الفصل الثامن: في صفة السميع والبصير 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل الثامن

 

في صفة السميع البصير

 

 فإنّ الدليل السمعي من الكتاب والسنّة والاجماع قد دلّت على انهما من صفاته الذاتية وهو مما علم الضرورة من دين محمد صلى اللّه عليه وآله

فلا حاجة الى الاستدلال عليه، كما هو حق سائر الضرورات الدينية ولا شك ان القرآن، وكذلك الاخبار المتقدم ذكرها وغيرها مما طوينا ذكره مملوءة به بحيث لا يمكن انكاره ولا تأويله لما ثبت من انّه معلوم ضروري فلا يحوم حوله الاشتباه، وربما احتج له بعض العامة من الاشاعرة بانه تعالى حي، وكل حي يصح اتصافه بالسمع والبصر، ومن صحّ اتصافه بصفة اتصف بها أو بضدها، وضد السمع والبصر وهو الصم والعمى وأنها من صفات النقص، فامتنع اتصافه تعالى بهما، فوجب اتصافه بالسمع والبصر، وقد اورد على هذا الاستدلال بانه متوقف على مقدمات لا صحّة لها.

 

المقدمة([1]) الاولى: انّه حيّ بحيات مثل حياتنا المصححة بالاتصاف بالسمع والبصر، وهذا ممنوع اذ حياته مخالفة لحياة غيره فلا يجب كونها مصححة لذلك الاتصاف، ولهذا لا يصح بسبب حياته الجهل والظن والشهوة والنفرة مع صحتها علينا بسبب حياتنا.

 

المقدمة الثانية: ان الصم والعمى ضدان لهما، وهو ايضاً ممنوع بل هما عدمه ملكة لهما فلا يلزم من خلوه عن السمع والبصر اتصافه بهما لجواز انتفاء القابلية رأساً وأما اتصافه بعدمهما مع انتفاء القابلية فانه ليس نقصاً عندنا كيف وهو أول المسألة المتنازع فيها بيننا.

 

المقدمة الثالثة: ان المحل لا يخلو عن الشيء وضده وهو دعوى بلا دليل عليه وقد ثبت ضعفه بان الهوى خالي عن الالوان([2]) والطعوم المتضادة كلها.

 

المقدمة الرابعة: انّه تعالى منزه من النقائص كلها والعمدة في انباته الاجماع على ان ساحة عزته مبرءة عن شوائب النقص فالمعول عليه اي الاجماع في هذه المسألة ابتداءً، وقد أطبقوا على انّه تعالى سميع بصير واذا اكتفوا بالاجماع كفوا مؤنة سائر المقدمات كيف وحجية الاجماع الدال على التنزه ان اثبتناها بالظواهر من الايات والاحاديث التي تدل على حجية الاجماع، فالظواهر الدالة على السمع والبصر اقوى منها اعني الظواهر الدالة على حقية الاجماع اذ يتجه على هذه اعتراضات كثيرة يحتاج الى دفعها فلا معنى للعدول عما هو اقوى في اثبات المدعى الى التمسك بشيء ويحتاج في اثباته الى ما هو ضعف لانه تطويل للمسافه مع التثبت بالاضعف وان اثبتنا حجية الاجماع للعلم الضروري من الدين فذلك العلم الضروري ثابت، والمسألة التي نحن فيها سواء بينوا فلا حاجة بنا في اثبات السمع والبصر الى التمسك بالاجماع ثم التمسك في حجته بالعلم الضروري فانه تطويل بلا طائل، بل نقول: ابتداءً هو ما علم من الدين بالضرورة كما سمعته، ثم اعلم ان السمع والبصر قد وقعا في تلك الاخبار على وتيرة العلم والقدرة والوجود من اوصاف الذات لقوله كما سمعت في غير خبر «لم يزل اللّه جل وعز ربنا العلم ذاته ولا معلوم والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما احدث الاشياء، وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور» ووقع في غير خبر ايضاً مما صح طريقه وثبت «لم يزل اللّه تبارك وتعالى عالماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً» ثم قال في بعضها «قلت له: يا ابن رسول اللّه انّ قوماً يقولون انّه عزوجل لم يزل عالماً بعلم، وقادراً بقدرة، وحياً بحياة، وقديماً بقدم، وسميعاً بسمع، وبصيراً ببصر، وقال(عليه السلام): من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه الهةً اخرى وليس من ولايتنا على شيء»، ثم قال(عليه السلام): «لم يزل اللّه عزوجل عالماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً»([3]) واذا ثبت ذلك علم ان السمع والبصر صفتان ذاتيان له تعالى، وبطل ما قد يظن ويتوهم انهما نوعان من الادراك لا يتعلقان بالموجود العيني فهما من توابع الفعل فيكونا حادثين بعد الوجود، وربما اخذ هذا التوهم من الخبر المروي في كتاب التوحيد عن حماد بن عيسى، وقد مر ذكره في صفة العلم حيث قال: «قلت فلم يزل يسمع قال: انى يكون ذلك ولا مسموع، قال: قلت فلم يزل يبصر، قال: انّى يكون ذلك ولا مبصر...»([4]) الى اخر الخبر وقد اجبنا عن ذلك الاشكال ومع ذلك فانا لو قطعنا النظر عن المفاسد المترتبة على هذا المعنى لا يوافق الاخبار الكثيرة الدالة صريحاً على قدمهما وكونهما من صفات الذات فهما امّا راجعان الى العلم بالمسموع والمبصر، وانما يمتازان عن سائر المعلوم بالتعلق أو انهما ممتازان عن غيرهما من المعلوم لا بمجرد التعلق بالمعلوم بل بنفسهما لكنهما قديمان يمكن تعلقهما بالمعدوم كسائر المعلوم وبعد وجود المسموع والمبصر يتعلقان بهما من حيث الوجود والحضور ولا تفاوت بين حضورهما في اعتبار الوجود وعدمه فيما يرجع الى هاتين الصفتين كما ترى  في العلم بالحوادث انفاً، نعم لما كان هذا النوعان من الادراك في الانسان مشروطين بشرائط لا يتصور في المعدوم كالمقابلة وتوسط الشفاف في البصر لم يمكن تعلقه بالمعدوم ولم يشترط شيء من ذلك في ابصاره تعالى فلا يستحيل تعلقه بالمعدوم وكذا السمع، وربما قيل واحتمل ان يكون المراد بكون السميع والبصير قديمين ان امكان ابصار المبصرات الموجودة وسماع المسموعات الموجوده وما يُساوق هذا المعنى قديم فاذا تحقق المبصر صار مبصراً بالفعل بخلاف العلم فان تعلقه بجميع المعلومات قديم. ويرد عليه ان الفرق بين العلم والسمع والبصر على هذا الوجه بعيد عن تلك الاخبار الكثيرة المتواترة واما ما ذكره المحقق الفيلسوف المتأله المشهور محمد بن ابي جمهور الاحسائي في كتاب الجلاء من الاستدلال على ثبوت هاتين الصفتين وبيان الوجه في ذلك من انّه لما ورد النقل بهذه التسمية ولولاه لما حام العقل حول هذا الحما فيجب الحمل على المجاز توفيقا فكلها بمعنى العلم. وحاصل ما قاله في شرح هذه العبارة لما دل النقل بصريحه على وصفه تعالى بكونه سميعاً بصيراً مدركاً في الايات الكريمة وكان الادراك الحسي انما هو بالالات عليه لكونه ليس بجسم ولا جسماني لم يصح ان يكون سميعاً بصيراً مدركاً بالالات الجسمانية، ولهذا لم يكن العقل في اثبات شيء من ذلك مجال لولا ورود السمع فلما ورد السمع ولم يمتنع ذلك عند العقل بسبيل التأويل وجب القول بثبوتها له بنوع منه وبيانه ان ادراك نفس الجزئي لا يكون المدرك فيه غائباً عن المدرك من غير توسط الالات لم يخرج الادراك عن كونه مشاهدة اذ معنى المشاهدة ادراك له عين الحاضر في الخارج، بل يكون ذلك الادراك والمشاهدة رؤية ان كان المدرك من المبصرات وسمعاً ان كان من المسموعات، نعم يمتنع الشم والذوق واللمس عليه تعالى لتوقفها على ملاقاة حاس للمحسوس قطعاً ولذلك لم يجيء وصفه بها في الكتاب الالهي بخلاف الابصار فانه لايتوقف على الملاقات والسمع فانه جاز مع عدمها كما جاز معها، وهذا طريق اخر في اثباتها على نوع من الحقيقة مستشهداً عليه بالنقل وما ذكر في الاصل هو الطريق المشهور فانه اثبات لها بنوع من المجاز اذ العلم لما كان مسبباً عنها جاز تسميته بها من باب اطلاق اسم السبب على المسبب وهو من أحسن وجوه المجاز فهو من الوجوه المستحسنة عند فحول المحققين لكن عند الحاجة الى هذا الاستدلال، وقد عرفت انّه ضروري فهذا من باب التنبيه لا من باب الاستدلال، وامّا ما ذكره من انّ السمع جاز توقفه على الملاقات وجاز مع عدمها فهو مبني على ان الهواء ليس بشرط في وصول الصوت الى القوة السامعة كما اختاره بعض اهل التحقيق مستدلاً  بانه لو كان وصول الهواء شرطا لما ادرك الصوت من وراء الجدار اذ من المستبعد نفوذ الهواء في مسامه ووصوله الى السامعة مع بقاء الصوت على شكله مع هدم الجدار له في اقل وقت هذا مع ان المكاشفين على كثرتهم اخبروا بانّ للافلاك اصواتاً حاصلة عن حركاتها في تداويرها وعن مصاكّات بعضها لبعض، وقالوا: انها اصوات لذيذة ونغمات مبهجة كما قال بعض المتأخرين حكي ان فاثاغورث رتبّ على الموسيقى من اصوات الافلاك، فقال: صعدت بنفسي حتى سمعت الافلاك فلم اجد الّذ من صورها ولا احسن من اصواتها ولا أطيب من نغماتها ولا أبهج من رؤيتها حتى انّه رتّب على ذلك علم الموسيقى مع انّه من المعلوم بالضرورة انّه لا هوى هناك لتنزهها عن العنصرية([5])والعضدي في المواقف وشارحه([6]) مناقشات في تحقيق معنى هاتين الصفتين حيث قال: قد تقدم في مباحث العلم ان طائفة يزعمون ان الادراك اعنى السمع والبصر وسائر اخواتها نفس العلم بمتعلقه الذي هو المدرك، وقد ابطلناه بان اذا علمنا شيئاً علماً تاماً جلياً ثم ابصرناه فانا نجد بالبديهة بين الحالتين فرقاً ونعلم بالضرورة ان الحالة الثانية تشتمل على امر زائد مع حصول العلم فيهما فذلك الزائد هو الابصار ثم قال: وهؤلاء زعموا ان السمع والبصر نفس العلم بالمسموع والمبصر عند حدوثها فيكونان حادثين وراجعين الى العلم لا صفتين زائدتين عليه،

 

وقال شارحه([7]) الشريف وفي المحصل اتفق المسلمون على انّه تعالى سميع بصير لكنهم اختلفوا في معناه فقالت الفلاسفة والكعبي وابو الحسين البصري ذلك عبارة عن علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات، وقال الجمهور منّا ومن المعتزلة والكرامية انهما صفتان زائدتان على العلم، وقال ناقده أراد فلاسفة الاسلام فان وصفه تعالى بالسمع والبصر مستفاد من النقل وانما لم يوصف بالذوق والشم واللمس لعدم ورود النقل بها واذا نظر في ذلك من حيث العقل لم يوجد له وجه سوى ما ذكره هؤلاء فانّ اثبات صفتين شبيهتين بسمع الحيوانات وبصرها مما لا يمكن بالعقل،

 

والاولى ان يقال: لما ورد النقل بهما امنا بذلك وعرفنا انهما لا يكونان بالالتين المعروفتين واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما، وربما احتج على نفيهما عنه تعالى بوجهين:

 

الوجه([8]) الاول: انهما تأثير الحاسة عن المسموع والمبصر او مشروطان به كسائر الاحساسات وانّه اي التأثير المذكور محال في حقه.

 

والجواب منع ذلك ان المعلوم انهما لا يحصلان لنا إلاّ مع التأثر ولا يلزم من حصولهما مقارناً للتأثير فينا كونهما نفس ذلك التأثر او مشروطين به وان سلّمنا انّه كذلك في الشاهد فلم قلتم انّه في الغائب كذلك فان صفاته تعالى مخالفة في الحقيقة لصفاتنا فجاز ان لا يكون سمعه وبصره نفس التأثر أو مشروطين به .

 

الوجه([9]) الثاني: اثبات السمع والبصر في الازل ولا مسموع ولا مبصر فيه خروج عن المعقول.

 

والجواب ان انتفاء التعلق في الازل لا يستلزم انتفاء الصفة فيه كما في سمعنا وبصرنا فان خلوهما عن الادراك بالفعل في وقت لا يوجب انتفاؤهما اصلاً في ذلك الوقت .

 

--

([1]) لم ترد في الاصل.

 

([2]) في نسخة «م»: الدوان.

 

([3]) التوحيد: باب11، ح3، ص140 .

 

([4]) البحار: ج4، ص72 .

 

([5]) شرح المواقف: ج8، ص89 .

 

([6]) شرح المواقف: ج8، ص89 .

 

([7]) شرح المواقف: ج8، ص89 .

 

([8]) لم ترد في الاصل.

 

([9]) لم ترد في الاصل.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2494848

 • التاريخ : 18/09/2019 - 01:58