الفصل الخامس: في صفة العلم 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل الخامس


في صفة العلم

وهي من الصفات الفاضلة العامة وهي صفة متفق عليها بين اكثر المليين، وانما نفاها شرذمة من علماء الفلاسفة لا يعبأ به إلاّ انّ العلماء المثبتين لها لهم

في اثباتها مسالك مختلفة، اماّ المتكلمون فلهم سلكان في اثباتها:

 

« المسلك([1]) الاول:

ان فعله تعالى متقن اي محكم خال عن وجوه الخلل، ومشتمل على حكم ومصالح متكثرة، وكل من فعله متقن، فهو عالم.

اما الاول فظاهر لمن نظر في الافاق والانفس، وتأمل ارتباط العلويات بالسفليات سيما اذا تأمل في الحيوانات، وما هديت اليه من مصالحها واعطيت من الايات المناسبة لها، ويعين على ذلك علم التشريح ومنافع خلقه الانسان واعضائه التي قد كثرت فيها المجلدات، وقد تضمن ذلك حديث توحيد المفضل بن عمر المذكور بعضه فيما سبق([2]) وقد تكلف بذلك على وجه فيه غنية عن سائر ما ألّفه القوم .

وأما الثاني وهو من كان فعله متقناً كان عالماً فضروري، وينبه عليه ان من رآه خطاً حسناً تضمن الفاظاً عذبة رشيقة تشمل على معان دقيقة محكمة موثقة علم بالضرورة ان كاتبه عالم، وكذلك من سمع خطاباً منتظماً مناسباً للمقام من شخص يظهر له ويضطر الى ان يجزم بانه عالم، ولا يرد ما قيل: من انّ المتقن ان اردت به الموافق للمصلحة من جميع الوجوه، فممنوع ان فعله تعالى متقن اذ لا شيء من مفردات العالم ومركباته إلاّ ويشمل على مفسدة ويتضمن خللاً، ويمكن تصوره على وجه اكمل مما هو عليه والموافق للمصلحة من بعض الوجوه فلا يدل على العلم اذ ما من اثر إلاّ، ويمكن ان ينتفع منتفع به سوى كان مؤثره عالماً أم لا كاحراق النار وتبريد الماء أو امراً ثالثاً فبينه لنا ما هو، وكيف يدل على علم الفاعل.

 

ونقول: ايضاً أنه منقوض بفعل النحل لتلك البيوت المسدسة المتساوية بلا فرجات ومسطر واختيارها للمسدس لانه اوسع من المثلث والمربع والمخمس ولا يقع بينها فرج كما يقع بين المدورات وما سواها من المضلعات، وهذا الذي ذكرناه لا يعرفه إلاّ الحذاق من اهل الهندسة، وكذلك العنكبوت تنسخ تلك البيوت فتجعل لها سدى ولحمة على تناسب الهندسين بلا الة مع انّه لا علم لهما بما يصدر عنهما، وما يتضمنه من الحكم لانا نجيب عن ذلك بما حققه الجهابذة من الحكماء والمليّين بان المراد بالمتقن ما نشاهده من الصنع الغريب والترتيب العجيب الذي يتحير فيه العقول ولا تهتدي الى كمال ما فيه من المصالح والمنافع، وان اردت ذلك الاطلاع فعليك بالوقوف على حدث توحيد المفضل ابن عمر، وحديث الاهليلجة فلا شك في دلالتهما على علم الصانع، ويوضحه ما نظرنا به من الكتابة والخطاب في المثال المتقدم، وليس بشرط في الدلالة على علم المذكور الخلو عن كل خلل واشتماله على كل كمال حتى لو امكن ان يكتب احسن منه او يتكلم بافصح منه لم يدل على علم. وأمّا الجواب عن الثاني فانا لا نسلم عدم علم النحل والعنكبوت بما يفعله، كيف والايات القرانية قد دلّت على ذلك مثل قوله (واوحى ربّك الى النحل)([3]) (وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت)([4]) فيكون هذه الاشكال والصنع الغريب الواقع منهما انما صدر منهما بالهام من اللّه وعلم خلقه فيهما حالاً فحالاً، وهو مبدء لذلك الفعل.

 

« المسلك([5]) الثاني

من المسلكين انّه تعالى قادر لما مر، وكل قادر فهو عالم لان القادر وهو الذي يفعل بالقصد والاختيار ولا يتصور ذلك إلاّ مع العلم، وعورض بمنع كون كل قادر عالماً اذ قد يصدر عن النائم والغافل مع كونهما قادرين عند المعتزلة، وكثير من الاشاعرة، بل الامامية فعل قليل متقن اتفاقا واذ اجاز ذلك جاز صدور الكثير عنه لان حكم الشيء حكم مثله ولا عبرة بالقلة ولا الكثرة .

 

الجواب عن ذلك بانا لا نسلم الملازمة اذ الضرورة فارقة فانه يجوز صدور قليل من المتقن عن قادر غير عالم ولا يجوز صدور كثير عنه، اما من جعل النائم غير قادر فالسؤال ساقط، واما الحكماء فلهم في اثبات علمه تعالى مسلكان:

 

« المسلك([6]) الاول

منهما انّه مجرد عن المادة والجسمانية والمدد والازمنة والهيولى والصورة كما قام دليله وبرهانه، بل صار ثابتاً بالضورة، وكل مجرد فهو عاقل لجميع الكليات وقد برهن على ذلك في محالها وان التجرد مستلزم للتعقل ولانه يعقل ذاته بذاته فاذا تعقل ذاته مستلزم لتعقل ما وراءها من حيث انها علة الكل والعلم بالعلة تقتضي العلم بالمعول، ولا يرد على هذا ما قيل: انّه اذا كان عالماً بذاته كان هناك نسبة بينه وبين نفسه والنسبة لا تقع لا بين متغايرين فيلزم تكثر ذاته المقدسة. لانا نقول: ليس التغاير حقيقياً حتى ينافي الوحدة الحقيقية، بل التغاير اعتباري فعلمه بذاته عين ذاته والتغاير بنوع من الاعتبار وهو كاف في تحقق النسبة على. انا لا نقول: ان علمه كعلمنا من كون حصول صورة مساوية للمعلوم في ذاته، ولا انّه اضافة بينه وبين المعلوم كما ذهب اليه بعض من لا ذوق له، اما الصورة فلانها لو كانت هي العلم او شرط فيه للزم اولاً زيادتها عليه ومغايرتها له بالضرورة، ومعلوم ان صورة المعلوم ليست هي ذات العالم بالضرورة فلا يستقيم على مذهب الامامية، ومن قال بمقالتهم من الملل من ان صفاته عين ذاته تعالى هو موافق لمذهب القائلين بزيادة الصفة كالاشعري، نعم لنا ان نقول: تلك الصورة اما جوهر او عرض، وعلى التقريرين يمتنع قيامها بذاته خصوصاً اذا تعلقت بالامور المتغايرة على القول بعموم علمه على الجزئيات الزمانية كما هو مذهب المحققين، وايضاً يمتنع تعلق عليه بذاته على التقدير الصورة والا لزم امتناع اجتماع الامثال والاعتذار عن ذلك بانه يعلم ذاته بصورة هي ذاته لا بصورة حالة في ذاته لا يجدي نفعاً لوجوب المغايرة بين الصورة وذي الصورة قطعاً فلابد من المغايرة،وامّا الاضافة فانها ان كانت خارجية لزم فيها ما ذكرناه في الصورة بعينه وان كانت ذهنية فلا علم خارجاً، وذلك خلاف المفروض والمطلوب، وايضاً يمتنع تعلق علمه بذاته لوجوب المغايرة بين المضافين ولا مغايرة بين الشيء ونفسه ولا يكفي مطلق المغايرة كما قال بعضهم: لان العلم مشروط بالمغايرة فلا يكون شرطاً إلا دار والاعتذار بصحة التعلق فتختلف الجهة لا يجدي نفعاً لامتناع كون شيء من كمالاته حاصلاً له بالقوة فالعلم فيه معناه انكشاف الاشياء وظهورها له بذاته وهي عين ذاته كما قدمنا في الاخبار المصرحة بذلك فعلمه كشفي اشراقي حضوري لا بتوسط امر آخر ودليل ثبوته ما تقدم، والذي حققه المعلم الاول واتباعه في بيان علم الواجب تعالى بذاته وبغيره ان كل مجرد قائم بذاته فيجب ان يكون عاقلاً لذاته ولغيره والواجب لذاته مجرد عن المادة، فيجب ان يكون عاقلاً لذاته ولغيره واما ان كل مجرد قائم بذاته يجب ان يكون عاقلاً لذته ولغيره فلانه ممكن ان يعقل سائر المعقولات، وكلما امكن ان يعقل سائر المعقولات امكن ان يقارنه صور المعقولات،وكل ما كان كذلك فامكان مقارنة المعقولات له لازم له وإلا لزم الانقلاب من الامكان الى الامتناع، وهو محال، واذ كان كل مجرد يمكن ان يقارنه صور المعقولات، وكل ما امكن للمجرد كان واجب الثبوت له، والا لكان موقوفاً على استعداد المادة فلا يكون المجرد مجرداً، هذا خلفا بالتعقل لما كان عبارة عن مقارنة صور المعقولات للعاقل وكانت هذه المقارنة واجبة لوجود لكل مجرد عن المادة كان كل مجرد عاقلاً لغيره، وكل ما يعقل غيره فانه يعقل بالفعل متى شاء ان ذاته عاقلة لذلك الغير لان تعقله لذلك الغير عبارة عن حصول ذلك الغير له وكونه متعلقاً لذلك الحصول هي حصول الحصول له ولا محالة ان حصول ذلك الغير له لا ينفك عن حصول ذلك الحصول له وتعقله ان ذاته عاقلة لذلك الغير عقل منه لذاته لانّ العلم بالتصديق علم بكل واحد من الطرفين، وكل ما يعقل غيره يجب ان يعقل ذته فكل مجرد عن المادة بالكلية عاقل لذاته، وانت قد عرفت ان الواجب لذاته مجرد عن المادة بالكلية قائم بذاته فيجب ان يكون عاقلاً لذاته ولما عداه من سائر المعقولات إلاّ ان هذه الطريقة اذا لو خطت علم منها انما تنتج ان الواجب لذاته انما يعقل الاشياء بحصول صورها في ذاته، فيلزم ان يكون محلاً للصور العقلية المقارنة له وواجب الوجود لا يصح عليه مقارنة اصلاً، ولهذا سلك اخرون منهم مسلكاً اخر فقالوا: الواجب لذاته مجرد عن المادة قائم بذاته فهو غير غائب عن ذاته، وكل ما كان كذلك فهو معقول لذاته من غير افتقار الى امر زائد يجعله معقولاً، بل هو معقول لذاته بذاته، ويلزم من كونه معقولاً لذاته ان يكون عاقلاً لذاته اذ كل معقوليه تستدعي عاقليته فيرجع حاصل عاقليته ومعقوليته الى مجرد ذاته عن المادة، وعدم غيبته عنها، ويلزم من ذلك ان يكون الواجب عاقليته لنفس معقوليته فهو لا محالة عقل وعاقلية ومعقول باعتبارات ثلاثة وهو سبحانه بسيط واحد غير متعدد ولا متكثر في الاعيان بوجه من الوجوه، واما في الاذهان فيمكن التفصيل المذكور، وانت تعرف ان عدم الغيبة والتجرد عن المادة امر سلبي. ثم قالوا: ايضاً والواجب تعالى يعقل جميع الاشياء لانه اذا عقل ذاته المقدسة كما سمعت وعلمت لزمه ان يكون عاقلاً للوازم ذاته لان العلم بلوازم ذاته منطواً في تعقله لذاته فان تعقل الانسانية مستلزم لتعقل لوازمها على سبيل الانطواء في تعقل الذات فالواجب لذاته يعلم ذاته، ويعلم ماعداه من الاشياء اللازمة لذاته بانطواءها في علمه بذاته، وهذه الطريقة ايضاً انما تدل على انّه عالم بلوازم ذاته على سبيل الاجمال، مع ان هذه اللوازم كثيرة وعلمه بذاته غير علمه بها، وبكل واحد منهما ويكون علمه بها تبعاً لعلمه بذاته، ويلزم ان يكون في ذاته تعدد وكثرة بحسب تلك اللوازم المتكثرة، وذلك محال لمخالفته للوحدة الذاتية.

 

« المسلك([7]) الثاني

وأما الثاني من مسلكي الحكماء، فقد تقدم الاشاعرة اليه وهو انّه مبدء لما سواه والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول.

 

ويرد على المسلك الاول منع الكبرى القائلة بان كل مجرد عاقل للمفهومات الكلية بضعف برهانه الذي تمسكوا فيه.

 

ويرد على المسلك الثاني انا لا نسلم ان التعقل ما ذكرتم اعني حضور الماهية المجردة عن العلائق المادية للشيء المجرد وهو حاصل في شأنه تعالى، ولكن من اين انّه علموا ان الحالة التي نجدها من انفسنا تسمى علماً حقيقة اذ لابد له من دليل ولو سلمنا ان حقيقة العلم ما ذكروه لكن لم لا يشترط ان يكون فيه التغاير بين الحاضر وما حضر فيه فلا يكون الشيء عالماً بنفسه كما اشترط ذلك في الحواس فانهما لا تدرك انفسهما مع كونهما حاضرة عندها غير غائبة عنها سلمنا عدم اشتراط التغاير لكن لا نسلم ان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، والا لزم من العلم بالشيء العلم بجميع لوازمه القريبة والبعيدة لانه اذا علم الشيء علم لازمه القريب الذي هو معلولة واذا علما معاً علم البعيد ايضاً لانه معلولهما، نعم يلزم ذلك اذا علم الشيء الذي هو علة، وعلم انّه علة له، وعلم انّه موجود، وعلم انّه يلزم من وجود العلة وجود المعلول، فحينئذ يلزم وجود المعلول قطعاً، لكن ما ذكرتم يدل على انّه عالم بذات العلة التي هي ذاته الحاضرة عنده ولا يدل على ثبوت المعلول الاخر فلم قلتم ان ذلك كل حاصل له حتى يتم مطلوبكم.

 

واعلم ان مسلكي المتكلمين يعيدان العلم بالجزئيات كما يفيد ان العلم بالكليات،وذلك ان الجزئيات كالكليات صادرة عنه على صفة الاتقان ومقدورة له فيكون عالماً بهما معاً، وامّا مسلك الحكماء فلا يوجبان إلاّ حكماً كلياً بانه اما علم الهيئة المجردة كما استفيد من الاول او علم بعلة كما استفيد من الثاني([8]) والماهية كلية وكونها معللة بكذا كلي ايضاً وتقييد الكلي بالكلي بمراتب كثيرة لا يفيد الجزئية فضلاً عن تقييده به مرة واحدة، وقد تأمل المحقق الشريف في شرحه على المواقف في هذا المحل بما حاصله من انهم زعموا ان العلم التام بخصوصية العلة يستلزم العلم التام بخصوصيات معلولاتها الصادرة عنها بواسطة وبغير وسط، وادعوا ايضاً انتفاء علمه تعالى بالجزئيات من حيث هي تجزئية لاستلزامه التغير في صفاته الحقيقة، فاعترض عليهم بعض المحققين، وقال: انهم مع ادعائهم الذكاء قد تناقض كلامهم هاهنا فان الجزئيات معلولة له كالكليات فيلزم من قاعدتهم المذكورة علمه بها ايضاً لكن التجأوا في دفعه الى تخصيص القاعدة العقلية بسبب مانع هو التغير كما هو دأب ارباب العلوم الظنية فانهم يخصصون قواعدهم بموانع يمنع اطرادها، وذلك مما لا يستقيم اطرادها في العلوم اليقينية([9]) وقد بقيت مسالك لغير المتكلمين والحكماء قد نبه عليها غير واحد من افاضل المحققين لكنها ضيقة المسالك خفية المدارك قريبة المدارك عليها عند المتدارك فليس في التعرض لها إلاّ كثرة الاطالة ولكن لابأس بالتعرض لبعضها، وهي المسلك الذي قرره بعض اهل الاشراق وعدّها الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي من العلم المخزون والسر المصون الذي لا يطلع عليه الاقلون، وقد حصلها هذا الشيخ بطريق الكشف والاشراق الذوقي ثم أفادها من تأخر عنه وقد جزاه اللّه خيراً وهو: ان العلم كمال مطلق للموجود من حيث هو موجود، وكل ما هو كمال مطلق للموجود لا يمتنع على الواجب لذاته، ينتج من الاول العلم لا يمتنع على الواجب لذاته، وكل ما لا يمتنع على الواجب عليه يجب له اذ لا قوة امكانية فيه، فالواجب لما كان اولى بكل كمال لانه التمام وفوق التمام فهو يدرك ذاته بذاته لا بأمر زائد على ذاته، ويدرك جميع الاشياء بالادراك الحضوري والعلم الاشراقي يكفي فيه مجرد الافاقة اعني حضور المدرك حضوراً اشراقياً، فالواجب تقدست أسماؤه يدرك ذاته بذاته لتجرده عن المادة لانه الوجود البحت ويدرك غيره بحضوره له لان الادراك بقدر التجرد والحضور والتسلط والواجب لذاته أشد تجرداً من كل مجرد عن المادة وتسلطه على الاشياء وقهره لها اعظم من كل تسلط فهو أشد الاشياء ادراكاً لذاته ولغيره لان الاشياء حاضرة له اعظم واقوى من كل حضور لانه مبدء الكل ومتسلط عليه لقوته الغير المتناهية أشد تسلط فمبدئه للاشياء بالتسلط النورية هي الموجبه لحضور الاشياء له وليس في الوجود إلاّ ذاته ولوازم ذاته فلا يكون غائبا عنها ولا عن لوازمها، وذلك هو عين ادراكه لها فهو محيط بجميع الاشياء على اختلاف مراتبها وأحوالها على سبيل الحضور سوى كان الحاضر مادياً أو مجرداً عنها ثابتاً أو غير ثابت، وكذلك جميع الحادثات الماضية والمستقبلة لان الاحاطة الاشراقية غير مختصة بشيء دون شيء، بل هي عامة لكل من المادي وما فيها من الصور فادراكه واحاطته اشد وأقوى من كل ادراك واحاطة (ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء) ولما كان ذلك الادراك بصورة، بل بالحضور الاشراقي، وكانت السلوب والاضافات([10]) المحضة جائزين في حقه فاذا علم شيئا بذلك الحضور كان له اضافية مبدأيته اليه، فاذا بطلت صورته بطلت تلك الاضافة اليه ولا يلزم من بطلانها تغيره اذ لا يلزم من تغير الاضافة المحضة تغير المضاف اليه كانتقال ما على اليمين الى اليسار، وكذا الكلام في العلم بالاشياء الزمانية لا يلزم من تغيرها تغير علمه ولا تبدل صور في ذاته لان علمه بها لا بالصورة والمثال، بل كما عرفت انّه بالاشراق الحضوري التسلطي على ذوات الاشياء، فبطلان بعضها انما هو يتبدل به الاضافة التي اليه ولا يتغير الشيء بتغير الاضافات المحضة فتحقق ان علمه بذاته هو كونه نوراً لذاته ظاهراً وعلمه بالاشياء هو كونه ظاهرة لها بذواتها ومتعلقاتها لعدم الحجاب([11]) وهو أمر سلبي فنور الانوار بقوة تسلطه على الاشياء وشد قهره لها بالقوة النورية تكون ظاهرة وحاضرة له ظهوراً وحضوراً لا أتم ولا اعلا ولا أكمل منه ولا يحجبه شيء عن شيء فعلمه وبصره واحد وعلمه بذاته هو حياته ولا تزيد حياته على ذاته النورية ونوريته هي نفس قدرته لان النور فياض لذاته وجميع صفات الكمال والمجد والمدح كالعلم والقدرة والحياة والارادة هي نفس ذاته لما تقدم ويأتي قال ابن أبي جمهور المذكور بعد اتيانه على هذا الكلام ونقله له بالكمال والتمام، وهذه الطريقة اللطيفة ما سبق اليها أحد من الاعلام وهي طريقة لا مزيد عليها في هذه المسألة والمقام لكن لا تتم معرفتها إلاّ بعد معرفة الانسان نفسه ليترقى من علم النفس الى معرفة علم الواجب ومعرفة المبادىء العقلية وذلك يحتاج الى خلوات ورياضات من التقوى ليتجلى بها النور النفسي بذاته فتظهر ظهوراً أتم من ظهور الشمس فتظهر بظهوره امور اخرى غير هذه المسألة من المهمات ولصعوبة هذه المسألة وضيق مسالكها وتدافع حججها مداركها حار الشيخ الرئيس ابن سينا([12]) فانه لما لم يصل الى هذه الدرجة حار في كيفية علم الواجب لانه كان عنده بالصور فتحير فتارة قال ان تلك الصور لا يجوز ان يكون في ذاته لئلا تتكثر ذاته الوحدانية وتارة يجعلها في بعض الموجودات، وتارة قال: انما في صقع من الربوبية ولا اعلم هذا الصقع، وتارة يلتزم انها في ذات الحق ولا يلزم تكثره لانها خارجة عنه لاحقة له وكل هذا خبط لا حاصل له، ومن هنا ان الامام نصير الملة والدين في شرحه على الاشارات عدل عن هذه الطريق واختار فيه طريقا يناسب الطريقة الاشراقية إلاّ انّه اثبت الصور في الجواهر العقلية وخصوصاً في العقل الاول، وحاصل ما ذكره انّه قال: انّ كل عاقل لا يفتقر في ادراكه لذاته الى صورة ذاته التي هو بها هو وكذلك لا يفتقر في ادراكه الى ما يصدر عن ذاته الى غير صورة ذلك الصادر والذي هو بها هو فانك تعرف ان الامور الغائبة عنا انما ندركها ونستحضرها بصورها فتلك الصورة صادرة عنا بمشاركة غيرنا ومع ذلك فانا نعقلها بذاتها لا بصورة اخرى لامتناع تضاعف الصور الى غير النهاية فاذا كنا ندرك تلك الصور بذاتها كما ندرك غيرها مع انا لم تصدر عنا إلاّ بمشاركة الغير والواجب لذاته هو الذي صدر عنه جميع الموجودات من غير مشاركة الغير اولى ان لا يفتقر في ادراكها الى غير ذاته المعينة فليس من شرط كل تعقل ان يكون المدرك محلاً للصور المتعلقة اذ قد عرفت ان كل واحد منا يدرك ذاته والاشياء الحاضرة له لا بصورة ومثال حالة فينا، بل كوننا محلاً لتلك الصور هو شرط في حصول تلك الصور، وامّا بطريق اخر غير الحلول فينا اوجب حصول التعقل ولا شك في ان حصول الشيء لعلته الفاعلية ليس بدون حصوله لعلته القابلية في كونه حاصلاً بغيره فاذا كان الامر كذلك لزم ان يكون الذات العاقلة لذاتها عاقلة لجميع معلولاتها الذاتية، وحاصلة له من غير ان تحلّ فيه ثم ساق العبارة في تقرير ما اجمله في صدرها الذي هو كالمقدمة في المطلوب حيث قال: واذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم ان الواجب لذاته لما لم يكن بين ذاته وبين عقله لذاته تغاير بل كان عقله لذاته هو نفس ذاته في الوجود فكذلك لا تغاير بين وجود المعقول الاول وبين تعقل الواجب له لانّ ذاته لما كانت علة لذات المعلول الاول فتعقله لذاته علة لتعقل معلوله الاول، وكان اتحاد العلتين في الوجود اعني ذات الواجب لذاته وعقله لذاته شيئاً واحداً في الوجوب مع ان تغايرهما الاعتباري علة لاتحاد معلولهما في الوجود اعني المعلول الاول وتعقل الواجب له الذين هما شيء واحد في الوجود مع تغايرهما الاعتباري ايضاً، وحينئذ يكون تعقل الواجب لذاته لمعلوله الاول نفس وجوده من غير ان يحتاج الى حصول صورة مستأنفة تحلّ ذاته تعالى، وقد عرفت ان كل مجرد يعقل ذاته وغيره من المجردات والجواهر العقلية تعقل ما ليست معلولات لها لحصول صورها فيها وتعقل الواجب لذاته ايضاً فجميع صور الموجودات الكلية والجزئية حاصلة فيها والواجب لذاته علة لجميعها فهو يعقل جميع تلك الجواهر العقلية مع الصور التي فيها لا بصورة غيرها، بل باعيان تلك الجواهر والصور وبهذا الطريق يعقل الوجود على ما هو عليه من غير لزوم شيء من المحالات المذكورة فاذاً (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض)([13])ثم قال واذا حققت هذا الاصل وبسطته ظهر لك كيفية احاطته تعالى بجميع الموجودات الكلية والجزئية ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء هذا حاصل ما ذكره ذلك المحقق.

 

وعندي ان هذا كله تكلف مستغنىً عنه بعد القول بتعيين الصفات الذاتية التي العلم منها ولا يحتاج الى اثبات الصور ومن هنا ان هذا الامام المحقق قدست نفسه وطهر رمسه لما تفطن ما في شرحه للاشارات من ان اثبات الصور في ذاته تعالى قول فاسد ومعتقد ردىء يلزم منه ان يكون الشيء الواحد فاعلاً وقابلاً وكونه موصوفاً بصفة مجازية غير حقيقة غير اضافية ولا سلبية وأن يكون محلاً لمعلوماته الكثيرة الممكنة الوجود وان يكون معلوله الاول غير مباين لذاته وان لا يوجد شيئاً مما يباينه إلاّ بتوسط الصور الحالة في ذاته في ذاته، وكل هذه مما يخالفه مذاهب الحكماء والاقدمين ممن يقول بنفي العلم عنه حذراً من التكثر، ويخالف ايضاً مذهب افلاطون الالهي في قوله بقيام الصور المعقولة بذاتها حذراً من ارتكاب امثال هذا ويخالف ظواهر مذهب المشائيين باتحاد العاقل بالمعقول فهولاء كلهم انما ارتكبوا هذه الحالات هرباً من القول بحلول الصور في ذات الواجب الحق تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وجميع ما ذكره صحيح إلاّ في موضعين فان فيها نظرين:

 

احدهما قوله انّه يلزم من حلول الصور في ذاته ان يكون المعلول الاول غير مباين لذاته فان القائلين بان العلم الرباني في الصور يقولون بان صور جميع الموجودات في ذاته مع مباينة ذواتها لذاته المقدسة وان كان الحق ان جميع الموجودات الممكنة غير داخلة في ذاته ولا مباينة لذاته كما يقول الصوفي لابون([14]) ولا صلة .

 

وثانيها قوله انّ افلاطون الالهي العظيم القدر يقول بقوام الصفة المعقولة بذاتها فمراد افلاطون من ذلك اثبات ارباب اصناف النوعية فانه يقول: ان كل نوع من الانواع الجرمية بسايطها ومركباتها له رب نوع هو عقل مجرد وقائم بذاته والمعقول من كل نوع هو ذلك العقل القائم بذاته لا ان المعقول صورة عرضية ومثال قائم بذاته هكذا قال صاحب المجلى([15]): وفيه أيضاً من التكلّف ما لا يخفى، بل ظاهر الاخبار المستفيضة النهي عن الخوض في معاني الصفات الذاتية إلاّ بحسب الاعتبار والمقايسة الى صفاتنا لتتوجه معاني تلك الصفات اللغوية، وانما سلكنا طريقهم لاشتمالها على دفع تلك الشبهات المودية الى بعض الافهام نفي العلم بالكلية وبالصور الجزئية كما وقع لاولئك الفلاسفة فيؤدي الى الكفر والضلالة والجهالة نعوذ باللّه من تلك الحالة.

 

وأما الاخبار الواردة في هذا المضمار فهي العمدة في اثبات هذه الصفة لانهم (عليهم السلام)مرجع الانام في المعارف اليقينية كما انهم مرجعهم في الاحكام الفروعية الظنية فمن تلك الاخبار ما رواه الصدوق في التوحيد والعيون باسناده عن الحسين بن بشار عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قال: «سألته يعلم اللّه الشيء الذي لم يكن ان لو كان كيف يكون او لا يعلم إلاّ ما يكون فقال: انّ اللّه تعالى هو العالم بالاشياء قبل كون الاشياء قال عزوجل (انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) وقال اهل النار (ولو ردّو لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون) فقد علم عزوجل انّه لو ردهم لعادوا لما نهو عنه، وقال للملائكة لما قالت (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون) فلم يزل اللّه عزوجل سابقاً للاشياء، قديماً قبل ان يخلقها فتبارك اللّه ربنا وتعالى علواً كبيراً، وعلمه بها سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليماً سميعاً بصيراً»([16]).

 

وما رواه في المعاني عن محمد بن مسلم قال:«سألت أبا عبداللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عز وجل (يعلم السر واخفى) قال السر ما كتمته في نفسك، واخفى ما خطر ببالك ثم نسيته»([17]) .

 

وما رواه في المعاني ايضاً عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه(عليه السلام) «في قوله عزوجل (عالم الغيب والشهادة) فقال: الغيب ما لم يكن، والشهادة ما قد كان»([18]) .

 

وفي المعاني ايضاً باسناده عن عبدالرحمن بن سلمة الحريري قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن قوله عزوجل(يعلم خائنة الاعين) فقال: ألم تر الى الرجل ينظر الى الشيء وكأنه لا ينظر اليه، فذلك خائنة الاعين»([19]).

 

وفي التوحيد، والعيون باسناده عن الهروي قال: «سأل المأمون الرضا (عليه السلام)» في خبر طويل عن قوله تعالى (ليبلوكم ايّكم أحسن عملاً) فقال (عليه السلام): «انّه عزوجل خلق خلقه ليبلوهم تكليف طاعته وعبادته على سبيل الامتحان والتجربة لانه لم يزل عليماً بكل شيء»([20]).

 

وفي المعاني ايضاً في الصحيح عن يحيى بن عمران الحلبي عن أبي بصير قال: «سألته عن قول اللّه عز وجل (وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين) قال: الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الارض الارحام، والرطب ما يحيى، واليابس ما يفيض، وكل ذلك في كتاب مبين»([21]).

 

ورواه في العياشي عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) مثله، وفي تفسير القمي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله (سواء منكم من اسرّ القول ومن جهر به) «السر والعلانية عنده سواء» وقوله (مستخف في الليل) «اي مستخف في جوف بيته» وقوله (وسارب في النهار) «يعني تحت الارض كذلك([22]) كله عند اللّه عزوجل واحد يعلمه»([23]).

 

وفي تفسير القمي ايضاً في قوله عزوجل (ان اللّه عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ان اللّه عليم خبير) «قال الصادق(عليه السلام): هذه الخمسة الاشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي من صفات اللّه عزوجل»([24]).

 

وفي التوحيد باسناده عن فتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: يعلم القديم الشيء الذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون قال: «ويحك ان مسألتك لصعبة أما سمعت اللّه يقول (لو كان فيهما الهة إلاّ اللّه لفسدتا) وقوله (ولعلا بعضهم على بعض) وقال يحكي قول اهل النار (ارجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل) وقال (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فقد علم الشيء الذي لم يكن لو كان كيف كان يكون» الخبر([25]).

 

وفي التوحيد ايضاً عن أبي علي القصاب قال: «كنت عند أبي عبداللّه(عليه السلام) فقلت: الحمد للّه منتهى علمه، فقال: لا تقل ذلك بانه ليس لعلمه منتهى»([26]).

 

وفي التوحيد ايضاً في الحسن عن الكاهلي قال: «كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) في دعاء الحمد للّه منتهى علمه، فكتب اليّ: لا تقولن منتهى علمه، ولكن قل منتهى رضاه»([27]).

 

وفي التوحيد عن هشام بن الحكم عن ابي عبداللّه(عليه السلام) انّه قال: «العلم هو من كماله»([28]).

 

وفي التوحيد عن الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام) في العلم قال: «هو كيدك»([29]).

 

قال الصدوق(رحمه الله) في ذلك الكتاب: يعني ان العلم ليس هو غيره، وانّه هو صفات ذاته ويوجد في بعض النسخ للتوحيد زيادة في هذا المقام وهي هذه  فيه الحاق بخط بعض المشايخ رحمهم اللّه يقول هذا من غلط الراوي والصحيح العجز([30]) الاول والامام اجل من ان يبعض اللّه بعلمه منه فكون يد الانسان منه، والحق فيه احمد بن محمد الموصلي ان قال ان الامام (عليه السلام) يخاطب الناس على قدر فهمهم وكنه عقولهم وليس في هذه الرواية ما ينافي الرواية التي قبلها لان قوله في العلم هي كيدك منك اراد كما ان يد الانسان من كماله كذلك اللّه سبحانه كونه عالماً من كماله ولو لم يكن عالماً لم يكن كاملاً كما ان الانسان لو لم يكن له يد لم يكن كاملاً، وعلى هذا لا تنافي بينهما. ويحتمل ان يكون التشبيه لبيان غاية ظهور معلوماته تعالى عنده فان اليد اظهر اعضاء الانسان ان يعلم جميع الاشياء كما تعلم يدك، ولهذا جاء في الشهادة وبيان القطع فيها في الاخبار هل رأيت كفك او يدك فقال على مثلها فاشهد وهو مثل معروف بين العرب ايضاً، فلا حاجة الى هذه التكلفات .

 

وفي المحاسن، والتوحيد، والتوحيد في الصحيح عن منصور ابن حازم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: أرأيت ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة، أليس كان في علم اللّه تعالى قال فقال: بلى، قبل ان يخلق السموات والارض»([31]).

 

وفي التوحيد ايضاً في الصحيح عن منصور بن حازم قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام): هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه عزوجل، قال: لا بل كان في علمه قبل ان ينشيء السموات والارض»([32]).

 

وفي التوحيد في الصحيح عن هشام بن الحكم عن الصيقل عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «ان اللّه علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه»([33]).

 

فيه ايضاً عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: ان اللّه نور لا ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه»([34]).

 

وفي التوحيد في الصحيح عن ابن سنان عن جعفر بن محمد عن أبيه(عليه السلام) قال: «ان للّه علماً خاصاً، وعلماً عاماً، فأما العلم خاص فالعلم الذي لم يطلع عليه ملائكته وانبيائه المرسلين، واما علمه العام فانه علمه الذي اطلع عليه ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، وقد وقع الينا من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)»([35]).

 

وخبر ابن مسكان قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن اللّه تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل ان يخلق المكان أم علمه عندما خلقه وبعد ما خلقه؟ فقال: تعالى اللّه بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه، وكذلك علمه بجميع الاشياء كعلمه بالمكان»([36]).

 

وفي التوحيد بسند معتبر عن الفضل بن شاذان قال: «سمعت الرضا علي بن موسى(عليه السلام) في دعائه: سبحان من خلق الخلق بقدرته وأتقن ما خلق بحكمته ووضع كل شيء موضعه بعلمه سبحان من يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وليس كمله شيء وهو السميع البصير»([37]).

 

وفيه عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «انّ للّه علماً لا يعلمه غيره، وعلماً يعلمه ملائكته المقربون وانبيائه المرسلون، ونحن نعلمه»([38]).

 

وفيه عن عبدالاعلى عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «علم اللّه لا يوصف اللّه منه بأين، ولا يوصف العلم من اللّه بكيف، ولا يفرد من اللّه، ولا يبان اللّه([39]) وليس بين اللّه وبين علمه حد»([40]).

 

وفي هذا الحديث اشارات ورموز وأسرار وكنوز وتحقيقات بلوازم دلّ بها على الملزومات، والمقصد الاصلي منه التنبيه على ان علمه عين ذاته فمعنى قوله «لا يوصف اللّه منه بأين» اي ليس علمه تعالى شيئاً مبايناً منه بحسب المكان بان يكون هو تعالى في مكان وعلمه في مكان آخر أو لا يوصف بسبب العلم بمكان بان يقال:علم ذلك الشيء في هذا المكان اي لا يحتاج في العلم بالاشياء الدنو منها والاحاطة الجسمية بها. ويحتمل ان يكون المراد انّه تعالى ليس مكاناً للمعلوم بان يحل ويحصل فيه صورته لكنه بعيد، واما قوله «عليه ولا يوصف العلم من اللّه بكيف» فيحتمل انّه ليس علمه كيفية كما في المخلوقين لولا يعلم كنه علمه تعالى وكيفية تعلقه بالمعلومات، وقوله «ليس بين اللّه وبين علمه حد» أما اشارة الى عدم مغايرة العلم بالذات او الى عدم حدوث علمه تعالى عنه حتى يكون بين وجوده تعالى وعلمه حد وأمد، حتى يقال: كان ثم حدث علمه في وقت معين وحد معلوم .

 

وفي التوحيد في الصحيح ايضاً عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما كون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه»([41]).

 

وفي التوحيد ايضاً عن فضيل بن سكرة قال: «قلت لابي جعفر(عليه السلام): جعلت فداك ان رأيت ان تعلمني هل كان اللّه جل ذكره يعلم قبل ان يخلق الخلق انّه وحده، وقد اختلف مواليك قال بعضهم: هل كان يعلم تبارك وتعالى وحده قبل ان يخلق شيئا من خلقه؟ وقال بعضهم: انما معنى يعلم يفعل فهو اليوم يعلم انّه لا غيره قبل فعل الاشياء، وقالوا: ان اثبتنا انّه لم يزل عالماً بانه لا غيره فقد اثبتنا معه غيره في ازليته، فان رايت ياسيدي ان تعلمني ما لا اعدوه الى غيره، فكتب (عليه السلام): ما زال الله عالماً تبارك وتعالى ذكره»([42]) وفي الحديث ايضا أسرار لكنها مشوبة بالاشكال في الجواب، والسؤال والظاهر ان معنى قوله «معنى يعلم يفعل» اي ان تعلق علمه تعالى بشيء يوجب وجود ذلك الشيء وتحققه فلو كان لم يزل عالماً كان لم يزل فاعلاً فكان معه شيء في الازل او ان تعلق العلم بشيء يستدعي انكشاف ذلك الشيء وانكشاف الشيء يستدعي نحو حصوله له، وكل حصول ووجود لغيره سبحانه مستند اليه فيكون من فعله تعالى فيكون معه في الازل شيء من فعله فأجاب(عليه السلام) «بانه لم يزل عالماً» ولم يلتفت الى فساد بيان تمسكنا فيه وأما لظهوره او للتنبيه على انّه لا ينبغي الخوض في تلك المسائل المتعلقة بذاته تعالى وصفاته، فانها مما تقصر عنها الافهام، وتزل فيه الاقدام.

 

وفي التوحيد في الصحيح ايضاً عن ايوب بن نوح انّه كتب الى أبي الحسن(عليه السلام)«يسأله عن اللّه عزوجل أكان يعلم الاشياء قبل ان يخلق الاشياء وبكونها؟ او لم يعلم ذلك حتى خلقها؟ او أراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عندما خلق وما كون؟، فوقع (عليه السلام) بخطه لم يزل اللّه عالماً بالاشياء كعلمه بالاشياء قبل ما خلق الاشياء»([43]) .

 

وفي التوحيد والمعاني والعيون باسناده عن محمد بن سنان قال: «سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام): هل كان اللّه عارفاً بنفسه قبل ان يخلق الخلق؟، قال: نعم، قلت: يراها ويسمعها؟، قال: ما كان محتاجاً الى ذلك لانه لم يكن يسألها ولا يطلب منها هو نفسه، ونفسه هو قدرته فاقدة فليس يحتاج الى ان يسمى نفسه، ولكنه اختار لنفسه اسماء لغيره يدعو بها لانه اذا لم يدع باسمه لم يعرف فاول ما اختار لنفسه العلي العظيم لانه اعلا الاسماء، فمعناه اللّه واسمه العلي العظيم هو اول اسمائه لانه عليّ على كل شيء»([44]) وقوله «ويسمعها» اي يسمى نفسه ويسمعها، ويمكن ان يقرأ من باب الافعال ومعنى قوله «فمعناه اللّه» اي مدلول هذا اللفظة، ويدل ظاهر على ان اللّه اسم للذات غير صفة.

 

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن حفص بن البختري او ابن سالم قال: «سألت ابا عبداللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (وسع كرسيه السموات والارض) قال: علمه»([45]).

 

وفي التوحيد ايضاً في الصحيح عن عبداللّه بن سنان عن ابي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (وسع كرسيه السموات والارض) فقال: «السموات والارض وما بينهما في الكرسي، والعرش هو العلم الذي لا يقدر واحد قدره»([46]) وهذا الخبر والذي تقدمه وفي معناهما اخبار كثيرة اوردهما العياشي وتفسيره([47]) تدل على ان العرش والكرسي قد يطلق كل منهما على علمه تعالى.

 

وفي التوحيد بسند ولا يبعد صحته عن منصور ابن حازم قال: «سألت ابا عبداللّه(عليه السلام): هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه، قال: لا من قال هذا أخزاه اللّه([48])، قلت([49]): أرأيت ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة أليس في علم اللّه، قال: بلى قبل ان يخلق الخلق».

 

وفي بصائر الدرجات للصفار باسناده عن ضريس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ان للّه علمين علماً مبذولاً، وعلماً مكفوفاً، فأما المبذول فانه ليس من شيء تعلمه الملائكة والرسل إلا ونحن نعلمه، وأما المكفوف فهو الذي عند اللّه في امّ الكتاب»([50]) وفي البصائر وايضاً بسند صحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «ان للّه علماً يعلمه ملائكته وأنبيائه ورسله إلا ونحن نعلمه، وللّه علم لا تعلمه ملائكته وانبيائه ورسله»([51]).

 

وفي البصائر ايضاً عن البرقي رفعه قال: قال:ابو عبداللّه(عليه السلام): «ان للّه علمين، علم تعلمه ملائكته ورسله، وعلم لا يعلمه غيره، فما كان مما يعلمه ملائكته ورسله فنحن نعلمه وما خرج من العلم الذي لا يعلمه غيره فالينا يخرج»([52]).

 

وفي كتاب كشف الغمة نقلاً من كتاب دلائل الحميري عن الجعفري قال: «سأل محمد بن صالح الارمني أبا محمد(عليه السلام) (يمحو اللّه ما يشاء)» وقد تقدم بأسره وفيه: «تعالى الجبار العالم بالاشياء قبل كونها الخالق اذ لا مخلوق، والرب اذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه» الحديث .

 

وفي العياشي عن داود الرقي قال: سألت ابا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (أم حسبتم ان تدخلو الجنة، ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم) قال: «ان اللّه هو اعلم بما هو مكوّنه([53]) وهم ذر، وعلم من يجاهد ممن لا يجاهد كما علم انّه يميت خلقه قبل ان يميتهم ولم يرهم موتى([54]) وهم أحياء»([55]).

 

وقد جاء في العياشي ايضاً عن الحسين بن خالد قال: «سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (ما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين) فقال: الورق السقط يسقط من بطن امّه من قبل ان يهل الولد، قال: فقلت وقوله (ولا حبة) قال: يعني الولد في بطن امّه اذا اهل ويسقط من قبل الولادة، قوله (ولا رطب) يعني المضغة اذا اسنكت في الرحم قبل ان يتم خلقها قبل ان ينتقل، قال: قلت: قوله (ولا يابس)، قال: الولد التام، قال: قلت (في كتاب مبين) قال: في امام مبين»([56]).

 

وفي العياشي عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (نسو اللّه) قال: «تركوا طاعة اللّه فنسيهم قال: فتركهم»([57]).

 

وفي العياشي عن أبي معمر السعدي قال: «قال علي (عليه السلام) في قوله اللّه (فنسوا اللّه فنسيهم) فانما يعني انما نسوا اللّه في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطاعة، ولم يؤمنوا به وبرسوله فنسيهم في الاخرة اي لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا فصاروا منسيين من الخير»([58]) والاخبار بهذا المعنى في اثبات علمه وكونه عين ذاته وشموله للمعلومات المقدورة وغير المقدورة والموجودة والمعدومة والجزئية والكلية والمعاني وغيرها مما لا تحيط به العقول والافهام متواترة، وكذلك الايات القرانية فما تخيله بعض الفرق من الملليين من نفي العلم مطلقاً او في بعض المواضع دون بعض كما نسب للفلاسفة وغيرهم كما سيجيء تفصيله فجاءت هذه الاخبار بهذا التعميم للرد عليهم وما تمسكوا به من الشبه كلها مردودة عليهم بالدليل السمعي والعقلي وبالادلة التي قررناها في حقيقة العلم منه تعالى، ولا نحتاج الى ما تلبس به الاشاعرة من الادلة الدافعة للمنكرين لصفة العلم، وهم فرق كما اشرنا اليه فيما سبق .

 

فالاولى  من تلك الفرق من قال من الدهرية: ان لا يعلم نفسه لان العلم نسبة والنسبة لا تكون إلاّ بين اثنين متغايرين هما طرفاها بالضرورة ونسبة الشيء الى نفسه محال اذ لا تغاير هاهنا.

 

والجواب قد سبق منّا اما على مذهب الامامية من عينية الصفات فليس هناك نسبة ولا منتسبين بالكلية، بل هي صفة محضة. وأما على القول بزيادة الصفات فالجواب عندهم منع كون العلم نسبة محضة بل هو صفة حقيقية ذات نسبة الى المعلول ونسبة الصفة الى الذات ممكنة، ولا يرد عليهم ما قيل: ان تلك الصفة تقتضي نسبة بين العالم والمعلوم فلا يجوز ان يكونا متحدين لانهم يقولون هي نسبة بينها وبين المعلوم ونسبة اخرى وبين العالم وهما ممكنتان كما عرفت، وأما النسبة بين العالم والمعلوم فهي بعينها النسبة الاولى من هاتين المذكورتين اعتبرت بالعرض فيما بينهما سلّمنا ان كون العلم نسبة محضة بين محله ومتعلقه لكن لا نسلم ان الشيء لا ينسب الى ذاته نسبة علمية فان التغاير الاعتباري كاف في تحقق هذه النسبة، وقد مر الكلام مفصلاً فيما سبق.

 

الثانية من تلك الفرق من قال من قدماء الفلاسفة انّه لا يعلم شيئاً اصلاً والا علم نفسه او يعلم انّه يعلمه، وذلك يتضمن علمه بنفسه، وقد بُرهن على امتناعه، وقد اجيب عن ذلك بوجوه تقدم ذكر اكثرها في بيان حقيقة العلم، وبيان سببه. ومنها: انا لا نسلم ان من علم شيئاً علم انّه عالم والا لزم من العلم بشيء العلم بالعلم لذلك الشيء وهكذا فيلزم من العلم بشيء واحد العلم بامور غير متناهية، وهي محال لكن يرد على هذا بان المدعي لزوم بامكان علمه به اي انّه عالم، وذلك مما لا خفاء فيه فان من علم شيئا امكنه ان يعلم انّه عالم به بالضرورة والا جاز ان يكون احدنا عالماً بالمجسطي والخروطات وسائر العلوم الدقيقة ولكن لا يمكنه ان يعلم انّه عالم به وان التفت الى ذلك وبالغ في الاجتهاد وذلك سفسطة ظاهرة فاذا لزم الامكان ثبت المدعى لان امكان المحال محال. والجواب الحقيقي انّه ان ممتنع منه تعالى بنفسه منعنا الملازمة، وقلنا الضرورة انما هي فيما يمكنه العم بنفسه وان امكن له منعنا بطلان الثاني، وايضاً فقد ثبت بطلان ما ذكر في اثبات انّه لا يعلم نفسه .

 

الثالثة: من الفرق المخالفة من قال: انّه تعالى لا يعلم غيره مع كونه عالماً بذاته وذلك لانّ([59]) بالشيء نفسه غير العلم بغيره والا فمن علم شيئاً علم جميع الاشياء فيكون له تعالى بحسب كل معلوم علم على حدة فيكون في ذاته كثرة متحققة غير متناهية، وذلك محال ببرهان التطبيق .

 

والجواب عنه انما ذكرتموه من كثرة العلم كثرة في الاضافات والتعليقات وقد مرّ تحقيقه، بل العلم واحد متعدد تعلقاته بحسب معلوماته وليس تكثر الاضافات والتعلقات تستلزم تكثر الذات لانها امور اعتبارية لا وجود لها في الخارج.

 

الرابعة: من تلك الفرق من قال انّه لا يعقل غير المتناهي اذ المعقول متميز عن غيره لانّ العلم اما نفس التميز او صفة توجبه ولانه لو لم يتميز عن غيره ولم يكن هو بالمعقولية اولى منه وغير المتناهي غير متميز بوجه من الوجوه والا لكان له حد وطرف به يتميز وينفصل عن الغير، واذا كان له طرف فليس غير متناه، وهذا خلف والجواب بوجهين:

 

الاول: انّه معقول من حيث انّه غير متناه بمعنى ان المجموع من حيث هو مجموع متميز عن غيره بوصف ان لا تناهي. وفيه نظر لان ذلك الوصف يعني ان لا تناهي امر واحد عارض لغير المتناهي وهو غير ما صدق عليه انّه غير متناه والنزاع انما وقع انما وقع فيه .

 

وبالجملة فالنزاع في غير المتناهي تفصيلاً لا اجمالاً وما ذكرتم علم اجمالي لا منازعة فيه لاحد، كيف ولا بد منه ويحكم بعدم تميزه.

 

الثاني: المعقول كل واحد واحد من غير المتناهي وانّه متميز عن غيره من تلك الاحاد ومن غيرها ولا يضر عدم تميز كل واحد عدم تميز الكل من حيث هو كل ولما لزم من هذا الجواب كون غير المتناهي معلوماً له تعالى تفصيلاً لا اجمالاً على العكس من الجواب الاول اعرض عنه المحققون من علماء الفريقين وعدلوا عنه الى الجواب بانا لا نسلم ان المعقول المتميز يجب ان يكون له حد ونهاية يمتاز به عن غيره، وانما يكون كذلك ان لو كان تعقله بتميزه وانفصاله عن غيره بالحد والنهاية وانّه ممنوع بان وجوه التميز لا تنحصر في الحد.

 

الخامسة من تلك الفرق من قال وهم جمهور الفلاسفة لا يعلم الجزئيات المتغيرة والا فاذا علم مثلاً ان زيداً في الدار الان ثم خرج زيد عنها فاما ان يزول ذلك العلم ويعلم انّه ليس في الدار ويبقى ذلك العلم بحاله، والاول يوجب التغير، والثاني يوجب الجهل في ذاته، وكلاهما نقص يجب تنزيهه تعالى عنه، قالوا: وكذا لا يعلم الجزئيات المتشكلة وان لم يكن متغيرة كاجرام الافلاك الثابتة على اشكالها لان ادراكها انما يكون بالات جسمانية، وكذا الحال في الجزئيات المتشاكلة المتغيرة اذ قد اجتمع فيها المانعان بخلاف الجزئيات التي ليست متشكلة ولا متغيرة فانه يعلمها بلا محذور كذاته تعالى وذرات العقول، وقد مر الجواب عنها فيما سبق وانّه في الحقيقة يرجع الى منع التغير منه، بل التغير في الاضافات لان العلم عندنا اضافة مخصوصة أو صفة حقيقية ذات اضافة فعلى الاول يتغير نفس العلم، وعلى الثاني تتغير اضافته فقط، وعلى التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة وادراك المشكل انما يحتاج الى آلة جسمانية اذا كان العلم حصول الصورة وليس علمه كذلك كما تقدم برهانه، وأما اذا كان اضافة محضة او صفة حقيقية ذات اضافة بدون التصور فلا حاجة اليها، وقد أجاب عن ذلك مشايخ المعتزلة وكثير من الاشاعرة بما ذكرناه سابقاً من ان العلم انّه وجد الشيء والعلم بانه سيوجد واحد فان من علم ان زيداً سيدخل البلد غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم بعينه بانه دخل البلد الان اذا كان علمه هذا مستمراً بلا غفلة مزيلة له وانما يحتاج احدنا الى علم اخر متجدد يعلم به انّه دخل الان لطريان الغفلة عن الاول والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة وكان علمه بانه وجد غير علمه بانه سيوجد فلا يلزم تغير المعلوم من عدم الى وجود تغير في علمه وهذا الذي ذكروه مأخوذ من قول الحكماء علمه تعالى ليس علماً زمانياً فلا يكون ثم حال وماض ومستقبل فليس كعلم احدنا بالحوادث المختصة بازمنة معينة فلا اختصاص له بزمان اصلاً  فمن كان علمه ازلياً محيطاً بالزمان وغير محتاج في زمانه اليه وغير مختص بجزء معين من اجزائه لا يتصور في حقه حال ولا ماض ولا مستقبل فاللّه سبحانه عالم عندهم بجميع الحوادث الجزئية وازمنتها هي الواقعة هي فيها لا من حيث بعضها واقع الان وبعضها في الماضي وبعضها في المستقبل فان العلم بها من هذه حيثية يتغير بل يعلمها علماً متعالياً عن الدخول تحت الازمنة ثابتاً ابد الدهر.

 

وتوضيحه: انّه تعالى لما لم يكن مكانياً كان نسبته الى جميع الامكنة على السواء فليس في هذا القياس اليه قريب وبيعد ومتوسط كذلك لم يكن هو وصفاته الحقيقية زمانية لم يتصف الزمان مقيساً اليه بالماضي والاستقبال والحضور بل كان نسبته الى جميع الازمنة سواء فالموجودات من الازل الى الابد معلومة له كل في وقته وليس في علمه كان وكائن وسيكون بل هي حاضرة عنده في اوقاتها فهو عالم بخصوصيات الجزئيات واحكامها لكن لا من حيث دخول الزمان فيها بحسب اوصافها الثلاثة اذ لا تحقق لها بالنسبة اليه، ومثل هذا العلم يكون ثابتاً مستمراً لا يتغير اصلاً كالعلم بالكليات، قال بعض الفضلاء: وهذا معنى قولهم انّه يعلم الجزئيات على وجه كلي لا ما توهم بعضهم من ان علمه محيط بطبايع الجزئيات واحكامها دون خصوصياتها وما يتعلق بها من الاحوال كيف، وما ذهبوا اليه من ان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ينافي ما توهموه، وقد انكر ابو الحسن البصري هذا الجواب الذي قرره اولئك المشايخ اعني بان علمه وجد بعين علمه بانه سيوجد واحتج على ذلك بوجوه كلها مدخولة لا فائدة فيها سوى ادخال الشبهات على من لا يعض على هذا العلم بضرس قاطع، ومن هنا جزم بالتغير في علم الباري سبحانه بالمتغيرات، وزعم ان ذاته تعالى تقتضي كونه عالماً بالمعلومات بشرط وقوعها فيحدث العلم بها عند وجودها ويزول عند زوالها ويحصل علم اخر.

 

ويرد عليه بانه يلزم منه إلاّ يكون الباري تعالى في الازل عالماً باحوال وحوادث الحوادث وهو تجهيل له تعالى عنه وجلّ .

 

السادسة من الفرق من قال: انّه لا يعلم الجميع بمعنى سلب الكل اي رفع الايجاب الكي لا بمعنى السلب الكلي كما زعمه الفرقة الثانية واحتجوا عليه بانه لو علم كل شيء فاذا علم شيئاً  علم ايضاً علمه به لان هذا العلم شيء من الاشياء ومفهوم من المفهومات، وكذا علم علمه بعلمه به لانه شيء آخر فيلزم التسلسل في العلوم.

 

والجواب انّه تسلسل في الاضافات لا في الامور الموجودة لان العلم من قبيل الاضافة والتعلق كما مر غير مرة عندنا وانّه غير ممتنع، بل نقول: كيف يلزم التسلسل في الامور الموجودة على تقرير كون العلم صفة حقيقية والحال انّه قد يكون علمه بعلمه نفس علمه كما ذهب اليه الامام الرازي والقاضي بقولهما كل شيئين لا يجوز انفكاك العلم بهما كالعلم بالشيء والعلم بالعلم به وكالعلم بالتضاد والاختلاف فقد يتعلق بهما علم واحد كما تقرر في محله وسيما في علمه تعالى .

 

 

 

« تتمة

 

قد سمعت من الاخبار السابقة واللاحقة البالغة حد الاستفاضة بل التواتر المعنوي عنهم(عليهم السلام) انّه كان اللّه  عالماً ولا معلوم والعلم ذاته فلما خلق المعلوم وقع العلم على المعلوم وفي هذا الكلام خفاء وابهام يحتاج في ازالته الى بحث جليل منتزع من الاخبار ايضاً وان كان فيما تقدم من الكلام المنقول عن الحكماء ومشايخ المعتزلة وكثير من الاشاعرة مما يحصل به نوع كشف وجلاء لمن اتقن تلك القواعد الكلامية وكان له قدم ثابت في هذا الفن، وحينئذ كيف لم نكتف بذلك.

 

نقول: في تقرير تلك العبارات ان علمه تعالى حيث كان عين ذاته بالمعنى الذي تقرر فيما سبق ثبت ان علمه تعالى بان شيئاً وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بانه سيوجد فان العلم بالقضية انما يتغير بتغيرها وهو اما بتغير موضوعها ومحمولها والمعلوم ههنا هي القضية القائلة بان زيداً موجود في الوقت الفلاني ولا يخفى ان زيداً لم يتغير معناه بحضوره وغيبته، نعم يمكن ان يشار اليه اشارة خاصة للموجود حين وجوده ولا يمكن في غيره وتفاوت الاشارة الى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية ونفس تفاوت الاشارة راجع الى تغير المعلوم لا العلم، واذا ثبت ذلك كان مرادهم(عليهم السلام) اثبات كونه تعالى متصفاً بالعلم على وجه لا يتوقف على وجود المعلوم وحضوره لانه عين ذاته فيكون علمه بالشيء قبل وجوده هو العلم بانه سيقع لا العلم بانه واقع لانه جهل. والحق ان علمه بما وقع وما هو واقع وما سيقع على نحو واحد من غير ترتب بالنظر الى ذاته المقدسة المنزة عن الامتداد الزماني ولواحقه من الماضوية والحالية والاستقبالية والتقدم والتأخر وانما هذه الامور تتحقق في المعلومات المتغيرة الزمانية المترتبة في حد انفسها فعلمه بما في القيامة كعلمه بما هو واقع الان، وعلمه بما هو واقع الان كعلمه بما يقع في زمن الطوفان من غير تغير وتفاوت في علمه اصلاً.

 

وبالجملة ان الصفات الذاتية لا يتوقف تحققها بل لا يستلزم وجود متعلقها والا لافتقرت الذات بذلك فيتحقق الامكان، واما قولهم (عليهم السلام) فلما احدث الاشياء بواسطة او بغيرها وكان المعلوم والظاهر وان كان تامة بمعنى وجد وقع العلم منه على المعلوم بمعنى وقع العلم على ما كان معلوماً في الازل وانطبق عليه لا على امر يغايره ولو في الجملة والمقصود منه ما سبق وتقرر من ان علمه قبل الايجاد هو بعينه علمه بعد الايجاد والمعلوم قبله هو المعلوم بعينه بعده من غير تفاوت وتغير في العلم اصلاً وليس هناك تفاوت إلاّ تحقق المعلوم في وقت وعدم تحققه قبله وليس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلقه به تعلقاً لم يكن قبل الايجاد لان علمه متعلق به قبل الايجاد وبعده على نحو واحد، وهذا الذي ذكروه (عليهم السلام) هو المذهب الصحيح فلا يلزم تجدد العلم ولا تغيره بتجدد وجود المعلوم وبه يتبين ان المعدومات الممكنة تتعلق بها هذه الصفات الذاتية من غير استلزام للقدم وما تخيله جماعة من محققي الصوفية وتبعهم عليه غيرهم من ان العلم يسلتزم وجود المعلوم وان كان الوجود غير خارجي وغير زماني بل متلبس بوجوده تعالى باشراقه عليه حالته العدم وان كان اشراقه اضعف اشراقاً عليه حالة الوجود فمما لا يعبأ به لان ذلك يلزما احد امرين اما القول بوحدة الوجوب او قدم العالم وان كان قدماً غير زماني، وامّا ما جاء في خبر حماد بن عيسى المروي في التوحيد قال: «سألت أبا عبداللّه(عليه السلام) فقلت له: لم يزل اللّه يعلم قال: انّى يكون يعلم ولا معلوم، قال: قلت فلم يزل يسمع قال: أنّى يكون ذلك ولا مسموع، قال: قلت فلم يزل يبصر قال: انّى يكون ذلك ولا مُبصر، قال ثم قال: ولم يزل عليما سميعاً بصيراً ذات علامة سميعة بصيرة»([60]) فلعل المراد انّ السائل انما سأل عن العلم على وجه الحضور بان يكون المعلوم حاضراً موجوداً فان ذلك يستدعي وجود المعلوم والمبصر والمسموع ولهذا عبّر بصيغة المضارع في السؤال فنفى (عليه السلام)ذلك ثم اثبت في اخر الخبر كونه تعالى ازلاً متصفاً بالعلم لكن لا مع وجود المعلوم وحضوره وكذا السمع والبصر. ويحتمل ان يكون الخبر محمولاً على التقية صدراً وان كشف في عجزه عن المذهب الحقيقي الصحيح من ان الصفات ذاتية وليست([61])فعلية الا ان ما ذكرناه اولاً انسب بالخبر لان زوال التقية في هذه المدة اليسيرة مما يستبعد، وان كان وقوع مثلها في الاخبار غير عزيز .

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

([1]) لم ترد في الاصل.

 

([2]) وقد تقدم في صفحة 34 .

 

([3]) النحل: 68 .

 

([4]) العنكبوت: 41 .

 

([5]) لم ترد في الاصل.

 

([6]) لم ترد في الاصل.

 

([7]) لم ترد في الاصل.

 

([8]) في المصدر: «الا علماً كلياً لان ما علم بماهيته المجردة».

 

([9]) شرح المواقف: ج8، ص70 .

 

([10]) في نسخة «م»: وإلا كاضافات.

 

([11]) في نسخة «م»: المجاب.

 

([12]) انظر شرح المواقف: ج8، ص78 .

 

([13]) سبأ: 3 .

 

([14]) في نسخة «م»: لا يون، وهو الاقرب .

 

([15]) المجلي: ص131 .

 

([16]) التوحيد: باب10، ح8، ص136، وفي صدرها «قال سألته أيعلم..».

 

([17]) المعاني: ص143 .

 

([18]) المعاني: ص146 .

 

([19]) المعاني: ص147 .

 

([20]) التوحيد: باب29، ح2، ص320 .

 

([21]) التوحيد: باب29، ص320 .

 

([22]) في المصدر: «فذلك».

 

([23]) البحار: ج4، ص81 .

 

([24]) تفسير القمي: ج2، ص167 .

 

([25]) التوحيد: باب2، ح18، ص65 .

 

([26]) التوحيد: باب10، ح1، ص134 .

 

([27]) التوحيد: باب10، ح2، ص134 .

 

([28]) التوحيد: باب10، ح3، ص134 .

 

([29]) التوحيد: باب10، ح4، ص134، وفيه: «هو كيدك منك».

 

([30]) في المصدر: «الخبر».

 

([31]) التوحيد: باب10، ح6، ص135 .

 

([32]) التوحيد: باب10، ح6، ص135 .

 

([33]) التوحيد: باب10، ح11، ص137 .

 

([34]) التوحيد: باب10، ح13، ص138 .

 

([35]) التوحيد: باب10، ح14، ص138، وفي البصائر: ص111 .

 

([36]) التوحيد: باب10، ح9، ص137 .

 

([37]) التوحيد: باب10، ح10، ص137، في الاصل: «بقدرته ادخل» والصحيح ما عليه المصدر.

 

([38]) التوحيد: باب10، ح15، ص138، وفيه: «ان لله لعلما...».

 

([39]) في المصدر: «الله منه...».

 

([40]) التوحيد: باب10، ح16، ص138.

 

([41]) التوحيد: باب11، ح12، ص145 .

 

([42]) التوحيد: باب11، ح11، ص145 .

 

([43]) التوحيد: باب11، ح13، ص145، وفيه: «ان خلق الاشياء وكونها».

 

([44]) المعاني: ص2. التوحيد: ص191. الاحتجاج: ج2، ص193 .

 

([45]) التوحيد: باب52، ح1، ص327 .

 

([46]) التوحيد: باب52، ح2، ص327 .

 

([47]) تفسير العياشي: ج1، ص137 .

 

([48]) التوحيد: باب10، ح6، ص135، وفيه: «قال لا بل كان في علمه قبل ان ينشيء السماوات والارض».

 

([49]) التوحيد: باب10، ح5، ص135. وفيه: «عن ابن حازم ايضاً عن ابي عبدالله(عليه السلام) قال: قلت له.....»

 

([50]) بصائر الدرجات: ص109، مع اختلاف.

 

([51]) بصائر الدرجات: ص112.

 

([52]) بصائر الدرجات: ص112 .

 

([53]) في المصدر: «قبل أن يكونه» .

 

([54]) في المصدر: «موتهم».

 

([55]) تفسير العياشي: ج1، ص199 .

 

([56]) تفسير العياشي: ج1، ص361 .

 

([57]) تفسير العياشي: ج1، ص96 .

 

([58]) تفسير العياشي: ج2، ص96 .

 

([59]) في نسخة «م»: «لان العلم».

 

([60]) التوحيد: باب11، ح2، ص139 .

 

([61]) في الاصل: «وليت».




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496251

 • التاريخ : 20/09/2019 - 06:08