في بيان أول واجب على المكلفين من عقائد الدين 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : القول الشـــارح   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

القول الشارح

مقدمة في أمور ثلاث

 

الحمد للّه الذي جعل أول دينه الواجب معرفته وتوحيده وفطر العقول على ذلك اجمالاً حيث عرفهم نفسه فعلموا ربوبيته وتمجيده، والصلاة على

محمد المبعوث بالحجج الواضحة فأقام أعمدة الدين وأركانه وتشييده وعلى آله الذين اطلعوا شموس التوحيد والمعارف في مفهوم الاشكال وجمعوا شمل الدين واراو تسديده.

وبعد..... فيقول فقير اللّه المحاذي حسين بن محمد بن أحمد ابن ابراهيم الدرازي انّي قد نظرت في مؤلفات أصحابنا في العقائد الدينية والمعارف اليقينية فرأيتها خالية عن الادلة القرانية والاخبار المعصومية وانما اعتمدوا على القواعد الفلسفية والادلة المنطقية التي لا أصل لها في الشريعة المحمدية ولا برهان على ثبوتها في الكتاب والسنّة الاحمدية بل ربما جاءت الاخبار بردّها بالكلية ولم يسمع لذكر شيء من قضاياها الكلية والجزئية ولا من اشكالها الضرورية وغير الضرورية ولا نتائجها الحملية ولا الاستثنائية، أحببت أن أؤلف كتاباً مشتملاً على العقائد الواجبة الدينية والمعارف الازلية الابدية على النهج الوارد عن أهل الذكر في الاستدلال والكلام وأورد فيه الاخبار المناسبة للمقام الخاص منها والعام واقصد فيه الطريقة السهلة في الفروع الفقهية في الاحكام ليسهل تناوله للطلبة والعلماء الاعلام وأرتبه على فصول ومقدمة وختام وأسهل عباراته لما في أصل بهذا العلم من الاشكال والابهام وقد علمته لثمرات المهجة وفلذات القلوب والاجسام وسمّيته بالقول الشارع([1]) والحجة فيما ورد عمن هو على العباد حجة وبه أستعين في سلوك كل محجة انّه خير معين على المراد والموفق للسداد والرشاد.

مقدمة / بيان أول واجب على المكلفين

ـ الاول ـ

في بيان أول واجب على المكلفين من عقائد الدين

وقد اختلف علماء الاسلام في ذلك الى أقوال لم يأتوا فيها بدليل واضح مبين:

الاول: انّه معرفة اللّه تعالى وهو مذهب الامامية فيما أعلم واليه ذهب أبو الحسن الاشعري واكثر الاشاعرة وذهب المعتزلة الى ان النظر في المعرفة واختاره ابو اسحاق الاسفرايني لانه واجب اتفاقا وهو قبلها وقيل هو أول جزء من النظر لان وجوب الكل يستلزم وجوب اجزائه، فاول جزء من النظر واجب متقدم على النظر المتقدم على المعرفة، وقال القاضي واختاره ابن فورك وامام الحرمين انّه القصد الى النظر لان النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المتقدم على أول جزء من اجزائه والاقوى الاول لقوله «فاعلم انّه لا إله إلا اللّه» وللاخبار وفي الصحاح المستفيضة من الطرفين «لا أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من الصلاة»([2]) والمراد بالعلم المعرفة الاترى الى العبد الصالح عيسى بن مريم بقول (اوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)([3]) إذ معرفة اللّه أصل المعارف .

 

وفي كتاب التوحيد بسنده الى الفتح بن يزيد الجرجاني قال: «كتبت الى أبو الحسن الرضا(عليه السلام) أسأله عن شيء من التوحيد فكتب إليّ بخطه، قال جعفر بن محمد الاشعري: وان فتحا اخرج الى الكتاب فقرأته بخط أبي الحسن(عليه السلام): بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه الملهم عباده الحمد وفاطرهم على معرفة ربوبيته الدال على وجوده بخلقه وبحدوث خلقه على أزليته» ساق الكلام الى أن قال: «أولّ الديانة معرفته وكمال المعرفة توحيده وكمال التوحيد نفي الصفات عنه»([4]) الحديث.

 

وفي نهج البلاغة([5]) عن علي(عليه السلام) مثله إلا انّه قال: «أول دين معرفته» ثم ذكر مثل الاول، وفي الاحتجاج في خطبة له (عليه السلام): «أول عبادة اللّه معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصفات عنه جل ان تحله الصفات»([6]).

 

وفي كتاب البشارة عن صالح بن كيسان ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في الحث على معرفة اللّه وتوحيده: «أول عبادة اللّه معرفته»([7]) الى اخر الخبر.

 

وفي العيون والتوحيد باسناده الى محمد بن يحيى بن عمر بن علي ابن أبي طالب(عليه السلام) قال: «سمعت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) يتكلم بهذا الكلام عند المأمون (في التوحيد) لما أراد أن يستعمل الرضا(عليه السلام)([8]) جمع بني هاشم فقال له([9]) أريد أن استعمل الرضا([10]) من بعدي فحسده بنو هاشم قالوا: أتوليّ رجلاً جاهلاً ليس له بصيرة بتدبير الخلافة فابعث اليه رجلاً يأتينا فترى من جهله ما يستدل به عليه، فبعث اليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا ابا الحسن اصعد المنبر وانصب لنا علما نعبد اللّه عليه، فصعد (عليه السلام) المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض انتفاضة واستوى قائما وحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته(عليه السلام) ثم قال: أول عبادة اللّه معرفته وأصل معرفته اللّه توحيده ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه لشهادة العقول انّ كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة أن كل مخلوق انّ له خالق ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كل صفة وموصوف بالاقران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الازل»([11]) الحديث.

 

وفي الامالي للمفيد باسناده عن محمد بن زيد الطبري قال سمعت الرضا(عليه السلام)يتكلم في توحيد اللّه فقال: «أول عبادة اللّه معرفته...الخ»([12]). ورواه في الاحتجاج مرسلاً وفي الفقه الرضوي قال(عليه السلام): «انّ أول ما افترض اللّه على عباده وأوجب على خلقه معرفته الوحدانية قال اللّه تبارك: (وما قدروا اللّه حق قدره) يقول: ما عرفوا اللّه حق معرفته، ونروي عن بعض العلماء انّه(عليه السلام) قال ـ في تفسير هذه الاية ـ: (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) قال لا يذهب عليك ان هذا الحديث يدل على ان معرفة اللّه فطري «ما جزاء من أنعم عليه بالمعرفة إلا الجنة»([13])، وفي العلل والعيون في الصحيح عن الفضل بن شاذان عن الرضا قال: «فان قال فلم وجب عليهم الاقرار والمعرفة بانّ اللّه واحد أحد قيل لعلل منها انّه لو لم يجب عليهم الاقرار والمعرفة لجاز أن يتوهموا مدبرين أو أكثر من ذلك واذا جاز ذلك لم يهتدوا الى الصانع لهم من غيره لان كلا منهم لا يدري لعله يعبد غير الذي خلقه ويطيع غير الذي أمره فلا يكونون على حقيقة من خالقهم وصانعهم ولا يثبت عندهم أمر آمر ولا نهي ناه، اذاً لا يعرف الامر بعينه ولا الناهي عن غيره، ومنها انّه لو جاز أن يكون اثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بان يعبد ويطاع من الاخر، وفي اجازة ان يطاع ذلك الشريك اجازة ان لا يطاع اللّه وفي اجازة أن لا يطاع اللّه عزوجل الكفر باللّه وبجميع كتبه ورسله واثبات كل باطل وترك كل حق وتحليل كل حرام، وتحريم كل حلال، والدخول في كل معصية، والخروج من كل طاعة، واباحة كل فساد وابطال كل حق»([14]) .

 

ومنها: لو جاز أن يكون اكثر من واحد لجاز لابليس أن يدّعي انّه ذلك الاخر حتى يضاد اللّه تعالى في جميع حكمه، ويصرف العباد الى نفسه فيكون في ذلك أشد الكفر واعظم النفاق .

 

وفي كتاب صفات الشيعة للصدوق باسناده الصحيح الى ابن أبي عمير رفعه الى أحدهم(عليهم السلام) انّه قال: «بعضكم اكثر صلاة من بعض وبعضكم اكثر حجاً من بعض وبعضكم اكثر صدقة من بعض وبعضكم اكثر صياماً من بعض وأفضلكم أفضلكم معرفة». وفي جامع الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: «افضلكم ايماناً افضلكم معرفة».

 

وفيه: جاء رجل الى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) فقال: ما رأس العلم قال: معرفة اللّه حق معرفته، قال: وما حق معرفته، قال: ان تعرفه بلا مثال ولا شبه وتعرفه الهاً واحداً خالقاً قادراً، أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً» لا كقوله ولا مثل له فذاك معرفة اللّه حق معرفة.

 

وفي التوحيد باسناده عن ابن عباس قال: «جاء اعرابي الى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول اللّه علّمني من غرائب العلم، فقال: ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه، قال الرجل: وما رأس العلم يا رسول اللّه، قال: معرفة اللّه حق معرفته، قال الاعرابي: وما معرفة اللّه حق معرفة اللّه([15])، قال: تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا ندّ»([16]) ثم ذكر مثل حديث جامع الاخبار، والاخبار بهذا المعنى اكثر من ان تحصى واجل من أن تستقصى واذا حققت النظر في هذه الاقوال والنزاع رأيته لفظيا لانه ان أريد بالواجب الاول الواجب بالقصد أي أول الواجبات المقصودة أولا وبالذات فهو المعرفة اتفاقا وان لم يرد ذلك بل أريد أول الواجبات مطلقا فيكون واجبا أيضاً وقد صحّ أن وجوب المقدمة انّما يتم في السبب المستلزم دون غيره. ثم ان شرطنا كونه مقدورا فالنظر هو الاول وإلا فالقصد، وهذا التقرير أليق شيء بهذا المقام لشموله المذاهب الثلاثة المعتبرة، إلا انّه يدل على أن القصد غير مقدور مع كونه واجبا وعدم مقدوريته وان أمكن توجهه بانه لو كان مقدورا لاحتاج الى القصد واختيار اخر ويلزم التأمل، لكن كون الواجب غير مقدور باطل فالتحقيق هنا ما حققه الامام الرازي وقرره وهو ان أريد باول الواجبات المقصودة بالقصد الاول فهو المعرفة عند من يجعلها مقدورة والنظر عنده من لا يجعل العلم حاصل عقبيه مقدورا بل واجب الحصول .

 

وان أريد اول الواجبات كيف كانت فهو القصد تحذلق هنا ابو هاشم فجعل اول الواجبات الشك، لان القصد الى النظر بلا سابقة شك يقتضي طلب تحصيل الحاصل أو وجوه النظر مع ما يمنعه ألا ترى انك اذا تصورت طرفي المطلوب فان جزمت به كان حاصلاً فان جزمت بنقيضه كان مانعا، وانت تعلم انّ انتفاء الجزم لا يستلزم الشك لجواز أن يكون هناك ظن بالمطلوب أو بنقيضه فيجوز القصد الى النظر، فيتحصل العلم. وردّ قوله بوجهين:

 

الاول: ان الشك غير مقدور فلا يكون واجبا اجماعا، وفيه نظر اذ لو لم يكن الشك مقدوراً لم يكن العلم أيضاً مقدورا لان القدرة نسبتها الى الضدين سواء عند أبي هاشم والمحققين من الامامية والعلم مقدور عنده فيكون الشك عنده أيضاً مقدور فلائم([17]) كونه غير مقدور، والتحقيق ما ذكره الامدي ان ابتداء الشك غير مقدور للعبد بل هو واقع بغير اختياره إلا ان دوامه مقدور له اذ له أن يترك نظر فيدوم الشك او أن ينظر فيزول الشك، وكأن كلامه قد بني على ذلك عند الناظر العارف فبطل بذلك ما أورده الشريف في شرح المواقف بانّ ما قاله لا ينفع أبا هاشم لان الذي يجب ان يتقدم عنده من النظر الى القصد هو ابتداء الشك لا دوامه لان مثل ذلك لا يحسن به ابتداء حتى يتكامل ويدوم.

 

والثاني: وهو الصواب في الردّ عليه انّ وجوب المعرفة عنده مقيد بالشك على ما يقتضيه قاعدته لان بحذف المقتضى لوجوب المعرفة انّما ينشأ عنده من الشك الحاصل من الشعور باختلاف الناس في الصانع، ومن رؤية أثار النعم، واذا كان وجوبها مقيداً بوجود الشك عنده فلا يكون وجوبها ايجابا له ولا مقتضيا لايجابه كما ان ايجاب الزكاة مشروطاً ومقيداً بحصول النصاب لم يكن ايجابا لتحصيل النصاب ولا مستلزما لايجاب تحصيله اتفاقاً، وبعد ورود هذه الاخبار التي سمعتها وهي نص في المطلوب، ولا ينافيه تسميتها في بعض تلك الاخبار اول العبادة لان العبادة مأخوذة من المعبودية والطاعة ولا شك في انّ المعرفة أول طاعات الجوارح الباطنة والانقياد لان المعرفة هي الاذعان والتصديق وقد أشار الى ذلك بعض الاخبار كما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام): «واروي ان المعرفة والتصديق والتسليم والاخلاص في السر والعلانية واروي ان حق المعرفة ان تطيع ولا تعصى وتشكر ولا تكفر»([18]).

 

  مقدمة / معرفة اللّه فطريّة أم اكتسابية

 

([1]) والصحيح هو «بالقول الشارح» وذلك لما سيأتي من المصنّف ذكر اسم الكتاب في خاتمته وان هذا على نسخة «م» لان النسخة التي اعتمادنا عليها هي ساقطة في أول الكتاب فاعتمدنا على نسخة «م»، وسيأتي الاشارة الى الموضع الذي أخذنا منها، مع انّ في التراجم لا يذكرون ان له كتاب بسم «القول الشارع».

 

([2]) الكافي ج3: 264

 

([3]) مريم: 31 .

 

([4]) التوحيد: ب 2، ح 14، ص56 .

 

([5]) نهج البلاغة: خ1 .

 

([6]) الاحتجاج: ج2، ص174 .

 

([7]) قد تقدم في الاحتجاج.

 

([8]) في المصدر: «على هذا الامر».

 

([9]) في المصدر: «إنّي».

 

([10]) في المصدر: «على هذا الامر» .

 

([11]) التوحيد: ب 2، ح2، ص34 .

 

([12]) امالي المفيد: م 30، ح3، ص25 .

 

([13]) تفسير القمي: ج2، ص345، قريب منه .

 

([14]) عيون أخبار الرضا: ب 34، ح1، ص101 .

 

([15]) في المصدر: «معرفته» .

 

([16]) التوحيد: ب 40، ح5، ص284 .

 

([17]) في الاصل: «فلا ثم كونه».

 

([18]) البحار: ج3، ص14 .

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2533001

 • التاريخ : 23/10/2019 - 10:58