الفصل الثاني:في بيان صفة الوجود وأنها عين ذاته 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

 

 الفصل الثاني

 

في بيان صفة الوجود وأنها عين ذاته

                     

وإنّمالم نكتف بما تقدم من ثبوت واجب الوجود لانه غير كاشف عن حقيقة وجوده ولما وقع فيها من الكلام والختلاف وايقاع الشبه في ذلك، وإلا فوجوده ضروري كما اقتضته تلك البراهين المتقدمة، والذي يليق بذاته تعالى انّه ليس الوجود والوجوب فيه تعالى زائدين على الماهية، والا لزم الافتقار اليهما بمعنى ان يكون له ماهية ووجود ولوجوده وجوب كما يتوهم في الممكن حيث ان وجوده من غيره، وكذلك وجوبه، بل ماهيته تعالى هي نفس الوجود المجرد الذي لا يكون عارضاً للماهيات، والحكماء يعبرون عن هذا المعنى انّ ماهيته نفس انيته والذي ذكره الشيخ ابو علي في غير مؤلف من مؤلّفاته في تقرير ذلك هو ان وجوده لو كان زائداً على ماهيته لزم ان يكون محتاجاً الى تلك الماهية والمحتاج الى شيء يكون لا محالة ممكناً لذاته فيكون وجود الواجب ممكناً محتاجاً الى علّة، وتلك العلّة المؤثرة في ذلك الوجود، اما ان يكون نفس تلك الماهية او غيرها، فان كان الاول لزم ان يكون الماهية متقدمة على وجود نفسها بالوجود فيكون الماهية ما قبل الوجود موجودة فالوجود المتقدم، اما ان يكون نفس الوجود الذي ما فرضناه زائدً على ماهية الواجب أو غيره فان كان نفسه لزم ان يكون الشيء متقدماً على نفسه، وذلك محال، وان كان غيره فيعود الكلام اليه غير واقف عند بعضها، والا لزم تقدم الشيء على نفسه فيلزم ان يكون للشيء وجودات مترتبة غير متناهية موجودة معا، وذلك محال، ولا ينتقض هذا بالماهية الممكنة القابلة للوجود فانها وان كان لها وجود فهي غير متقدمة الى ذلك على ذلك الوجود بالوجود لكونها غير مؤثرة فيه فأما العلة المؤثرة في الوجود فيجب تقدمها على الوجود بالوجود. فعلم من هذا ان الماهية لا يجوز ان تكون علّة لوجود نفسها وان كان يجوز ان تكون علّة لبعض صفاتها وعوارضها فانّ ماهية المثلث علّة لزواياه الثلاث كما تقرر في محله، وامّا اذا كانت العلّة المؤثرة في ذلك الوجود غير تلك الماهية لزم ان يكون الواجب لذاته محتاجا في وجوده الى الغير فلا يكون الواجب لذاته واجباً، هذا خلف. ثم الوجود اذا كان زائداً على الماهية يكون صفة لتلك الماهية عرضياً لها فلا يكون ذلك الوجود واجباً اذ قد ثبت ان كل عرضي ممكن، وقد تبين ايضاً انما وجوده زائد على ماهيته مغاير لها ممكن، وقد اورد الشيخ ابو علي على قولهم لو كان وجود الواجب زائداً على ماهيته وكانت العلّة ماهية للوجود لزم تقدم الماهية على الوجود بالوجود، وذلك محال بوجهين:

 

الاول: ان وجود الممكنات زائد على ماهياتها عندهم فيكون وجودها محمولاً عليها عرضيا لها، وكل عرض لابد ان يتأخر وجوده عن وجود الماهية فيكون للوجود في الاعيان هوية مغايرة لهوية الماهية حالة فيها وهوية الحال الذي هو الوجود محتاج الى هوية المحل الذي هو الماهية فيجب تقدم الماهية بالوجود على الوجود فيكون للماهية وجود غير الوجود الذي كان حالاً فيها، ويلزم من ذلك ان يكون الماهية موجودة قبل وجودها، وذلك محال فلا فرق في لزوم هذا الحال بين وجود الواجب ووجود الممكن .

 

الثاني: قد ثبت في مباحث الاعتبارات الذهنية ان الوجود لا يزيد على الماهيات في الاعيان، وانما يزيد عليها في الاذهان فقط، واذا كان كذلك فلا يكون للوجود هوية في الاعيان تغاير الماهية العينة في الخارج فلا تحتاج الى علّة مؤثرة فيه فلا يكون الوجود في الماهيات الممكنة متقدماً عليها في الاعيان. والحق انّ الذي من العلّة الفاعلية انما هو نفس الماهيات لا وجوداتها العينية على ما يقولون فبطلت الحجتان المذكورتان في وجود الواجب ووجود الممكن اذا كان الوجود امراً اعتبارياً فالوجود لا يزيد في الاعيان على ماهيات الممكنات وان جاز ان يكون زائداً عليها في الاذهان، وأما الوجود الواجبي، فقد تبين انّه لا يجوز ان يزيد على ماهيته في الاعيان، وأما في الاذهان فان الشيخ استخرج طريقة حسنة لطيفة في ان الوجود الواجبي لا يجوز ان يفصله الذهن الى ماهيته ووجود، ويجوز ذلك في الماهية الممكنة فللعقل ان يفصلها الى ماهية ووجود عام اعتباري بحسب اعتبار العقل لها،وأمّا الواجب لذاته فلا يمكن اعتبار ذلك فيه فماهيته في العقل ليس إلاّالوجود الخاص المشخص.

 

وبرهان ذلك على الوجه الاجمالي ان الواجب لذاته لو جاز ان ينقسم في الذهن الى ماهيته ووجود لوجب ان يكون له ماهية كلية، والماهية الكلية على ما عرفت لا تمتنع لذاتها ان يكون لها جزئيات كثيرة غير متناهية فان جاز يمتنع تكثرها بسبب من خارج فتلك الجزئيات الغير المتناهية لا يجب وجود شيء منها لنفس الماهية الكلية لان نسبة جميع الجزئيات اليها نسبة واحدة على السواء فلو وجب وجود شيء منها دون ماعداه لكان ذلك ترجيحاً من غير مرجح، وذلك محال، واذا لم يجب وجود شيء من جزئيات ماهية الواجب لذاتها لنفس الماهية يلزم ان لا يكون الواجب لذاته واجباً لنفس ماهيته، وذلك محال.

 

وأما تقرير البرهان على الوجه التفصيلي فهو ان يقال: الذي فصل الذهن وجوده عن ماهيته لا يخلو ذلك الماهية، امّا ان يكون ممتنعة او ممكنة أو واجبة فان كانت ممتنعة الوجود لذاتها يمتنع وجود شيء من جزئياتها، وان فرض وجود بعضها فلا يمتنع وجود الباقي مما لا يقع في الجزئيات المعقولة لذلك الكلي لنفس ماهيته وإلا لما امكن وجود ذلك البعض المساوي لها في تمام الماهية فاذا امتنع بعض الجزئيات لماهية وجب امتناع الباقي منها، وحينئذ لا يمكن وجود شيء من تلك الجزئيات والمفروض وقوع شيء منها فاذا لم تمتنع تلك الجزئيات على تقرير وقوع بعضها وجب ان يكون كل واحد من تلك الجزئيات، والمفروض وقوع شيء منها فاذا لم تمتنع تلك الجزئيات على تقرير وقوع بعضها، وجب ان يكون كل واحد من([1])الجزئيات([2]) الغير المتمكنة المتناهية التي لم تقع ممكنة بحسب ماهيتها فاذا كان الواقع من جزئيات ذلك الكلي واجب الوجودي، وكان له ماهية مغايرة للوجود فيمكننا ان نأخذ تلك الماهية كلية، وحينئذ يمكن ان يوجد لها جزئي اخر لذاتها فانه لو لم يكن وجود ذلك الجزئي لكان اما ممتنعاً أو واجباً لا جائزان يكون وجوده ممتنعاً وإلا لما امكن وجود شيء من تلك الجزئيات المشاركة في تمام الماهية فلا يمكن وجود الجزئي الواجب لذاته، وقد فرضناه واقعاً، هذا خلف فوجود ذلك الجزئي غير ممتنع ولا جائز ان يكون وجود ذلك الجزئي واجباً بحسب الماهية فان جزئيات الماهية الكلية الغير الواقعة يكون ممكنة بحسب ذاتها وإلا لكانت اما واجبة او ممتنعة لا جائز ان يكون واجب لذاتها وإلا لوجب وقوعها بالكلية ولا جائز ان يكون ممتنعة لذاتها وإلا لما وقع ما شاركها في تمام الماهية فعلم انّ كل كلي بعض جزئياته ممكنا يكون باقي الافراد ايضاً ممكنة فلزم ان يصير الواجب لذاته ممكناً لذاته، وذلك محال. فقد صح من هذا ان الواجب لذته يستحيل ان تكون له ماهية وراء الوجود فلا يمكن ان يفصلها الذهن الى ماهية ووجود فواجب الوجود هو الوجود المحض المجرد الغير المضاف الى ماهية .

 

والتحقيق: في هذا المقام مما لا يلحقه نقض ولا ابرام ان هذه المناقشات والدعاوي والرد والالزام كلها مبنية على ان يكون الوجود مشتركا اشتراكاً معنوياً مشككاً بحيث يكون صادقاً على وجود اللّه الخاص صدق العارض على معروضاته وان مطلق الوجود من المعقولات العارضة لسائر الماهيات، وحينئذ يكون هناك بالنسبة الى وجود الحق حصة عقلية صادقة على وجود الخاص، ولا يخفى على عاقل ما في ذلك من البشاعات الغير اللائقة بجناب الحق القدسي، بل الحق الارتقاء عن هذا المقام، بان يقال: كل مفهوم مغاير للوجود فهو يحتاج في تحققه الى الوجود وكل ما هو ليس بوجود فهو محتاج الى الوجود، وأمّا نفس مفهوم الوجود فلا يحتاج في تحققه الى الوجود لانه عين التحقق فلا يحتاج الى تحقق به يتحقق فهو لا يكون ممكناً لعدم احتياجه الى غيره في تحققه ولا نعني بالواجب إلاّهذا المعنى فكلما هو مغاير للوجود فهو ممكن ولا شيء من الممكن بواجب فلا شيء من المفهومات المغايرة للوجود بواجب، وقد ثبت بالادلة السابقة ان الواجب موجود فهو عين الوجود الموجود بذاته لا لامر مغاير لذاته فهو في حد ذاته فرد واحد ليس فيه امكان ولا تعدد ولا انقسام قائم بذاته منزه عن كونه عارضاً لغيره معرّىً عن التقييد بغيره، وعلى هذا فلا يتصور عروضه لشيء من الماهيات، بل يفيض على الماهيات وجودات خاصة ومغايرة له لوجوب مغايرة ذاته لجميع الاشياء فلا اشتراك في الوجود إلاّفي اللفظ بحسب اللغة فلا عبرة اذاً بما ارتكبه غير واحد من المحققين من اقامة الحجج والبراهين الواهية على الاشتراك المعنوي المؤدى الى الشبه والتشكيكات التي اوردوها عليهم حتى ان الشيخ ابن سينا في كتاب المقامات عدل عمّا هو المشهور بينهم حيث حكم على انّ الوجود في حدّ ذاته امر اعتباري فلا يمكن ان يقال: ان واجب الوجود هو نفس الوجود فانه امر اعتباري، وكيف يتصور ان يكون ذات الذوات واصل الوجود امراً اعتبارياً ـ ثم قال ـ مرادنا بالوجود هو الوجود عند نفسه وهو الحي فانّ غير الحي لا يمكن ان يوجد عنده شيء لا نفسه ولا غيره ولولا الحي ما تحقق نفس الوجود نفسه ومفهوم الحيات غير مفهوم الوجود الذي هو اعتباري، فيجب ان يكون جوهر المدرك هو الحياة لا غير فانما وراء الحي ممكن ان يغفل عنه مع ادراك الاينية فامتنع من هذه الجهة ان يكون الوجود ماهية عينية ولو كان الواجب لذاته هو نفس الوجود فنحن نفهم ما عين ماهية الوجود ونشك انّه هل له وجود في الاعيان ام لا؟ فيلزم ان يكون له وجود زائد، وكذلك للوجود وجود الى غير النهاية، وذلك محال، ثم اورد على نفسه سؤالاً وهو ان الواجب لذاته اذا كان له مفهوم عين الوجود يكون تحت مقولة الجوهر ويلزم ان يكون له جزئيات وتقتضي امكانه على ما عرفت، ثم اجاب لان الجوهرية معناها كمالية قوام الماهية وهي اعتبارية ايضاً والشركة في الامور الاعتبارية لا تخل بمفهوم الوحدة فان الشركة في أمثال هذه الامور ضرورية ولما كان سلب الجمادية لازماً للحيوانية لا نفس مفهومها فكذلك يكون سلب المادة لازماً للحي المدرك لذاته لا نفس مفهومه فالحي المدرك هو الظاهر لنفسه وهي النورية المجردة المقدسة ثم يلزمها سلب القيام بالغير بخلاف نورية الاجسام فانها غير ظاهرة لنفسها، بل لغيرها وأمثال ذلك من التدقيقات التي اوردها غير كثيرة وبما قررناه يندفع ذلك كله فتأمّل المقام فانه من مزالق الاقدام.

---
 

([1]) في نسخة «م»: من تلك.

 

([2]) في نسخة «م»: الجزئيات والمفروض وقوع الشيء فيها فاذا لم تمتنع تلك الجزئيات على تقدير وقوع بعضها وجب ان يكون كل واحد من الجزئيات... .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2559459

 • التاريخ : 19/11/2019 - 04:49