الفصل الثالث: في اثبات الصفات وتحققها في نفسها 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

الفصل الثالث

 في اثبات الصفات وتحققها في نفسها

 وأنّها هل هي شيء وراء الذات صادقة عليها؟ او هي نفس الذات ففي الحقيقة لا وجود لها ومن هنا اختلفت الفرق في ذلك غاية الاختلاف، وجاءت الاخبار مختلفة في اثباتها ونفيها، وكذلك ظاهر الايات القرانية، ولا تخلو عن اختلاف وان كان الظاهر منها اثبات الصفات لان الدال على نفيها ما دلّ على نفي المثل والشبه والالهة، وحينئذ فلابد من ذكر الاقوال والاخبار برمتها لنجمع بينها بوجه يندفع عنها الاشكال فمن تلك الاخبار الواردة في هذا المضار ما رواه الكليني في الكافي والصدوق في العيون، والتوحيد، والامالي عن الحسين بن خالد قال سمعت الرضا علي بن موسى(عليه السلام) يقول: «لم يزل اللّه تبارك وتعالى عالماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً»، فقلت له: يابن رسول اللّه انّ قوماً يقولون انّه عزوجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة وحيّاً بحياة وقديماً بقدم وسميعاً بسمع وبصيراً ببصر، فقال(عليه السلام): «من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه الهة اخرى وليس من ولايتنا على شيء»، ثم قال(عليه السلام): «لم يزل اللّه عزوجل عالماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً»([1]) ورواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلاً، وفي التوحيد، والامالي باسناده عن أبان الاحمر قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) «اخبرني عن اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بصيراً عالماً قادراً، قال: نعم، فقلت له: ان رجلاً ينتحل موالاتكم اهل البيت يقول انّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بسمع وبصيراً ببصر وعليماً بعلم وقادراً بقدر، فغضب (عليه السلام) ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك وليس من ولايتنا على شيء ان اللّه تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة»([2]).

 

وفي التوحيد عن هارون بن عبدالملك قال: سئل ابو عبداللّه (عليه السلام) عن التوحيد فقال: «هو عزوجل مثبت موجود لا مبطل ولا معدود ولا في شيء من صفة المخلقوقين وله عزوجل نعوت وصفات، فالصفات له، وأسماءه جارية على المخلوقين مثل السميع والبصير والرؤوف والرحيم وأشباه ذلك، والنعوت نعوت الذات لم يليق إلاّباللّه تبارك وتعالى واللّه نور لا ظلام فيه، وحي لا موت فيه وعالم لا جهل فيه، وصمد لا مدخل فيه ربنا نوريّ الذات حي الذات عالم الذات صمد الذات»([3]).

 

وما رواه في التوحيد، والبرقي في المحاسن باسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره نور لا ظلام فيه، وصادق لا كذب فيه، وعالم لا جهل فيه، وحي لا موت فيه، وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال ابداً»([4]).

 

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح وفي الاحتجاج إلاّ انّه معلق عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «انّه قال في صفة القديم انّه واحد أحد صمد احدي المعنى ليس بمعان كثيرة مختلفة قال: قلت: جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق انّه يسمع بغير الذي يبصر ويبصر بغير الذي يسمع قال: فقال: كذبوا وألحدوا وشبّهوا، تعالى اللّه عن ذلك([5])، بصير يسمع بما يبصره ويبصر بما يسمع، قال: قلت: يزعمون انّه بصير على ما يعقلونه قال: تعالى اللّه انما يعقل ما كان بصفة الخلوق([6]) وليس اللّه كذلك»([7]) .

 

وفي التوحيد باسناده عن هشام بن الحكم «قال في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبداللّه (عليه السلام) انّه قال له: أتقول انه سميع بصير فقال: أبو عبداللّه (عليه السلام): هو سميع بصير سميع بغير جارحة وبصير بغير اله، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي انّه يسمع بنفسه انّه شيء والنفس شيء اخر، ولكني اردت عبارة عن نفسي اذا كنت مسؤولاً وافهاماً لك اذا كنت سائلاً فأقول يسمع بكلّه لا ان كله له بعض، ولكني اردت افهامك والتعبير عن نفسي وليس مرجعي في ذلك إلاّ انّه السميع البصير العالم الخبير لا باختلاف الذات ولا باختلاف معنى»([8]).

 

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح عن هشام بن سالم قال: «دخلت على أبي عبداللّه (عليه السلام) فقال لي: ائنعت اللّه، قلت: نعم، قال: هات، فقلت: هو السميع البصير، قال: هذه صفة يشاركه فيها المخلوقون، قلت: وكيف ننعته، فقال: هو نور لا ظلمة فيه وحياة لا موت فيه وعلم([9])وحق لا باطل فيه فخرجت من عنده أنا أعلم الناس بالتوحيد»([10]).

 

وفي التوحيد ايضاً بسند صحيح عن أبي بصير ليث المرادي قال: سمعت ابا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «لم يزل اللّه عزوجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور فلما احدث الاشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور» قال: قلت: فلم يزل اللّه متكلماً قال: «ان الكلام صفة محدثة ليست بأزلية كان اللّه عزوجل ولا متكلم»([11]).

 

وفي أمالي شيخ الطائفة بهذا الاسناد عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبداللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: «لم يزل اللّه جل شأنه عالماً بذاته ولا معلوم ولم يزل قادراً بذاته ولا مقدور، قلت: جعلت فداك فلم يزل متكلماً، قال: الكلام محدث كان اللّه عزوجل وليس متكلم ثم احدث الكلام»([12]) .

 

والاخبار بهذا المعنى بالغة حد الاستفاضة لكن بازائها ما يدل على نفي الصفات والنعوت عنه تعالى، وقد تقدم بعض تلك الاخبار في المقدمة، وأمّا بقية الاخبار المشار اليها فاكثرها ما في خطب امير المؤمنين (عليه السلام) في التوحيد، وفي كلمات الرضا(عليه السلام) وفي كتاب الاحتجاج في خطبة له (عليه السلام): «اوّل عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصفات عنه جل ان تحلّه الصفات لشهادة العقول ان كل من حلته الصفات مصنوع وشهادة العقول انّه جل جلاله صانع ليس مصنوع»([13]) الخطبة.

 

وفي كتاب البشارة للطبري عن صالح بن كيسان ان امير المؤمنين (عليه السلام) قال في الحث على معرفة اللّه سبحانه والتوحيد له: «اوّ عبادة اللّه معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصفات عنه....» الى اخر الخطبة الاولى .

 

وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون»ثم ساق الخطبة الى ان قال «الذي ليس لصفته حدّ ولا محدود ولا نعت موجود». وقال فيها «وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة انها غير الموصوف شهادة كل موصوف انها غير الصفة، فمن وصف اللّه تعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه»([14]).

 

وفي التوحيد والعيون باسناده عن محمد بن يحيى بن عمر بن علي في حديث قد تقدم صدره في المقدمة قال: «ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه لشهادة العقول ان كل صفة موصوف مخلوق وشهادة كل موصوف([15]) ان له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الازل الممتنع من الحدث»([16]).

 

وفي التوحيد باسناده عنالحصين بن عبدالرحمن عن ابيه عن أبي عبداللّه الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهم السلام) انّ امير المؤمنين (عليه السلام) استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية فلما احشد الناس قام خطيباً فقال: «الحمد للّه الواحد الاحد الفرد الصمد» وساق الخطبة الى ان قال: «فليست له صفة تنال ولا حد يضرب له فيه الامثال كل دون صفاته تعبير اللغات، وضل هناك تصاريف الصفات»([17]) الحديث.

 

وفي التوحيد ايضاً باسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) «أسأله على التوحيد فكتب اليّ بخطّه وقرأته([18]): بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الملهم عباده الحمد» الى ان قال: «الممتنع من الصفات ذاته» وقال ايضاً: «وكمال التوحيد نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة الموصوف انّه غير الصفة، وشهادتهما جميعاً على انفسهما بالتثنية» وفي بعض النسخ «بالبينة»([19]).

 

وفي كتاب نهج البلاغة خطب كثيرة بهذا المعنى لا يأتي عليها الاملاء([20]).

 

وفي الاخبار ايضاً نفي صفاته بصفات المخلوقين دون الصفات اللائقة به وهي الصفات التي وصف بها نفسه فالاخبار كما ترى في غاية التعارض والاختلاف، بل الخطب المتضمنة لنفي التوصيف قد اشتملت على الاوصاف والنعوت في صدرها وعجزها وقد تخلل نفي الصفات فيما بينها، ومن هنا اضطرب علماء الفريقين في الجمع بينها، وفي ترجيح بعضها على بعض، وكل هذا الكلام والاختلاف عائد الى الصفات الذاتية المتصف بها في القدم لا في الصفات الحادثة الفعلية اذا لا كلام في ثبوتها وان كانت حادثاً فلا تتوقف عليها ثبوت الوحدانية ولا الالهة، وقد ذهب الاشاعرة إلاّ ما شذّ الى ان له تعالى صفات موجودة قديمة زائدة على ذاته وهي التي اشارت تلك الاخبار الى الردّ عليهم فيها حيث قالوا: انّه عالم يعلم قادر بقدرة مريد بارادة سميع بسمع بصير ببصر حي بحياة، وهكذا وخالفهم في ذلك الفلاسفة والشيعة سيما الامامية فعملوا باخبار نفيها وهي التي أشارت اليها الاخيار الاولة والاخيرة فقالوا: هو عالم بذاته وقادر بذاته، وكذا في سائر الصفات، واما المعتزلة فلهم تفصيل في الصفات، وفي كل مسألة مسألة سيأتي الكلام عليها هذا ما نقله صاحب المواقف أو شارحه([21]) والذي نقله اكثر علمائنا كابن ابي جمهور الاحسائي وشارحوا الباب الحادي عشر([22]) وشراح التجريد كالعلامة([23]) ومن ضاهاه فالحكماء على النفي مطلقاً، والمتكلمون قالوا: باثباتها، والاشعري منهم بانها معان زائدة على ذاته قائمة بها قديمة، والمعتزلي انها احوال على ذاته قائمة بها لا توصف لانها صفات والصفات لا توصف فلهذا قالوا: انها لا موجودة ولا معدومة ولا قديمة ولا حادثة، واكثر محققي المتكلمين انها ثابتة ذهناً لا خارجاً، واقوى هذه الاقوال ما ذهب اليه الفلاسفة والامامية لان تلك الاخبار قد نفت الصفات بذلك المعنى الذي اثبته الاشاعرة اعني نفي الصفات الزائدة وما دل من الاخبار على نفي الصفات مطلقاً فالمراد ذلك لاشتمالها على انها موصوف بصفات ذاتية تليق به فهو عالم لا بعلم وقادر لا بقدرة وسميع لا بسمع وبصير لا ببصر فهي لم تنف الصفات مطلقاً، بل نفت الصفات الزائدة مطلقاً باعتبار الذهن والخارج مستدلين (عليهم السلام) بأدلة قد اشتمل عليها كلامه منها انّه لو كان له صفات زائدة على ذاته لكان متكثراً، وذلك مناف لوجوب وجوده ووحدانيته فيصدق قياس، هكذا كل من له صفة زائدة على ذاته ذهناً او خارجاً متكثر والواجب ليس بمتكثر فينتج ان من له صفة زائدة على ذاته ليس بواجب.

 

أما الصغرى فلان ثبوت الزائد على الذات سواء كان ذلك الزائد مما يعتبره الذهن فقط بان يكون من المعقولات الاولى الذي ليس له في الخارج ما يطابقه أو يعتبر ثبوته خارجاً بان يكون من المعقولات الثانية بان يكون له ما يطابقه خارجاً مستلزم لتغاير الجهات الخارجية باعتبار ذلك الخارج، وتغاير تلك الاعتبارات الحاصلة وتعددها عند العقل، وكل ذلك مستلزم لتكثر الذات عند العقل وتعددها فلا تكون واحدة بالوحدة الحقيقية التي هي سلب الكثرة بجميع وجوهها، وذلك بيّن.

 

وأمّا الكبرى فقد تقدم دليله فان قيل ثبوت الزيادة في الذهن لا يستلزم التعدد والتكثر إلاّ عنده لا في نفس الامر، قلت: ان تصور العقل اذا لم يكن مطابقاً لما في نفس الامر كان جهلاً، وهو مستلزم لتصور الذات بغير ما يطابقها فلا تكون حاصلة على ما هي عليه، وما يجب لها في نفس الامر هذا خلف، وبهذا الدليل والتقرير تبطل المعاني والاحوال والصفات الزائدة وان كانت في الذهن على ما حققه اذ باعتبار ملاحظة الذات من حيث هي لا مجال للعقل في اثبات كثرة بوجه ما اذ اثباتها مناف لاثبات الوحدة الحقيقية عنده، وقد تسلط العقل بالادلة العقلية القطعية على نفي الكثرة بجميع جهاتها كما تقدم فكيف يلاحظ الوحدة عند ملاحظة تلك الصفات المتعددة مع الذات واليه اشارت تلك الاخبار لقوله فيها «وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه» الى قوله «وشهادة ان كل موصوف غير الصفة» والمغايرة كما تحصل مع اعتبارها خارجاً تحصل ايضاً مع اعتبارها ذهناً، وقد حقق ذلك المعنى المحقق الفيلسوف الشيخ ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة في خطبة المبدأ، وقد رواها في الاحتجاج ايضاً([24]) وقد ذكرناها فيما سبق والاخبار التي بمعناها وهي «اول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه» ثم بعده «فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله» .

 

قال (قدس سره) في حل هذه الفقرات بعد ان عرّف الدين هو الشريعة والطاعة المخصوصة. واعلم ان معرفة الصانع سبحانه على مراتب:

 

الاولى([25]): وأدناها ان يعرف العبد انّ للعالم صانعاً .

 

الثانية([26]): ان يصدق بوجوده .

 

الثالثة: ان يترقى بجذب العناية الالهية الى توحيده وتنزيهه عن الشركاء .

 

الرابعة: مرتبة الاخلاص له.

 

الخامسة: نفي الصفات التي تعتبرها الاذهان فيه وهي غاية العرفان ومنتهى قوة الانسان وكل مرتبة من المراتب الاربع الاولى منها مبدأ لما بعده من المراتب، وكل من المراتب([27]) الاخيرة كمال لما قبلها. ثم ان المرتبتين الاوليتين مركوزتان في الفطرة البشرية([28]) بل في ما اعمّ وهي الفطرة الحيوانية، ولذلك قال الانبياء (عليهم السلام) لم يدع الخلق الى تحصيل هذا القدر من المعرفة، وأيضاً فلو كان حصول هذا القدر من المعرفة متوقفاً على دعوة الانبياء وصدقهم مع ان صدقهم مبني على معرفة ان ههنا صانعاً للخلق ارسلهم للزم الدور وانما كانت اول مرتبة دعوا اليها من المعرفة هي توحيد الصانع ونفي الكثرة عنه المشتمل عليها اول كلمة انطق بها الداعي الى اللّه وهي قوله لا إله إلاّ اللّه فقال (صلى الله عليه وآله): «من قال لا إله إلاّ اللّه([29]) دخل الجنة» ثم لما استعدت اذهان الخلق بما نطقت به من التوحيد الظاهر نبههم على انّ فيها قوة اعداد لتوحيد اعلا وأخفى من الاول فقال «من قال لا إله إلاّ اللّه([30]) مخلصاً دخل الجنة» وذلك اشارة الى حذف كل قيد عن درجة الاعتبار مع الوحدة المطلقة ـ ثم ساق العبارة في بيان مراتب تلك المعرفة الى ان قال ـ : وأمّا المقدمة الرابعة وهي ان كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه فقد بيّن (عليه السلام) صدقها بقياس برهاني مطوي النتائج ايضاً كالمقدمات السابقة عليه استنج منه ان كل من وصف اللّه تعالى فقد جهله، وذلك لقوله (عليه السلام)«لشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة كل موصوف انّه غير الصفة» الى قوله «فمن جزأه فقد جهله» وبيان صحة هذه المقدمات أمّا قوله(عليه السلام) «لشهادة كل صفة غير الموصوف» وبالعكس فهو توطينه للاستدلال لبيان المغايرة بين الصفة والموصوف والمراد بالشهادة هنا شهادة الحال فان شهادة الصفة يشهد باحتياجها الى الموصوف وعدم قيامها بدونه وحال الموصوف يحكمها([31]) بالاستغناء عن الصفة والقيام بالذات بدونها فلا تكون الصفة نفس الموصوف، وأما قوله «فمن وصف اللّه تعالى فقد قرنه» فهو ظاهر فانه لما قرر كون الصفة مغايرة للموصوف لزم ان يكون ملازماً للذات غير منفكة عنها فلزمه بوصفه بها ان يكون مقارنة له وان كانت تلك المقارنة على وجه لا تستدعي زماناً ولا مكاناً وامّا قوله «ومن قرنه فقد ثناه» فلان من قرنه بشيء من الصفات فقد اعتبر في مفهومه امرين احدهما الذات والاخر الصفة فكان واجب الوجود عبارة عن شئين أو اشياء فكانت فيه كثرة، وحينئذ ينتج هذا التركيب ان من وصف اللّه سبحانه فقد ثناه، وأمّا قوله: «فمن ثناه فقد جزأه» فظاهر انّه اذا كانت الذات عبارة عن مجموع امور كانت تلك الامور اجزاء لتلك الكثرة من حيث انها تلك الكثرة وهي مبادى لها، فضم هذه المقدمة الى نتيجة التركيب الاول ينتج انّ من وصف اللّه سبحانه فقد جزأه، وأما قوله «ومن جزأه فقد جهله» فلان كل ذي جزء فهو مفتقر الى جزئه وجزؤه غيره فكل ذي جزء فهو مفتقر الى غيره والمفتقر الى الغير ممكن فالمتصور له جزء متصور في الحقيقة لامر هو ممكن الوجود لا واجب الوجود بذاته فيكون اذاً جاهلاً به، وضم هذه المقدمة الى نتيجة ما قبلها ينتج ان من وصف اللّه سبحانه فقد جهله، وحينئذ يتبين المطلوب وهو انّ كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه اذ الاخلاص له والجهل به مما لا يجتمعان وإذا كان الاخلاص له منافياً للجهل به الذي هو لازم لاثبات الصفات له لان معاندة اللازم يستلزم معاندة الملزوم، واذا بطل ان يكون الاخلاص له في ترك الصفة له ثبت نفي الصفة عنه، وعند هذه يظهر المطلوب الاول، وهو ان كمال معرفة نفي الصفات عنه وذلك هو التوحيد المطلق والاخلاص المحقق الذي هو نهاية العرفان وغاية سعي كل عارف من كل حركة حسية وعقلية، وما يكون في نفس الامر من غير تعقل نقص كل ما عداه عنه معه فهو الوحدة المطلقة المبرءة من كل لاحق، وهذا مقام انحسرت عنه نوافد الابصار، وحارت في تحقيقه صوارم الافكار واكثر الناس فيه الاقوال فانتهت بهم الحال الى اثبات المعاني وارتكاب الاحوال فلزمهم في ذلك الضلال ما لزمهم من المحال.

 

ثم قال فان قلت هذا اشكل من وجهين:

 

احدهما: ان الكتب الالهية والسنن النبوية مشحونة بوصفه بالاوصاف المشهورة كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وغيرها وعلى ما قلتم يلزم ان لا يوصف اللّه تعالى بشيء منها .

 

الثاني: انّه (عليه السلام) صرح باثبات الصفة بقوله في هذه الخطبة وغيرها ليس لصفته حد محدود ولو كان مقصوده بنفي الصفات ما ذكرتم لزم التناقض في كلامه (عليه السلام) فالاولى اذاً ان نخص قوله نفي الصفات عنه نفي المعاني كما ذهب اليه الاشعري ونفي الاحوال كما ذهب اليه المثبتون من المعتزلة وبعض الاشاعرة لتبقى الصفات المشهورة الجارية عليه تعالى ولاثباته (عليه السلام) الصفة للّه في موضع اخر محمل أو يختص بنفي صفات المخلوقين كما اشار اليه(عليه السلام) في الخطبة بقوله «لا تجرون عليه صفات المصنوعين» وكما ذكره الشيخ المفيد في كتاب الارشاد عنه (عليه السلام) «جلّ ان تحله الصفات لشهادة العقول ان كل من حلته الصفات مصنوع» ـ ثم أجاب بانه قد تقرر في مباحث القدم ـ بيان ان كل ما يوصف به تعالى من الصفات الحقيقة والاضافية اعتبارات تحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته سبحانه الى غيرها، ولا يلزم من ذلك تركيب في ذاته ولا كثرة فيكون وصفه تعالى بها امراً معلوماً من الدين ليعم التوحيد والتنزيل كل طبقة من الناس، ولما كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الاخلاص من الذي ذكره (عليه السلام) اقصى ما تنتهي اليه القوى البشرية عنه غرقها في انوار كبرياء اللّه تعالى وهو ان يعتبره فقط من غير ملاحظة شيء اخر، وكان اثباته(عليه السلام) للصفة في موضع اخر ووصفه في الكتاب العزيز والسنن النبوية اشارة الى الاعتبارات التي ذكرناها اليك لمن هو دون درجة الاخلاص لانه لا يمكن ان يعرف اللّه تعالى بدونها الى هنا كلام(قدس سره)([32]).

 

ولمتأخري المتأخرين من علماء المحققين في توجيه استدلاله (عليه السلام) على نفي زيادة الصفات وتقريره طرق ووجوه:

 

منها: ان يكون اشارة الى دليلين:

 

الاول: ان كل صفة وموصوف لابد من ان يكونا مخلوقين اذ الصفة محتاجة الى الموصوف لقيامها به وهو ظاهر، والموصوف محتاج الى الصفة في كماله والصفة غيره، وكل محتاج الى الغير ممكن فلا يكون شيء منهما واجباً، ولا المركب منهما،فثبت احتياجهما الى علة ثالثة ليس بوصوف ولا صفة وإلا لعاد المحذور .

 

الثاني: ان الصانع لابد ان يكون كاملاً اولاً وأبداً لشهادة جميع العقول به فلابد من ان تكون الصفات الزائدة مقارنة له غير منفكة عنه ولا يجوز قدم الجميع لبطلان تعدد القدما فيلزم حدوث الذات والصفات معاً فلا يكون شيء منها واجباً، فالمراد بقوله «شهادة كل صفة وموصوف» شهادة كل موصوف فرض كونه صانعاً وصفته او الصفات اللازمة للذوات .

 

ومنها: ان يكون اشارة الى دليلين على وجه اخر، الاول انّه لو كانت له تعالى صفات زائدة لكانت ممكنة لامتناع تعدد الواجب، ولا يجوز ان يكون الواجب موجداً لها امّا لامتناع كون الشيء قابلاً وفاعلاً لشيء واحد او لانّ تأثير الواجب فيها يتوقف على اتصافه بها اذ لو لم يتوقف التاثير في تلك الصفات التي هي منشأ صدور جميع الممكنات عليها لم يتوقف تأثير في شيء عليها فلا يثبت له تعالى شيء من الصفات فتكون معلولة لغيره تعالى من كانت جميع صفاته الكمالية من غيره لا يكون واجباً صانعاً لجميع الموجودات بالضرورة.

 

الثاني: انّ التوصيف اقتران خاص يوجب الاحتياج من الجانبين كما مر والاحتياج موجب للحدوث والمنافي للازلية.

 

ومنها: ان يكون راجعاً الى دليل واحد، وتقريره وانّه لو كانت الصفات زائدة لكانت الذات والصفات مخلوقة، وهذا خلف بيّن بالملازمة لقوله «وشهادة كل صفة وموصوف» بالاقتران نحو ما مرّ من الاحتياج المستلزم للامكان قوله (عليه السلام) «فليس اللّه من عرف بالتشبيه ذاته» اي ليس من عرف ذاته بالتشبيه واجباً لانه يكون ممكناً مثلها وقد استدلت الحكماء على ما قالوا من ثبوت الصفات وانها عين ذاته ليست بزائدة بما ذكرناه في تقرير هذا الدليل وهو لو كان له صفة زائدة على ذاته لكان هو فاعلاً لتلك الصفة لاستناد جميع الممكنات اليه وقابلاً لها ايضاً لقيامها بذاته، وقد ثبت بطلانه وما أجابت به الاشاعرة متكلف لا ينطبق إلاّ على مذهبهم كما حققه الامام الرازي من فضلائهم، وقد احتجت المعتزلة والشيعة بوجوه ثلاثة وفي تلك الاخبار التي ذكرناها تصريح ببعضها واشارة الى البعض الاخر:

 

الاول: ما ثبت من انّ تعدد القدماء المستلزم له تعدد الصفات كفر وبه كفرت النصارى، وقد اعترف بذلك الامام الرازي حيث قال: ولقد كفرت النصارى باثبات ثلاثة قدماء واصحابنا قد اثبتوا تسعة وسبعة، وأما ما أجاب به الاشاعرة من ان الكفر اثبات ذوات قديمة لا اثبات ذات واحدة وصفات قديمة فتكلف وتحكم اذ الوحدانية تقتضي نفي الشريك مطلقاً كما مرّ.

 

الثاني: عالميته وقادريته واجبة فلا يحتاج الى الغير وأمّا الجواب هو ذلك بانّ العالمية ليست امراً وراء قيام العلم به فيحكم عليها بانها واجبة، وحاصله ان العلم صفة قائمة بذاته تعالى، وليس هناك صفة اخرى تسمى عالمية حتى يصح الحكم عليها بانها واجبة فلا تكون محتاجة معللة بالعلم ولئن سلم ثبوت العالمية فالمراد بوجوبها امكان امتناع خلو الذات عنها فذلك لا يمنع اسنادها الى صفة اخرى واجبة فانه نفس المتنازع فيه بيننا، وان اردتم ان العالمية واجبة لذاها، فبطلانه ظاهر فان الصفة في حد ذاتها محتاجة الى موصوفها فيمتنع اتصافها بالوجوب الذاتي فضعيف جداً، بل هو في الحقيقة يعود الى المصادرة، وبناء الاستدلال على ما قرروه دون ما قرره الخصم، وهذا لا يجدي نفعاً في الاستدلال .

 

الثالث: صفته كمال فيلزم على تقدير قيام صفة زائدة به ان يكون هو ناقصاً لذاته ومستكملاً بغيره الذي هو تلك الصفة، وهو باطل اتفاقاً، وقد أجابوا ايضاً عن هذا بما يرجع الى المصادرة عن المطلوب، والاستدلال بعين الدعوى، والدليل الاول والاخير مصرح بهما في تلك الاخبار كما سمعت والاوسط مشار اليه، وامّا ادلة الاشاعرة فهي ثلاثة:

 

الاول: ما اعتمد عليه القدماء منهم وهو قياس الغائب على الشاهد فان العلة والحد والشرط لا يختلف غائباً وشاهداً ولا شك ان علة كون الشيء عالماً في الشاهد هي العلم فكذا في الغائب وحدّ الغائب ههنا من قام به العلم، وكذا حده هناك وشرط صدق المشتق على واحد فقط بثوت اصله له فكذا شرطه فيمن غاب عنا وقس على ذلك سائر الصفات، وهو ضعيف جداً، وقد اعترف بضعفه صاحب المواقف وشارحه([33]) وقرر به هنا([34]) على ضعفه، وكيف يصح ذلك والخصم كما وقع في كلام الامدي قابل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات شاهداً وغايباً فان القدرة من الشاهد لا يتصور فيه الايجاد بخلافها في الغائب والارادة فيه لا تخصص بخلاف ارادة الغائب، وكذا الحال في باقي الصفات فاذا لم يجد في احدهما لم يوجد في الاخر ولا يصح القياس، وقد يمنع ثبوتها اي ثبوت العلم والقدرة والارادة ونظائرها من الشاهد فيه بيقين وهو العالمية والقادرية والمريدية لا ما هي مشتقة منها فيضمحل القياس بالكلية.

 

الثاني: لو كان مفهوم كونه عالماً حياً قادراً نفس ذاته لم يقبل حملها على ذاته وكان قولنا على طريقة الاخبار اللّه العالم والقادر والحي وسائر الصفات بمثابة حمل الشيء على نفسه واللازم باطل لانّ حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا ذاته ذاته، واذا بطل كونها نفساً ولا مجال للجزئية قطعاً تعينت الزيادة على الذات، ونقص عليهم بان هذا لا يفيد إلاّ زيادة هذا المفهوم اعني مفهوم العالم والقادر ونظائرها على مفهوم الذات ولا نزاع في ذلك، وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا يفيده هذا الدليل، نعم لو تصورا اي مفهوم الذات والوصف معاً بحقيقهما وامكن حمل احدهما اي الوصف على الذات دون حمل الاخر اي الذات عليها حصل المطلوب، وهو زيادة الوصف على الذات ولكن انى ذلك التصور الواصل الى كنه حقيقهما.

 

الثالث: لو كان العلم نفس الذات والقدرة ايضاً نفس الذات كما زعموه لكان العلم نفس القدرة فكان المفهوم من العلم والقدرة امراً واحداً وانّه ضروري البطلان، وكذا في باقي الصفات التي ادعى انّها عين الذات، وهذا الوجه من النمط الجاري في الدليلين الاولين والايراد هو الايراد لانه يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات لا على تغاير حقيقتهما ومغايرتهما لها والمتنازع فيه هو الثاني دون الاول، فمنشأ هذين الوجهين عدم الفرق بين مفهوم الشيء وحقيقته فاستبان بذلك ضعف الادلة الثلاثة بغير التباس وتبين انهدامها من الاساس. نعم يبقى الكلام في توجيه عينية الصفات وكونها نفس الذات كما تضمنتها تلك الروايات حيث انها لاتفي بمعنى ذلك الاتحاد والعينية التي هي المراد، ومن هنا قال المحقق المجلسي في بحاره افاض اللّه عليه شآبيب رحمته وأسراره في بيان تلك الاخبار التي ذكرناها حيث انها مختلفة العبارة لرجوع بعضها الى العينية الايجابية وبعضها الى السلب المتعلق بضدها حتى اخذ به كثير من المحدثين كالكليني، وظاهر الصدوق في التوحيد لما سمعت من ان اكثرها في بيان تلك الصفات انّه علم لا جهل وحياة لا موت.([35]) وهكذا فقال (قدس سره) اعلم ان اكثر اخبار هذا الباب تدل على نفي زيادة الصفات اي على نفي صفات موجودة زائدة على ذاته تعالى، وأما كونها غير ذاتية بمعنى انها تصدق عليها او انها قائمة مقام الصفات الحاصلة في غيره تعالى او أنها امور اعتبارية غير موجودة في الخارج موجبة الثبوت لذاته تعالى فلا نص فيها على شيء وان كان الظاهر من بعضها احد المعنيين الاولين، ثم قال ولتحقيق الكلام في ذلك مقام اخر ونقل عن الصدوق في التوحيد ايضاً بانه قال اذا وصفنا اللّه تبارك وتعالى بصفات الذات فانما ننفي عنه صفة ضدها فمتى قلنا لك انّه حي نفينا عنه ضد الحياة وهو الموت، ومتى قلنا عليم نفينا عنه ضد العلم وهو اجهل، ومتى قلنا سميع نفينا ضد السميع وهو المصم، ومتى قلنا بصير نفينا عنه ضد البصر وهو العمى، ومتى قلنا عزيز نفينا عنه ضد العزة وهو الذلة، ومتى قلنا حكيم نفينا عنه ضد الحكمة وهو الخطأ، ومتى قلنا غني نفينا عنه ضد الغنى وهو الفقر، ومتى قلنا انّه عدل نفينا عنه الظلم والجور، ومتى قلنا انّه حليم نفينا عنه العجلة، ومتى قلنا قادر نفينا عنه العجز ولو لم نفعل ذلك اثبتنا اشياء لم تزل معه، ومتى قلنا لم يزل حباً سميعاً بصيراً عزيزاً حكيماً غنياً ملكاً فلما جعلنا مع كل صفة من هذه الصفات التي هي صفات ذاته نفي ضدها اثبتنا انّ اللّه لم يزل واحداً لا شيء معه وليست الارادة والمشية والرضا والغضب وما يشبه ذلك من صفات الافعال بمثابة صفات الذات فانه لا يجوز ان يقال:لم يزل اللّه مريداً شائياً، كما يجوز ان يقال: لم يزل اللّه قادراً عالماً([36]).

 

وحاصل كلامه انّ كلما يكون اتصاف ذاته تعالى به بنفي ضده عنه مطلقاً وهي من صفات الذات، ويمكن ان يكون عين ذاته، ولا يلزم من قدمها تعدد في ذاته ولا في صفاته، واما الصفات التي قد يتصف بها بالنسبة الى شيء وقد يتصف بنقيضها بالنسبة الى شيء اخر فلا يمكن ان يكون النقيضان عين ذاته فلابد من زيادتها فلا يكون من صفات الذات، وايضاً يلزم من كونها من صفات الذات قدمها مع زيادتها فليلزم تعدد القدماء، وأيضاً لو كانت من صفات الذات يلزم زوالها عند طروّ نقيضها فيلزم التغير في الصفات الذاتية، وقد أشار ثقة الاسلام في الكافي([37]) الى هذا الوجه الاخير بعدما ذكر في وجه الفرق ما تقدم ذكره، وقد قال الصدوق (رحمه الله) في التوحيد في موضع آخر منه ما حاصله: الدليل على انّ اللّه عزوجل عالم قادر حي لنفسه لا بعلم وقدرة وحياة هي غيره انّه لو كان عالماً بعلم لم يخل علمه من احد أمرين: اما ان يكون قديماً او حادثاً فان كان حادثاً فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم، وهذا من صفات النقص، وكل منقوص محدث بما قدمناه، وان قديماً وجب ان يكون غير اللّه عزوجل قديماً، وهذا كفر بالاجماع، وكذلك القول في القادر وقدرته والحي وحياته، والدليل على انّه عزوجل لم يزل قادراً عالماً حياً انّه قد ثبت انّه عالم قادر وحي بنفسه وصح بالدلائل انّه عزوجل قديم واذا كان كذلك كان عالماً لم يزل اذ نفسه التي لها علم لم تزل، ونفس هذا يدل على انّه قادر حي لم يزل الى هنا كلامه([38])وهو عين ما قلناه من ثبوت الصفات الذاتية على الوجه الايجابي ولا يحتاج معه الى اعتبار المعنى السلبي كما في الكلام الاول.

 

والتحقيق في معنى الذاتية في الصفات ما حققه الامام الرازي، وتبعه عليه جلة من علمائنا من متأخري المتأخرين، واختاره الشريف في شرح المواقف ايضاً حيث قال: فان قلت: كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته مع ان كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه، وهل هذا إلاكلام مختل لا يمكن ان يصدق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها فلا حاجة لنا الى الاستدلال الى بطلانه .

 

قلت: ليس معنى ما ذكروا ان هناك ذاتاً ولها صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته بل معناه انّ ذاته تعالى يترتب عليه ما يترتب على ذات وصفه معا مثلا ذاتك ليست كافية في انكشاف الاشياء عليك، بل تحتاج في ذلك الى صفة العلم التي تقوم بك خلاف ذاته تعالى فانه لا يحتاج الى انكشاف الاشياء وظهورها عليه الى صفة تقوم به بل المفهومات باسرها منكشفة عليه لاجل ذاته فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم وكذا الحال في القدرة فان ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا فهو بهذا الاعتبار حقيقة القدرة، وعلى هذا تكون الذات والصفة([39]) متحدة في الحقيقة مغايرة بالاعتبار والمفهوم ومرجعه اذا حقق الى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها([40]).

 

وبهذا التقرير تنحل ربق جميع الاشكالات والافات الواردة على عينية الصفات وقد أشارت تلك الاخبار اليه، بل قد صرحت في بعض كلماتها، وكل ذلك ناش للرد على مذهب الاشعري ومن تبناها([41]) في المقالة، وكذلك مثبتو الاحوال والمعاني التي هي غير الصفات، وسيجيء مزيد تحقيق لهذا البحث في مطاوي ابحاث الصفات على التفصيل واللّه الهادي الى سواء السبيل .

 

([1]) التوحيد: باب11، ح3، ص139، وفيها «عليماً» بدل «عالماً».

 ([2]) التوحيد: باب11، ح8، ص143 .

 ([3]) التوحيد: باب11، ح4، ص140، فيها «واسماؤها» بدل «وأسماءه».

 ([4]) التوحيد: باب11، ح5، ص140، وفيها «حياً» بدل «حي».

 ([5]) في المصدر: «انه سميع».

 ([6]) في المصدر: «المخلوق».

 ([7]) التوحيد: باب11، ح9، ص144. وفي الاحتجاج: ج2، ص196 وص167 .

 ([8]) التوحيد: باب11، ح10، ص144. مع اختلاف قليل.

 ([9]) في المصدر: «وعلم لا جهل فيه».

 ([10]) التوحيد: باب11، ح14، ص146 .

 ([11]) التوحيد: باب11، ح1، ص139 .

 ([12]) البحار: ج4، ص68 .

 ([13]) الاحتجاج: ج1، ح114، ص475 ، مع اختلاف قليل.

 ([14]) الاحتجاج: ج1، ح113، ص473، مع اختلاف قليل ايضاً.

 ([15]) في المصدر: «مخلوق».

 ([16]) التوحيد: باب2، ح2، ص34 .

 ([17]) التوحيد: باب 2، ح3، ص31 .

 ([18]) في المصدر: «اسأله عن شيء من التوحيد فكتب اليّ بخطه قال جعفر: وان فتحاً اخرج اليّ الكتاب فقرأته بخط ابي الحسن (عليه السلام) بسم.....».

 ([19]) التوحيد: باب2، ح14، ص56 .

 ([20]) الدليل الموضوعي لنهج البلاغة: ص85 .

 ([21]) شرح المواقف: ج8، ص19 .

 ([22]) الباب الحادي عشر: ص18 وص129، ط. مؤسسه مطالعات اسلامي.

 ([23]) توضيح المراد: ص418 .

 ([24]) الاحتجاج: ج1، ص296 .

 ([25]) في الاصل: الاول.

 ([26]) في الاصل: الثاني.

([27]) في المصدر: «من الاربع».

([28]) في المصدر: «الانسانية».

([29]) في المصدر: «خالصاً مخلصاً».

([30]) في المصدر: «خالصاً».

([31]) في المصدر: «يحكم».

([32]) شرح نهج البلاغة: ج1، ص119 ـ 124، مع اختلاف كثير.

([33]) شرح المواقف: ج8، ص45 .

([34]) في الاصل «هانا» .

([35]) البحار: ج4، ص62 .

([36]) البحار: ج4، ص62 .

([37]) الكافي: ج1، ص111 .

([38]) التوحيد: ص223، فيه اختلاف كثير.

([39]) في المصدر: «والصفات».

([40]) شرح المواقف: ج8، ص47 .

([41]) في الاصل: «بناهاه».




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2494833

 • التاريخ : 18/09/2019 - 01:46