الفصل التاسع:في صفات الافعال 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل التاسع

 

في صفات الافعال

 

وقـد عرفت فيما سبق الفرق بينها وبين صفات الذات في القدم والحدث وقد مر ذلك في كلام الصدوق في التوحيد وصرح به الكليني في الكافي([1])

فمن تلك الصفات الكلام وهو موضع بحث وكلام حتى انّ هذا العلم انما سمي به للكلام على صفة الكلام، وقد اتفقت الامامية على انها صفة فعلية وسيأتي بيان معناها، وقد دل القرآن والاخبار والاجماع على اتصافه بها، بل صار ذلك من ضروريات الدين، والخلاف انما وقع في ذاتيتها حيث ذهبت الاشاعرة الى ذلك، وبهذا تحقق لك ان اثبات كونه تعالى متكلماً من الامور الموقوفة على السمع وان العقل لا مجال له في اثباته مجرداً عن الدليل السمعي لما تقرر لغة وعرفاً ان الكلام انما يطلق على الحروف والاصوات لتبادر افهام العقلاء باسرهم عند اطلاقه الى هذا المعنى ولما كان ذلك مستحيلاً في حقّه تعالى لتوقفه على الالات أو لكونه عرض لا يقوم إلاّ بالموضوع وهو تعالى لا يكون محلاً للاعراض فلم يكن للعقل ثمة طريق الى اثباته فلما ورد النقل الشريف بوصفه به وجب القول به ووجب الحمل والتأويل فيه بان المراد به ايجاد الحروف والاصوات في الاجسام معبرة بها ليكون دالة عن المعاني المطلوبة له لما عرفت من انّه عرض يحتاج الى موضوع يقوم به وذلك لايجاد امر ممكن يجزم العقل بامكانه وقد سبق تعلق ثبوت قدرته بجميع الممكنات فوجب تعلق قدرته بذلك الايجاد فمعنى انّه متكلم ليس إلاّ ذلك فاطلاق تسميته به باعتبار ذلك امّا بنوع من الحقيقة ان قلنا بجواز ثبوت المشتق للذات مع عدم قيام المشتق منه بها او مجازاً ان قلنا انّه لابد للوصف بالمشتق من ثبوت المعنى المشتق منه لها، وذلك مما وقع النزاع فيه، فقيل: لا يشترط كما جاز اطلاق الخالق والرازق عليه والخلق والرزق قائم بغيره، وقيل:لا يجوز إلاّ مع قيام الوصف ونقض بالضارب فانه يوصف به فاعله مع ان الضرب قائم بالمضروب لا به ولما لم يتحقق عند اكثر العلماء دلائل الفريقين صرحوابان التسمية لابد منها باعتبار ذلك الايجاد سوى كان بطريق المجاز او الحقيقة فعلم مما قررناه ان هذه الصفة من فروع القدرة المتعلقة بمقدور معين فهي مخصصة بايجاد الحروف والاصوات وان اطلاق التسمية بها سواء كان بنوع من الحقيقة او المجاز متوقف على السمع والا لما صح بطريق العقل اثباتها واطلاقها ومن رام اثباتها عقلاً كالاشعرية بناء على ان الكلام معنى كسائر الصفات يحتاج اولاً الى اثبات المعاني في أنفسها، ثم الى وجوب اثباتها ببرهان قاطع ثانياً، ثم اثبات الكلام ايضاً معنا ثالثاً، ودون ذلك خرط القتاد. فان قلت: ان اثباتها بالقرآن يستلزم الدور لانا لا نعلم كونه كلاماً إلاّ بعد كون القرآن كلامه ولا نعلم ان معنى القرآن كلامه إلاّ بعد كونه تعالى متكلماً. قلت: انا لا نستدل بالقرآن على كونه متكلما من حيث هو كلام بل من حيث انّه اخبار النبي الصادق فلا دور ولاختلاف المتعلق من الادلة المقررة في هذا المقام على اثبات هذه الصفة اجماع الانبياء(عليهم السلام) فانه تواتر عنهم انهم كانوا يثبتون له الكلام، ويقولون: انّه تعالى امر بكذا ونهى عن كذا واخبر عن كذا وكل ذلك من اقسام الكلام فثبت المدعى. فان قيل: صدق الرسول موقوف على تصديق اللّه اياه اذ لا طريق الى معرفته سواه وتصديق اللّه اياه اخبار عن كونه اصدقاً وهذا الاخبار كلام خاص له تعالى فاذا قد توقف صدق الرسول على كلامه تعالى فاثبات الكلام للّه سبحانه لصدق الرسول دور. قلنا: لا نسلم ان تصديقه له كلام، بل هو اظهار المعجزة على وفق دعواه فانه يدل على صدقه ثبت الكلام بان يكون المعجزة من جنسه كالقرآن الذي يعلم اولاً انّه معجزة خارجة عن قوة البشر ثم يعلم به صدق الدعوى أم لم يثبت كما اذا كانت المعجزة شيئاً اخر، ثم ان هاهنا قياسين ظاهرهما التعارض احدهما ان كلام اللّه تعالى صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم فكلامه تعالى قديم، وثانيهما: ان كلامه مؤلف من اجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكلما هو كذلك فهو حادث، فكلامه تعالى حادث فافترق المسلمون الى فرق اربع ففرقتان: منهم ذهبوا الى صحة القياس الاول وقدحت واحدة منهما في صغرى القياس الثاني وقدحت الاخرى في كبراه، وفرقتان اخريان ذهبوا الى صحة الثاني وقدحوا في احدى مقدمتي الاول على التفصيل المذكور وقد أشار صاحب المواقف الى ذلك بقوله: ثم قال الحنابلة كلامه حرف وصوت يقومان بذاته وانّه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم: جهلاً بقدم الجلد والغلاف فهؤلاء صححوا القياس الاول ومنعوا كبرى القياس الثاني، وبطلانه اظهر من الشمس في رابعة النهار لان الترتيب والتعاقب في حروفه وكلماته مشروط بانفضاء الاخر منها فيكون له اول فلا يكون قديماً فلا يكون للحرف انقضاً فلا يكون هو ايضاً قديماً بل حادث فكذا المجموع المركب منها اي الحروف التي لها اول زمان وجود او اخره واجتمعا معاً فيها فيكون حادثاً لا قديماً والكرامية وافقوا الحنابلة في انّ كلامه حروف وأصوات وسلموا انها حادثة لكنهم زعموا انها قائمة بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث به وقد قالوا بصحة القياس الثاني وقدحوا في كبرى القياس الاول، وقالت المعتزلة والامامية كلامه تعالى اصوات وحروف كما ذهب اليه الفرقتان المذكورتان لكنها ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها اللّه في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي وهو حادث كما ذهب اليه الكرامية خلافا للحنابلة وهم ايضاً صححوا القياس الثاني لكنهم قدحوا في صغرى القياس الاول وهي ان كلامه تعالى صفة له، والاشعرية قالوا ان الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقول به ونسميه كلاماً لفظياً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى فلم نمنع صغرى القياس الثاني، ونثبت امراً وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالالفاظ ونقول هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى وحينئذ فيتوجه منع صغرى القياس الثاني كما قالوه وزعموا انّه غير العبارات اذ قد تختلف العبارات بالازمنة والامكنة والاقوام ولا يختلف ذلك المعنى بالنفسي، بل قالوا ليس تنحصر الدلالة في الالفاظ اذ قد يدل عليه بالاشارة والكتابة كما يدل عليه بالعبارة والطلب الذي هو قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغير العبارات ولا يتخلف باختلاف الدلالات وغير المتغير وعين  المتغير غير المتغير يعني ما ليس متغيراً وهو المعنى النفسي مغاير للمتغير الذي هو العبارات يزعم انّه اي المعنى النفسي والخبر غير العلم اذ قد يخبر الرجل عما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه وان المعنى النفسي الذي هو الامر ايضاً غير الارادة لانه قد يأمر الرجل بما لا يريده فالمختبر لعبده هل يطيعه ام لا فانّ مقصوده مجرد الاختيار دون الاتيان بالمامور به وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه فانه قد يأمره ويريد ان لا يفعل ليظهر عذره عند من يلومه واعترض عليه بان الموجود في هاتين الصورتين صيغة الامر لا حقيقته اذ لا طلب فيها اصلاً كما لا ارادة قطعاً فاذا هو اعني المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر والامر صفة ثالثة مغايرة للعلم والارادة قائمة بالنفس، ثم زعموا انّه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته، ثم قال العضدي في المواقف([2]) ولو قالت المعتزلة انّه هو ارادة فعل يصير سبباً لاعتقاد المخاطب علم المتكلم بما اخبر به او يصير سبباً لاعتقاده ارادته بما امر به لم يكن بعيداً لان ارادة فعل كذلك موجودة في الخبر والامر ومغايرة لما يدل([3]) عليها من الامور المتغيرة والمختلفة وليس يتجه عليه ان الرجل قد يخبر بما لا يعلم او يأمر بما لا يريد وحينئذ لا يثبت معنى النفس يدل عليه بالعبارات مغايراً للارادة كما يدعيه الاشاعرة لكني لم أجده في كلامهم بل الموجود فيه ان مدلول العبارات في الخبر راجع الى العلم القائم بالمتكلم وفي الامر راجع الى ارادة المأمور به وفي النهي الى كراهية المنهي عنه فلا يثبت كلام نفسي مغاير للصفات ثم قالوا انما يقوله المعتزلة والامامية في كلام اللّه تعالى وهو خلق الاصوات والحروف الدالة على المعاني المعهودة وكونها حادثة قائمة بغير ذاته فنحن نوافقهم على ذلك ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك كما بيّن آنفاً، وما نقوله ونبيّنه من كلام النفس المغاير لسائر الصفات فهم ينكرون ثبوته ولو سلموا لم يثبتوا قدمه فصار محل النزاع بيننا وبينهم في نفي المعنى النفسي واثباته فاذا الادلة الدالة على حدوث الالفاظ انما يفيدهم بالنسبة الى قول الحنابلة القائلين بقدم الالفاظ، وامّا بالنسبة الينا ايها الاشاعرة فيكون نصب الدليل في غير محل النزاع، ثم انهم اجابوا عن الاخبار والايات الدالة على حدوث القرآن مطلقاً الشاملة للكلام النفسي عندهم واللفظي بتخصص الحدوث بالالفاظ والعبارات فلا يكون لهم فيه حجة عليهم ولا يجد بهم نفعاً إلاّ ان يلتزموا عدم المعنى الزائد على العلم والارادة ويبرهنوا على ذلك وحينئذ ينفعهم اذ على هذا التقرير ينحصر القرآن في هذه الالفاظ والعبارات ولا سبيل لهم على هذا البرهان فلا حجة لهم ايضاً في تلك الادلة المطلقة، وهذا كله تكلّف مستغنى عنه اذ ما دلّ من الادلة من الكتاب والسنة على حدوث القرآن نص في جميع اجزائه اعني الالفاظ والعبارات والمعاني ولان العمدة هي المعاني اذ العبارات والالفاظ انما هي طرق موصلة للمعاني فالحكم بالحدوث على الالفاظ والعبارات دون المعاني ولان العمدة هي المعاني اذ العبارات والالفاظ انّما هي طرق موصلة للمعاني فالحكم بالحدوث على الالفاظ والعبارات دون المعاني مما لا يعقل ولا يدل عليه بل تصير تلك الادلة من قبيل الالغاز والتعمية يجب ان يصان عنه كلام اللّه واخبار الرسالة وأمّا الدليل الذي استدل به الامامية والمعتزلة على الحدوث في جميع الكلام فمنه معقول ومنه منقول. أما المعقول فوجهان:

 

الوجه([4]) الاول: الامر والخبر في الازل ولا مامور ولا سامع فيه سفه فكيف يتصور ثبوته من للّه سبحانه .

 

الوجه([5]) الثاني: لو كان كلامه تعالى قديماً لاستوى نسبته الى جميع المتعلقات لانه حينئذ يكون كالعلم في ان تعلقه بمتعلقاته يكون لذاته وكما انّ علمه متعلق بجميع ما يصح تعلقه به كذلك كلامه يتعلق بكل ما يصح تعلقه به ولما كان الحسن والقبح في الشرع كما هو مذهب الاشعري صح في كل فعل ان يؤمر به وينهى عنه فيلزم تعلق امره ونهيه بالافعال كلها فيكون كل فعل مامورا به ومنهياً عنه، هذا خلف.

 

وأما المنقول فوجوه:

 

الوجه([6]) الاول: القرآن ذكر لقوله تعالى (وهذا ذكر مبارك)([7]) وقوله (وانّه لذكر لك ولقومك)([8]) مع قوله (وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)([9]) وقوله (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث)([10]) فانهمان يدلان على ان الذكر محدث ويكون القرآن محدثا .

 

الوجه([11]) الثاني: قوله تعالى (انما امره اذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون)([12]) فيكون معناه اذا أردنا شيئاً قلنا له كن فيكون فيكون قوله (كن فيكون) قسماً من كلامه متأخراً عن الارادة الواقعة بالاستقبال لكونه جزء له ويكون حاصلاً قبل كون الشيء اي وجوده بقرينة الفاء الدالة على الترتيب بلا مهله وكلاهما يوجب الحدوث، اما التاخر عن الارادة الحادثة في المستقبل فلان التاخر من الشيء يوجب الحدوث خصوصاً اذا كان ذلك الشيء حادثاً واقعاً في الاستقبال، واما التقدم على الكائن الحادث بمدة يسيرة فظاهر ايضا دلالته على الحدوث .

 

الوجه([13]) الثالث: قوله تعالى (واذ قال ربك للملائكة)([14]) واذ ظرف زمان ماض فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصا بزمان معين محدث.

 

الوجه([15]) الرابع: (كتاب احكمت آياته ثم فصلت)([16]) فانه يدل على انّ القرآن مركب من الايات التي هي اجزاء متعاقبة فيكون حادثاً، وكذا قوله (انا أنزلناه قراناً عربياً)([17])يدل على ان كلام اللّه قد يكون عربياً تارة وغيره اخرى، ويكون متغيراً وذلك دليل حدوثه.


 

الوجه([18]) الخامس: (حتى يسمع كلام اللّه)([19]) فانه يدل على ان كلامه مسموع، فيكون حادثا لان المسموع لا يكون إلاّ حرفاً وصوتا .

 

الوجه([20]) السادس: انّه معجز اجماعاً ويجب مقارنته للدعوى حتى يكون تصديقاً للمدعي في دعواه فيكون حادثاً مع حدوثها والا فلا اختصاص له به اي بذلك المدعى وتصديقه .

 

الوجه([21]) السابع: انّه منزل وتنزيل وذلك يوجب حدوثه لاستحالة الانتقال بالانزال والتنزيل على صفاته القديمة بذاته تعالى .

 

الوجه([22]) الثامن: قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه «يا رب القرآن العظيم يا رب طه ويس»([23]) فالقران مربوب كلا وبعضاً والمربوب محدث اتفاقا.

 

الوجه([24]) التاسع: انّه تعالى اخبر بلفظ الماضي نحو (إنا أنزلناه)([25]) (إنا ارسلنا)([26]) ولا شك ان لا انزال ولا ارسال في الازل فلو كان كلامه قديماً لكان كذباً لانه اخباريا لوقوع في الماضي ولا يتصور ما هو ماض بالقياس في الازل .

 

الوجه([27]) العاشر: النسخ حق باجماع الامة وواقع في القرآن وهو رفع أو انتهاء ولا شيء منهما يتصور في القديم لان ما ثبت قدمه امتنع عدم، والامام الرازي جعل هذين الوجهين في كتاب الاربعين من الادلة المعقولة، والحق ما اختاره العضدي([28])، وامّا الاخبار التي جاءت من طريقنا الشاهدة بالحدوث بالكلام مطلقاً وللقرآن في الخصوص فهي كثيرة جداً. فمنها ما رواه الكليني والصدوق في كتاب التوحيد بسند صحيح عن ليث المرادي قال: «سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: لم يزل اللّه تعالى ربنا والعلم ذاته» وساق الحديث كما تقدم الى ان قال، «قلت: فلم يزل اللّه متكلماً؟، قال: فقال: ان الكلام صفة محدثة ليست بازليته كان اللّه عزوجل ولا متكلم»([29]).

 

وفي التوحيد باسناده عن الحسن بن عبدالرحمن الانصاري الكوفي قال «قلت لابي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) انّ هشام بن الحكم زعم ان اللّه جسم ليس كمثله شيء عالم سميع بصير قادر متكلم ناطق والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحداً ليس شيء منها مخلوقاً، فقال: قاتله اللّه أما علم ان الجسم محدود والكلام غير المتكلم معاذ اللّه، وابرء الى اللّه من هذا القول لا جسم ولا صورة ولا تحديد، وكل شيء سواه مخلوق انما تكون الاشياء بارادته ومشيئته من غير كلام، ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان»([30]).

 

وفي الامالي بسند ضعيف عن أبي بصير ايضاً قال: «سمعت ابا عبداللّه(عليه السلام) يقول: لم يزل اللّه جل اسمه عالماً بذاته ولا معلوم ولم يزل قادراً بذاته ولا مقدور، قلت: جعلت فداك فلم يزل متكلماً قال: الكلام محدث وكان اللّه عزوجل وليس بمتكلم ثم احدث الكلام»([31]).

 

وفي تفسير القمي باسناده عن ابي بصير عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قوله تعالى (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً)قال: قد اخبرك ان كلامه ليس له اخر ولا غاية ولا ينقطع ابداً»([32]) .

 

وفي الاحتجاج قال: «سأل يحيى ابن اكتم أبا الحسن(عليه السلام) عن قوله تعالى (سبعة ابحر ما نفذت كلمات اللّه) ما هي قال: هي عين الكبريت، وعين اليمين، وعين البرهوت، وعين الطبرية، وجمة ماسيدان، وجمة افريقية، وعين ماجروان، ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلها»([33]).

 

وفي الاحتجاج ايضاً عن صفوان بن يحيى قال: «سأل ابو قرة المحدّث الرضا (عليه السلام)فقال: اخبرني جعلني اللّه فداك عن كلام اللّه لموسى؟، فقال: اللّه اعلم باي لسان كلّمه بالسريانية أم بالعبرانية، فأخذ ابو قرة بلسانه، فقال: انما اسألك عن هذا اللسان، فقال ابو الحسن(عليه السلام): سبحان اللّه مِمَ([34]) تقول ومعاذ اللّه ان يشبه خلقه او يتكلم مثل ما هم متكلمون ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ولا كمثله قائل فاعل، قال: كيف ذلك؟، قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق ولا يلفظ بشيء فم ولا لسان ولكن يقول له كن فكان بمشيئته»([35]) ما خاطب به موسى من الامر والنهي من غير تردد في نفس الخبر، وامّا الاخبار الدالة على انّ القرآن ليس بمخلوق كما رواه الصدوق في التوحيد بعدّة أسانيد عنهم(عليهم السلام) فالظاهر انّها وردت من باب التورية وانّ المراد منها المعنى البعيد بمعنى انّه ليس بمخلوق ولا مزور ومبدع، وانّما هو كلام اللّه المنزل للاعجاز وفيه ردّ على من قال بذلك وأنكر اعجازه، وقد جاءت أخبار اخر منبهة على هذا المعنى، وقد ذكر ذلك الصدوق في كتاب التوحيد والسرّ في هذا التعبير بهذه العبارة هو الايهام لمكان التقيّة، لان القرآن عندهم غير مخلوق، بل هو من القدماء وإن كان هو غير ذاته كما هو مذهب الاشعري ومن قال بمقالته، وقد أجاب الاشعرية عن ذينك الدليلين العقليين وتلك الادلة العشرة الكاملة السمعية بما لا يسمن ولا يغني من جوع فأجابوا عن الدليل الاول من العقليين ان ذلك الظاهر الذي ادعيتموه انما هو في اللفظ وأما كلام النفسي فلا سفه فيه لطلب التعلم من اين فيولد. ويرده انما يجده احدنا في باطنه هو العزم على المطلب وهو ممكن وأما نفس الطلب فلا شك في كونه سفهاً، بل قيل هو غير ممكن لان وجود الطلب بدون ما يطلب منه شيء محال. وأجابوا عن الثاني ان الشيء القديم الصالح للامور المتعددة قد يتعلق ببعض تلك الامور دون بعض كالقدرة القديمة فانها تتعلق ببعض المقدورات وهو ما تعلقت الارادة به منها. ويرد عليه ان مخصص القدرة حاصل وهو الارادة فلابد في الكلام ايضاً من مخصص، ويعود الكلام اليه ويلزم التسلسل، وربما اجيب عن ذلك بان تعلق الكلام ببعض دون آخر كتعلق الارادة لذاتها ببعض ما يصح تعلقها به دون بعض فلا تسلسل. وفيه انّه من باب القياس الذي لا يعتّد به في دفع الاشكال والالتباس بل هو من باب البناء على غير أساس، وأجابوا عن تلك العشرة الوجوه انها انما تدل على حدوث اللفظ. وفيه نظر لان الصفات التي ذكرت في تلك الايات من المحدث ومن الذي يقال له (كن فيكون) ونحوها راجعة الى الكلام الحقيقي باعتبار لفظه ومعانيه وانما الحامل على هذا التسامح في الجواب عنها هي العصبية على المختار كما هو شأن هذه الفرق، ثم انهم لما جعلوا الكلام النفسي قديما كالقدرة اعتبروا الوحدة فيه في نفسه كما في الصفات الذاتية، وأجابوا عن انقسامه الى الامر والنهي والخبر والاستفهام والنداء بما هو بحسب التعلق لا في نفسه فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبراً وباعتبار تعلقه بشيء آخر على وجه آخر يكون امراً وكذا الحال في البواقي، والحق انّ كلامه حيث انّه صفة حادثة لا تستلزم الوحدة خمسة أقسام وهي الاقسام المذكورة، وما ارتكبوه عن الجواب لا يغني من الحق شيئاً فانّ تلك الاقسام انما هي للمعاني كانقسام الالفاظ لها انما هو تابع لانقسام المعاني فلا يكون بحسب المتعلق، وقال ابن سعيد من الاشاعرة هو في الازل واحد وليس متصفاً بشيء من تلك الاقسام الخمسة وانما يصير احدها في ما لا يزال، وأورد عليه انها انواعه فلا يوجد بدونها اذ الجنس لا يوجد إلاّ بضمن شيء من انواعه، وربما اجيب عنهم بمنع ذلك في أنواع تحصل بحسب التعلق كانها ليست انواعاً حقيقية له حتى يلزم ما ذكرتم بل هي انواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالاشياء فجاز ان يوجد جنسها بدونها ومعها ايضاً. وفيه نظر لما سمعت من انها اقسام للكلام النفسي فبطل كلامه وكلام ابن سعيد، وما قيل بانه ليس ببعيد بعيد جداً والقول بذلك غير سديد .

 

 

 

« تتمة تفريعية

 

وهو انّه حيث ثبت الكلام للّه تعالى اجمع القائلون به على انّه يمتنع عليه الكذب اما عند المعتزلة والامامية فلوجهين:

 

الاول: ان الكذب في الكلام عندهم من قبيل الافعال دون الصفات فيكون قبيحاً وهو سبحانه وتعالى لا يفعل القبيح وهو بناء على أصلهم الاصيل، والحق الثاني للتضليل في اثبات حكم العقل بحسن الافعال وقبحها مقيسة الى اللّه تعالى .

 

الثاني: انّه مناف لمصلحة العالم لانه اذ اجاز وقوع الكذب في كلامه ارتفع الوثوق عن اخباره الثواب والعقاب وسائر ما اخبر به عن أحوال الاخرة والاولى وفي ذلك فوات مصالح لا تحصى والاصلح واجب عليه تعالى عندهم فلا يجوز اخلاله به وهذا الاخير لا يخلو من مناقشة سيجيء الكلام عليها .

 

وأما الاشاعرة فقد منعوا كلاً من الدليلين حيث قالوا: لا قبح ولا حسن في أفعاله فضلاً عن صفاته ولا شيء عليه واجب وسيجيء ما يهدم هذين الكلام من أساسهما فمن ثم عدلوا عن هذين الدليلين واستدلوا على امتناع الكذب عليه بثلاثة وجوه:

 

الوجه([36]) الاول: انّه نقص والنقص على اللّه محال اجماعاً وايضاً فيلزم على التقدير ان يقع الكذب في كلامه تعالى ان نكون نحن اكمل منه في بعض الاوقات اعني وقت صدقنا في كلامنا، وهذا الوجه انما يدل على ان الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته يكون صادقاً والا لزم النقصان في صفاته تعالى مع كمال صفتنا ولا يدل على صدقه في الحروف التي يخلقها في جسم دالة على معان مقصورة، ولما كان لقائل أن يقول خلق الكاذب ايضاً نقض في فعله فيعود المحذور بعينه اشار غير واحد الى دفعه بانه لم يظهر  فرق بين النقص في العقل وبين القبح العقلي فان النقص في الافعال هو القبح العقلي بعينه فيها، وانما تختلف العبارة دون المعنى فاصحابنا المنكرون للقبح العقلي كيف يتمسكون في دفع الكذب عن الكلام اللفظي بلزوم النقص في افعاله تعالى.

 

الوجه([37]) الثاني: انّه لو اتصف بالكذب لكان كذبه قديماً اذ لا يقوم الحادث بذاته تعالى فيلزم ان يمتنع عليه الصدق المقابل لذلك الكذب والا جاز زوال ذلك الكذب، وهو محال فانما ثبت قدمه امتنع عدمه واللازم وهو امتناع الصدق عليه باطل فانا نعلم بالضرورة ان من علم شيئاً امكن له ان يخبر عنه على ما هو عليه، وهذا الوجه ايضاً اخصّ من الدعوى لانه انما يدل على كون الكلام النفسي صدقاً لا اللفظي لانه القديم وانما هذه العبارات الدالة على الكلام النفسي عندهم فلا دلالة له على صدقها لانها حادثة فيجوز زوالها بحدوث الصدق الذي يقابلها مع انّ الاعم عندهم هو بيان صدقها.

 

الوجه([38]) الثالث: وهو اقواها وعليه الاعتماد لديهم لصحة ودلالته على الصدق في الكلام النفسي واللفظي معاً وهو خبر النبي (صلى الله عليه وآله) بكونه صدقاً في كلامه كله، وذلك مما علم بالضرورة من الدين فلا حاجة الى بيان اسناده وصحته ولا الى تعيين ذلك اعني خبره (عليه السلام) بل نقول قد تواتر عن الانبياء كونه تعالى صادقاً كما تواتر عنهم كونه متكلماً واورد عليه بانّ صدق النبي (صلى الله عليه وآله) انما يعلم تصديقه تعالى وانما يدل تصديقه اياه على الصدق منه (صلى الله عليه وآله) اذا امتنع عليه الكذب ووجب ان يكون كلامه صدقاً فصدق النبي (صلى الله عليه وآله) انما يعرف بصدق اللّه تعالى فيلزم الدور اذا ثبت صدقه تعالى بصدق النبي كما نقلتم. واجيب عن ذلك بان التصديق بالمعجزة كما مر ويجيء فهو تصديق فعلي لا قولي ودلالتها على التصديق دلالة عادية لا يتطرق اليها شبهة كما سنقف عليه، واعلم ان العضدي قد افرد مقالة غير ما في كتابه المواقف في تحقيق كلام اللّه تعالى وهرب فيها عمّا قرره اصحابه في الكلام النفسي لما يدخل عليهم من الايرادات التي لا يلتزمون القول بها، وحاصله ان لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ واخرى على الامر القائم بالغير والشيخ الاشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الاصحاب منه ان مراده مدلول اللفظ وحده وهو القديم عنده وأما العبارات فانما سمي كلاماً مجازاً لدلالته على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بان الالفاظ حادثة على مذهبه ايضاً لكنها ليست كلاماً حقيقة، وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة كعدم اكفار من انكر كلاميته ما بين دفتي المصحف مع انّه علم من الدين ضرورة كونه كلام اللّه حقيقة وكعدم المعارضة والتحدي كلام اللّه الحقيقي وكعدم كون المقرو والمحفوظ كلامه حقيقة الى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الاحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على انّه اراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده امراً شاملاً للفظ والمعنى جميعاً قائماً بذات اللّه تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقرؤ بالالسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة، وما يقال من الحروف والالفاظ مرتبة متعاقبة، فجوابه ان ذلك الترتيب انما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الالة بالتلفظ حادثة والادلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعاً بين الادلة وهذا الذي ذكرناه وان كان مخالفاً لما عليه متاخروا اصحابنا إلاّ انّه بعد التأمل تعرف حقيّة كلامه، وهذا المحمل لكلام الشيخ مما اختاره محمد الشهرستاني في كتاب المسمى بنهاية الاقدام ولا شبهة في انّه لا اقرب الى الاحكام الظاهرية المنسوبة الى قواعد الملة انتهى([39]) .

 

وفيه انّه وان وقع به الفرار من هذه الالزامات الفاسدة إلاّ انّه باطل بالبرهان حيث انّه يلزمه الحدوث المنافي للحكم عليه بالقدم كما هو غير خفي على من تأمّل ذلك الكلام وثبت منه القدم واما باقي الصفات الفعلية فهي غير منحصرة بل يصح اشتقاقها من كل فعل يصح نسبته له تعالى مما جاء الشرع به لان أسماء كما سيجيء توقيفية، وقد عرفت الفرق بين صفات الفعل وبين صفات الذات حيث انها يصح اثباتها له وسلبها عنه كما مر تحقيقه من كلام الصدوق في التوحيد ويزيده بياناً ما قرره الفاضل الكاشاني في الوافي حيث قال: اعلم ان من صفات اللّه سبحانه ما هو ثابت له عزوجل في الازل وهو كمال في نفسه وعلى الاطلاق وضده نقص ويسمى بصفة الذت، وهو على قسمين: قسم لا اضافة له الى غيره جل ذكره اصلاً بل له وجه واحد كالحياة والبقاء. وقسم له اضافة الى غيره ولكن تتاخر اضافته عنه كالعلم والسمع والبصر فانها عبارة عن انكشاف الاشياء له في الازل كلياتها وجزئياتها كل في وقته وبحسب مرتبته على ما هو عليه فيما لا يزال مع حصول الاوقات والمراتب له سبحانه في الازل مجتمعة وان لم تحصل بعد وبقياس بعضها الى بعض متفرقة على ما مضى تحقيقه في باب نفي الزمان، وهذا الانكشاف حاصل له بذاته من ذاته قبل خلق الاشياء بل هو عين ذاته ومن الصفات ما يحدث بحدوث الخلق بحسب المصالح وهو ما يكون كما لا من وجه دون وجه وقد يكون ضده كمالا ويسمي بصفة الفعل فهو ايضاً على قسمين: قسم هو اضافة محضة خارجة عن ذاته سبحانه ليس لها معنى في ذاته زائد على المعنى والقدرة والارادة والمشيئة كالخالقية والرازقية والمتكلم ونحوها. وقسم له معنى سوى الاضافة إلاّ انّه لا تنفك عنه الاضافة والمضاف اليه كالمشيئة والارادة فانهما في اللّه سبحانه لا يتخلف عنه المشأ والمراد بوجه بل (انما امره اذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون)([40]) وما شاء اللّه كان فلا توجد الصنفين إلاّ بوجود متعلقيهما إلاّ ان الارادة جزئية ومقارنة والمشيئة كلية ومتقدمة وهذاان القسمان انما يكونان كمالين اذا تعلقا بالخير وبما ينبغي لا مطلقا، ولهذا قد يخلق وقد لا يخلق وقد يريد وقد لا يرد الى غير ذلك كما قال عزوجل (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)([41]).

 

فإن قيل: وان كانت الصفات المحدثة المتعلقة بالخير كمالا للّه سبحانه فما بالها لم تثبت للّه عزوجل في الازل .

 

قلنا: ان لها مبدء ومنشأ في ذاته سبحانه هو كمال في الحقيقة وهو كون ذاته بذاته في الازل بحيث يخلق ما يخلق ويرزق ما يرزق ويتكلم مع من يتكلم ويريد ما يريد ويشاء كما يشاء فيما لا يزال وهو من صفات الذات ثابتة لها في الازل وانما هذه الاضافات فروع لها مترتبة عليها فيما لا يزال على وفق المصلحة وبحسب ما يسعه الامكان فلابأس بتأخرها عن الذات اذا كان مبدءها الذاتي ومنشأها الكمالي قديماً،

 

بل نقول: ان الارادة والمشيئة ايضاً لهما معنى ثابت في الازل من وجه زائد على ما ذكرناه وهو كون ذاته بذاته بحيث يكون علمه بالخير في خلقه اياه على حسب القدرة والاختيار فيما لا يزال وهو من صفات الذات.

 

فان قيل: فما الفرق بين الارادة والمشيئة بل سائر ما يعد من صفات الفعل وبين نحو العلم والقدرة مما يعد في صفات الذات حيث جعل الاول محدثا فعلياً والثاني ازلياً ذاتيا مع اشتراك الكل في كونه صفة ثابتة ذات اضافة لها وجه ازلي واخر حادث.

 

قلنا: لما كان العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم ذكر ما ذكرناه سابقا في تحقيق معنى الارادة والمشيئة في الكلام الذي نقلناه عنه الى قوله: فلا فرق بين هذه الصفات في هذا المعنى بحسب التحقيق([42]) وهو كما ترى كلام كاشف عن نقاب الفرق بين الصفتين الذاتية والفعلية بالحجة الواضحة الجلية، ثم قال: بعد ذلك. ان قيل: ما معنى قوله (عليه السلام) والعلم ذاته وكيف يكون العلم عين الذات مع ان مفهومه غير ما يفهم من الذات وكذلك القول في نظائره وايضاً فان مفهوم كل صفة غير مفهوم صفة اخرى فكيف يكون الكل متحداً مع الذات؟. قلنا: قد تكون المفهومات المتعددة موجودة بوجود واحد فالصفات بحسب المفهوم وان كانت غير الذات وبعضها يغاير البعض الا انها بحسب الوجود ليست امراً وراء الذات اعني ان ذاته الاحدية مجده هي بعينها صفاته الذاتية بمعنى ان ذاته بذاته وجود وعلم وقدرة وحياة وارادة وسمع وبصر وهي ايضاً موجود عالم قادر حي مريد سميع بصير تترتب عليها اثار جميع الكمالات ويكون هو من حيث ذاته مبدءا لها من غير افتقار الى معان اخر قائمة به تسمى صفات تكون مصدراً للاثار لمنافاته الوحدة والغنى الذاتيتين والاختصاص بالقدم فذاته صفاته وصفاته ذاته.

 

فان قلت: الموجود ما قام به الوجود والعالم ما قام به العلم وكذا في سائر المشتقات.

 

قلنا: ليس كذلك بل الموجود ما ثبت له الوجود والعالم ما ثبت له العلم والابيض ما ثبت له البياض سوى كان ثبوت عينه او ثبوت غيره فانا لو فرضنا بياضاً قائماً بنفسه لقلنا انّه مفرق للبصر وانّه ابيض وكذلك الحال فيما سواه.

 

فان قلت: ذاته مجهول الكنه لنا ومفهوم العلم مفهوم لنا فكيف يكون احدهما عين الاخر.

 

قلنا: المعلوم من العلم مفهومه الكلي المشترك المقول بالتشكيك على افراده الموجودة بوجودات مختلفة والذي هو ذات الباري فرد خاص منه وذلك الفرد لشدة نوريته وفرط ظهوره مجهول لنا محتجب عن عقولنا وابصارنا وكذا الكلام في سائر الصفات، وامّا ما ورد في كلام امير المؤمنين(عليه السلام) «وكمال الاخلاص له نفي اصفات عنه»([43]) المراد به نفي الصفة الموجودة بوجود غير وجود الذات كالبياض في الابيض لا كالناطق للانسان ولما كان اكثر ما يطلق عليه اسم الصفة هو الذي يكون امراً عارضاً، ولا يقال للمعاني الذاتية للشيء انها صفات له نفي عنه الصفة الاترى الى قوله(عليه السلام) بعد ذلك «فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه» فعلم انّه اراد بالصفة ما قارن الذات الموجب للاثنينية فيها فالعلم في غيره سبحانه صفة زائدة وفيه نفسه تعالى فهو علم باعتبار وعالم باعتبار وكذا([44]) في سائر الصفات وهذه الاعتبارات العقلية لا توجب تكثرا في ذاته بوجه من الوجوه ولا تخل بوحدانيته الصرفة الخالصة اصلاً بل تزيده وحدة لانه لو فرض انّه لم يكن في ذاته شيء منها لما كان واحداً حقيقياً مثلاً لو فرض انّه علم وليس بقدرة ارادته علم وليس بعالم لكان فيه جهة غير جهة الوجوب([45]) وهي جهة الامكان والعدم فيلزم تركبه من جهتين وهو محال انتهى([46])

 

--

 

([1]) الكافي: ج1، ص111 .

 

([2]) شرح المواقف: ج8، ص95 .

 

([3]) في الاصل: «بدل».

 

([4]) لم ترد في الاصل.

 

([5]) لم ترد في الاصل.

 

([6]) لم ترد في الاصل.

 

([7]) الانبياء: 50 .

 

([8]) الزخرف: 44 .

 

([9]) الانبياء: 2 .

 

([10]) الشعراء: 5 .

 

([11]) لم ترد في الاصل.

 

([12]) يس: 82 .

 

([13]) لم ترد في الاصل.

 

([14]) البقرة: 30 .

 

([15]) لم ترد في الاصل.

 

([16]) هود: 1 .

 

([17]) يونس: 2 .

 

([18]) لم ترد في الاصل.

 

([19]) التوبة: 6 .

 

([20]) لم ترد في الاصل.

 

([21]) لم ترد في الاصل.

 

([22]) لم ترد في الاصل.

 

([23]) البحار: ج87، ص358 .

 

([24]) لم ترد في الاصل.

 

([25]) يوسف: 2 .

 

([26]) هود: 70.

 

([27]) لم ترد في الاصل.

 

([28]) شرح المواقف: ج8، ص99 .

 

([29]) التوحيد: باب11، ح1، ص139. الكافي: ج1، ص107 .

 

([30]) التوحيد: باب6، ح8، ص100 .

 

([31]) البحار: ج4، ص68، وضعفه بالطيالسي وهو محمد بن خالد.

 

([32]) تفسير القمي: ج2، ص47، مع اختلاف يسير.

 

([33]) الاحتجاج: ج2، ص258 .

 

([34]) في المصدر: «عما».

 

([35]) الاحتجاج: ج2، ص184 .

 

([36]) لم ترد في الاصل.

 

([37]) لم ترد في الاصل.

 

([38]) لم ترد في الاصل.

 

([39]) شرح المواقف: ج8، ص104 .

 

([40]) يس: ص82 .

 

([41]) البقرة: 185 .

 

([42]) الوافي: ج1، ص447 ـ 448 .

 

([43]) البحار: ج4، ص251 .

 

([44]) في المصدر: «وهكذا».

 

([45]) في المصدر: والوجود.

 

([46]) الوافي: ج1، ص448 ـ 449 .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496513

 • التاريخ : 20/09/2019 - 14:41