاجة لنا الى هذه التكلفات وانّما سمي بالاسمين لبروز احكامه وتقديراته من عندهما واحاطة الكروبيين والمقربين وارواح النبيين والاوصياء بهما كما ان أوامر الملوك واحكامهم واثار سلطنتهم وعظمتهم تبدو منهما وتطوف مقربوا احبائهم وخواص ملكهم بهما، وايضاً لما كان اعظم لمخلوقاته الجسمانية وفيهما من الانوار العجيبة والاثار الغريبة ما ليس في غيرهما من الاجسام فدلالتهما على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته اكثر من سائر الاجسام فلذا اختصا بهذين الاسمين من بينها، وحملتهما في الدنيا جماعة من الملائكة كما عرفت وفي الاخرة أمّا الملائكة واولوا العزم من الانبياء مع صفوة الاوصياء كما ثبت في الاخبار، ويمكن ان يكون نسبة الحمل اليهم مجاز القيام العرش بهم في القيامة وكونهم الحكام عنده والمقربين لديه.

 

وثانيها: العلم كما عرفت اطلاقها في كثير من الاخبار عليه، وقد مرّ الفرق بينهما في خبر معاني الاخبار وغيره وذلك لان منشأ ظهوره سبحانه في خلقه العلم والمعرفة وبه يتجلى للعباد فكأنه عرشه وكرسيه سبحانه وحملتهما نبينا وأئمتنا صلوات اللّه عليهم لانهم خزان علمه تعالى في سمائه وأرضه لاسيما ما يتعلق بمعرفته سبحانه .

 

وثالثها: الملك وقد مر اطلاقهما عليه في خبر حنان، والوجه ما مر ايضاً.

 

ورابعها: الجسم المحيط وجميع ما في جوفه او جميع ما خلق كما ذكره الصدوق(رحمه الله) ويستفاد من بعض الاخبار اذ ما من شيء في الارض ولا في السماء وما فوقها وهي من آيات وجوده وعلامات قدرته واثار جوده وفيضه وحكمته فجميع المخلوقات عرش عظمته وجلاله، وبهذا تجلى للعارفين بصفات كماله.

 

وخامسها: اطلاق العرش على كل صفة من صفاته الكمالية والجلالية اذ كل منهما مستقر لعظمته وجلاله وبها يظهر لعباده على قدر قابليتهم ومعرفتهم فله عرش العلم، وعرش القدرة، وعرش الرحمانية، وعرش الرحيمية، وعرش الوحدانية، وعرش التنزه كما في خبر منان.

 

وسادسها: اطلاق اعرش على قلب الانبياء والاوصياء وكلّ المؤمنين فان قلوبهم مستقر محبته ومعرفته سبحانه كما روي «ان قلب المؤمن عرش الرحمن» وروي ايضاً في الحديث القدسي «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن»

 

ثم اعلم انّ اطلاقهما على بعض المعاني عند التصريح به او اقامة القرائن عليه لا ينافي وجوب الاذعان بالمعنى الاول الذي هو الظاهر من اكثر الروايات والاخبار واللّه المطلع على الاسرار انتهى كلام ذلك الفاضل في كتابه بحار الانوار وانما نقلناه بطوله لكثرة فوائده ومحصوله ولانتزاعه من تلك الاسرار التي جاءت بها الايات والاثار .

 

« الصفة الرابعة

الوجـه مما اثبتها بعض فرق الاسلام الوجه لقوله تعالى (ويبقى وجه ربك)([43])(كل شيء هالك إلا وجهه)([44]) وممن اثبتها ابو الحسن الاشعري في احد قوليه وابو اسحاق الاسفرائيني وجملة من السلف قالوا: هي صفة ثبوتية زائدة على ما مرّ من الصفات وقال: في قول آخر ووافقه القاضي بعدم الوجود لعدم القاطع وعدم تجويز التعويل على الظواهر مع قيام الاحتمال وذلك لان الوجه وضع في اللغة اللجارحة المخصوصة حقيقة ولا يجوز ارادتها في حقّه تعالى ولم يوضع لصفة اخرى مجهولة لنا بل لا يجوز وصفه به بما لا يعقله المخاطب فتعين المجاز والتجوز به عما يعقل ويثبت بالدليل متعين وهو ان يتجوز به عن الذات وجميع الصفات فان الباقي هي ذاته مع مجموع صفاته وما سواه هالك غير باق وجاء تأويله بالدين ايضاً لان دينه غير هالك وباهل البيت(عليهم السلام) لبقائهم على سبيل الاستمرار والدوام وتدلّ على هذه التأويلات جملة من الاخبار وكلام المفسرين، وقد أتينا على الاخبار كلّها إلاّ ما نذر منها في رسالتنا التي الفناها  في عدم الارواح وفي اعادة المعدم. فمن تلك الاخبار ما في التوحيد والعيون باسناده عن الهروي بسند حسن بل صحيح قال: «قلت لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام): يابن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي ترويه اهل الحديث ان المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة» وساق الحديث الى ان قال: «فما معنى الخبر الذي رووه ان ثواب لا إله إلاّ اللّه النظر الى وجه اللّه؟، فقال (عليه السلام): يا ابا الصلت من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياءه ورسله وحججه صلوات اللّه عليهم هم الذين بهم يتوجه الى اللّه عزوجل والى دينه ومعرفته، وقال اللّه عزوجل (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك)وقال عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) فالنظر الى أنبياء اللّه ورسله وحججه(عليه السلام) في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة» الحديث([45]) .

 

وفي الكافي بسنده عن الحارث بن المغيرة النضري قال: «سئل ابوعبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تعالى (كل شيء هالك إلاّ وجهه) فقال: ما يقولون فيه، قلت: يقولون يهلك كل شيء إلا وجه اللّه، فقال: سبحان اللّه لقد قالوا قولاً عظيماً، انّما عني بذلك وجه اللّه الذي يؤتى منه»([46]).

 

وفي الكافي ايضاً بسند صحيح عن صفوان الجمال عن أبي عبداللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: «من أتى اللّه بما أمر به من طاعة محمد(صلى الله عليه وآله)فهو الوجه الذي لا يهلك، وكذلك قال: من يطع الرسول فقد أطاع اللّه»([47]).

 

وفيه عن مروان بن صباح قال: «قال ابو عبداللّه (عليه السلام): اللّه خلقنا فاحسن خلقنا، وصورنا فاحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانّه في سمائه وارضه بنا اثمرت الاشجار، واينعت الثمار، وجرت الانهار» وساق الحديث الى ان قال: «ولولا نحن ما عبد اللّه»([48]).

 

وفيه باسناده عن اسود بن سعيد قال: «كنت عند ابي جعفر (عليه السلام) فانشأ يقول ابتدأ من غير ان أسأله: نحن حجة اللّه، ونحن باب اللّه، ونحن لسان اللّه، ونحن وجه اللّه، ونحن عين اللّه في خلقه، ونحن ولاة في عباده»([49]).

 

وفي التوحيد والمعاني باسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: «قلت لابي جعفر(عليه السلام): قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: فيهلك كل شيء، ويبقى الوجه ان اللّه عزوجل اعظم من ان يوصف بالوجه، ولكن معناه كل شيء هالك إلاّ دينه، والوجه الذي يؤتى منه»([50]).


 

وفي البصائر باسناده عن منصور بن حازم عن جليس لابي حمزة عن أبي حمزة قال: «قلت لابي عبداللّه (عليه السلام) قول اللّه عزوجل» وذكر مثله([51]) .

 

وفي البصائر ايضاً بسند صحيح عن أبي حمزة الثمالي مثله، وفي البصائر ايضاً بسنده عن ابن المغيرة قال: «كنّا عند أبي عبداللّه فسأله رجل عن قول اللّه (كل شيء هالك إلا وجهه) قال: ما يقولون فيه، قلت: يقولون يهلك كل شيء إلاّ وجهه، فقال: يهلك كل شيء الا وجهه الذي يؤتى منه، ونحن وجه اللّه يؤتى منه»([52]).

 

وفي التوحيد واالمعاني بسنده عن صالح بن سهل عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: «نحن»([53]).

 

وفي التوحيد باسناده عن صفوان الجمال عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: «من أتى اللّه بما أمر من طاعته محمد(صلى الله عليه وآله)والائمة بعدُ صلوات اللّه عليهم فهو الوجه لا يهلك ثم قرأ (من يطع الرسول فقد أطاع اللّه)»([54]).

 

وفي التوحيد ايضاً بهذا الاسناد قال: قال ابو عبداللّه (عليه السلام): «نحن وجه اللّه الذي لا يهلك»([55]).

 

وفي التوحيد ايضاً في الموثق عن الحارث بن المغيرة النصري قال: «سألت ابا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: كل شيء هالك إلاّ من اخذ طريق الحق»([56]).

 

وفي التوحيد باسناده عن سيف بن عميرة النخعي عن خيثمة قال: «سألت ابا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (كل شيء هالك إلاّ وجهه) قال: دينه وكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) دينه ووجهه وعينه في عباده، ولسانه الذي ينطق به، ويده على خلقه، ونحن وجه اللّه الذي يؤتى منه لن نزال في عباده مادامت للّه فيهم روية، قلت: وما الرؤية؟، قال: الحاجة فاذا لم يكن للّه في عباده حاجة رفعنا اللّه، وصنع ما احبّ»([57]).

 

وأما المفسّرون فذكروا في مثل هذا الايات وجهين:

 

احدهما: انّ المراد به الادانة كما يقال: وجه هذا الامر اي حقيقته.

 

وثانيهما: ان المعنى ما اريد به وجه اللّه من العمل، واختلف على الاول في الهلاك هل هو الانعدام حقيقة او لانه لا مكانه في معرض الفناء والعدم؟ وعلى ما ورد في تلك الاخبار ما قد سمعت من المعاني المناسبة المطلوب فلا يحتاج الى تكلف الجواب بغير ما ذكر فيها وهي صريحة في عدم جواز الوصف بالوجه بمعنى الجارحة وان لم تكن كالجوارح لانه منزه عن ذلك آية ورواية، فثبت بطلان القول بهذه الصفة كمن ذهب الى القول بها وان لم يفسر معناها بالجارحة الحقيقية كما هو غير خفي على من تأمل هذه الاخبار والتقط جني هذه الثمار واستخرج درر هذه الاخبار والاثار.

 

« الصفة الخامسة

اليـد من الصفات المختلف في ثبوتها ونسبتها اليه تعالى اليد، قال اللّه تعالى (يد اللّه فوق ايديهم)([58]) (ما منعك ان تسجد لمن خلقت بيدي)([59]) الى غير

ذلك من الايات القرانية الشاهدة بهذه النسبة فاثبتها الاشاعرة وجعلها رئيسهم صفتين بثبوتيتين زائدتين على الذات وسائر الصفات لا بمعنى الجارحتين، واليه مال القاضي في بعض كتبه، وقال الاكثر من الامامية وسائر الفرق: انهما مجازان عن القدرة فانه شائع وخلقت بيدي اي بقدرتي الكاملة ولم يرد بقدرتين وتخصيص خلق آدم بذلك مع ان الكل مخلوق بقدرته تعالى تشريف وتكريم له كما اضاف الكعبة الى نفسه في قوله (ان طهر بيتي للطائفين)([60]) وذلك للتشريف مع انّه مالك للمخلوقات كلها وكما خصص المؤمنين بالعبودية في قوله (ان عبادي ليس لك عليهم سلطان)([61])وقال بعضهم: مجاز عن النعمة وضعّف بانه لا يلائم نسبة الخلق الى اليد.

 

والتحقيق  في هذه الصفة كالتحقيق في السابقة عليها والمرجع في ذلك الى الاخبار الواردة عن الائمة صلوات اللّه عليهم اثباتاً وتأويلاً فمن تلك الاخبار ما في الكافي عن أبي سلام النخاس عن بعض أصحابنا عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «نحن المثاني الذين اعطاها اللّه نبينا محمداً (صلى الله عليه وآله) ونحن وجه اللّه في الارض نتقلب بين اظهركم، ونحن عين اللّه في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا، وانا ائمة المتقين»([62]) وقد تقدم من خبر مروان بن الصباح المروي في الكافي، وقد مر فيما سبق وفي خبر هاشم ابن ابي عمار الجنبي قال: «سمعت امير المؤمنين (عليه السلام) يقول: انا عين اللّه وأنا يد اللّه، وأنا جنب اللّه، وأنا باب اللّه»([63]) .

 

وفي تفسير القمي باسناده عن ابي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لو ان اللّه خلق الخلق كلهم بيده لم يحتج في ادم الذي خلقه بيده فيقول (ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) أفترى اللّه يبعث الاشياء بيده»([64]) ولعل المراد انّه لو كان اللّه تعالى جسماً يزاول الاشياء ويعالجها بيده لم يكن ذلك مختصاً بادم (عليه السلام) بل هو تعالى منزه عن ذلك، وهو كناية عن كمال العناية بشأنه كما سيجيء كمال توضيحه وبيانه .

 

وفي التوحيد والمعاني باسناده عن اليقطيني قال: «سألت ابا الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل: (والارض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه)، فقال: ذلك تعبير اللّه تعالى عن شبهه بخلقه الاترى انّه قال (وما قدروا اللّه حق قدره) ومعناه اذ قالوا ان الارض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه وكما قال عزوجل (حق قدره) اذ قالوا (ما أنزل اللّه على بشر من شي) ثم نزّه عزوجل نفسه عن القبضة واليمين فقال (سبحانه وتعالى عما يشركون)»([65])، وهذا وجه حسن في تأويل الاية لم يتعرض له المفسرون وهو ان قوله تعالى (وما قدروا اللّه حق قدره) متصل بقوله (والارض جيعاً) فيكون على تأويله (عليه السلام) القول مقدراً اي ما عظمّوا اللّه حق تعظيمه وقد قالوا: ان الارض جميعاً الاية، ويؤيده ان العامة رووا ان يهودياً أتى النبي(صلى الله عليه وآله) وذكر نحواً من ذلك فضحك (صلى الله عليه وآله).

 

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن سليمان بن مهران قال: «سألت أبا عبداللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (والارض جميعاً قبضته يوم القيامة) فقال يعني ملكه لا يملكها معه أحد والقبض من اللّه تعالى في موضع اخر المنع، والبسط منه الاعطاء، والتوسيع كما قال تعالى (واللّه يقبض ويبسط واليه ترجعون) يعني يعطي ويوسع ويمنع ويضيق، والقبض منه عزوجل في موضع آخر الاخذ، والاخذ في وجه القبول منه كما قال (ويأخذ الصدقات) اي يقبلها من أهلها، ويثيب عليها قلت: فقوله عزوجل (والسموات مطويات بيمينه) قال اليمين اليد، واليد القدرة، والقوة يقول اللّه عزوجل (والسموات مطويات بقدرته) وقوته سبحانه وتعالى عما يشركون»([66]).

 

وفي التوحيد والمعاني باسناده عن محمد بن مسلم قال: «سألت ابا جعفر(عليه السلام)فقلت قوله عزوجل (يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) فقال اليد في كلام العرب القوة والنعمة قال (واذكر عبدنا داود ذا الايدي) وقال (والسماء بنيناها بايد) اي بقوة وقال (وأيّدهم بروح منه) أي قوّاهم، ويقال لفلان له عندي ايادي كثيرة اي فواضل وإحسان وعندي([67]) يد بيضاء اي نعمة»([68]) ويظهر من هذا الخبر أنّ التأييد مشتق من اليد بمعنى القوّة كما يظهر من كلام الجوهري في صحاحه أيضاً، وفي المعاني باسناده عن عبداللّه بن قيس عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: بل يداه مبسوطتان فقلت له: يدان هكذا وأشرت بيدي الى يديه؟، فقال: لا لو كان هكذا لكان مخلوقاً»([69]).

 

وفي التوحيد والعيون باسناده عن محمد بن عبده قال: «سألت الرضا(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل لابليس (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ) قال: يعني بقدرتي وقوّتي»([70])قال الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد سمعت بعض مشايخ الشيعة بنيشابور يذكر في هذه الاية أنّ الائمة(عليهم السلام) كانوا يقفون على قولهم (ما منعك أن تسجد لما خلقت) ثم يبدؤون بقوله (بيدي استكبرت أم كنت من العالين) قال: وهذا مثل قول القائل بسيفي تقتلني وبرمحي تطاعنني كأنّه يقول بنعمتي عليك واحساني إليك قويت على الاستكبار والعصيان([71]) وهذا التفسير في هذا الخبر أظهر ما قيل في تفسير هذه الاية، وان كان الكل منصوصاً لان الايات ذات وجوه وبطون، وإن كانت تلك البطون والوجوه بعيدة من عقول الرجال بل لا يجوز التكلم بها إلاّ بعد التوقيف والورود عنهم (عليهم السلام)ويمكن ان يقال: في توجيه التثنية أنّها لبيان أنّ في خلقه كمال القدرة أو أن له روحاً وبدناً.

 

أحدهما: من عالم الخلق .

 

والاخر: من عالم الامر أو لانه مصدر لافعال ملكية ومنشأ لافعال بهيمية .

 

والثانية: كأنّها أثر الشمال وكلتا يديه يمين، وأمّا حمل اليد على القدرة فهو شائع في كلام العرب أيضاً وقد سمعت استدلال الامام في الاخبار المتقدمة على ذلك بآيات أخر من القرآن وقد قال اللّه تعالى (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)([72]) وقد ذكرالمفسّرون في الاية المذكورة وجوهاً أخر:

 

أحدها: أنّ اليد عبارة عن النعمة وقد استبعده كثير من علماء الفريقين، وقد سمعت وجهه، وهو أن المناسب للخلق القدرة لا النعمة، وعلى هذا فالمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا .

 

وثانيها: انّ المراد خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأمّ لكن التثنية على هذه الوجه بعيدة، ويمكن توجيهها باعتناء لان ذاته جامعة للصفتين .

 

وثالثها:انّه كناية عن غاية الاهتمام بخلقه فان السلطان العظيم لا يعمل شيئاً بيده إلا اذا كانت غاية عنايته مصروفة الى ذلك العمل، ويمكن استنباط وجوه اخر من باب التأويل بما تقدم من الاخبار وهو أن المراد بيديه النبوّة والامامة أو النبوّة والاستخلاف الكائنين في آدم أو المسببين لخلقه الى غير ذلك من الوجوه المحتملة، وعلى كل تقدير فاليدان ليستا من الصفات له تعالى إلاّ بإرجاعها الى القدرة فتكون ذاتية أو الى النعمة فتكون فعلية، وعلى التقديرين فيمكن توجّه التثنية ولو بالتعدد الاعتباري فتأمل المقام فانه خليق بالتأمل التام وتوق ذلّة الاقدام والاقلام.

 

 

 

« الصفة السادسة

العينان المختلف في اثباتها ونسبتها اليه تعالى العينان قال اللّه تعالى (تجري بأعيننا)([73])(ولتصنع على عيني)([74]) فقال ابو الحسن الاشعري تارة بثبوتها

وأنها صفة زائدة على سائر الصفات، وتارة انّه بصر، والكلام فيه مثل ما مرّ آنفاً فانّ اثبات الجارحة ممتنع، وان قلنا: بانّها لا تشبه جوارحنا والحمل عن التجوز عن صفة اللّه لا نعرفها يوجب الاحتمال لا القطع ولا يجوز اعماده في سائر الاحكام فكيف في الصفات وما ينسب الى الذات فوجب التأويل وارتكاب عن العلم بالمبصرات وعن الحفظ والكلاءة وصيغة الجمع للتعظيم، وأما الاخبار الواردة في ذلك فكثيرة وقد مضى شطر منها في الاخبار السابقة وقد سمعت في خبر خيثمة المروي من كتاب التوحيد وفيه: «وكان رسول اللّه وأمير المؤمنين (عليهم السلام) دين اللّه ووجهه وعينه في عباده ولسانه الذي ينطق به»([75]).

 

وفي كتاب التوحيد بطريق صحيح عن ابن سنان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين في خطبته: أنا الهادي، وأنا المهتدي، وأنا ابو اليتامى والمساكين وزوج الارامل، وأنا ملجأ كل ضعيف، وأمن كل خائف، وأنا قائد المؤمنين الى الجنة»وساق الخطبة الى أن قال: «وأنا عين اللّه ولسانه الصادق ويده، وأنا الجنب للّه الذي يقول (ان تقول نفس يا حسسرتى على ما فرطت في جنب اللّه) وأنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة، وأنا باب حطة من عرفني وعرف حقي عرف ربّه لاني وصي نبيّه في أرضه وحجته على خلقه لا ينكر هذا إلاّ راد على اللّه ورسوله»([76]).

 

وجاء في تفسير العسكري في تفسير قوله تعالى (تجري بأعيننا) قال «تجري بأعيننا عليّ عليّ عليّ عليّ([77]) وقد أمر نوحاً أن يكتب هذه الاسماء الاربعة على السفينة صدراً وعجزاً وجانبين»([78]) واذا كان كذلك ثبت التأويل في كل آية بهم صلوات اللّه عليهم وسيما من بدءي اسمه بعين، ويمكن رجوعها الى التأويلات المذكورة وهي المصرح بها في كلام المفسرين ولا منافاة في هذه التأويلات بعد الحكم بالتجوز للقرائن الدالة على ذلك سيما ما أضيف اليها من وجوب تنزيهه عن الجوارح وسمات الامكان.

 

« الصفة السابعة

الجنب من الصفات المختلف فيها الجنب كما قال اللّه تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب اللّه)([79]) فقيل: انّها صفة زائدة ثبوتية وان لم

نتعقل معناها، والمشهور بين الفرق وجوب التأويل فيها كالصفات السابقة، وارتكاب المجاز فقيل([80]) المراد فيه أمر اللّه كما قال الشاعر:

 

أمّا يتقين اللّه في جنب عاشق     له كيد حز أو عين ترقرق

وقيل أراد الجناب لاذ بجنبه أي نجاته.

وأمّا الاخبار الواردة عن أهل الذكر(عليهم السلام) في تأويل مثل هذه الصفة الواقعة في الاية وبيان المجاز فيها فكثيرة فمنها:

 

ما في التوحيد في خبر أبي بصير المتقدم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في خطبة علي حيث قال: «أنا الهادي» وساق الكلام الى أن قال: «وأنا جنب اللّه الذي يقول (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه)»([81]) .

 

وفي كتاب المناقب عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى (ما فرطت في جنب اللّه) قال «نحن جنب اللّه» وعن الصادق(عليه السلام) مثله .

 

وفي كتاب كنز الكراجكي نقلاً من كتاب تفسير محمد بن العباس باسناده عن أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في قوله تعالى (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) قال: «خلقنا اللّه جزءاً من جنب اللّه وذلك قوله عزوجل (يا حسرتي على مافرطت في جنب اللّه) يعني في ولاية علي».

 

ومن الكتاب المذكور باسناده عن سدير قال سمعت أبا عبداللّه(عليه السلام) يقول: «وقد سأله رجل عن قول اللّه عزوجل (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) فقال: نحن واللّه خلقنا من نور جنب اللّه، وذلك قول الكافر اذا استقرت به الدار (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) يعني ولاية محمد وآل محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين» .

 

وفيه نقلاً من كتاب التفسير المذكور باسناده عن علي بن سويد السائي عن أبي الحسن(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) قال: «جنب اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وكذلك من كان بعده من الاوصياء بالمكان الرفيع الى أن ينتهي الامر الى الاخير منهم، واللّه أعلم بما  هو كائن بعده»([82]) .

 

ورواه في بصائر الدرجات عن ابن عيسى الى بقية السند والمتن مثله([83]) .

 

وفي تفسير القمي عن الصادق(عليه السلام) في هذه الاية (واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم) من القرآن وولاية امير المؤمنين(عليه السلام) والائمة(عليهم السلام) والدليل على ذلك (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) قال في الامام لقول الصادق(عليه السلام) «نحن جنب اللّه»([84]).

 

وفي البصائر باسناده عن هاشم بن أبي عمار قال: «سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: أنا عين اللّه، وأنا يد اللّه، وأنا جنب اللّه، وأنا باب اللّه»([85]).

 

وفي البصائر أيضاً باسناده عن مالك الجهني قال: «سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: أنا شجنة من جنب اللّه، فمن وصلنا وصله اللّه» قال ثمّ تلى هذه الاية: (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) إن كنت لمن الساخرين»([86]) والشجنة قال الجزري فيه الرحم شجنة من الرحمن اي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق شبّه بذلك مجازاً وأصل الشجنة بالضم والكسر شعبة من غصن من غصون الشجرة .

 

وفي البصائر باسناده عن عبداللّه بن سليمان قال: «قلت لابي عبداللّه (عليه السلام) قول اللّه عزوجل (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) قال: علي (عليه السلام) جنب اللّه»([87]).

 

وفي البصائر أيضاً في الصحيح عن عبداللّه بن مسكان عن مالك الجهني قال: «سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: أنا شجرة من جنب اللّه أو جذوة، فمن وصلنا وصله اللّه»([88]).

 

وروى الكفعمي عن الباقر (عليه السلام) في تفسير هذا الكلام انّه قال معناه: انّه ليس شيء أقرب الى اللّه من رسوله ولا أقرب الى رسوله من وصيّه فهو في القرب كالجنب([89])ويحتمل ان يكون الجنب بمعنى الجانب والناحية وهما الجانب الذي أمر اللّه بالتوجه اليه، والجنب يطلق على الامير، ويحتمل ان يكون كناية عن أن قرب اللّه لا يحصل إلاّ بالتقرب بهم كما انّ قريب الملك يكون بحسبه، وقال الصدوق في كتاب المعاني والتوحيد: الجنب الطاعة في لغة العرب يقال هذا صغير في جنب اللّه أي في طاعته فمعنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «أنا جنب اللّه» أنا الذي ولايتي طاعة اللّه قال اللّه عزوجل (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه) اي في طاعة اللّه([90]). وعلى هذا يجب تأويل كل خبر وكلام جاء عنهم(عليهم السلام) وفيه التعبير بهذه العبارة كما في خبر عبدالرحمن بن كثير المروي بطريقين أحدهما في التوحيد والثاني في البصائر عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «انّ امير المؤمنين صلى اللّه عليه وآله قال: أنا علم اللّه وأنا قلب اللّه الواعي، ولسان اللّه الناطق، وعين اللّه الناظرة، وأنا جنب اللّه، وأنا يد اللّه»([91]).

 

« الصفة الثامنة

القَدم القَدم لقوله عليه الصلاة والسلام في اثناء حديث طويل قدر روته العامّة «فيضع الجبار قدمه في النار فيقول قط قط حسبي حسبي». وفي رواية أخرى

لهم «حتى يضع رب العزة قدمه فيزوي بعضها على بعض فيقول قط قط بعزتك وكرمك» .

 

وفي اخرى «يقال لجهنم هل امتلات فتقول هل من مزيد حتى يضع الرب قدمه عليها فتقول قط»([92]) قد أوّلت هذه الروايات بتأويلات كثيرة منها انّ المراد بالجبار مالك خازن النار أو بمن يرفع نفسه عن أمثال التكاليف مما لا يلتفت اليه قال المحقق الشريف كيف، وقد ورد في رواية أنس في أثناء حديث وأمّا النار فلا تمتلى حتى يضع اللّه رجله فيها وامارات الوضع على هذه تلوح نعم جاء في أخبارنا ما يرد ذلك كما في التوحيد باسناده عن جابر قال: «قال الباقر(عليه السلام): يا جابر ما أعظم فرية أهل الشام على اللّه عزوجل يزعمون انّ اللّه تبارك وتعالى حيث صعد الى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس، ولقد وضع عبد من عباد اللّه قدمه على صخرة، فأمرنا اللّه تبارك وتعالى أن نتخذه مصلّى، يا جابر انّ اللّه تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه تعالى عن صفة الواصفين وجل عن أوهام المتوهمين، واحتجب عن أعين الناظرين لا يزول مع الزائلين، ولا يأفل مع الافلين، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم»([93]) فهذا الخبر مما قد دلّ على وضع تلك الاخبار الناسبة اليه القدم، وعلى تقدير ثبوته فارتكاب التأويل فيه واجب كما ثبت في الصفات المتقدمة مع دلالة القرآن عليها والاخبار المتواترة بين الفريقين فكيف يجوز الاجتراء على ثبوت مثل هذا الوصف بحديث من أحاديث الاحاد الذي اماراة الوضع عليه تلوح والاخبار حاكمة بردّه، والادلة العقلية والايات القرآنية شاهدة بكذبه .

 

« الصفة التاسعة

الاصبع من الصفات المختلف في اثباتها أو نسبتها اليه تعالى الاصبع لقوله عليه الصلاة والسلام في الخبر المروي بين الفريقين وان كان رواته واصله

المنقول منه غير ثابتين «أنّ قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»([94]).

 

وفي رواية من طريقهم «أنّ قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء» وهذه الصفة الكلام فيها كالكلام في اليد إلاّ أن مستند اليد قطعي بخلافه هنا قال ابن أبي جمهور الاحسائي في حاشيته على كتابه غوالي اللئاليء على هذا الحديث ذهب بعضهم في تأويل الاصبع الى انّه الهمة لقول العرب ما حسن اصبع فلان على ماله ويريدون اثره، ومنه قول الشاعر:

 

ضعيف القوى بادي العروق ترى له     عليها اذا ما امحل الناس اصبعا

 

 اي أثراً حسنا وذهب اخر الى ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت له بعض زوجاته: أتخاف يا رسول اللّه على قلبك؟، فقال: ان قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن» وفيه نظر لان القلب اذا كان بين نعمتين فهو محفوظ فلا معنى للدعاء بالتثبت بل كان الواجب ان لا يخاف عليه، بل المراد بالاصبع مثل قوله(عليه السلام) في حديث آخر «يحمل الارض على اصبع» ولا يراد به النعمة قطعاً، بل هو مثل قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) فكما لا يصح ان تكون اليمين بمعنى الجارحة كذلك لا يقال اصبعه كالصبعنا ولا قبضته كقبضتنا ولا يده كيدنا لان صفته تعالى لا تشبهه شيئاً من صفاتنا بل نؤمن بذلك كله ولا تحلّه الحقائق المعلومة عندنا، بل يجب حمله على معان أخرى ولا يجب علينا معرفته على الحقيقة هكذا قال بعضهم في تأويل هذا الحديث وأنت كما ترى فيه اعتراف بالعجز عن معنى الحديث، وحمله على تأويل على غير معلوم وذلك خروج عن قاعدة التأويل الاحسن في التأويل حمل الاصبع على اثر القدرة كما حمل فيه تأويل اليد على القدرة والاصبع من جملة اليد والاثر متعلق القدرة فجاز تسمية اي أثراً من أثارها اصبعاً، ويصير المراد بالاصبعين هنا اثر الخوف والرجاء الذي يجب أن يكون قلب المؤمن بينهما انتهى كلامه([95]).

 

ولابأس بتأويله الاخير كما هو غير خفي على الناقد البصير، وقد ذكر السيد المرتضى في درره وغرره بعد ذكره في حله وجوهاً:

 

أحدها: انّه قد ورد في الفصيح اطلاق الاصبع على الاثر الحسن فيكون معناه انّه ما من أدمي أو مؤمن إلاّ وقلبه بين نعمتين جليلتين حسنتين وهي نعم الدنيا ونعم الاخرة، وتسمية النعمة اصبعاً لانه يشار بالاصبع الى النعمة.

 

وثانيها: وذكر انّه هناك هو الاوضح انّ المراد بتبين تصريف القلوب عليه كما يقال هذا الشيء في خنصري وتحت اصبعي كما قال: (والسموات مطويات بيمينه).

 

وثالثها: انّه يجوز أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الاصبعين يحركه اللّه تعالى بهما ويقلبه بهما .

 

ورابعاً: ان يراد ما روي من انّه على كل واحد ملك عن يمينه وشيطان عن يساره فهذا يأمره بالخير وذاك يأمره بالشر وسمي اصبعاً لانه مخلوقاته وهو الذي يسلط على قلب ابن آدم امتحاناً.

 

وخامسها: أن يكون اشارة الى الاسرار الالهية التي جعلها سبحانه بقلب ابن آدم من غير ان يطلعَه عليها وهو أحد معاني (يا من يحول بين المرء وقلبه) لكن ذلك الاصبع لا يصل الى حدّ اللجاء والاضطرار وفيه اشارة الى قول امير المؤمنين (عليه السلام)«عرفت اللّه بفسخ العزائم» انتهى كلام السيد وقد ذكر السيد نعمة اللّه الجزائري في الانوار النعمانية وجوهاً اخر([96]) اكثرها لايخلو عن تكلّف وفي ايرادها زيادة تطويل لا حاجة اليه بعد تحقق التأويل في هذا الحديث بمجموع هذه الوجوه على ان أصل هذا الحديث غير ثابت السند كما سمعت ولكنا اجرينا مجراهم لندفع شبهات هؤلاء المجسمة الذين سعوا في اثبات لوازم التجسيم ووضعوا أخباراً مشملة على صفات لا تليق بالعليم الحكيم .

 

« الصفة العاشرة

اليَمين من الصفات المختلف فيها اليمين، وقد مرّ الكلام فيها في اليد ولابأس بزيادتها من التوضيح والتبيين وأصل مستندها القرآن كما تقدم في

(والسموات مطويات بيمينه)([97]) وتأويلها بالقدرة التامة قد مضى ذكره من النصوص، وكلام المفسرين وقد جاء في أخبار عديدة تقدم بعضها ايضاً في اليد نسبة اليمين اليه تعالى بل قد روي من الفريقين عنه (صلى الله عليه وآله) وعن أبنائه وخلفائه المعصومين (عليهم السلام)أنهم قالوا (عليهم السلام) «انّ كلتا يديه يمين»([98]).

 

وفي حديث اخر قال فيه: «يمين اللّه سجال لا يغيضها شيء الليل والنهار» وفي أخبار الطينة كما في الكافي عن أبي حمزة عن ابراهيم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «انّ اللّه جل وعز لما أراد أن يخلق آدم (عليه السلام) بعث جبرئيل (عليه السلام) في أول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة بلغت قبضته السماء السابعة الى السماء الدنيا، وأخذ من كل سماء تربة، وقبض قبضة اخرى من أرض السابعة العليا الى الارض السابعة القصوى، وأمر اللّه عزوجل كلمة فأمسك القبضة الاولى بيمينه، والقبضة الاخرى بشماله ففلق الطين فلقتين قدره من الارض دروّا، ومن السموات دروّا، فقال للذي بيمينه منك الرسل والانبياء والاوصياء والصديقون والمؤمنون والسعدا،ء ومن أريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال ثم ان الطينين خلطا جميعاً، وقال للذي بشماله منك الجبارون والمشركون والطواغيت ومن أريد هو انّه وشقوته فوجب لهم ما قال ثم ان الطينتين خلطا جميعاً»([99]) الحديث.

 

والظاهر انّ المراد بالكلمة جبرئيل اذ هو القابض للقبضتين فلا اشكال اذاً في نسبته اليمين والشمال وبه ينحل بعض ربق ذلك الاشكال، وان نسب اليمين له تعالى مثلما وقع في صحيحة زرارة المروية في الكافي أيضاً حيث قال «انّ رجلاً سأل أبا جعفر(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (واذ أخذ ربّك من آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى)» وساق الحديث الى أن قال: «فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركاً شديداً فخرجوا كالذرّ عن يمينه وشماله وأمرهم جميعاً أن يقعوا في النار» الحديث([100]) .

 

وبالجملة انّ اثبات اليمين له كتاباً وسنّة مستفيض ولكنه واجب التأويل، قال بعض الافاضل في حواشيه على كتاب له في الحديث قوله «أنّ كلتا يديه يمين» المراد بذلك معنى التمام الكمال لان المياسر من كل شيء ينقص عن الميامن في القوة والبطش والتمام، ولهذا كانت العرب تحب التيامن وتكره المياسر، ولهذا قيل يمن وتسوم، واليمين من اليمين، والشوم من اليسار فيكون معناه انّه تعالى في غاية التمام والكمال، ويمكن ان يراد هنا العطاء فانه يكون باليدين معاً اذ العادة جارية بان اليمين هي المعطية فاذا جعلنا اليدين معطيتين كانتا معاً يمينين، ومثله الحديث الذي بعده وهو قوله «يمين اللّه سجال» اذ معناه يصبّ العطاء منها دائماً فلا ينقصها شيء فالليل والنهار بالنسبة اليه سواء، ومثله قول الشاعر:

 

وانّ على الاواته من عقيل      ففي كلتا اليدين له عين

جعل ذلك وصفاً له بكثرة كرمه فكأنه لكرمه البالغ يعطي باليدين معاً فاجراها مجرى اليمين لان الاعطاء بها الى هنا كلامه، ويجوز ان يكون المراد باليدين هنا يد القهر ويد الرحمة، وكلاهما يمين اي رحمة وبركة، قال المحقق الداماد طاب ثراه في تعليقه على الصحيفة السجادية في شرح قوله (عليه السلام) «ولا أخاف على نفسي إلاّ أباك انّه كيف يصح أو يتصحح ان لا يخشى العارف إلاّ ربه» ثم قال في بيانه انّه جل سلطانه ان ما انتقامه من تمام الحكمة وعقابه من سعة الرحمة كما قال (عليه السلام) في دعائه اذا استقال من ذنوبه «أنت الذي تسعى رحمته أم غضبه» والعقوبات الالهية كتأديبات يتوالاها المؤدب الرؤوف الرحيم وايلامات يأمرها المعالج العطوف الحكيم، وانّما الاسماء الحسنى القهرية للرحمن سبحانه وتعالى كالقابض والخافظ المذل والضار من حيث أسماء الحسنى اللطيفة كالباسط والرافع والمعزّ والنافع، والى هذا الطريق مال من أهل التحصيل والتحقيق انّه لا يسوغ للذاكر للّه سبحانه أن يفرد اسماء القهر عن مقابله من أسماء الرحمة دون العكس، وعلى هذا يجب بتأويل ما رواه الفريقان أيضاً عنه (صلى الله عليه وآله)وعن أبنائه الكرام «انّ الحجر الاسود يمين اللّه في الارض يصافح بها من يشاء من خلقه» فيكون في هذا الحديث تمثيل وتشبيه والاصل فيه انّ الملك اذا صافح احداً قبل ذلك الرجل المصافح يده فكان الحجر للّه بمنزلة اليمين، وانما عبّر بذلك لانّ الميثاق المأخوذ من بني آدم في قوله تعالى (ألست بربكم قالوا بلى) قد جعله اللّه مع الحجر والناس تتعاهده، ولهذا جاء في الدعاء عنده: «اللّهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي الموافاة» ثم انّه يجب أن ينجر البحث والكلام باعتبار هاتين الصفتين الى ما روي بين الفريقين عنه(صلى الله عليه وآله) وعن خلفائه صلوات اللّه عليهم في الدارين انّه قال(عليه السلام) «رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي» وفي بعض مؤلفات الاصحاب عن بعض الصادقين كما في كتاب غوالي اللئالىء انّه(عليه السلام) انما قال «وضع يده بين ثديي فوجدت برد أنامله بين كتفي» لانه(عليه السلام)كان مقبلاً عليه ولم يكن مدبراً عنه، وحينئذ فالمراد من اليد في قوله «فوضع يده» يد الرحمة والعطاء والبرد عبارة عن الفرح والسرور الحاصل له من تلك الرؤية القلبية ومن مشاهدة الاثار الحسية، وسيجيء بقية الكلام على هذا الحديث وأشباهه في الكلام على امتناع الرؤية، وكذا الكلام في امتناع الصورة عليه .

 

 

 

 

 

« الصفة الحادية عشرة

التكوين من الصفات المختلف في ثبوتها التكوين، اثبته الحنفية، وجعلوها من الصفات الثبوتية الزائدة على السبع المشهورة أخذاً من قوله تعالى (كن

فيكون)([101]) فقد جعل قوله (كن) متقدماً على كون الحادثات اعني وجودها، والمراد به التكوين والايجاد والتخليق قالوا انّه غير القدرة لان القدرة أثرها الصحة، والصحة لا تستلزم الكون كما قرره الاشاعرة فلا يكون الكون اثراً للقدرة، واثراً التكوين هو الكون، وقد أجابوا عن ذلك بقية فرق الملتين بانّ قالوا: انّ الصحة هي الامكان وانّه للممكن ذاتي فلا يصلح اثراً للقدرة لانما بالذات لا يعلل بالغير بل به اعني امكان الشيء في نفسه تعللل المقدورية، فيقال: هذا مقدور لانه ممكن، وذلك غير مقدور لانه واجب أو ممتنع فاذا أثر القدرة هو الكون أي كون المقدور ووجوده ذا صحة وامكانه فاستغنى عن اثبات صفة اخرى كذلك اي يكون اثرها الكون، وأورد عليه بان المراد بالصحة التي جعلناها اثر القدرة هو صحة الفعل بمعنى التأثير والايجاد من الفاعل لا صحّة المفعول في نفسه، وهذه الصحة هي امكانه الذاتي الذي لا يمكن تعليله بغيره، وأمّا الصحة الاولى فهي بالقياس الى الفاعل ومعللة بالقدرة فان القدرة هي الصفة التي باعتبارها يصح من الفاعل طرفا الفعل والترك على السواء من الشيء المقدور فلا يصلح لها منه احدهما بعينه بل لابد في حصوله من صفة اخرى متعلقة به، واجيب عن ذلك بانّ كلاً منهما يصلح اثراً لها وانما يحتاج صدور احدهما بعينه الى مخصص وهو الارادة المتعلقة بذلك الطرف، وحينئذ لا حاجة الى مبدء للكون غير القدرة المؤثرة فيه بواسطة الارادة المتعلقة به، وقد ورد في  حديث ليلة المعراج «وضع كفه بين كتفي فوجدت بردهما في كبدي»([102]) كما روته العامّة والمقصود من حديثه كما قاله المحقق الشريف في شرح المواقف([103]) بيان الطافه في تدبيره له وبيان انّه وجد روح الطافه فان البرد يطلق على كل روح وراحة وطمأنينة، وقد ورد في الاحاديث «انّه ضحك حتى بدت نواجده» ويمتنع حمله على حقيقة فقيل: ضحك كضحكنا، وقيل: مؤل بظهور بسائر النجح في كل امر ومنه ضحك الرياض اذا بدت أزهارها فمعنى ضحك ظهر بشائر الخير والنجح منه، وبدو النواجد عبارة عن ظهور كون ما كان متوقعاً منه، ومن كان له رسوخ قدم في علم البيان حمل اكثر ما ذكر من الايات والاحاديث المتشابهة على التمثيل والتصوير وبعضا على الكناية وبعضاً على المجاز مراعياً الجزالة المعنى وفخامته ومجانبا عمّا يوجب ركاكته فعليك بالتامل فيها وحملها على ما يليق بها.

 

وقد بقيت صفات نسبت اليه تعالى في الايات والروايات إلاّ ان القائل لها على الحقيقة غير معلوم وقد جاء تأويلها بالاخبار فلابد من التعرض اليها والكلام على تأويلها، بل يظهر من بعض الاخبار وجود القائل بها. فمنها:

الصورة كما جاء في الحديث النبوي المروي عند الفريقين حيث قال(صلى الله عليه وآله): «ان اللّه خلق آدم على صورته»([104]) وقد اضطرب أهل الكلام في تأويله، فقال: أقوام

أراد خلق اللّه آدم على صورته التي هو عليها فالضمير عائد الى آدم، وقال قوم: انّ اللّه خلق آدم على صورة عنده قد اختارها وارتضاها ونسبها الى نفسه، وقال قوم: انّ الحديث هكذا لا تقبح الوجه فانّ اللّه خلق آدم على صورته يريد انّ اللّه خلق آدم على صورة الوجه، وزاد قوم في الحديث «انّه مر برجل يضرب وجه اخر فقال: لا تضربه على وجهه انّ اللّه خلق آدم على صورته» اي على صورة ذلك الوجه، وكل هذه تأويلات بعيدة، وأبعد منها قول بعضهم: انّه أراد انّ اللّه خلق آدم في الجنة على صورته في الارض وقول آخر: بان الصورة ليست في نسبتها اليه تعالى باعجب من نسبة اليدين والاصابع والعين، وانما وقع الاختلاف بتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذا لانه لم يأت بها فيه، ونحن نؤمن بالجميع من غير ان نقول فيه بحد أو كيفية ووجه بعده ان فيه اعترافاً بالعجز عن تأويل الحديث، واما الذي في القرآن من اليد والعين فتأويلها في التفاسير مذكور، ثم قال المحقق الفيلسوف الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي في تعليقاته كتابه غوالي اللئالىء بعد نقل هذا الكلام المتقدم على هذا الحديث والاحسن ان يقال: المراد بالصورة هنا الصورة المعنوية كما يقال صورة المسألة كذا، ويراد بها معناها، ويكون التقدير انّ اللّه خلق آدم على صورة معنوية تشبه وتناسب المعاني الالهية اي المشابهة بالصفات والحالات والافعال فانّ آدم مشتمل على صفات وكمالات مناسبة مماثلة للصفات الالهية من جهة ما، وقال بعض أهل الاثارة: المراد بآدم في الحديث ان كان الانسان الكبير فهو العالم باسره وان كان العالم الصغير فهو ولده لقولهم العالم انسان كبير والانسان عالم صغير، ويكون المراد انّه ليس له تعالى غير هذين المظهرين العظيمين فمعنا: انّه على صورته انّه فيه تمام المظهرية التي تظهر فيه الصورة الالهية المعنوية بجميع صفاتها ولوازمها اذ لا شيء اكمل من صورة الانسان في معرفته تعالى، ولهذا قال(عليه السلام): «من عرف نفسه عرف ربه» ومراده خلقه على صورة كماله الذاتية الجامعة للكمالات الاسمائية والصفاتية انتهى كلامه([105]) .

 

ولا يخفى عليك ما في هذه الوجوه الاولى من الاجمال وفيما اختاره من البعد وكمال الاشكال، والذي يناسب البحث والكلام ان نذكر اولاً ما ورد عن ائمتنا من التأويل في هذا الخبر وبيان الاختلاف ثم تعقبه بتأويلات علمائنا الابدال .

 

ففي كتاب التوحيد والعيون باسناده عن الحسين بن خالد قال: «قلت للرضا(عليه السلام): يابن رسول اللّه انّ الناس يروون ان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال: ان الله خلق آدم على صورته فقال قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) مر برجلين يتسابان فسمع احدهما يقول لصاحبه قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك فقال(صلى الله عليه وآله) يا عبداللّه لا تقل هذا لاخيك فانّ اللّه عزوجل خلق آدم على صورته»([106]).

 

ورواه في الاحتجاج مرسلاً عن الحسين بن خالد مثله، وفي كتاب التوحيد باسناده عن أبي الورد بن ثمامة عن علي (عليه السلام) قال: «سمع النبي (صلى الله عليه وآله) رجلاً يقول لرجل قبّح اللّه وجهك، ووجه من يشبهك، فقال(عليه السلام): صه لا تقل هذا فانّ اللّه خلق آدم على صورته»([107]).

 

قال الصدوق في كتاب التوحيد ذيل هذا الحديث: تركت المشبهة من هذا الحديث أدلّة وقالوا: انّ اللّه خلق آدم على صورته فظلوا في معناه واضلوا([108]) .

 

وفي كتاب التوحيد باسناده عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عما يرون انّ اللّه عزوجل انّ اللّه خلق آدم على صورته، فقال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها الى نفسه كما أضاف الكعبة الى نفسه والروح فقال (بيتي) وقال (نفخت فيه من روحي)»([109]). ورواه في الاحتجاج مرسلاً عن محمد بن مسلم مثله، لا يقال انّ هذه الاخبار مختلفة كمال الاختلاف لان الاولين يشهدان بأنّ الحديث على هذه الصورة غير وارد عنه (صلى الله عليه وآله) ولا على هذه الكيفية التي اوجبت الاشكال فيه والاعضال وانّه محذوف الصدر، ومرجع ذلك الضمير من المقال والحديثان الاخيران دالان على تحقق هذه الكيفية والهيئة المروية، ولهذا أوّله بأحد التأويلات المرضية ونبّه انّ الضمير عائد الى اللّه، لانا نقول ان هذين الخبرين سيقا لبيان التأويل على تقدير عدم ذكر اوله كما يرويه من حذف منه ما حذف، وهذا انجع في دفع الخصومة والاحتجاج على من تمسك باذيال هذا الحديث من المشبهة وأهل اللجاج فلا ينافي ما سبق قال السيد المرتضى(قدس سره) في كتاب تنزيه الانبياء([110]): فان قيل: ما معنى الخبر المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله) انّه قال ثم ذكر الخبر على صورة ما روره مقطوع الصدر أوليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه، وانّ له تعالى عن ذلك صورة .

 

قلنا: قد قيل في تأويله انّ الهاء في قوله «صورته» اذا صحّ هذا الخبر راجعة الى آدم(عليه السلام) دون اللّه تعالى فكان([111]) المعنى انّه تعالى خلقه على الصورة التي قبض عليها فانّ حاله لم يتغير في الصورة بزيادة ولا نقصان كما يتغير احوال البشر، وذكر وجهاً ثانياً وهو ان تكون الهاء راجعة الى اللّه تعالى، ويكون المعنى انّه خلقه على الصورة التي اختارها واجتباها لان الشيء قد يضاف على هذا الوجه مختاره ومصطفاه، وذكرايضاً وجه ثالث، وهو ان هذا الكلام خرج على سبب معروف لان الزهري روى عن الحسن انّه كان يقول «مرّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) برجل من الانصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول قبّح اللّه وجهك ووجه من تشبهه، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) بئس ما قدمت فانّ اللّه خلق آدم على صورته» يعني صورة المضروب، ويمكن في الخبر وجه رابع، وهو ان يكون المراد انّ اللّه تعالى خلق آدم وخلق صورته لينتفي بذلك الشك في انّ تأليفه من فعل غيره لان التأليف من جنس مقدور البشر والجواهر وما شاكلها من الاجناس المخصوصة من الاعراض هي التي ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها فيمكن قبل النظر ان تكون الجواهر من فعله وتأليفها من فعل غيره([112]) فكانّه(عليه السلام) اخبرني بهذه الفائدة الجليلة، وهو انّ جوهر آدم وتأليفه من فعل اللّه تعالى، ويمكن وجه خامس، وهو انّ يكون المعنى انّ اللّه نشأه على هذه الصورة التي شوهد عليها على سبيل الابتداء وانّه لم ينتقل اليها ويتدرج كما جرت العادة في البشر، وكل هذه الوجوه جائزة في معنى الخبر واللّه تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أعلم بالمراد انتهى كلامه رفع اللّه مقامه([113]) وفيه وجه سادس ذكره جماعة من شراح الحديث وهو انّ المراد بالصورة الصفة من كونه سميعاً بصيراً متكلماً وجعله قابلاً للاتصاف بصفاته الكمالية والجلالية على وجه لا يفضي الى التشبيه، ويمكن وجه سابع ايضاً وهو ما نقله السيد الاجل ابن طاووس قدس اللّه ضريحه في كتاب سعد السعود من صحائف ادريس النبي (عليه السلام) قال في كلام طويل وصل به ابتداء خلق آدم وتكوين طينته وساق الكلام الى ان قال: «ثم قال اللّه سبحانه للملائكة بعد عشرين ومائة سنة مذ خمر طينة آدم (انّي خالق بشراً من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) فقالوا نعم، فقال في الصحف ما هذا لفظه فخلق اللّه آدم على صورته التي صورها في اللوح المحفوظ» يقول علي بن طاووس فاسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام، وقال انّ اللّه خلق آدم على صورته فاعتقد الجسم فاحتاج المسلمون الى تأويلات الحديث([114])، ويمكن وجه ثامن ايضاً وهو ما نقله النيشابوري من انّ الصورة اشارة الى وجه المناسبة التي ينبغي ان تكون بين كل علة ومعلولها فان الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، واقول انّ هذه الوجوه أصحها ما ورد تفسيره عن أهل البيت (عليهم السلام) وقد سمعت ما جاء في تأويله لانه بدون ذلك يعد من المتشابهات التي يوكلها لهم(عليهم السلام) كالمتشابهات القرانية .

 

وللسيد نعمة اللّه الجزائري في شرحه على غوالي اللئاليء وجه تاسع نسبه لنفسه وهو ما ورد في تفسير قوله (فالمدبرات امراً) انّ ملائكة التصوير يقتحمون الى بطن المرأة حال وقوع النطفة فيصورون النطفة على ما يؤمرون فان كان ذكراً قال لهم سبحانه احضروا صورة آبائه الى آدم وصوروه على صورة منها وان كان انثى قال لهم احضروا صور أمّهاته الى حواء وصوروه على صورة منها، ولذا ورد لا ينبغي للرجل ان ينتفي من ولده لانه لم يشبهه فلعله يشبه واحداً من آبائه بخلاف آدم صفي اللّه فانّه لم يسبق على صورة لاحد حتى تكون صورته على نحو صورة ممن سبقه. ومع هذه التأويلات كلها فالذي ترجح لدينا من تصفح الاخبار انّ هذا الحديث ونحوه من أحاديث هذا الباب من موضوعات الغلات والمجسمة والمشبهة ولما كان ائمتنا(عليهم السلام)مما قد أجابوا عنه واغمضوا عن وضع الحديث والتصرف فيه بالنقصان والزيادة كما سمعته في الاخبار المتقدمة للرد على مثبته وابطالاً لمستمسكه لانهم(عليه السلام) اطباء الاديان والاحكام فهم يجيبون السائلين على مقتضى قابليتهم ومعتقدهم على وجه تنكسر به سورة استبعادهم وما تنطبق عليه افهامهم وقرائحهم كما هو غير خفي على من تتبع لاخبارهم . ومنها:

 

الروح كما هو ثابت في غير آية ورواية كما قال اللّه تعالى (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي)([115]) وكما جاء في صفة عيسى (عليه السلام) في الايات والروايات من انّه

روح اللّه وكلمته ففي كتاب المعاني بسند صحيح عن محمد بن مسلم قال: «سألت ابا جعفر(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (ونفخت فيه م روحي) قال: روح اختاره اللّه واصطفاه وخلقه واضافه الى نفسه وفضله على جميع الارواح فامر فنفخ منه في آدم (عليه السلام)»([116]).

 

وفي التوحيد بسند لا يخلو عن ضعف عن محمد بن مسلم مثله، وفي التوحيد المعاني باسناده عن محمد بن مسلم ايضاً قال: «سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قول (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (ونفخت فيه من روحي) كيف هذا النفخ؟، فقال: انّ الروح متحرك كالريح، وانّما سمّي روحاً لانه اشتق اسمه من الريح، وانّما اخرجه على لفظة الروح لان الروح مجانس للريح، وانّما اضافه الى نفسه لانه اصطفاه على سائر الارواح كما اصطفى بيتاً من البيوت فقال (بيتي) وقال لرسول من الرسل (خليلي) وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر»([117]) .

 

ورواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) مثله، وفي الاحتجاج أيضاً عن حمران بن أعين قال: «سألت ابا جعفر(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (وروح منه)قال: هي مخلوقة خلقها اللّه بحكمته في آدم وفي عيسى».

 

وفي التوحيد باسناده عن عبدالكريم بن عمرو عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي) «اي قدرتي»([118]).

 

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، وفي التوحيد عن عبدالكريم ابن عمر وعن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي) قال: «انّ اللّه خلق خلقاً، وخلق روحاً ثم امر ملكاً فنفخ فيه فليست التي نقصت من قدرة اللّه شيئاً هي من قدرته»([119]).

 

وفي العياشي عن أبي بصير عن أبي عبداللّه(عليه السلام) مثله([120]) .

 

وفيه ايضاً باسناده عن أبي جعفر الاصم قال: «سألت ابا جعفر(عليه السلام) عن الروح التي في آدم والتي في عيسى ماهما؟، قال: روحان مخلوقان اختارهما، واصطفاهما روح آدم، وروح عيسى صلوات اللّه عليهما»([121]).

 

وفي العياشي باسناده عن الحلبي وزرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى احد صمد ليس له جوف، وانما الروح خلق من خلقه نصر وتأييد وقوة يجعله اللّه في قلوب الرسل والمؤمنين»([122]).

 

وفي العياشي أيضاً عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام) في قوله تعالى (يسئلونك عن الروح) قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى» وذكر مثله([123]) .

 

وفي العياشي ايضاً عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عزوجل (ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) قال: روح خلقها اللّه فنفخ في آدم منها»([124]).

 

وفي العياشي ايضاً عن محمد بن اورمة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الروح التي في آدم قوله (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي) قال: هذه روح مخلوقة للّه والروح التي في عيسى بن مريم مخلوقة للّه»([125]).

 

وفي العياشي في رواية سماعة عنه (عليه السلام) «خلق آدم فنفخ فيه، وسألته عن الروح؟، قال: هي من قدرته من الملكوت»([126]).

 

وفي الكافي أخبار عديدة بهذا المعنى اكثر مضامينها ما اشتملت عليه هذه الاخبار([127]) فلا فائدة في ذكرها، وقد ظهر من هذه الاخبار تأويلات:

 

احدهما انّ الروح مضافة اليه تعالى بالخلق والاصطفاء كما وقع في البيت والعباد ونحوها.

 

والثاني انّ المراد منها القدرة والمجاز في الكل صحيح ظاهر القرينة، وبهما يحصل التنزيه والردّ على اهل التجسيم والتشبيه، ومنها:

 

النور وقد تقدم في الصفات العينية كما في التوحيد وغيره انّه نور فلا ظلمة فيه وحمل النور فيها على وجوده، وقد جاء اطلاق النور عليه في الايات

القرانية والاخبار المصطفوية اطلاقاً مستفيضاً إلاّ انّه لابد من ارتكاب التأويل فيه لامتناع اطلاق النور عليه على الحقيقة سواء قلنا انّه جوهر أو عرض، ومن الايات الدالة عليه (اللّه نور السموات والارض)([128]) واكثر ما جاء في تأويلها من الاخبار بالهادي.

 

وفي التوحيد والمعاني باسناده عن العباس بن هلال قال: «سألت الرضا(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (اللّه نور السموات والارض) فقال: هاد لاهل السماء، وهاد لاهل الارض»([129])وفي رواية البرقي «هدى من في السموات، وهدى من في الارض»، وفي الاحتجاج ايضاً عن العباس بن هلال قال «سألت ابا الحسن(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (اللّه نور السموات والارض) فقال(عليه السلام): هادي من في السموات وهادي من في الارض»([130]).

 

وفي التوحيد والمعاني باسناده عن الفضيل بن يسار قال«قلت لابي عبدالله الصادق(عليه السلام)(الله نور السموات والارض) قال: كذلك اللّه عزوجل قال: قلت: مثل نوره قال لي محمد(صلى الله عليه وآله)، قلت: كمشكوة، قال صدر محمد(صلى الله عليه وآله) قلت: فيها مصباح، قال: فيه نور العلم، يعني النبوّة قلت: المصباح في زجاجة قال: علم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) صدر الى قلب علي(عليه السلام)، قلت: كأنها، قال لاي شيء تقرأ كأنها، قلت: فكيف جعلت فداك؟ قال: كأنه كوكب دريّ، قلت: توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، قال: ذاك امير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) لا يهودي ولا نصراني، قلت: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمد من قبل ان ينطق به، قلت: نور على نور، قال: الامام على اثر الامام»([131]).

 

قال الصدوق(رحمه الله) في التوحيد بعد ايراده لهذا الخبر انّ المشبهة تفسّر هذه الاية بانّه ضياء السموات والارض ولو كان كذلك لما جاز ان توجد الارض مظلمة في وقت من الاوقات لا بالليل ولا بالنهار لان اللّه هو نورها وضياؤها على تأويلهم وهو موجود غير معدوم فوجدنا الارض مظلمة بالليل ووجدنا داخلها ايضاً مظلماً بالنهار يدلّ على انّ تأويل قوله (اللّه نور السموات) هو ما قاله الرضا(عليه السلام) دون تأويل المشبهة وانّه عزوجل هادي أهل السموات والارض، والمبين لاهل السموات والارض امور دينهم ومصالحهم فلما كان باللّه وبهداه يهتدي اهل السموات والارض الى صلاحهم وأمور دينهم كما يهتدون بالنور الذي خلقه اللّه لهم في السموات والارض الى اصلاح دنياهم قال: انّه نور السموات والارض على هذا المعنى واجرى على نفسه هذا الاسم توسعاً ومجازاً لان العقول دالة على انّ اللّه عزوجل لا يجوز ان يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس الانوار والضياء لانه خالق الانوار، وخالق جميع اجناس الاشياء وقد دل على ذلك ايضاً قوله (مثل نوره) وانّما أراد به صفة نوره، وهذا النور هو غيره لانه شبهه بالمصباح وضوؤه الذي ذكره ووضعه في هذه الاية، ولا يجوز أن يشبّه نفسه بالمصباح لان اللّه لا شبه له ولا نظير فصح ان نوره الذي شبّهه بالمصباح انّما هو دلالته أهل السموات والارض على مصالح دينهم وعلى توحيد ربهم وحكمته وعدله ثم بين وضوح دلالته هذه فسمّاها نوراً من حيث يهتدي بها عباده الى دينهم وصلاحهم فقال: مثله مثل كوّة وهي المشكاة فيها المصباح والمصباح هو السراج في زجاجة صافية شبيهة بالكوكب الدري في صفائه، والكوكب الدري هو الكوكب المشبه بالدرّ وفي لونه، وهذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية يوقد من زيتونة مباركة وأراد به زيتون الشام لانه يقال انّه بورك فيه لاهله، وعنى بقوله عزوجل (لا شرقية ولا غربية) انّ هذه الزيتونة ليست بشرقية فتسقط الشمس عليها في وقت الغروب ولا غربية فتسقط الشمس عليها في وقت الطلوع، بل هي في علا شجرها والشمس تسقط عليها في طول نهارها فهو أجود لها واضوء لزيتها ثم اكد وصفه لصفاء زيتها فقال: (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)لما فيها من الصفاء فبيّن انّ دلالات اللّه التي دلّ بها عباده في السموات والارض على مصالحهم وعلى امور دينهم في الوضوح والبيان بمنزلة هذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية ويتوقد بهذا الزيت الصافي الذي وصفه فيجتمع فيه ضوء النار مع ضوء الزجاجة وضوء الزيت، وهو معنى قوله (نور على نور) وعنى بقوله عزوجل (يهدي اللّه لنوره من يشاء) يعني من عباده وهم المكلّفون ليعرفوا بذلك ويهتدوا به ويستدلوا به على توحيد ربهم وسائر امور دينهم، وقد دلّ اللّه عزوجل بهذه الاية وبما ذكره من وضوح دلالته وآياته التي دلّ بها عباده على دينهم انّ احداً منهم لم يؤت فيما صار اليه من الجهل ومن تضييع الدين لشبهة ولبس دخلا عليه في ذلك لا من قبل اللّه عزوجل اذا كان اللّه عزوجل قد بيّن لهم دلالاته واياته على سبيل ما وصف وانهم انما اوتوا في ذلك من قبل نفوسهم بتركهم النظر في دلالات اللّه والاستدلال بها على اللّه عزوجل وعلى صلاحهم في دينهم، وبين انّه بكل شيء من مصالح عباده ومن غير ذلك عليم فقد روي عن الصادق(عليه السلام) «انّه سئل عن قول اللّه عزوجل (اللّه نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح) فقال: هو مثل ضربه اللّه لنا فالنبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) من دلالات اللّه فآياته التي يهتدى بها الى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الاسلام والسنن والفرائض ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم»([132]) انتهى كلامه .

 

وفي تفسير القمي باسناده عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) في هذه الاية (نور السموات والارض) قال: «بدأ بنور نفسه مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن، قوله (كمشكوة فيها مصباح) المشكاة جوف المؤمن والقنديل قلبه والمصباح النور الذي جعله اللّه([133]) فيه توقد من (شجرة مباركة) قال: الشجرة المؤمن من (زيتونة لا شرقية ولا غربية)، قال: على سواء الجبل لا غربية اي لا شرق لها ولا شرقية اي لا غرب لها اذا طلعت الشمس طلعت عليها، واذا غربت غربت عليها (يكاد زيتها يضيء) يكاد النور الذي جعله اللّه في قلبه يضيء وان لم يتكلم (نور على نور) فريضة على فريضة وسنة على سنة (يهدي اللّه لنوره من يشاء) يهدي اللّه فرائضه وسنته من يشاء (ويضرب اللّه الامثال للناس) فهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن، قال: فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور مدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وكلامه نور، ومصيره يوم القيامة الى الجنة نور، قلت: لجعفر(عليه السلام): انهم يقولون مثل نور الرب؟، قال: سبحان اللّه ليس للّه مثل اما قال اللّه(لا تضربوا للّه الامثال)»([134])واالظاهر انّ المراد بالمؤمن في هذا الخبر المؤمن الكامل وهو الامام (عليه السلام)، ويحتمل على بعد ان يكون المؤمن تصحيف الايمان . وامّا حمله على المؤمن بقول مطلق بمعنى انّ نور الايمان الذي جعله اللّه في قلب المؤمن يتّقد من اعمال صالحة هي ثمرة شجرة مباركة هي المؤمن المهتدي وهو وان احتمل من ظاهره إلاّ ان رتبة بقول مطلق لا تبلغ الى هذا الحد والمقام الذي لا يناسبه إلاّ النبي والامام (عليه السلام) ولئلا ينافي الاخبار الاتية الدالة على ورود الاية في النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) . وفي تفسير القمي أيضاً باسناده عن صالح بن سهل الهمداني قال: «سمعت ابا عبداللّه (عليه السلام)يقول في قول اللّه تعالى (اللّه نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة)قال:فاطمة (عليها السلام)فيها مصباح الحسن والمصباح الحسين (في زجاجة الزجاجة كانها كوكب دري) كان([135])ككوكب دري بين نساء أهل الدنيا يوقد من شجرة مباركة يوقد من ابراهيم(عليه السلام)([136])(لا شرقية ولا غربية) ولا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضيء) يكاد العلم يتفجر منها (ولو لم يمسسه نار نور على نور) امام بعد إمام (يهدي اللّه لنوره من يشاء) يهدي اللّه الائمة من يشاء»([137]) وعلى هذا فالمصباح المذكور في الاية ثانياً هو الحسين(عليه السلام) ويكون المشكوة والزجاجة كنايتين عن فاطمة صلوات اللّه عليها.

 

وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة باسناده عن محمد بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: «انّ اللّه وضع العلم الذي كان عنده عند الوصي، وهو قول اللّه(اللّه نور السموات والارض) يقول انا هادي السموات والارض مثل العلم الذي اعطية وهو نوري الذي يهتدي به مثل المشكاة فيها المصباح، فالمشكوة قلب محمد (صلى الله عليه وآله) والمصباح النور الذي فيه العلم وقوله (المصباح في زجاجة) يقول اني أريد ان اقبضك فاجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في زجاجة (كأنها كوكب دري) فاعلمه فضل الوصي (يوقد من شجرة مباركة)  فأصل الشجرة المباركة ابراهيم(عليه السلام) وهو قول اللّه عزوجل بـ(رحمت اللّه وبركاته عليكم أهل البيت انّه حميد مجيد) وهو قول اللّه عزوجل (ان اللّه اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم) لا شرقية ولا غربية يقول لستم بيهودي (بيهود) فتصلّوا قبل المغرب ولا نصارى فتصلّوا قبل المشرق وأنتم على ملّة ابراهيم (عليه السلام) وقد قال اللّه عزوجل (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلما وما كان من المشركين)وقوله عزوجل (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء) يقول مثل اولادكم الذين يولدون منكم كمثل الزيت الذي يعصر من الزيتون يكاد زيتها يضيء، يقول يكادون يتكلمون بالنبوة ولم لم يترك عليهم ملك»([138]) .

 

وفي تفسير القمي عن عبداللّه بن جندب عن الرضا(عليه السلام) انّه كتب اليه «مثلها في كتاب اللّه كمثل المشكوة، والمشكوة في القنديل فنحن المشكوة فيها المصباح المصباح محمد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) المصباح في زجاجة([139]) الزجاجة كأنّها كوكب دري([140]) من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية لادعية ولا منكرة (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه) ماء (نار) القرآن (نور على نور) أمام بعد إمام يهدي اللّه لنوره من يشاء ويضرب اللّه الامثال للناس واللّه بكل شيء عليم فالنور علي(عليه السلام) يهدي اللّه لولايتنا من احبّ»([141])، وفيه ايضاً باسناده عن ابي خالد الكابلي قال: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قوله تعالى (فأمنوا باللّه ورسوله والنور الذي أنزلنا) فقال: يا أبا خالد النور والله الائمة من آل محمد الى يوم القيامة هم واللّه نور اللّه الذي أنزل، وهم واللّه نور اللّه في السموات والارض، واللّه يا ابا خالد لنور الامام في قلوب المؤمنين نور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم واللّه ينورون قلوب المؤمنين»الحديث([142]).

 

وفي كنز الكراجكي نقلاً من تفسير محمد بن العباس باسناده عن زيد بن ابراهيم أبي حبيب الناجي عن أبي عبداللّه عن ابيه عن علي بن الحسين (عليه السلام) انّه قال: «مثلنا في كتاب اللّه كمثل مشكوة فنحن المشكوة، والمشكوة الكوة فيها مصباح، والمصباح في زجاجة والزجاجة محمد (صلى الله عليه وآله) كأنه كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة قال علي (عليه السلام) زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور القرآن يهدي اللّه لنوره من يشاء، ويهدي اللّه لولايتنا من أحبّ».

 

وفي تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي معنعناً عن أبي جعفر محمد بن علي(عليه السلام) في قول اللّه تعالى (مثل نوره كمشكوة فيها مصباح) قال: «العلم في صدر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) في زجاجة قال الزجاجة صدر علي ابن أبي طالب(عليه السلام) (كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة) قال نور العلم لا شرقية ولا غربية، قال: من ابراهيم خليل الرحمن الى محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليهما والهما الى علي بن أبي طالب لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور، قال: يكاد العالم من آل محمد يتكلم بالعلم قبل ان يسأل عنه»([143]).

 

وفي البصائر معنعناً عن أبي عبداللّه(عليه السلام) «في قوله تعالى (اللّه نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح) الحسن المصباح الحسين في (زجاجة كأنّها كوكب دري)فاطمة كوكب دري من نساء العالمين (توقد من شجرة مباركة زيتونة) ابراهيم الخليل (لا شرقية ولا غربية) يعني لا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضيء) يكاد العلم ينبع منها»([144]).

 

وفي البصائر أيضاً باسناده عن جابر قال: قال: ابو جعفر(عليه السلام): «بلغنا واللّه أعلم انّ قول اللّه تعالى (اللّه نور السموات والارض مثل نوره) فهو محمد(صلى الله عليه وآله) والمشكوة هو صدر يعني اللّه (فيها مصباح) وهو العلم (المصباح في زجاجة) فزعم انّ الزجاجة امير المؤمنين(عليه السلام)وعلم رسول اللّه عنده، وأمّا قوله (كأنّها كوكب دري توقد من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية) قال:لا يهودية ولا نصرانية، (يكاد زيتها يضيء) قال: يكاد ذلك العلم ان يتكلم فيك قبل ان ينطق به الرجل، (ولو لم تمسسه نار نور على نور) وزعم انّ قوله (في بيوت اذن اللّه ان ترفع ويذكر فيها اسم اللّه) هي بيوت الانبياء(عليهم السلام) وبيت علي ابن أبي طالب منها»([145]).

 

وفي كتاب كشف الغمّة نقلاً من كتاب الدلائل للحميري عن محمد الرقاشي قال: «كتبت الى ابي محمد أسأله عن المشكوة فرجع الجواب :المشكوة قلب محمد(صلى الله عليه وآله)»([146]).

 

وفي الاختصاص والبصائر باسنادهما الى جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) «قوله تبارك وتعالى (اللّه نور السمواات والارض مثل نوره) فهو محمد فيها مصباح، وهو العلم المصباح في زجاجة فزعم انّ الزجاجة امير المؤمنين وعلم نبي اللّه عنده»([147]).

 

وروى ابن المغازلي الشافعي باسناده الى الحسن بن علي (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه تعالى (كمشكوة فيها مصباح) قال: المشكوة فاطمة(عليها السلام) والمصباح الحسن والحسين والزجاجة كأنها كوكب دري قال: كان فاطمة(عليها السلام) كوكباً درياً من نساء العالمين توقد من شجرة مباركة الشجرة المباركة ابراهيم لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية يكاد زيتها يضيء قال يكاد العلم ان ينطق عنها ولو لم تمسسه نار نور على نور قال: ابنها امام بعد إمام».

 

والاخبار بهذا المعنى كثيرة جداً، وهي شاهدة بتأويلات متعددة في نسبة النور اليه وليست متدافقة لان للقرآن بطوناً متعددة، وكذلك تجري هذه التأويلات في قوله تعالى (يريدون ليطفؤا نور اللّه بأفواههم) وما ضاهاها من الايات، وقد جاء في خصوص هذه الاية ايضاً أخبار، ففي الكافي باسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عزوجل (يريدون ليطفؤا نور اللّه بأفواههم واللّه متم نوره) قال يريدون ليطفؤا ولاية أمير المؤمنين بافواههم، قلت (واللّه متم نوره)قال:([148]) متم الامامة([149]) لقوله عزوجل (الذين آمنوا باللّه ورسوله والنور الذي أنزلنا) والنور هو الامام، قلت: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) قال: هو الذي أمر اللّه رسوله بالولاية الوصية هي دين الحق، قلت: (ليظهره على الدين كله) قال ليظهره على الاديان كلها عند قيام القائم لقوله عزوجل (واللّه متم نوره) بولاية القائم»([150]).

 

وفي كنز الكراجكي نقلاً من تفسير محمد بن العباس باسناده الى أبي الجارود عن أبي جعفر انّه قال:« (يريدون ليطفؤا نور اللّه بأفواههم واللّه متم نوره) واللّه لو تركتم هذا الامر ما تركه اللّه».

 

وللقاضي البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل في تفسير آية (اللّه نور السموات)كلام كاشف عن نقاب اشكالها تأويلاً وتفسيراً لابأس بنقله توضيحاً وتقريراً قال تعالى النور في الاصل كيفية تدركها الباصرة اولاً وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفايضة من النيرين على الاجرام الكثيفة المحادية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح اطلاقه على اللّه تعالى إلاّ بتقدير مضاف كقولك: زيد كريم بمعنى ذو كرم أو على تجوز بمعنى منور السموات والارض، وقد قرى به فانه تعالى نورّها بالكواكب وما يفيض عنها من الانوار أو بالملائكة والانبياء أو مدبرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير نور القوم لانهم يهتدون به في الامور او موجدها فانّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما انّ أصل الخفا هو العدم واللّه سبحانه موجد بذاته لما عداه او الذي به يدرك او يدرك أهلها من حيث انّه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الادراك عليه ثم على البصيرة لانها قوى ادراكاً فانها تدرك نفسها او غيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدوات ويغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركيب والتحايل، ثم ان هذه الادراكات ليست بذاتها والا لما فارقتها فهي اذاً من سبب بفيضها عليها وهو اللّه تعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والانبياء ولذلك سمّوا انواراً ويقرب منه قول ابن عباس معناه هاد من فيها فهم بنوره يهتدون واضافته اليهما للدلالة على سعة اشراقه ولاشتمالهما على الانوار الحسية والعقلية وقصر في الادراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما مثل نوره صفة نوره العجيبة الشأن واضافته الى ضميره سبحانه دليل على انّ اطلاقه عليه لم يكن على ظاهره كمشكوة كصفة مشكوة وهي الكوّة الغير النافذة فيها مصباح سراج ضخم ثاقب، وقيل: المشكوة الانبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة المصباح في زجاجة في قنديل من الزجاج الزجاجة كأنها كوكب دري مضيء ممتلاليء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب الى الدر أو فعيل من الدر فانه يدفع الظلام بضوئه او بعض ضوئه بعضاً من لمعانه إلاّ انّه قلب كهريق همزته ياءً، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه:

 

الاول انّه تمثيل للهدى الذي دل عليه الايات البيّنات في جلاء مضمونها وظهور ما تضمنته من الهدي بالمشكوة المثقوبة([151]) أو تشبيه للهدى من حيث انّه محفوظ من ظلمات اوهام الناس وخيلاتهم بالمصباح، وانما ولي الكاف لمشكوة لاشتمالها عليها وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس أو تمثيل لما نور اللّه به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكوة المثبت فيها من مصباحها، ويؤيده قراءة أبيّ مثل نور المؤمن او تمثيل لما منح اللّه عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة التي بها المعاش والمعاد وهي الحاسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت والعلمية التي تدرك الحقائق الكلية والمفكرة وهي التي تولّف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم والقوة القدسية التي يتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالانبياء والاولياء المعنية بقوله تعالى ولكن جعلناه نوراً تهدي به من تشاء من عبادنا بالاشياء الخمسة المذكورة في الاية وهي المشكوة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت فان الحاسة كالمشكوة لان محلّها كالكوا([152]) ووجهها الى الظاهر لا يدرك ما وراءها واضاءتها بالمعقولات لا بالذات والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للانوار العقلية وانارتها بما يشتمل عليها من المعقولات والعاقلة كالمصباح لاضاءتها بالادراكات الكلية والمعارف الالهية والمفكرة كالشجرة المباركة بتاديتها الى ثمرات لا نهاية لها والزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية او لوقوعها بين المعاني والصور متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين والقوة القدسية كالزيت فانها لصفائها وشدة ذكائها تكاد زيتها تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعليم او تمثيل القوة العقلية من مراتبها بذلك فانها في بدء امرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكوة ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط احساس الجزئيات بحيث يتمكن من حصول النظريات فتصير كالزجاجة متلالاءة في نفسها قابلة للانوار وذلك التمكن ان كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة، وان كان بالحس فكالزيت، وان كان بقوة قدسية فكالذي يكاد زيتها يضيء لانها تكاد تعلم، وان لم تتصل بملك الوحي والالهام الذي مثله النار من حيث ان العقول تشتعل عنها، ثم اذا حصلت لها العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح فاذا استحضرها كان نوراً على نور يهدي اللّه لنوره لهذا النور الثاقب من يشاء فانّ الاسباب دون مشيئة لاغية اذ بها تمامها (ويضرب اللّه الامثال للناس) ادناء للمفعول من المحسوس توضيحاً وبياناً (واللّه بكل شيء عليم) معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً أو خفياً وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ولمن لم يكترث بها انتهى([153])، وهو كلام متين حقيق بان يكتب بالنور على صفحات خدود الحور إلاّ انّه مبنيّ على التأويل القريب من التفسير الظاهري وللطبرسي في تفسيره مجمع البيان تأويلات في الاية مناسبة لما ورد في الاخبار من تأويلها حسبما سمعته فيما سبق، وقد أشار اليها اشارة اجمالية ومع ذلك فقد نسبها الى الاقوال حيث قال: واختلف في هذا التشبيه والمشبه به على أقوال:

 

احدها: انّه مثل ضربه اللّه لنبيه محمد(صلى الله عليه وآله) فالمشكوة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة لا شرقية ولا غربية اي لا يهودية ولا نصرانية توقد من شجرة مباركة يعني ابراهيم(عليه السلام) يكاد نور محمد(صلى الله عليه وآله) يتبين للناس ولو لم يتكلم به كما انّ ذلك الزيت يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار أي تصيبه النار. وقيل: ان المشكوة ابراهيم والزجاجة اسماعيل والمصباح محمد(صلى الله عليه وآله) كما سمي سراجاً في موضع آخر من شجرة مباركة يعني ابراهيم لان اكثر الانبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية لا نصرانية ولا يهودية لان النصارى تصلي الى المشرق واليهود تصلي المغرب يكاد زيتها يضيء واي تكاد محاسن محمد تظهر قبل ان يوحى اليه (نور على نور) اي نبي من نسل نبي. وقيل: انّ المشكوة عبدالمطلب والزجاجة عبداللّه والمصباح هو النبي(صلى الله عليه وآله)لا شرقية ولا غربية بل مكية لان مكّة اوسط الدنيا، وروي عن الرضا (عليه السلام) انّه قال: «نحن المشكوة والمصباح محمد(صلى الله عليه وآله)يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ».

 

وثانيها: أنها مثل ضربها اللّه المؤمن المشكاة نفسه والزجاجة صدره والمصباح الايمان والقرآن في قلبه توقد من شجرة مباركة هي الاخلاص للّه وحده لا شريك له فهي خضراء ناعمة كشجرة التفت بها الشجر فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت لا اذا طلعت ولا اذا غربت وكذلك المؤمن قد احترز من ان يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال، ان اعطي شكر، وان ابتلي صبر، وان حكم عدل، وان قال صدق فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين قبور الاموات (نور على نور) كلامه نور وعلمه نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره الى نور يوم القيامة، عن أبي بن كعب .

 

وثالثها: مثل القرآن في قلب المؤمن فكما انّ هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدي به ويعمل به فالمصباح هو القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفيه والشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضيء يكاد حجج القرآن تتضح وان لم تبرء. وقيل: تكاد حجج اللّه خلقه تضيء لمن تفكر بها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن نور على نور يعني انّ القرآن نور مع سائر الادلة قبله فازدادوا به نوراً على نور، انتهى كلامه(قدس سره)([154]).

 

ومن تلك الصفات التي دلت عليها بعض الروايات وهي واجبة التأويل ايضاً

 

حجزة

 

 

 

اللّه لان اصل الحجزة موضع شد الازار، ثم قيل الازار حجزة للمجاوزة واجتجزا الرجل بالازار اذا شدّه على وسطه ثم استعير للاعتصامة والالتجاء والتمسك بالشيء والتعلق به كما سيجيء تحقيقه بعد ايراد الاخبار الواردة في ذلك، ومن تلك الاخبار ما في التوحيد باسناده عن محمد بن بشير الهمداني قال: «سمعت محمد بن الحنفية يقول: حدّثني أمير المؤمنين (عليه السلام) انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة اخذ بحجزة الله ونحن اخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا اخذون بحجزتنا قلت: يا امير المؤمنين وما الحجزة قال: اللّه أعظم من أن يوصف بحجزة أو غير ذلك ولكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أخذ بأمر اللّه ونحو آل محمد آخذون بأمر نبينا، وشيعتنا اخذون بأمرنا»([155]).

 

وفي التوحيد والعيون باسناده عن أبي اليقضان عن  أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «يجيء رسول اللّه يوم القيامة اخذاً بحجزة ربه، ونحن اخذون بحجزة نبينا، وشعيتنا اخذون بحجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله وحزب اللّه هم الغالبون، واللّه ما تزعم انها حجزة الازار ولكنها اعظم من ذلك يجيء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) اخذاً بدين اللّه، ونجيء نحن اخذين بدين نبينا، ويجيء

شيعتنا اخذين بديننا»([156]). وقد روي عن الصادق(عليه السلام) انّه قال: «الصلاة حجزة اللّه، وذلك انها تحجز المصلي عن المعاصي مادام في صلاة، قال اللّه عزوجل (انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)»([157]).

 

وتحقيق التأويل في هذه الاخبار هي عين ما اشتملت عليه إلاّ انّه لا يخلو من اجمال وكشف ذلك الاجمال وبيانه ان الاخذ بالحجزة كناية عن التمسك بالسبب الذي جعلوه في الدنيا بينهم وبين ربهم ونيتهم وحججبهم اي الاخذ بدينهم وطاعتهم ومتابعة أمرهم وتلك الاسباب الحسنة تتمثل في الاخرة بالانوار فاذا عرفت ذلك، فاعلم انّ مضامين تلك الاخبار ترجع الى امر واحد فقوله في الخبر الاول «ولكن رسول اللّه أخذ بأمر اللّه» اي بما عمل به من أوامر اللّه فيحتج في ذلك اليوم فيتمسك بانه عمل بما امره اللّه به، وكذا النور الذي ورد في الخبر الثاني يرجع الى ذلك اذ الاديان والاخلاق والاعمال الحسنة انوار معنوية تظهر للناس في القيامة، والثالث ظاهر وكذلك ما رواه في العيون والتوحيد وايضاً باسناده عن الحسن بن علي الخزاز في الصحيح عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: «انّ رسول اللّه يوم القيامة أخذ بحجزة اللّه، ونحن اخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا اخذون بحجزتنا، ثم قال: والحجزة النور»([158]) قال ابن الاثير في نهايته في الحديث انّ الرحم اخذت بحجزة الرحمن اي اعتصمت به والتجأت اليه مستجيرة، ثم ذكر الكلام التي ذكرناه في صدور الكلام الى قوله: والتعلق به، ثم قال: ومنه الحديث الاخر «يا ليتني اخذ بحجزة اللّه» أي بسبب منه، وبهذا التقرير انحل الاشكال الوارد على تعدد هذه التأويلات في هذه الاحاديث لان التأويلات بان ترجع الى المجاز وطرق المجاز متعددة فترتفع المنافات من البين كما هو صريح الايات والروايات .

--

 

([1]) لم ترد في الاصل.

 

([2]) شرح المواقف: ج8، ص108 .

 

([3]) احقاق الحق: ج1، ص245 ـ 249 .

 

([4]) احقاق الحق: ج1، ص248، الحاشية.

 

([5]) البحار: ج4، ص319 .

 

([6]) البحار: ج4، ص306.

 

([7]) التوحيد: باب2، ج32، ص76 .

 

([8]) التوحيد: باب12، ح14، ص56، الكافي: ج1، ص139 .

 

([9]) احقاق الحق: ج1، ص250 .

 

([10]) انظر شرح المواقف: ج8، ص109 .

 

([11]) نهج الحق: ص71 .

 

([12]) في المصدر: «هو عينه».

 

([13]) التوحيد: باب29، ح2، ص186، الكافي: ج1، ص120، البحار: ج4، ص176 .

 

([14]) البحار: ج4، ص210 .

 

([15]) الاحتجاج: ج2، ص239 .

 

([16]) البحار: ج1، ص319 .

 

([17]) التوحيد: باب2، ح18، ص60 .

 

([18]) التوحيد: باب2، ح4، ص44 .

 

([19]) الاحتجاج: ج2، ص177 .

 

([20]) التوحيد: باب2، ح26، ص69 .

 

([21]) التوحيد: باب10، ح3، ص139، قريب منه.

 

([22]) لم ترد في الاصل.

 

([23]) طه: 5 .

 

([24]) يوسف: 21 .

 

([25]) البقرة: 29 .

 

([26]) البحار: ج2، ص336 .

 

([27]) المعاني: ص29، الاحتجاج: ج2، ص157 .

 

([28]) الكافي: ج1، ص127. التوحيد: باب48، ح4، ص317 وفيه «فليس شيء اقرب..» .

 

([29]) تفسير القمي: ج2، ص59 .

 

([30]) الكافي: خ1، ص127. التوحيد: باب48، ح2، ص351 .

 

([31]) التوحيد: باب8، ح1، ص351 .

 

([32]) تفسير الكشاف: ج3، ص52، قريب منه.

 

([33]) محمد: 31 .

 

([34]) تفسير نور الثقلين: ج3، ص367 .

 

([35]) التوحيد: باب49، ح2، ص32، قريب منه.

 

([36]) التوحيد: باب36، ح1، قريب منه.

 

([37]) في المصدر: «والاستواء».

 

([38]) التوحيد: ص250، حاشية.

 

([39]) التوحيد: باب48، ح3، ص316 .

 

([40]) التوحيد: باب49، ح1، ص319، مع اختلاف.

 

([41]) التوحيد: باب50، ح1، ص321 .

 

([42]) المعاني: ص 29 .

 

([43]) الرحمن: 27 .

 

([44]) القصص: 88 .

 

([45]) التوحيد: باب8، ح11، ص117 .

 

([46]) الكافي: ج1، ص143 .

 

([47]) الكافي: ج1، ص143 .

 

([48]) الكافي: ج1، ص144 .

 

([49]) الكافي: ج1، ص145 .

 

([50]) التوحيد: باب12، ح12، ص149 .

 

([51]) البصائر: ص61 .

 

([52]) البصائر: ص61 .

 

([53]) التوحيد: باب12، ص149 ـ 150 .

 

([54]) التوحيد: باب12، ص149 ـ 150 .

 

([55]) التوحيد: باب12، ص149 ـ 150 .

 

([56]) التوحيد: باب12، ص149 ـ 150 .

 

([57]) التوحيد: باب12، ح7، ص151 .

 

([58]) الفتح: 10 .

 

([59]) ص: 75 .

 

([60]) الحج: 26 .

 

([61]) الحجر: 42 .

 

([62]) الكافي: ج1، ص143. البصائر: ص65 .

 

([63]) البصائر: ص61 .

 

([64]) تفسير القمي: ج2، ص244، بدل كلمة «الذي خلقه»، «انه خلقه».

 

([65]) التوحيد: باب17، ح2، ص160 .

 

([66]) التوحيد: باب17، ح2، ص162. البحار: ج2، ص2 .

 

([67]) في المصدر: «وله عندي».

 

([68]) التوحيد: باب13، ح1، ص153. المعاني: ص16 .

 

([69]) التوحيد: باب25، ح2، ص168. المعاني: ص18 .

 

([70]) التوحيد: باب13، ح2، ص153 .

 

([71]) التوحيد: ص154 .

 

([72]) البقرة: 237 .

 

([73]) القمر: 14 .

 

([74]) طه: 39 .

 

([75]) البحار: ج4، ص7 .

 

([76]) التوحيد: باب22، ح2، ص164 .

 

([77]) في نسخة «م»: عليّ عليّ عليّ .

 

([78]) تفسير العسكري: ص432 .

 

([79]) الزمر: 56 .

 

([80]) في الاصل: تكرر «فقيل المراد».

 

([81]) تقدم فيما سبق.

 

([82]) تفسير العسكري:

 

([83]) البصائر: 64 .

 

([84]) تفسير القمي: ج2، ص250 .

 

([85]) البصائر: ص62 .

 

([86]) البصائر: ص62 .

 

([87]) البصائر: ص62 .

 

([88]) البصائر: ص62 .

 

([89]) البحار: ج4، ص9 .

 

([90]) التوحيد: ص165 .

 

([91]) البصائر: ص64 .

 

([92]) كنز العمال: ج1، ص234 .

 

([93]) التوحيد: باب28، ح13، ص179 .

 

([94]) البحار: ج1، ص49، قريب منه.

 

([95]) حاشية كتاب غوالي اللئاليء: ج1، ص49 .

 

([96]) الانوار النعمانية: ج1، ص10 .

 

([97]) الزمر: ص67 .

 

([98]) قرب الاسناد: ص409، البحار: ج2، ص238 .

 

([99]) الكافي: ج2، ص5، قريب منه.

 

([100]) الكافي: ج2، ص7 .

 

([101]) يس: 82 .

 

([102]) مجمع الزوائد: ج7، ص176، كنز العمال: ج2، ص223 .

 

([103]) شرح المواقف: ج8، ص114 .

 

([104]) الكافي: ج1، ص134، كنز العمال: ج1، ص226، البحار: ج4، ص12 .

 

([105]) حاشية كتاب غوالي اللئاليء: ج1، ص53 .

 

([106]) التوحيد: باب12، ح11، ص152 .

 

([107]) الاحتجاج: ج2، ص89 ـ 192 .

 

([108]) التوحيد: ص152 .

 

([109]) التوحيد: باب6، ح18، ص103 .

 

([110]) تنزيه الانبياء: ص77 .

 

([111]) في نسخة «م»: وكان.

 

([112]) في المصدر: «فيمكن قبل النظر ان يكون الجواهر من فعله وتأليفها من فعل غيره ألاترى انا نرجع في العلم أن تأليف السماء من فعله تعالى الى السمع لانه لا دلالة في العقل على ذلك لما نرجع في ان تأليف الانسان من فعله في الموضوع الذي يستدل به على انه عالم من حيث ظهر منه الفعل المحكم الى ان يجعل الكلام في اول انسان خلقه لانه لا يمكن مؤلفه سواه اذا كان هو اول الاحياء من المخلوقات...»

 

([113]) تنزيه الانبياء: ص177 .

 

([114]) سعد السعود: ص34 .

 

([115]) الحجر:29. ص:72 .

 

([116]) التوحيد: باب27، ح1، ص170. المعاني: ص17 .

 

([117]) التوحيد: باب27، ح3، ص171، المعاني: ص17، الكافي: ج1، ص133 .

 

([118]) الاحتجاج: ج2، ص56 .

 

([119]) التوحيد: باب27، ح5و6، ص172 .

 

([120]) تفسير العياشي: ج2، ص241 .

 

([121]) التوحيد: باب27، ح4، ص171 .

 

([122]) تفسير العياشي: ج2، ص316 .

 

([123]) تفسير العياشي: ج2، ص316 .

 

([124]) تفسير العياشي: ج    ، ص241.

 

([125]) تفسير العياشي: ج2، ص240 .

 

([126]) تفسير العياشي: ج2، ص240 .

 

([127]) الكافي: ج1، ص133 .

 

([128]) النور: 35 .

 

([129]) التوحيد: باب15، ح1، ص155، الكافي: ج1، ص115 .

 

([130]) تفسير نور الثقلين: ج3، ص603، قريب منه.

 

([131]) التوحيد: باب155، ح3، ص157، المعاني: 15.

 

([132]) التوحيد: باب15، ص155، مع اختلاف كثير.

 

([133]) في المصدر: «الله في قبله...».

 

([134]) تفسير القمي: ج2، ص103، قريب منه.

 

([135]) في المصدر: «كان فاطمة (عليها السلام)...».

 

([136]) في المصدر: «زيتونة...».

 

([137]) تفسير القمي: ج2، ص103 ـ 105. الكافي: ج1، ص195 .

 

([138]) الكافي: ج8، ص38، البحار: ج4، ص21 .

 

([139]) في المصدر: «يوقد».

 

([140]) في المصدر: «من عنصرة طاهرة».

 

([141]) تفسير القمي: ج2، ص104 .

 

([142]) تفسير القمي: ج2، ص371، الكافي: ج1، ص194 .

 

([143]) تفسير الفرات: ص281، مع اختلاف. وفي التوحيد: باب15، ح4، ص158، قريب منه.

 

([144]) البصائر: ص294 .

 

([145]) البصائر: ص294 .

 

([146]) ذكره الكافي: ج8، ص38 .

 

([147]) الاختصاص: ص278. البصائر: ص294 .

 

([148]) في المصدر: «والله».

 

([149]) في المصدر: «هي النور».

 

([150]) الكافي: ج1، ص196، وفي المصدر الى قوله «هو الذي أرسل».

 

([151]) في البحار: المنعوتة.

 

([152]) في البحار: كالكوة.

 

([153]) البحار: ج4، ص22.

 

([154]) مجمع البيان: ج7، ص143 .

 

([155]) التوحيد: باب23، ح1، ص165. البحار: ج4، ص24 .

 

([156]) التوحيد: باب23، ح3، ص166. المعاني: ص16 .

 

([157]) التوحيد: باب23، ح4، ص166 .

 

([158]) التوحيد: باب23، ح2، ص165

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2533002

 • التاريخ : 23/10/2019 - 10:59