الفصل الرابع: في صفة القدرة 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل الرابع

 

في صفة القدرة

 

وإنّما قدمنا الكلام عليها على سائر الصفات لانها اشد ظهوراً في اثبات الالهة لدلالتها على حصول الاثر الذي هو الطريق الواضح في معرفة اللّه تعالى

وفيه بحثان:

 

« المبحث([1]) الاول

 

انّه تعالى قادر ان يصح منه ايجاد العالم وتركه فليس شيء منه لازماً لذاته بحيث يستحيل انفكاكه عنه، والى هذا ذهب المليون كلهم، وأما الفلاسفة فانهم قالوا: ايجاده للعالم على النظام الواقع من لوازم ذته فيمتنع خلّوه عنه فانكروا القدرة بالمعنى المذكور لاعتقادهم انّه نقصان واثبتوا له الايجاب زعماً منهم انّه الكمال التام واما كونه تعالى قادراً بمعنى ان شاء فعل وان شاء لم يفعل فهو متفق عليه بين الفريقين ان الحكماء ذهبوا الى ان نسبة الفعل الذي هو الفيض والوجود لازمة لذاته كلزوم العلم وسائر الصفات الكمالية له مستحيل الانفكاك بينهما فمقدم الشرطية الاولى واجب صدقه ومقدم الثانية ممتنع الصدق وكلتا الشرطيتين صادقتان في حق الباري تعالى سبحانه وقد استدل على ذلك اعني كونه قادراً بانه لو لم يكن كذلك لزم احد امور اربعة: اما نفي الحادث بالكلية او عدم استناده الى المؤثر أو التسلسل أو تخلف الاثر عن المؤثر الموجب التام فبطلان هذه اللوازم كلها دليل بطلان الملزوم.

 

أمّا بيان الملازمة وهو انّه على تقدير كونه تعالى موجباً امّا ان لا يوجد حادث او يوجد فان لم يوجد فهو الامر الاول، وان وجد فاما ان لا يستند ذلك الحادث الموجود الى مؤثر موجد او يستند فان لم يستند فهو الثاني من ذلك الامور وان استند فامّا ان لا ينتهي الى قديم او ينتهي فان لم ينته فهو الثالث منها لانه اذا استند الى مؤثر لا يكون قديماً ولا منتهى اليه فلا بد هناك من مؤثرات حادثة غير متناهية مع كونها مترتبة مجتمعة فهو تسلسل محال اتفاقاً وان انتهى فلابد هناك من قديم يوجب حادثاً بلا واسطة من الحوادث سوى كانه مجتمعة او متعاقبة فيلزم الرابع، وهو التخلف عن المؤثر الموجب التام ضرورة تخلف ذلك الحادث الصادر بلا واسطة عن القديم الذي يوجبه ذاته، وامّا بطلان اللوازم، فالاول ظاهر، والثاني بما علم من أن الممكن الحادث محتاج الى مؤثر، والثالث بما ثبت في مباحث التسلسل من البراهين الشاهدة ببطلانه، والرابع بانّ الموجب اتام مما يلزمه أثره وتخلف اللازم عن الملزوم محال وبانه يلزم الترجيح بلا مرجّح من فاعل موجب فان وجود ذلك الحادث منه في وقته ليس اولى من وجوده فيما قبله قيل هذا الدليل برهان بديع لا يحتاج الى اثبات حدوث العالم وقد تفرد به العضدي في المواقف([2]) وقد استدل ايضاً على كونه قادراً بهذا المعنى المشهور لانه لو كان الباري تعالى موجباً بالذات لزم قِدَم الحادث، والثاني باطل بطلاناً ظاهراً.

 

وأمّا بيان الملازمة فهو ان اثر الموجب القديم يجب ان يكون قديماً اذ لو حدث لتوقف على شرط حادث كيلا يلزم التخلف عن الموجب التام، وذلك الشرط الحادث يتوقف ايضاً على شرط اخر حادث، وحينئذ تتسلسل الشروط الحادثة متعاقبة أو مجتمعة، وكلاهما محال.

 

واعلم انّ هذا الاستدلال انما يتم باحد طريقين:

 

الاول: ان يبين حدوث ما سوى ذات اللّه تعالى وصفاته اذ لولا ذلك لجاز ان يصدر عن الباري تعالى على تقرير كونه موجباً قديم ممتاز ليس بجسم ولا جسماني تصدر عنه الحوادث بحسب ارادته المختلفة فلا يلزم ايجاد الباري قدم الحادث وان يبين مع ذلك ايضاً انّه لا يجوز قيام حوادث متعاقبة لا نهاية لها بذاته اذ لو جاز ذلك لامكن ان يصدر عنه مع كونه موجدا حادث مشروط بصفة حادثة قائمة بذاته مشروطة بصفة اخرى وهكذا الى غير النهاية واذا ثبت حدوث ما سوى ذاته وصفاته وثبت ايضاً استحالة قيام الصفات المتعاقبة الى ما لا نهاية له بذاته ثم الاستدلال المذكور بهذا الطريق لان اثر الموجب القديم لا يكون حادثاً بلا تسلسل الحوادث فان الصادر عنه بلا شرط اوبشرط قديم، قديم قطعاً لامتناع التخلف عن الموجب التام كما عرفت.([3])

 

والثاني: من الطريقين انّ يبين في الحادث اليومي انّه لا يستند الى حادث مسبوق باخر لا الى نهاية محفوظاً استناده كذلك بحركة دائمة اذ على تقدير هذا الاستناد جاز ان يكون المبدء الاول موجباً مقتضياً لوجود الحادث اليومي على مادة قديمة بواسطة استعدادات متعاقبة مستندة الى تلك الحركة السرمدية كما ذهب اليه الفلاسفة حيث جوزوا التسلسل في الامور المترتبة اذا لم يكن مجتمعة وزعموا ان الحركة الدائمة هي الواسطة بين عالمي القدم والحدوث فانها ذات جهتين استمرار وتجدد فباعتبار استمرارها جاز استنادها الى القديم وباعتبار تجددها صارت واسطة في صدور الحوادث عن المبدء القديم واذا لم يجز فهذا الاستناد فلو كان الباري تعالى موجباً لكان الحادث اليوم المستند اليه بواسطة وبغير واسطة قديماً هذا خلف وقد تم هذا الاستدلال بهذا الطريق ايضاً .

 

ولقائل ان يقول ذلك البرهان البديع لا يتم ايضاً إلاّ بالطريق الاول اذ لو جاز قديم سوى ذاته تعالى وصفاته أو جاز تعاقب صفاته التي لا تتناهى لم يلزم الامر الرابع اعني التخلف عن المؤثر التام أما على الاول فلانه جاز ان يكون ذلك القديم مختاراً كما مرّ وأمّا على الثاني فلجواز استناد الحادث الموجب الى الموجب بتعاقب حوادث لا تتناهى وليس يلزم على شيء من هذين تخلّف الاثر عن مؤثر الموجب التام لان مؤثره اما مختار مع كون الباري تعالى موجباً وأما غير تام في المؤثرية ليتوقف تأثره فيه على شرائط حادثه غير متناهية قائمة بذاته تعالى وأما الاخبار الواردة في ثبوت هذه الصفة وانها قدرة مختارة غير موجبة فمستفيضة وكذلك الايات الواردة في ذلك متعددة ففي التوحيد والخصال باسناده عن مقاتل بن سليمان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لما صعد موسى (عليه السلام) الى الطور فناجى ربه عزوجل قال: يا رب ارني خزائنك قال: يا موسى انما خزائني اذا أردت شيئاً ان أقول له كن فيكون»([4]).

 

وقد تقدمت جملة من الاخبار في الفصل المتقدم على هذا الفصل في بيان الصفات على جهة الاجمال ما يدل على أنّ القدرة من الصفات الذاتية حيث كان اللّه قادر ولا مقدور والقدرة ذاته([5]) .

 

وفي حديث محمد بن عرفة المروي في العيون قال: قلت للرضا (عليه السلام): خلق اللّه الاشياء بالقدرة أم غير القدرة، فقال (عليه السلام): «لا يجوز ان يكون خلق الاشياءبالقدرة لانك اذا قلت خلق الاشياء بالقدرة فكانك قد جعلت القدرة شيئاً غيره وجعلتها آلةً له بها خلق الاشياء وهذا شرك واذا قلت خلق الاشياء بقدرة فانما تصفه بانّه جعلها باقتدار عليها وقدرة وليس هو بضعيف ولا بعاجز ولا محتاج الى غيره»([6]).

 

ورواه في التوحيد بسند آخر عن محمد بن عرفة ايضاً مثله، وفي التوحيد والعيون وأمالي الشيخ في الصحيح عن صفوان بن يحيى قال: «قلت لابي الحسن (عليه السلام)اخبرني عن الارادة من اللّه عزوجل ومن الخلق فقال: الارادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل وامّا من اللّه عزوجل فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لا يتروى([7]) ولا يهم ولا يفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي من صفات الخلق فارادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك يقول له (كن فيكون) بلا نطق ولا لفظ بلسان ولا هم([8]) ولا تفكر ولا كيف لذلك، كما انّه بلا كيف»([9]) وسيجيء الكلام على معنى الارادة وانها تطلق على معان متعددة، ولهذا عدت تارة في الصفات الذاتية وهي عائدة الى القدرة، وتارة الى المشيئة، وهذه من صفات الفعل ليست بقديمة لاتصافه بها وبضدها كما في الكتاب والسنة، وعلى هذا فالمعنى في هذا الحديث ذاته تعالى بصفاته الذاتية انّه ليس فيه بعد العلم القديم بالمصلحة من الامور المقارنة للفعل سوى الاحداث والايجاد فالاحداث في الوقت الذي يقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائماً مقام ما يحدث من الامور في غيره فذاته تعالى بصفاته الذاتية الكمالية كافية في حدوث الفعل، وقال بعض المحققين في شرح هذا الخبر:

 

الظاهر انّ المراد الارادة مخصص احد الطرفين وما به يرجح القادر احد مقدوريه على الاخر لا ما يطلق في مقابل الكراهة كما يقال يريد الصلاح والطاعة ويكره الفساد والمعصية، وحاصل الجواب ان الارادة من الخلق الضمير اي امر يدخل خواطرهم واذهانهم ويوجد في نفوسهم ويحل فيها بعدما لم يكن فيها فكانت وهي خالية عنه، وامّا الارادة من اللّه فيستحيل ان يكون كذلك فانه يتعالى ان يقبل شيئاً زائداً على ذاته، بل ارادته المرجحة للمراد من مراتب الاحداث لا غير ذلك اذ ليس في الغائب إلاّ ذاته الاحدية ولا يتصور هناك كثرة المعاني ولا له بعد ذاته، وما لذاته ما ينسب الى الفعل فارادة اللّه سبحانه من مراتب الفعل المنسوب اليه لا غير ذلك، وفي التوحيد باسناده المستفيض عن غير واحد مع صحته عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «من شبه اللّه بخلقه فهو مشرك، ومن انكر قدرته فهو كافر»([10]).

 

وفي الخصال باسناده عن سليم بن قيس الهلالي قال: «سمعت علياً (عليه السلام) يقول لابي الطفيل عامر بن واثلة الكناني: يا ابا الطفيل العلم علمان، علم لا يسع الناس إلاّ النظر فيه وهو صبغة الاسلام، وعلم يسع الناس ترك النظر فيه وهو قدرة اللّه عزوجل»([11]) والظاهر انّه أراد بالاخير التفكر في كيفية القدرة لانها عين الذات، وانما خص القدرة دون سائر الصفات الذاتية لانها اتمها ظهوراً في المعرفة ولان متعلقها الاثار ولارتباطها بالقدر والقضاء وهي مما نهى عن التعمق فيها لصعوبتها كما سيجيء بيانه. وذكر الاخبار الواردة فيه.

 

ومما يشهد بالقدرة بالمعنى المشهور أخبار البداء وهي مستفيضة جداً واليه أشارت الاية القرانية وهي (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده امّ الكتاب)([12]) إلاّ انّه غير البيان والمراد حتى على تقدير الاختيار لان نسخ ما ثبت عن حكمة خفي نسبة الى العالم الحكيم وسيجيء توجيه ذلك ان شاء اللّه في ذيل صفات الافعال.

 

ففي كتاب كشف الغمة نقلاً من كتاب دلائل الحميري عن الجعفر قال: سأل محمد بن صالح الارمني أبا محمد (عليه السلام) عن قوله تعالى (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده امّ الكتاب) فقال: «هل يمحو إلاّ ما كان وهل يثبت إلاّ ما لم يكن» وساق الحديث الى أن قال: «تعالى الجبار العالم بالاشياء قبل كونها، الخالق اذ لا مخلوق، والرب اذ لا مربوب والقادر قبل المقدور عليه، فقلت: أشهد انك وليّ اللّه وحجة»، الحديث([13]).

 

وفي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم كما في المحاسن عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «ما بعث اللّه نبياً قط حتى يأخذ عليه ثلاثاً: الاقرار للّه بالعبودية، وخلع الانداد، وأن اللّه يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء»([14]).

 

وينبغي ان يعلم ان قدرته الازلية الذتية لا تتعلق إلاّ بما هو ممكن غير ممتنع الوجود والمستحيل في نفسه كما أشارت اليه الاخبار ولا يعد ذلك عجزاً لاستحالة تعلق القدرة بغير المقدور، ويدل على ذلك صريحاً خبر ابن أذينة المروي في التوحيد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) وهو من الصحيح قال: «قيل لامير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربك ان يدخل الدنيا في بيضة من غير ان تصغر الدنيا وتكبر البيضة، قال: ان اللّه تبارك وتعالى لا ينسب الى العجز، والذي سألتني لا يكون»([15]) ولا ينافي هذا الجواب منه(عليه السلام) ما وقع(عليه السلام)منه من الجواب بغير ذلك، ونسبة ذلك الى الامكان مثل ما روي في التوحيد عن محمد بن أبي اسحاق، والكليني ايضاً عنه عن عدة من أصحابنا ان عبداللّه الديصاني اتى هشام بن الحكم فقال: «ألك رب؟ فقال بلى، قال: قادر قال: نعم، قادر وقاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها في البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا، فقال هشام: النظرة فقال له قد انظرتك حولاً ثم خرج عنه فركب هشام الى ابي عبداللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فاذن له فقال: يا ابن رسول اللّه أتاني عبداللّه الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلاّ على اللّه وعليك، فقال ابو عبداللّه (عليه السلام): عمّا ذا سألك عنه، فقلت: قال: كيت وكيت، فقال أبو عبداللّه(عليه السلام): يا هشام كم حواسك؟، قال: خمس، فقال: أيها اصغر؟، فقال: الناظر، قال: وكم قدر الناظر؟، قال: مثل العدسة أو أقل منها، فقال: يا هشام فانظر أمامك وفوقك واخبرني ماترى، فقال: أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وتراباً وجبالاً وانهاراً، فقال ابو عبداللّه (عليه السلام): ان الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة، فانكبت هشام عليه، وقبّل يديه ورأسه ورجليه وقال: حسبي يا ابن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فانصرف الى منزله، وغدا عليه الديصاني فقال له هشام: انّي جئتك مسلماً ولم أجيئك متقاضياً للجواب فقال له هشام: ان كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب، فخرج عنه الديصاني فاخبر انّ هشاماً دخل على أبي عبداللّه (عليه السلام) فعلمه الجواب»([16]) الحديث.

 

ومثلها ما رواه في التوحيد ايضاً عن البزنطي قال: جاء رجل الى الرضا (عليه السلام) فقال: يقدر ربّك ان يجعل السماوات والارض وما بينهما في بيضة، قال: «نعم، وفي اصغر من البيضة، قد جعلها في عينك وهي أقل من البيضة لانك اذا فتحتها عاينت السموات والارض وما بينهما ولو شاء لاعماك عنها»

 

لانا نجيب عن ذلك بانهما (عليهما السلام) قد بيّنا([17]) هذا الاستدلال على وجوه يترتب عليها المخرج من ذلك الايراد:

 

الاول: أن يكون غرض السائل انّه هل يجوز ان يحصل كبير في صغير بنحو من انحاء التحقيق فأجاب(عليه السلام) بانّ له نحواً من التحقيق، وهو دخول الصورة المحسوسة المتقدرة بالمقدار الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة اي مادتها الموصوفة بالمقدار الصغير، والقرينة على انّه كان مراده المعنى الاعم انّه قنع بالجواب، ولم يراجع فيه باعتراض.

 

الثاني: ان يكون المراد انّ الذي يقدر على ان يدخل ما تراه العدسة فيها لا يصح ان ينسب الى العجز ولا يتوهم فيه غير قادر على شيء اصلاً، وعدم قدرته على ما ذكرت ليس من تلقاء قدرته لقصور فيها، بل انما ذلك من نقصان ما فرضته حيث انّه محال كما دل عليه الخبر المتقدم فليس له خط من الشيئية والامكان، فالغرض من ذكر ذلك بيان كمال قدرته تعالى حتى لا يتوهم عجز فيه .

 

الثالث: ان المعنى انما ذكرت محال، وما يتصور من ذلك انما هو بحسب الوجود الانطباعي وقد فعله فما كان من السؤال له محمل ممكن فهو تعالى قادر عليه، وما أردت من ظاهرة، فهو محال لا يصلح لتعلق القدرة به .

 

الرابع: وهو اظهرها ان السائل لما كان قاصراً عن فهم ما هو الحق معانداً فلو أجابه(عليه السلام) صريحاً بعدم تعلق القدرة به لتشبث بذلك ولحّ وعاند فأجاب (عليه السلام) بجواب متشابه له وجهان لعلمه(عليه السلام) بانه لا يفرق بين الوجود العيني والانطباعي، ولذا قنع بذلك ورجع كما انّه (عليه السلام) في عجز هذا الخبر لما علم انّه عاجز عن الجواب عن سؤال الاسم اورد عليه افحاماً له واظهاراً لعجزه عن فهم الامور الظاهرة، ولما كان السائلون في الاخبار الاخر مما تقدم ويأتي قابلين لفهم الحق غير معاندين أجابوهم (عليهم السلام) بما هو الحق الصريح من انّه محال والقدرة لا تتعلق بالمحال ومن انّه قادر على ذلك بعد تلطيف الارض وتكبير البيضة وبدون ذلك محال وهم (عليهم السلام) الاطباء العارفون بادواء القلوب والارواح وبالمعالجة المخرجة لها من الضيق الفساح كما هو شأن طبيب الابدان من الامراض، والجراح فيصف لكل مريض ما يناسبه بعد الاطلاع والمعرفة على تلك الادواء، وبدون ذلك فلا ظفر ولا نجاح. ثم انّه على التقادير كلها يدل على ان الابصار بالانطباع، وان كان فيما سوى الجواب الثاني اظهر، وعلى الرابع يحتمل ايضاً ان يكون جواباً اقناعياً مبنياً على المقدمة المشهورة عند الجمهور وان الرؤية بدخول المرئيات في العضو البصري فلا ينافي كون الابصار حقيقة بخروج الشعاع.

 

وروى الصدوق في كتاب التوحيد في الصحيح عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «ان اللّه عزوجل لا يوصف»، قال: وقال زرارة قال ابو جعفر (عليه السلام): «انّ اللّه عزوجل لا يوصف بعجز، وكيف يوصف، وقد قال في كتابه (وما قدروا اللّه حق قدره) فلا يوصف بقدرة إلاّ كان اعظم من ذلك»([18]) واما تلك الاخبار التي اشرنا اليها المشتملة على الجواب الصريح عن مثل مسألة الديصاني. وصحيحة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: ان ابليس قال لعيسى بن مريم (عليه السلام) أيقدر ربك على ان يدخل الارض بيضة لا تصغر الارض ولا تكبر البيضة؟ فقال عيسى (عليه السلام): «ويلك انّ اللّه لا يوصف بعجز، ومن أقدر ممن يلطف الارض ويعظم البيضة»([19]).

 

ومثلها صحيحة أبان بن عثمان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) ـ كما في التوحيد ايضاً ـ قال: «جاء رجل الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أيقدر اللّه ان يدخل الارض في بيضة ولا تصغر الارض ولا تكبر البيضة؟، فقال له: ويلك ان اللّه لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممن يلطف الارض، ويعظم البيضة»([20]).

 

والاخبار في ثبوت القدرة والاختيار، وانها عين ذاته لا بآلة خارجة مما بلغت حدّ الاستفاضة وهو مما يضيق بها هذا الاملاء، وأما ما استدلت به الحكماء على انّه قادر موجب فوجوه كثيرة اقواها: واولها ما قرره العضدي في مواقفه([21]) وهو انّه لا يجوز ان يكون قادراً إلاّ اذا تعلق القدرة منه باحد الضدين المقدورين له كتخصيص الجسم بشكل معين ولون مخصوص مثلاً دون ما عداه من الاشكال والالوان أما لذاتها بلا مرجح وداع فيستغني الممكن عن المرجح لان نسبة ذات القدرة الى الضدين على السواء كما اعترف به هذا القائل في بيان قادريته، وهذا مما يسد باب اثبات الصانع اذ يجوز حينئذ ان يترجح وجود الممكن على عدمه من غير مرجح، وايضاً يلزم قدم الاثر لان المؤثر حينئذ مستجمع لشرائط التأثير لان الواجب ازلي، وكذا قدرته وتعلقها فلا يجوز تخلف الاثر عنه، وهو باطل، لان اثر القادر حادث اتفاقاً، وامّا لا لذاتها فيحتاج تعلقها به الى مرجح من خارج ومع ذلك المرجح لا يجب الفعل والا لزم الايجاب، بل كان جائزاً هو وضده ايضاً فيحتاج الى مرجح اخر ويلزم التسلسل في المرجحات. وقد اجيب عن هذا الاختيار ان تعلقها باحد المقدورين انما هو بذاتها لا بامر خارج وليس يحتاج تعلق ارادة المختار باحد مقدوريه الى داع كما هو بين في طريق الهارب وقد حى([22]) العطشان وامامه([23]) قولكم اولا فيستغني الممكن عن المرجح. فالجواب عنه انّه لا يلزم من ترجيح القادر لاحد مقدوريه على الاخر بلا مرجح وداع ترجيح([24]) احد طرفي الممكن في حد ذاته من غير المرجح المؤثر فيه اذ بينهما بون بعيد. وبالجملة فالترجيح الصادر عن مؤثر قادر بلا مرجح بلا داعية غير الترجيح بلا مرجح ـ اي بلا مؤثر اصلاً ـ مغايرة ظاهرة، ولا يلزم من صحته اعني صحة الاول صحة الثاني ألا ترى ان بديهة العقل تشهد بامتناع الثاني بلا توقف ولذلك لم يذهب الى صحته احد من العقلاء ولا كذلك بامتناع الاول، ومن ثم ترى جمعاً يجوزونه ورعاً يختار ان تعلقها لا لذاتها، ويقال الفعل مع الداعي اولي بالوقوع ولا ينتهي الى الوجوب فلا يلزم الايجاب ولا يحتاج ايضاً الى مرجح اخر ليتسلسل وضعف بما مر من ان الاولوية التي لا تنتهي الى حد الوجوب غير كافية في صدور الممكن عن المؤثر، وامّا قولكم ثانياً يلزم قدم الاثر، فممنوع، وانما يلزم ذلك في الموجب الذي اذا اقتضى مسبباً لذاته اقتضاء دائماً اذ نسبته الى الازمنة سواء، وامّا القادر الذي هو مؤثر تام فيجوز ان تتعلق قدرته بالايجاد في ذلك الوقت الذي اوجد الحادث فيه دون غيره بلا سبب يختص بذلك الوقت فان ضرورة العقل تدل على الفرق بين القادر المختار والعلّة الموجبة ألاترى ان كل أحد يفرق بين كون الانسان مختاراً في قيامه وقعوده، وبين كون الحجر هابطا بطبيعته فلو توقف فعل المختار على مرجح لم يبق بينه وبين الموجب فرق، وقد اورد هنا سؤال؟ وهو انّه اذا كان قدرته متعلقة بهذا الطرف في الازل على هذا الوجه وهو ان يوجد في وقت معين فانه يجب وجوده في ذلك الوقت فاي فرق بين الموجد والمختار؟. وقد اجيب عن ذلك بتوجه الفرق بينهما على تقدير وجوب الفعل من القادر انّه بالنظر الى ذاته مع قطع النظر عن تعلق قدرته ليستوى اليه الطرفان ووجوب هذا لطرف وجوب شرطه تعلق القدرة والارادة به لا وجوب ذاتي كما في الموجد بالذات ولا يمتنع عقلاً تعلق قدرته بالفعل بدلاً من الترك وبالعكس، وأمّا الموجب فانه يتعين تاثيره في احدهما ويمتنع في الاخر عقلاً، ويقرب من هذا ما قد قيل انّه عند تمام المرجحات من القدرة التامة والارادة الجازمة والوقت والالة والمصلحة وزوال الموانع كلها يجب الفعل والا امكن ان يوجد معها تارة ولا يوجد اخرى، وانّه ترجيح بلا مرجح، واذا وجب الفعل فلا فرق بين الموجد والقادر في ذلك بل في شرط التأثير في القادر سريع التغير لكنهم قالوا ذلك التغير فكذا تأثيره في غيره لا يتغير اصلاً.

 

ومن تلك الوجوه الذي استدل بها ان يقال: القدرة نسبتها الى الوجود والعدم سواء فانها لو تعلقت احدهما فقط كانت ايجاباً لا قدرة والعدم غير مقدور لانه لا يصلح اثراً لكونه نفياً صرفا فلا يستند الى شيء، وحينئذ لا يكون الوجود ايضاً مقدوراً فلا قدرة اصلاً. واجيب عن هذا الدليل بانا لا نسلم ان العدم غير مقدور وانّه لا يصلح اثراً فان عدم المعلول مستند الى عدم علته كما ان وجوده مستند الى وجودها، ولئن سلمنا كون العدم لا يصلح اثراً، فتعريف القادر هو ما ان شاء فعل، وان لم يشأ لم يفعل، لا ان شاء فعل العدم فالعدم ليس اثراً مقدوراً للقادر كالوجود، بل معنى استناده اليه انّه لم تتعلق مشيئته بالفعل فلم يوجد الفعل، وهذا اولى مما قيل في تعريفه هو الذي ان شاء ان يفعل فعل، وان شاء ان لا يفعل لم يفعل لان استناد العدم الى مشيئة القادر يقتضي حدوثه كما في الوجود، فيلزم ان لا يكون عدم العالم ازلياً، واحسن من هذين التعريفين حيث لا يرد عليه شيء انّه المتمكن من الفعل والترك.

 

 

 

« المبحث الثاني

 

في انّه هل يشترط انضمام شرائط التأثير من القدرة أم لا؟ وهل هو داخل في مفهوم القدرة؟

 

قيل: نعم حتى زوال المانع فالممنوع غير قادر على هذا، وقيل: لا، لان القادر من له الصفة التي تصح وجود الفعل عنه بها عند انضمام شرائط التأثير اليها، والمدّعي انّه تعالى مختار كما مرّ وهو مذهب المحققين، والنقل عن الفلاسفة بالقول بالايجاب كما سمعت ان صحّ فليس هو مذهب المحققين منهم او نزاعاً في اللفظ فانّ الفاعل ما لم يستجمع شرائط التأثير لم يجب عنه الفعل فان عنى بالايجاب هذا المعنى فلا مشاحة في الاصطلاح اذ الكل يساعد عليه ولا يخرج الفاعل له عن كونه قادراً لانا لا نعني بالقادر إلاّ من صدر عنه الفعل بواسطة القدرة المنضم اليها شرائط التأثير التي من حملتها الشعور به .

 

وأقول ان الذي علم من مقالات الفريقين اتفاقهما على القول بالاختيار كما حققه الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي في كتاب المجلا([25]) لانّ كلا منهما يقول انّه فاعل مع الشعور لا يصدر عنه، والفاعل بالشعور لا يكون فاعلاً بالطبيعة، والفلاسفة لا يقولون انّه فاعل بالطبيعة على ما نقله عنهم اكثر محققي المتكلمين، بل الظاهر ان اختلافهم انما هو في كيفية صدور الاثر عنه تعالى، فعند الفلاسفة انما هو على سبيل المقارنة وعدم جواز التأخير لكونه فاعلاً بالاستقلال فلا يتوقف صدور الفعل منه عن شيء مغاير لذاته سوى القابل وهو متحقق دائماً وازلاً اذ لامكان متحقق دائماً وإلا لزم الانقلاب، هذا خلف فالفعل حينئذ غير مسبوق بشيء سوى العلّة لعدم تصوره هناك شيئاً غيرها اذ لا وقت ولا شرط ولا حال دون حال اذ العدم المحض لا يوصف بشيء من ذلك فلا شيء سوى العلة والذات القابلة للفيض عنها وهي متحققة في علمه تعالى غير مباينة له ن كل وجه فلا عدم سابق هناك فتعين الوجود الخاص بفياض الوجود المطلق عليه، وعند المتكلمين ان الداعي شرط فيتوقف تأثير المؤثر عليه فعند وجوده يتعين الوجود، وقيل: وجوده لا يتعين فالداعي لا يكون متوجهاً الى موجود، بل الى معدوم بتجدد الداعي، فيجب ان يكون الفعل مسبوقاً بالعدم. وهذا الكلام ظاهر لكنه انما يتم على تقدير تجدد الداعي كما هو مذهب جماعة من المتكلمين فامّا على القول بقدمه فمشكل خصوصاً على القول بان الفاعل التام لا يتخلف عنه اثره كما هو المشهور من مذهب المحققين منهم كأبي الحسين واتباعه فانهم لا يفرقون في ذلك بين العلل الايجابية وبين الفاعل المختار، وحينئذ على هذا التقرير لا يتحقق العدم بين الفاعل والفعل لوجوب الملازمة الذاتية، نعم على القول بعدم وجوب الاثر عند وجود المؤثر التام كما هو مذهب فريق من المتكلمين يتحقق الفرق ويتم القول بسبق العدم على التأثير فتدبر، ولما كانت الممكنات قد ثبت حدوثها بالادلة القاطعة والبراهين المضيئة اللامعة في محالها من الكتاب والسنة وأدلة العقل، وقد تقدم طائفة منها وسيجيء ايضاً طائفة ثبت ان فاعلها قادر لان ايجاب صدورها عنه يقتضي المقارنة  لاستحالة تخلف المعلول عن العلّة، ومعها لا يكون الفعل حادثاً، هذا خلف. فيكون قادراً مختاراً ولا يضر في ذلك ان القادر المستجمع لجميع ما لابد منه في المؤثرية بكون الفعل واجب الصدور عنه فيمتنع تخلفه فلا يكون قادراً، ويلزم عروض الوجوب والامكان للفعل، وهو محال، لانا قد اشرنا فيما سبق الى انّه لا يخرج عن كونه قادراً بذلك وبينا ان ذلك هو مرادنا بالقادر،وامّا الثاني فجائز عروضهما للاثر باعتبارين اذ عروض الوجوب للاثر باعتبار اختيار القادر وقصده وعروض الامكان باعتبار امكان الاثر فلا يتنافيان .

 

 

 

 

« تتمّة

اعلم ان تساوي الممكنات في علّة الحاجة موجب لعموم قدرة اللّه تعالى بالنسبة الى جميع الممكنات اذ المقتضى لكونه قادراً هو ذاته ونسبتها الى اقتضاء قدرته الى كل المقدورات نسبة واحدة فلا ترجيح، وايضاً فالمقدورات لمّا تساوت في المقدورية واقتضت ذاته القادرية فلو اختصت قادريته بالبعض لافتقرت الى مخصص لاستحالة الترجيح بلا مرجح فيكون الواجب لذاته في كماله مفتقر الى ذلك الغير فيكون ناقصاً بذاته، هذا خلف فيكون قادراً على الكل ولا يقتضي ذلك وقوع سائر المقدورات بمجرد التعلق إلاّ بانضمام شرائط التأثير التي من جملتها الداعي فما لا يتعلق به الداعي لا يوجد فظهر بهذا التقرير ومما([26]) سبق من الاخبار وبما سيجيء من ان الاشياء كلّها مقدورة له إلاّ ما كان ممتنع الوجود لذاته قد اضطربت الفرق ما سوى الامامية والاشعرية في ذلك وتمسكوا في نفي عموم قدرته بخيالات وهمية وقواعد سوفسطائية، وقد جاء الكتاب والسنة بهدمها وردّها وردمها ولنشر الى تلك المذاهب ذكر حججها مع نقضها لئلا يقع فيها من لا تقوى بصيرته ولم تصلح سريرته ولمن لم يعض على العلم بضرس قاطع ولمن لم يشرق عليه من الفيوض الالهية نور لامع فمن تلك المذهب:

 

المذهب الاول([27])

مذهب الفلاسفة الالهيين فانهم قالوا: انّه تعالى واحد حقيقي فلا يصدر عنه اثران والصادر عنه ابتداء هو العقل الاول، والبواقي صادرة عنه بالوسائط سيأتي ما ينقض هذه القاعدة وبيان ([28]) ذلك لا يوجب التكثر في ذاته، وما تمسكوا به من الادلة سيأتي بيان ردّها.

 

المذهب الثاني

المنجمين([29]) ومنهم الصابية قالوا: الكواكب المتحركة بحركات الافلاك هي المديرة امراً في عالمنا هذا الدوران الحوادث السفلية والتغيرات الواقعة في جوف تلك القمر وجوداً وعدماً مع مواضعها في البروج واوضاعها بعضها الى بعض والتغيرات الواقعة في السفليات واظهرها ما يشاهد من اختلاف الفصول الاربعة ما يتجدد منها من الحرّ والبرد والاعتدال بواسطة قرب الشمس من سمت الرأس وبعدها عنه وتوسطها فيما بينهما وتأثير الطوالع في المواليد بالسعادة والنحوسة.

 

والجواب عن ذلك في السنة والكتاب اكثر من ان يحصى، وأما الجواب على طريقتهم فهو انّ الدوران لا يفيد العلية سيما اذا تحقق التخلف كما في التوأمين

 

احدهما في غاية السعادة والاخر  في غاية الشقاوة ولا يمكن ان يحال ذلك فيما بينهما من التعاقب في وقت الولاية لان التفاوت بقدر درجة واحدة لا يوجب تغير الاحكام عندهم باتفاق فيما بينهم، وسيما اذا قام البرهان على نقيضه فان البراهين العقلية والنقلية شاهدة بان لا مؤثر في الوجود إلاّ اللّه كيف ونقول: لهم ما اثبتموه من الاحكام لا يثبت له على قواعدكم بانكم قد أدعيتم ان الافلاك بسيطة فاجزآؤها متساوية في الماهية، فلا يمكن حينئذ جعل درجة حارة أو تيرة أو نهارية وجعل درجة اخرى باردة أو مظلمة أو ليلية إلاّ حكماً بحتاً، وكذا الحال في جعل بعض الدرج شرفاً وبعضها وبالاً الى غير ذلك من الامور التي تدّعونها فانها كلها على تقدير البساطة تحكمات محضة. ثم انا نردد في هذا الدليل، ونقول: الفلك ان كان بسيطاً فقد بطل هذه الاحكام التي تزعمونها لما ذكرناه والا بطل علم الهيئة  اذ مبدءة انّ الفلك بسيط محركاته بسيطة متشابهة في أنفسها والحركات المختلفة المشاهدة والمقصودة منها تقتضي حركات مختلفة على اوضاع متفاوتة، واذا بطلت الهيئة بطلبت الاحكام النجومية لانها مبنية على الهيئات المتخيلة والا فلا اوج ولا حضيض ولا وقوف ولا رجوع فكيف تثبت لها الاحكام المترتبة عليها.

 

لا يقال: الافلاك وان كانت بسيطة متساوية الاجزاء في الماهية إلاّ ان البروج مكوكبة الثوابت المتخالفة بالطبائع والعبرة في تلك الاحكام ليست بنفس البروج المتوافقة الطبيعة، بل بقرب كواكبها الثابتة من السيارات، وبعدها عنها ومسامتتها لها وعدمها فمدار الاحكام المختلف على مدار اوضاع الكواكب لكن الكواكب السيارات بحركاتها من الثوابت المركوزة في البروج.

 

لانا نقول: البروج كما علمت اجزاء من الفلك الاطلس الذي لا كوكب فيه على رأيهم، وان امكن ان يقال: فيه كواكب صغر غير مرئية فيختلف احوال السيارة بحلولها في البروج المختلفة الكواكب، لكنه لم يقل به احد منهم.

 

فان قلت: البروج المعتبرة فيه وان كانت خالية عن الكواكب إلاّ انها تسامتها كواكب متخالفة الطبائع وهذا القدر كاف لاختلاف الاحكام والاثار.

 

قلت: تلك الكواكب تزول عن تلك الهيئة بالحركة البطيئة، فيلزم ان تنتقل الاحوال من برج الى اخر، وهو باطل عندكم. ثم انا نقول: اختصاص كل كوكب بجزء معين من اجزاء الفلك يبطل بساطة الافلاك اذ لو كانت بسيطة لزم الترجيح بلا مرجح وعلى هذا فيعود الاشكال الاول ـ اعني بطلان الهيئة المتخيلة ـ وما يترتب عليه من بطلان الاحكام.

 

المذهب الثالث

الثنوية([30]) وقد مرت الاشارة اليهم في تلك الاخبار، وفساد مذهبهم بالكلية، ومنهم المجوس قالوا: انّه تعالى لا يقدر على الشر والا كان خيراً شريراً معاً فلذلك اثبتوا الهين كما مرّ تفصيله. والجواب انما نلتزم الثاني فانه تعالى خالق للخيرات والشرور سواء افعال العباد من المعاصي، وانما لم يطلق اسم الشرير عليه للتوقيف لان اسماءه توقيفية كما سيجيء برهانه وكما لا يطلق عليه لفظ خالق القردة والخنازير مع كونه خالقاً لهما، ويمكن ان يكون ايضاً لاحد أمرين: اما لانه يوهم ان يكون الشر غالباً في فعله كما يقال: فلان شرير اي ذلك مقتضى طبيعته والغالب على دأبه وعادته اما لما تقدم من التوقيف في أسمائه الحسنى او لانه في الاصل خير محض لانه مقتضى ذاته والشرور انما هي باسباب، وعوارض من أفعال العباد.

 

المذهب الرابع

للنظام ومتابعيه قالوا: لا يقدر على الفعل القبيح لانه مع العلم بقبحه سفه ودونه جهل، وكلاهما نقص يجب تنزيهه تعالى عنه. والجواب اما من الاشاعرة حيث قالوا:ان القبح والحسن شرعيان فلا قبح بالنسبة اليه فان الكل ملكه فله ان يتصرف فيه على اي نحو أراد. وأما للعدلية، فالجواب عنه ان ذلك يمنع صدوره عنه لا القدرة عليه لوجود الصارف عنه، وهو القبح، وهذا لا ينفي القدرة عليه .

 

 المذهب الخامس

لابي القاسم البلخي ومتابعيه قالوا: لا يقدر على مثل فعل العبد لانه اما طاعة مشتملة على مصلحة او معصية مشتملة على مفسدة أو سفه خال عنهما او مشتمل على متساويين منهما، والكل محال بالنسبة اليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، والجواب: انما ذكرتموه من صفات الافعال اعتبارات محضة تعرض للفعل بالنسبة الينا وصدوره بحسب قصدنا ودواعينا، واما فعله تعالى فمنزه عن هذه الاعتبارات فجاز ان يصدر عنه تعالى مثل فعل العبد مجرداً عنها فان الاختلاف بالعوارض لا ينافي التماثل في الماهية .

 

ولقائل ان يقول ما صدر عنه من امثال افعالنا، اما ان يشتمل على مصلحة أو مفسدة او يخلو عنها، وعلى التقادير يكون متصفاً بشيء من الاعتبارات المذكورة. وربما اجيب من ذلك بما يطابق مذهب الاشعري، هو ان ذلك المثل الصادر عنه كسائر افعاله تعالى خال عن الغرض، فلا يتجه ان يقال: هناك مصلحة أو مفسدة ولا يلزم من عدم ثبوت الغرض عندهم. وأمّا على مذهبنا فلا يضر المشافهة ايضاً في هذا الوصف العارض اذا كان مما يصح ان يقع منه.

 

 المذهب السادس

للجبائية([31]) قالوا: لا يقدر على فعل العبد بدليل التمانع وهو انّه لو أراد اللّه سبحانه وتعالى فعلاً من افعال العبد وأراد العبد عدمه لزم امّا وقوعهما فيجتمع النقيضان او لا وقوعهما فيرتفع النقيضان او وقوع احدهما فلا قدرة للاخر على مراده والمقدّر خلافه.

 

لا يقال: يقع مقدور اللّه لانّ قدرته اعم من قدرة العبد فلا يتصور بينهما مقاومة كما يتصور في قدرتي الهين. لانا نقول: ان معنى كون قدرته اعمّ هو تعلقها بغير هذا المقدور ولا اثر له في هذا المقدور فهما في هذا المقدور سواء فيتفاوتان فيه .

 

والجواب للاشعري انّ ذلك مبني على تأثير القدرة الحادثة، وقد ابطلها وعلى تقدير ما ذهبنا اليه أيّها الامامية من تأثيرها فتساويهما في هذا المقدور ممنوع بل اللّه تعالى اقدر عليه من العبد فتأثير قدرته عنه يمنع قدرة العبد فيه ولا يلزم من ذلك انتفاء([32]) قدرته بالكلية .

 

واعلم ان القدرة لما كانت من صفاته الذاتية كانت قديمة كذاته لما مر، والا لكانت حادثة فيلزم اتصافه بالعجز في وقت ما، وربما استدل على ذلك بانها لو كانت حادثة لزم قيام الحادث بذاته تعالى، وقد مرّ بطلانه، وكانت ايضاً واقعه عن الذات بالقدرة لما مر من ان الحادث لا يستند الى الموجب القديم إلاّ بتسلسل الحوادث، وهو باطل، واذا كانت واقعة لزم التسلسل لان القدرة الاخرى حادثة ايضاً اذ المقدر حدوث القدرة به تعالى مستنده الى قدرة اخرى فيلزم تسلسل القدرة الى ما لا يتناهى، وهو ايضاً محال، وليعلم ايضاً انها صفة واحدة حتى عند من قال بزيادتها والا لاستندت تلك القدرة المتعددة القديمة بناءً على ما تقدم الى الذات، وهي احدية، واما بالقدرة، واما بالايجاب، وكلاهما باطل .

 

أما الاول فلان القديم لا يستند الى القدرة كما عرفت، واما الثاني فلان نسبه الموجب الى جميع الاعداد سواء فليس صدور البعض عنه اولى من صدور البعض فلو تعددت القدرة الصادرة عن الموجب لزم ثبوت قدر غير متناهية لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح كما ذهب اليه ابو سهل الصعلوكي، وهو باطل لان وجود ما لا يتناهى محال مطلقا، وقد تبين لك ضعف تساوي الاعداد، ويزداد ضعفه ههنا بان هذا مصير الى ان الواحد الموجب لا يصدر عنه إلاّ الواحد، ويلزم منه نفي ما عد القدرة من سائر الصفات اذ التأثير الذات منها لا يمكن ان يكون بالقدرة والاختيار، بل يجب ان يكون بالايجاب فاذا صدرت عنه القدرة الواحدة بالايجاب لم يصدر عنه صفة اخرى، وهو خلاف ما ذهب اليه مثبتوا الصفات. وليعلم ايضاً ان القائلين بزيادة الصفات قد قالوا: بان قدرته غير متناهية اي ليست موصوفة بالتناهي لا ذاتاً ولا تعلقاً،اما ذاتاً فلان التناهي من خواص الكم فلا كم ثم اذ القدرة بحسب ذاتها من الكيف فيسلب عنها التناهي، واما تعلقاً فمعناه لا يقف عند حد لا يمكن تعلقها بالغير اي بما وراء ذلك الحد وان كان كلما يتعلق به الفعل متناهياً فتعلقاتها متناهية بالفعل دائما غير متناهية بالقوة دائماً، وانما اشبعنا الكلام في هذا المقام لازالة الشبهات العارضة في تحقيق هذا الوصف وشدة الابهام، وقد سمعت ما في تعدد تلك المذاهب من الاضطراب ومزلقة الاقلام والاقدام.

 

امّا الاخبار الدالة على عموم القدرة:

 

فما رواه في التوحيد باسناده عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «قال في الربوبية العظمى، والالهية الكبرى لا يكون الشيء من لا شيء إلاّ اللّه، ولا ينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر إلاّ اللّه، ولا ينقل الشيء من العدم الى الوجود إلاّ اللّه»([33]).

 

وما رواه في الصحيح ايضاً في التوحيد عن زرارة قال: سمعت ابا عبداللّه (عليه السلام)يقول: «انّ اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه فهو مخلوق، واللّه خالق كل شيء تبارك الذي ليس كمثله شيء»([34]).

 

وفي التوحيد ايضاً بسند معتبر عن علي بن عطية عن خيثمة عن أبي جعفر(عليه السلام)مثله الى قوله «خالق كلى شيء» وفي التوحيد ايضاً في الصحيح عن أبي المعزا رفعه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ان اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء([35]) فهو مخلوق ما خلا اللّه».

 

وفي تفسير العسكري قال(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى (ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها) «ألم تعلم انّ اللّه على كل شيء قدير قال محمد بن علي بن موسى الرضا(عليه السلام): ما ننسخ من آية بان نرفع حكمها او ننسها بان نرفع رسمها» فساق الحديث الى ان قال: «يا محمد ألم تعلم ان اللّه على كل شيء قدير فلانه قدير يقدر على النسخ وغيره» ثم قال: «ألم تعلم يا محمد ان اللّه له ملك السموات والارض فهو يملكهما بقدرته ويصرفهما تحت مشيئته، ولا مقدم لما اخر ولا مؤخر لما قدم»الحديث([36]) .

 

والاخبار بهذا المعنى كثيرة وسيأتي ذكرها في الفصل المعقود لبيان حدوث العالم والبرهان على ذلك.

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

([1]) لم ترد في الاصل.

 

([2]) شرح المواقف: ج8: ص49 .

 

 

 

([4]) التوحيد: باب9، ح16، ص133 .

 

([5]) قد تقدم في صفحة

 

([6]) التوحيد: باب9، ح12، ص130. وفي البحار: ج4، ص136 .

 

([7]) في المصدر: «يروي».

 

([8]) في المصدر: «همة».

 

([9]) التوحيد: باب11، ح17، ص147، مع اختلاف قليل في الصدر.

 

([10]) التوحيد: باب2، ح31، ص76 .

 

([11]) الخصال: باب الاثنين، ح30، ص41. وفي البحار: ج4، ص136 .

 

([12]) الرعد: 38 .

 

([13]) البحار: ج4، ص90، وفيه نقص.

 

([14]) عقائد الصدوق: ص30، وفي البحار: ج4، ص108 .

 

([15]) التوحيد: باب9، ح9، ص130. وهو عمر بن أذينة.

 

([16]) التوحيد: باب9، ح1، ص122 .

 

([17]) في الاصل: «بنيا».

 

([18]) التوحيد: باب9، ح6، ص127، وفي البحار: ج4، ص142 .

 

([19]) التوحيد: باب9، ح5، ص127 .

 

([20]) التوحيد: باب9، ح10، ص130 .

 

([21]) شرح المواقف: ج8، ص53 .

 

([22]) والاقرب «أحيا».

 

([23]) لم ترد في المصدر.

 

([24]) في المصدر: «ترجح».

 

([25]) المجلى: 88 .

 

([26]) في الاصل: «وبما»

 

([27]) لم ترد في الاصل .

 

([28]) في الاصل: «وبيان تان» .   

 

([29]) الملل والنحل: ج1، ص210 .

 

([30]) الملل والنحل: ج1، ص224 .

 

([31]) الملل والنحل: ج1، ص73 .

 

([32]) في الاصل: «اشفاء»، والاقرب ما أثبتناه.

 

([33]) التوحيد: باب2، ح22، ص68، وفيها «من الوجود الى العدم الا الله».

([34]) التوحيد: باب7، ح3، ص105 .

([35]) في المصدر: «ما خلا الله عزوجل فهو مخلوق والله تعالى خالق كل شيء».
 
([36]) تفسير العسكري: ص492، مع اختلاف.




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492864

 • التاريخ : 15/09/2019 - 23:12