في معرفة اللّه تعالى فطريّة هي أم اكتسابية 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

ـ الثاني ـ

في معرفة اللّه تعالى فطريّة هي أم اكتسابية([1])

 الثاني قد اختلف ايضاً في ان معرفة اللّه تعالى واثباتها بالدليل هل هو فطري وأنها من صنع اللّه أو كسبي يحتاج الى التحصيل ويكفي في الاول مجرد الالتفات وتوجه النظر، وعلى الثاني لابد من اقامة البرهان والنظر وان بعضها بديهي وبعضها كسبي والاخبار في هذا المقام متعارضة أيضاً، إلا ان اكثر الاخبار المتقدمة والمذهب المشهور بين الفريقين يقتضيان القول بانها كسبية نظرية، وأمّا الاخبار الدالة على أنّها فطرية فكثيرة أيضاً اكثرها ورد اما في تفسير آية (ومن أحسن من اللّه صبغة)([2]) وفي قوله (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها)([3]) ففي المعاني بسند صحيح عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجل (حنفاء للّه غير مشركين به)فقلت ما الحنيفية؟ قال: هي الفطرة»([4]) ووجه الدلالة والتقريب فيه انّ قوله «ما الحنيفية أي الملة الحنيفية» هي التوحيد الذي فطر اللّه الخلق عليه ويومي اليه قوله تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم)([5])واختلفوا في معنى تلك الفطرة؟ فقيل: المعنى انّه خلقهم على نوع من الجبلة والطبع المتهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها، وانما يعدل عنه من يعدل لافة من الافات وتقليد الاباء والامهات وقيل: كلهم مفطورون على معرفة اللّه والاقرار به فلا نجد أحدا إلا وهو يقول بان اللّه صانع له وان سماه بغير اسمه او عبد معه غيره.

 

وقيل: المعنى انّه خلقهم لها لانه خلق كل الخلق لان يوحدوه ويعبدوه، وقيل: انّه خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق (ألست بربكم قالوا بلى)([6]) فلا يوجد أحد إلا مقرا ان له ربا وان اشرك به، والذي يظهر من الاخبار الاتية وهذا الخبر هو أن اللّه تعالى قرر عقول الخلق على التوحيد والاقرار بالصانع في بدو الخلق عند الميثاق، فقلوب جميع الخلق مذعنة بذلك وان جحدوه معاندة .

 

وفي التفسير القمي باسناده عن الهيثم بن عبداللّه الرماني عن علي بن موسى الرضا (صلوات اللّه عليه) عن أبيه عن جده محمد بن علي بن الحسين (صلوات اللّه عليهم) في قوله (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها)([7]) قال: «هو لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه علي أمير المؤمنين الى ها هنا التوحيد».([8])

 

وفي صحيحة العلي بن الفضيل كما في التفسير القمي(رحمه الله) عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: التوحيد»([9]).

 

وفي كتاب التوحيد للصدوق في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «قلت (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: التوحيد»([10]).

 

وفي موثقة زرارة كما في ذلك الكتاب عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزوجل: (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: «فطرتهم على التوحيد»([11]).

 

وفي موثقته الاخرى كما في المحاسن عنه (عليه السلام) مثله([12])، وفي صحيحة عبداللّه بن سنان كما في التوحيد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) ما تلك الفطرة؟ قال: هي الاسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد فقال (ألست بربكم) وفيهم المؤمن والكافر»([13]).

 

وصحيحة زرارة كما في التوحيد أيضاً قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: فطرهم جميعاً على التوحيد»([14]).

 

وصحيحته أيضاً كما في التوحيد قال: «قلت لابي جعفر(عليه السلام): أصلحك اللّه قول اللّه عزوجل في كتابه (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها)؟ قال: فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفته انه ربهم، قلت: وخاطبوه، فطأطأ رأسه ثم قال: لولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رزقهم»([15]) وفيه وفي الصحيح أيضاً عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «سألته عن قول اللّه عزوجل (حنفاء للّه غير مشركين به)([16]) وعن الحنيفية؟ فقال هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه، قال: فطرهم اللّه على المعرفة، قال زرارة: وسألته عن قول اللّه عزوجل: (واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم) الاية([17]) قال: أخرج من ظهر آدم ذريته الى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم واراهم صنعه ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه وقال قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «كل مولود يولد على الفطرة» يعني على المعرفة بانّ اللّه عزوجل خالقه فذلك قوله (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن اللّه)([18]).

 

وفي صحيحة أبان كما في كتاب المعاني للصدوق عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة)([19]) قال: «هي الاسلام»([20]).

 

وفي صحيحة رفاعة كما في المحاسن للبرقي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه (واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى)([21]) قال: «نعم للّه الحجة على جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا، وقبض يده»([22]).

 

وفي العياشي عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر وحمران عن ابي عبدالله (عليه السلام)«الصبغة الاسلام»([23]) وفي خبر عن عبدالرحمن بن كثير كما في التوحيد عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها)قال: «التوحيد ومحمد رسول اللّه وعلي أمير المؤمنين»([24]).

 

وخبره أيضاً عن أبي عبداللّه(عليه السلام) كما في التوحيد مثله([25]).

 

وخبر محمد بن مسلم كما في المحاسن عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «عروة الوثقى التوحيد والصبغة الاسلام»([26]).

 

وخبره أيضاً كما في المحاسن عن أبي عبداللّه(عليه السلام) في قول عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: «هي التوحيد وانّ محمد رسول اللّه وان علياً أمير المؤمنين»([27]).

 

وفي العياشي عن الوليد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «ان الحنيفية هي الاسلام»([28]) وفيه عن عبدالرحمن بن كثير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه (صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة) قال: «الصبغة معرفة أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالولاية في الميثاق».

 

وفي رواية الحلبي كما في التوحيد عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزوجل (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) قال: «فطرهم على التوحيد»([29]).

 

وفي كتاب غوالي اللئالي والدرر والغرر للسيد المرتضى عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه»([30]) وأنت اذا احطت خبرا بهذه الاخبار ونظرت اليها بعين البصيرة والاعتبار رأيتها مما يمكن التمسك بها للقائلين بان معرفة اللّه فطرية إلا انّها مجملة غير مفصلة .

 

وفي الاخبار ما يعارضها على أنّ الفطرة مقول مع معان:

 

أحدها مارادف الضروري الذي لا يحتاج الى كسب ولا برهان.

 

والثاني على معنى الخلقة وتكون لفظة «على» في قوله (صلى الله عليه وآله) «كل مولود يولد على الفطرة» على ظاهرها لم يروبها غيره، ويكون المعنى كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية اللّه تعالى وعبادته والايمان به لانه جل وعزّ قد صور الخلق وخلقهم على وجه يقتضي بالنظر فيه معرفته والايمان به وان لم ينظروا ويعرفوا فكانه (عليه السلام) قال: كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقته وصورته على عبادة للّه تعالى، وان عدل بعضهم فصار يهودياً أو نصرانياً، وهذا الوجه أيضاً محتمل في الاخبار التي جاءت في تفسير قوله تعالى (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) .

 

والثالث أن تكون الفطرة هي الدين وتكون «على» للتعليل فكأنه قال كل مولود يولد للدين، ومن اجل الدين لان اللّه تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلفين إلا ليعبده فينتفع بعبادته ويشهد لذلك قوله (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)([31])وانما شاع بيان اطلاق الفطرة على الدين مع آنهافي الاصل الخلقة من حيث كان هو المقصود بها، وقد يجري على الشيء اسم ما له بهذا الضرب من التعلق والاختصاص، وعلى هذا يأول قوله تعالى (وأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها)([32]) اراد دين اللّه الذي خلق الخلق له، وقوله تعالى: (لا تبديل لخلق اللّه)أراد به انما خلق اللّه العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير.

 

وبالجملة فهذه الاخبار وان كانت مؤيدة بحسب الظاهر لهذا القول إلا أنها قابلة لهذا التأويل، ومن هنا ذهب السيد ابن طاووس في كتاب المحجة لثمرة المهجة([33]) إلا انّ معرفة الصانع فطرية لكنها معرفة اجمالية وهي المعرفة التي أشارت اليها الاخبار وانّها من صنع اللّه ليس للعباد فيها صنع مثل خبر محمد بن حكيم قال: «قلت لابي عبداللّه (عليه السلام): المعرفة من صنع من هي؟ قال: من صنع اللّه عزوجل ليس للعباد فيها صنع»([34]) .

 

وخبر عبدالاعلى قال: «قلت لابي عبداللّه (عليه السلام) أصلحك اللّه هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: لا، قلت: فهل كلفوا المعرفة؟ قال: لا على اللّه البيان (لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها)، (ولا يكلف اللّه نفساً إلا ما أتها)»([35]).

 

وخبر درست عمن حدثه، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «ستّة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة والجهل والرضى والغضب والنوم واليقظة»([36]) والذي يدل على التفصيل وهو ان هذا القدر الاجمالي من المعرفة فطري ومازاد على ذلك كسبي توقيفي تكليفي لا يجوز القول فيه الا بما جاءت([37]) به الشريعة المحمدية والايات القرآنية، وانّ من جهل ذلك لا يتصف بالايمان الحقيقي بل ولا الاسلام الكامل لما جاء من الاخبار في مقام التعريف وبيان ذلك التكليف، مثل ما رواه في التوحيد عن علي بن عقبة رفعه، قال: «سئل امير المؤمنين(عليه السلام): بم عرفت ربّك، فقال: بما عرّفني نفسه، قيل: وكيف عرفك نفسه، فقال: لا تشبهه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس قريب في بعده بعيد في قربه، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كل شيء ولا يقال له أمام»([38]) الحديث .

 

وفي التوحيد عن عبدالعظيم الحسني قال: «دخلت على سيدي علي بن محمد ابن علي... فلمّا بصر بيّ قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقّا، قال: فقلت له: يابن رسول اللّه انّي أريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيا أثبت عليه حتى ألقى اللّه عزّوجل، فقال: هاتها أبا القاسم، فقلت: انّي أقول انّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج من الحدّين حدّ الابطال وحد التشبيه وانّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر بل هو مجسّم الاجسام ومصور الصور وخالق الاعراض والجواهر وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه» ثم ذكر بقية العقايد الى أن قال «انّ المعراج حق والمسألة في القبر حقّ وان الجنّة حق والنار حقّ والصراط حق والميزان حق([39])، فقال علي بن محمد (عليه السلام): يا أبا القاسم هذا واللّه دين اللّه الذي ارتضى لعباده»([40]).

 

ويرشد الى كل من المعرفتين خبر المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالاهليلجة: «قال كتب المفضل بن عمر الجعفي الى أبي عبداللّه جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)يعلمه انّ اقواماً ظهروا من أهل هذه الملّة يجحدون الربوبيّة ويجادلون في ذلك ويسأله انّ يرد عليهم قولهم ويحتج عليهم فيما ادّعوا بحسب ما احتج به على غيرهم، فكتب أبو عبداللّه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم... وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا، وذلك من قوم من أهل الالحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم وتسأل أن أصنع للردّ عليهم والنقض لما في ايديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم»([41]) وساق الكلام الى ان قال: «ولعمري ما اتي الجهّال من قبل ربهم وانهم ليرون الدلالات الواضحات والعلامات البينات في خلقهم وما يعاينون من ملكوت السماوات والارض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي وسهّلوا لها سبيل الشهوات فغلبت الاهواء على قلوبهم واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم وكذلك يطبع اللّه على قلوب المعتدين والعجب من مخلوق يزعم انّ اللّه يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتاليف يبطل حجته، ولعمري لو تفكروا في هذه الامور العظام لعاينوا من امر التركيب البين ولطف التدبير الظاهر ووجود الاشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ثم تحولها من طبيعة الى طبيعة وصنيعة بعد صنيعة ما يدلهم على الصانع فانّه لا يخلو شيء منها ان يكون فيه اثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبراً وتاليف بتدبير يهدي الى واحد حكيم.

 

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الاديان من أهل الانكار وذلك انّه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند وكان لايزال ينازعني في رأيه ويجادلني عن ضلالته فبينا هو يوماً يدق اهليلجة ليخلطها دواء احتجت اليه من ادويته اذ عرض له شيء من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادّعائه ان الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واخرى تسقط ونفس تولد واخرى تتلف وتزعم ان انتحالي المعرفة باللّه تعالى دعوى لا بينة لي عليها ولا حجة لي فيها وان ذلك امر اخذه الاخر عن الاول والاصغر عن الاكبر وانّ الاشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة انّما نعرف بالحواس الخمس نظر العين وسمع الاذن وشم النسيم([42])وذوق الفم ولمس الجوارح ثم أفاد([43]) منطقه على الاصل الذي وضعه، فقال: لم يقع شيء من حواسي على خالق يؤدي الي قلبي انكار اللّه تعالى. ثم قال: اخبرني بما يحتج في معرفة ربك التي([44]) تصف قدرته وربوبيته وانّما يعرف القلب الاشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك.

 

قلت: بالعقل الذي في قلبي والدليل الذي احتج به في معرفته.

 

قال: فانى يكون ما تقول وأنت تعرف ان القلب لا يعرف شيئا بغير الخمس الحواس فهل عاينت ربك ببصر أو سمعت صوته باذن أو شممته بنسيم أو ذقته بفم أو مسسته بيد فادّى ذلك المعرفة الى قلبك.

 

قلت: أرايت اذا انكرت اللّه وجحدته لانك زعمت انّك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الاشياء واقررت أنا به هل بدّ أن يكون أحدنا صادقا والاخر كاذبا. قال: لا.

 

قلت: أرأيت ان كان القول قولك فهل يخاف على شيء مما اخوفك به من عقاب اللّه.

 

قال: لا.

 

قلت: أفرايت ان كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت أحاذر من عقاب الخالق بالثقة وانك قد وقعت بجحودك وانكارك في الهلكة. قال: بلى.

 

قلت: فاينا اولى بالحزم وأقرب من النجاة.

 

قال: انت الا انّك من امرك على ادعاء وشبهه وأنا على يقين وثقة لاني لا أرى حواسي الخمس ادركته وما لم تدركه حواسي فليس عندي يموجود.

 

قلت: انّه لما عجزت حواسك عن ادراك اللّه انكرته وانا لما عجزت حواسي عن ادراك اللّه صدقت به. قال: وكيف ذلك.

 

قلت: لان كل شيء جرى فيه اثر تركيب لجسم أو وقع عليه بصره للون فما ادركته الابصار ونالته الحواس فهو غير اللّه سبحانه لانه لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق وان هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال وكل شيء أشبه التغيير والزوال فهو مثله وليس المخلوق كالخالق ولا المحدث كالحدث»([45]).

 

ولا ينافي هذا ما ورد في الاخبار النافية للمعرفة للخالق بالخلق كما جاء في صحيحة منصور ابن حازم عن ابي عبداللّه(عليه السلام) كما في كتاب التوحيد: «قال: قلت لابي عبداللّه اني ناظرت قوما فقلت لهم: ان اللّه اكرم واجل من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون باللّه فقال رحمك اللّه»([46]).

 

وفي التوحيد أيضاً عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) «في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى وما سأله عنه أبا بكر فلم يجبه ثم أرشد الى امير المؤمنين فسأله عن مسائله فاجابه عنها وكان فيما سأله ـ وساق الحديث الى أن قال له ـ :«اخبرني عرفت اللّه بمحمد أم عرفت محمداً باللّه عزّوجل، فقال علي بن أبي طالب(عليه السلام): عرفت اللّه عزّوجل بمحمد ولكن عرفت محمداً (صلى الله عليه وآله) باللّه، حيث خلقه واحدث فيه الحدود من طول وعرض عرفت([47]) انه مدير مصنوع باستدلال والهام منه وارادة كما الهم الملائكة طاعته وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف».([48])

 

وفي التوحيد«عن هشام بن سالم قال: حضرت محمد بن النعمان الاحوال فقام اليه رجل فقال له: بم عرفت ربك؟، قال: بتوفيقه وارشاده وتعريفه([49]) وهدايته، قال: فخرجت من عنده، فلقيت هشام بن الحكم فقلت له: ما أقول لمن يسألني([50]) بم عرفت ربك؟، فقال: ان سأل سائل([51])بم عرفت ربك؟، قلت: عرفت اللّه عز جلاله بنفسي لانها اقرب الاشياء الي وذلك اني أجدها ابعاضا مجتمعة وأجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب متبينة الصنعة على ضروب من التخطيط والتصوير زائدة من بعد نقصان وناقصة من بعد زيادة قد أنشأ لها حواسا مختلفة وجوارح متباينة من بصر وسمع وشام وذايق ولامس مجبولة على الضعف والنقص والمهانة لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها ولا تقوى على ذلك عاجزة عن اجتلاب المنافع اليها ودفع المضار عنها واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له وثبات صورة ولا مصور لها فعلمت أنّ لها خالقاً خلقها ومصوراً صورها مخالفا لها في جميع جهاتها، قال اللّه جل جلاله (وفي أنفسكم افلا تبصرون)»([52]).

 

وكذلك ما في دعاء الحسين(عليه السلام) يوم عرفة (كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل اليك، عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا)([53]) وفي هذا الدعاء فقرات تدل على ان معرفة ذاته فطرية، قد اشار اليها علي(عليه السلام) في دعاء الصباح بقوله: (يا من دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته)([54])، وكذلك ما جاء في الاخبار كما في كتاب التوحيد وغيره كخبر الفضل بن السكن، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اعرفوا اللّه باللّه»([55]) وان كان محتملا لمعان قد ذكروها شارحوه وستجيء، تلك المعاني لانا نجيب عنها بانّ المعرفة على مراتب، فالخواص معرفتهم بالتجلي للاشياء وفيه عرفوا اللّه كما اشار اليه قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق او لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد)([56]) ثم بعد تلك المرتبه المعرفة([57]) بالاثار النفسية كما أشار اليه في تلك الاخبار واشارت اليه اخبار «بم عرفت ربك؟، قال بفسخ العزايم عزمت فحيل بيني وبين عزمي»([58]) ثم من بعدها الاستدلال بمصنوعات اللّه وهي أسهل دليل لسائر الناظرين، وذلك لانها تدلّ على صانع قادر عالم حكيم لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته المختصة به التي هي عين ذاته كما سيجيء بيانها،ولكل من هذه المراتب مراتب متفاوتة بتفاوت قوة التصديق والاذعان وضعفه،ولكن اللّه سبحانه وتعالى لم يوجب على المكلفين في عقائد الدين اكثر مما افاضه عليهم من العقل والنور المنبجس عليه من اول العقول الذي هو النور المحمدي المشار اليه بالاخبار المستفيضة، «بأن أول ما خلق اللّه العقل أو لما خلق اللّه العقل» كما في صحيح ابن مسلم المروي في الكافي ومحاسن البرقي «ثم استنطقه ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال له ادبر فادبر، ثم قال له وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ عليّ منّك ولا اكملتك إلا فيمن أحبّ امّا اني بك امر وبك انهى وايّاك اعاقب وايّاك اثيب»، وما جاء أيضاً انّما يداق اللّه الناس في الحساب على قدر ما أتاهم من العقل، وكذلك أيضاً فيما جاء من الاخبار المقسمة للايمان الى مراتب باعتبار المكلفين وان صاحب المرتبة السفلى لا يحمل على المرتبة العليا وهذا كله شاهد صدق على ما قلناه من التفاوت في المعرفة الفطرية وغيرها، كما سنطلعك عليه فيما سيأتي بالبراهين العقلية والنقلية.

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

([1]) لم ترد في الاصل .

 

([2]) البقرة: 138 .

 

([3]) الروم: 30 .

 

([4]) التوحيد: ب 53، ح8، ص330 .

 

([5]) الروم: 30 .

 

([6]) الاعراف: 172 .

 

([7]) الروم: 30 .

 

([8]) تفسير القمي: ج 2، 154.

 

([9]) تفسير القمي: ج 2، ص 155. 

 

([10]) التوحيد: ح2، ص 328. 

 

([11]) التوحيد: ح4، ص329 .

 

([12]) محاسن البرقي: ح224، ص241 .

 

([13]) التوحيد: ح3، ص329 .

 

([14]) التوحيد: ح6، ص329 .

 

([15]) التوحيد: ح8، ص330.

 

([16]) الحج: 31 .

 

([17]) الاعراف: 172 .

 

([18]) التوحيد: ح9، ص330 .

 

([19]) البقرة: 138 .

 

([20]) معاني الاخبار: 188 .

 

([21]) البقرة: 138 .

 

([22]) تفسير العياشي: ج1، ص62 .

 

([23]) تفسير العياشي: ج1، ص62 .

 

([24]) التوحيد: ح7، ص329 .

 

([25]) اظن انّ هذه العبارة خطأ من الناسخ وذلك لافادتها نفس الخبر المتقدم، والله العالم.

 

([26]) محاسن البرقي: ب 23، ح822 .

 

([27]) لم نجده في المحاسن، نعم هو نفس الحديث المتقدم في التوحيد.

 

([28]) تفسير العياشي: ص62 .

 

([29]) التوحيد: ح5، ص328 .

 

([30]) التوحيد: ص330، في حاشيته، الاحتجاج: ج2، ص176 .

 

([31]) الذاريات: 56 .

 

([32]) الاسراء: 51 .

 

([33]) كشف المحجة: ص11 .

 

([34]) التوحيد: ح1، ص410 .

 

([35]) التوحيد: ح11، ص414 .

 

([36]) التوحيد: ح6، ص412 .

 

([37]) الى هنا نقلت من نسخة «م».

 

([38]) التوحيد: ح2، ص285 .

 

([39]) وفيه: «وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور، واقول ان الفرائض الواجبة بعد الولاية والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر...».

 

([40]) التوحيد: ح37، ص81، مع اختلاف قليل .

 

([41]) نقلت من المصدر.

 

([42]) في المصدر: «وشم الانف» .

 

([43]) في المصدر: «قاد».

 

([44]) في المصدر: «ربك الذي».

 

([45]) البحار: ج3، ص154 .

 

([46]) التوحيد: ح1، ص285 .

 

([47]) فى المصدر «فعرفت».

 

([48]) التوحيد: ب41، ح4، ص286 .

 

([49]) «وتعريفه» ليست فى الاصل .

 

([50]) فى المصدر: «فيقول لي».

 

([51]) فى المصدر«فقال».

 

([52]) التوحيد:ح9،ص 289.

 

([53]) البحار:ج67،ص142 .

 

([54]) البحار: ج87، ص339 .

 

([55]) التوحيد: ح5، ص288 .

 

([56]) فصلت: 53 .

 

([57]) فى «م» معرفته .

 

([58]) التوحيد: ح6، ص288 وقد نقله بالمعنى .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496258

 • التاريخ : 20/09/2019 - 06:13