القول بوجوب المعرفة على المكلّفين 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

مقدمة / القول بوجوب المعرفة على المكلّفين

ـ الثالث ـ

على القول بوجوب المعرفة على المكلّفين

اختلفوا في القدر الواجب منه هل هو ما تسكن اليه النفس وتطمئن به بحيث لا يختلجها قلق الريب ونزعات الشك المستقر بل ولا يخطر النقيض بالبال على سبيل الاحتمال اذ الايمان هو التصديق وحقيقته هو الاذعان المذكور سواء كان ناشئاً([1]) عن براهين قطعية أو غيرها أو يجب الاستدلال على القانون الكلامي والبرهان الميزاني على الترتيب الوارد على احد الاشكال الاربعة أو القياس الاستثنائي المعتبر في الكتب الكلامية او لا يجب الاستدلال مطلقا، بل يكفي التقليد سيما للعاجزين من مستضعفي الشيعة عوامهم، فالمقلد في ذلك مؤمن، وان كان مرتبة ايمانه ادنى المراتب، لما يتعجّل اليه من الشكوكات الوسواسية ولو من ادنى العوام فضلاً عن العلماء الاعلام ثم انّه على القول بوجوب الاستدلال امّا مطلقا أو الاستدلال الخاص، هل هو واجب في نفسه غير شرط في الايمان أو واجب شرطي، فتاركه على الاول فاسق، وعلى الثاني كافر،لانتفاء شرط الايمان والاسلام، اعني الاستدلال، أو انه انما يجب عيناً مع كونه شرطاً على العلماء القادرين على ذلك دون غيرهم من العوام فيرجع هذا الوجوب العيني في الحقيقة الى الوجوب الكفائي، فيكون سبيله سبيل الاجتهاد وعلم الفقه كما تقرّر في محلّه.

 

أقول: جزم بأولها جماعة من القدماء والمتأخرين، وهو الذي اختاره جدي في رسالته([2]) التي وضعها في المسألة واليه ذهب ابن أبي جمهور الاحسائي في شرح الالفية، وقد صرّح هؤلاء بنفي الشرطية لعدم الدليل على ذلك، نعم انّما اقتضت الادلة وجوبه، والا فالايمان يتحقق بدونه والمشهور بين علمائنا سيما المتأخرين كالعلاّمة والشهيد الاول في الالفية([3]) والشهيد الثاني في عدّة من كتبه، بل ربّما ادّعى الاجماع على ذلك الوجوب العيني واشتراطه في الايمان وان يكون على الوجه الكلامي والبرهان الميزاني .

 

وفيه: ما يدخل على أهل الايمان الحرج والمشقّة المنفيين آيةً وروايةً، وامّا الاكتفاء بالتقليد فقد ذهب اليه المحقق الطوسي في رسالته الوجيزة التي ألّفها لبعض اخوانه في تفصيل العقيدة، بل بالغ (قدس سره) فيها فلم يوجب الدليل أصلاً، فقال في الرسالة المذكورة: (ولا يجب عليه تعلم الادلة التي حررها المتكلمون بل مهما خطر في قلبه تصديق الحق بمجرد الايمان من غير دليل ولا برهان فهو مؤمن ولم يكلف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) العرب باكثر من ذلك)، وقال قبل هذا الكلام أيضاً في تلك الرسالة على ما في كتاب مجالس المؤمنين للسيد نورالدين التستري: (اعلم ايدك اللّه أيّها الاخ العزيز: ان أقل ما يجب اعتقاده على المكلف، هو ما ترجمه قول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ثم اذا صدق الرسول فينبغي ان يصدقه في صفات اللّه تعالى، واليوم الاخر، وتعيين الامام المعصوم، وكل ذلك مما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد برهان، وامّا بالاخرة فبالايمان بالجنة، والنار، والحساب وغيره، وامّا في صفات اللّه تعالى فانّه قادر عالم مريد، متكلم، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير ولا يجب عليه ان يبحث عن حقيقة الصفات، وان الكلام والعالم أو غيرهما حادث أو قديم بل لو لم يحضر هذه بباله ومات، مات مؤمنا من غير تعلم الادلة التي حررها المتكلمون).

 

وقال في آخر تلك الرسالة أيضاً: (وانّما زجروا عن البحث والتفتيش ضعفاء العوام،وامّا علماء الدين فلهم الخوض في غمرات الاشكالات، ومنع العوام عن الكلام يجري مجرى منع الصبيان عن شاطي الدجلة، فامن([4]) الغرق ورخصته الاعتياء الاقويا يضاهي رخصة الماهر في صنعة السباحة، لان ههنا موضع غرور ومزلقة قدم،وهو ان كل ضعيف في عقله راج، من انه في كمال عقله انه يقدر على ادراك الحقايق كلها، وانه من جملة الاقويا، وربّما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون. والصواب منع الخلق كلهم إلا الشاذ النادر، الذي لا تسمح الاعصار منهم إلا بواحد أو اثنين من تجاوز سلوك مسلك السلف في الايمان المرسل، والتصديق المجمل بكل ما أنزله اللّه تعالى، واخبر به رسوله، من غير بحث ولا تفتيش والاشتغال بالتفتيش فيه شغل شاغل، اذ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حيث رآى الصحابة يخوضون في القدر بعدما غضب حتى احمرّت وجنتاه فقال: «ما بهذا أمرتم تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض انظروا فما أمركم اللّه فافعلوا وما نهاكم عنه فانتهوا» هذا تنبيه على فتح الحق انتهى كلامه .

 

وقد صرّح أيضاً بذلك في رسالته أوصاف الاشراف، حيث جعل اول مراتب الايمان التقليد، وكذا في شرح المقامات في مقالات العارفين، ووافقه الفاضل المقداد عطر اللّه مرقده في الانوار الجلالية لشرح الفصول النصيرية، واقتفى اثرهما الفاضل المحقق محمد بن علي بن جمهور الاحسائي في شرح الالفية إلا انّه اوجب الاستدلال كما سمعت فيما سبق ولم يشترطه في الايمان، وقد اقتفى اثر الخواجا نصيرالدين، بالاكتفاء بمجرد التقليد، واصابة الحق كيف كان، أيضاً ملا احمد الاردبيلي في شرح الارشاد، وتلميذه السيد السند في المدارك في  شرح الشرايع في مبحث الوقت قال المولى في الكتاب المذكور: (الاعتقادات الكلامية اذا طابقت نفس الامر فانها كافية وان لم تحصل بالادلة المقررة، كما صرح به سلطان المحققين نصير الملّة والدين).([5])

 

وقال السيد(رحمه الله) بعد نقله له، وهو في غاية الجودة والمتانة ومال الى ذلك الفاضل النحرير مولانا الفاضل الكاشاني في المحجّة البيضاء وليس في كلامهم تصريح بعدم وجوب الدليل على الوجه الذي ذكرناه عن القابل الاول من انّه ما اوجب سكون([6])النفس واطمئنانها الذي هو التصديق، نعم، في كلام المحقق الطوسي ما يشعر بعدم وجوبه، وقد صرح جدّي في تلك الرسالة بوجوب ذلك، وفاقا لابن ابي جمهور وقال في بعض فوائده واجوبة بعض المسائل، بعد ان حكي عن ابن أبي جمهور ما حكيناة،«والحق وجوب ذلك، فتارك الاستدلال مع تمكنه فاسق غير كافر لحصول الايمان بالاعتقاد التقليدي لاهل الحق النافي للشك والوهم المستلزم للاذعان الذي يحصل به صحة العمل والاشتغال بالفروع، ويظهر من ابن أبي جمهور (قدس سره) وجوب الاستدلال على القانون الميزاني، والطور الكلامي، وهو غير واضح بل الواجب هو ما يسكن اليه النفس، واما ما نقل عن بعض العلماء من انّ المقلدين أهل الحق يلحقهم أحكام الايمان في الدنيا وأحكام الكفر في الاخرة، فهو كما ترى في غاية الوهن» انتهى كلامه .

 

والحق عندي انّ الاستدلال بما تطمئن اليه النفس ويحصل به الاذعان، واجب على الاعيان، والقادرين على ذلك وجوبا عينياً وامّا سائر المكلفين فليس الواجب عليهم سوى التقليد ومن هنا قد سمعت في كثير من الادلة الواردة في تقرير العقائد الدينية عند سؤالهم لهم (عليهم السلام) القدر الواجب عليهم فيها ما يدل على ذلك كمال الدلالة وانّه لم يحيلوا أحدا من شيعتهم المكلفين بذلك على تحصيل برهان على النحو الكلامي والقانون الميزاني، بل يجيبون كل أحد بما تقتضيه فطنته وتصل اليه قريحته وطبيعته كما هو شأن الاطباء الحاذقين حيث يأتي المريض يتطبب عنده فيصف اليه بعد معرفة مرضه وحال طبيعته ومزاجه ما يليق بمرضه ذلك ولا يحيله على ما يعالج به شخصاً آخر ولا على ما يتعذر عليه من المعاجين والعقاقير المتعذرة عليه، ألاترىالى قول علي (عليه السلام) لما سأله عن اثبات الصانع على ما في جامع الاخبار فقال: «البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار القدم يدلّ على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة كيف لا يدلان على اللطيف الخبير»([7]).

 

وقال في موضع آخر لما سئل عن ذلك كما في كتاب الجامع أيضاً «بصنع اللّه يستدل عليه وبالعقول تعتقد معرفته وبالتفكر([8]) تثبت حجته معروف بالدلالات مشهور بالبينات».

 

وقال في موضع آخر لما سئل عن ذلك أيضاً، كما في الكتاب المذكور: «ماالدليل على اثبات الصانع؟، قال: ثلاثة أشياء: تحويل الحال وضعف الاركان ونقض الهمّة»([9]).وقال في موضع رابع، كما في الخصال في صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبداللّه قال: «سمعت أبي يحدث عن أبيه (عليه السلام) انّ رجلاً قام الى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين بم عرفت ربّك؟، قال: بفسخ العزم ونقض الهمم لما ان هممت حال بيني وبين همّي وعزمت فخالف القضاء عزمي فعلمت انّ المدبر غيري»([10]) الحديث.

 

ومثل هذا في الاخبار غير عزيز، بل قد صرحوا في أخبار عديدة عند مجاراة أهل الكلام والفلاسفة والزنادقة والملاحدة في مقام دفعهم بمثل هذه الادلة، حيث انّ الغرض منها تخميد نيران شبههم، وهدم ما اسسوه من الشكوك والعقايد الفاسدة، وارجاعهم عنها بحيث يلجؤن للحق من بابه، فلو كانت تلك الادلة المشترطة بذلك النحو معتبرة عندهم (عليهم السلام) لذكرت في مقام الارشاد والبيان وفي مقام الذبّ والدفع لشبهات الملاحدة وجند غواية الشيطان، ففي كتاب الاحتجاج: «عن هشام بن الحكم انّه قال: كان من سؤال الزنديق الذي أتى أبا عبداللّه(عليه السلام) قال: امّا الدليل على صانع العالم؟، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام): وجود الافاعيل التي دلّت على انّ صانعها صنعها ألاترى انّك اذا نظرت الى بناء مشيد مبني، علمت انّ له بانيا وان لم تر الباني، ولم تشاهده، قال: وما هو؟، قال: هو شيء بخلاف الاشياء ارجع بقولي شيء الى اثباته، وانّه شيء بحقيقة([11]) الشيئية غير انّه لا جسم ولا صورة، ولا يحسّ، ولا يجسّ، ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الاوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الازمان.

 

قال السائل: فانّا لا نجد موهوماً إلا مخلوقاً.

 

قال ابو عبداللّه(عليه السلام): لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد منا مرتفعاً لانالم لا نكلف ان نعتقد غير موهوم، لكنا نقول كل موهوم بالحواس مدرك بها تحدّه الحواس ممثلاً، فهو مخلوق ولابد من اثبات كون([12])  صانع الاشياء خارجاً من الجهتين المذمومتين، احداهما النفي اذ كان النفي هو الابطال والعدم. والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم يكن بد من اثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم اليه، انهم مصنوعون، وان صانعهم غيرهم وليس مثلهم ان كان مثلهم شبيهاً بهم في ظاهر التركيب والتاليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد ان لم يكونوا، وتنقلهم من صغر الى كبر، وسواد الى بياض وقوة الى ضعف، وأحوال موجودة لا حاجة بنا الى تفسيرها لثباتها ووجودها.

 

قال السائل: فانت قد حددت اذ اثبت وجوده.

 

قال ابو عبداللّه (عليه السلام): لم احدده ولكنى اثبته، اذا لم يكن بين الاثبات والنفي منزلة» الحديث([13]).

 

وهكذا طريقتهم في الاستدلال وليس فيها كما ترى تعرض لذكر تلك الاشكال وطرق البرهان ومقدماته وسائر شرايطه، ليعرف بذلك وجه الصحّة والاختلال وسيجيء في مباحث الاستدلال على التوحيد على طريقة المحدثين والائمة المعصومين مزيد بحث وتحقيق به يرتفع الاشتباه عمّا اخترناه ويزول الاشكال.

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

([1]) فى «م» ناسيا .

 

([2]) وهو الشيخ سليمان الماحوزى(قدس سره)  جدّه لامّه، وقد ذكر فى الذريعه ان هذا الكتاب شرح لرسالة جدّه المزبور مع ان الملاحظ خلاف ذلك .

 

([3]) الالفية والنفلية: ص38 .

 

([4]) فى «م»: خوفا.

 

([5]) شرح الارشاد: ج2، ص55 .

 

([6]) فى «م»: سكوت .

 

([7]) البحار:ج3،ص55 .

 

([8]) فى المصدر: «وبالفطرة» .

 

([9]) البحار:ج3،ص55 .التوحيد:ص35 .

 

([10]) التوحيد:ح3،ص85 .

 

([11]) فى المصدر: «بحقيقته» .

 

([12]) في الاصل: اثبات صانع .

 

([13]) الاحتجاج: ج2، ص69 .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496369

 • التاريخ : 20/09/2019 - 10:20