المقصد الخامس في المعاد 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : محاسن الاعتقاد   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

المقصد الخامس في المعاد
وفيه مسائل :

الأولى في بيان معنى المعاد الجسماني والروحاني
 المعاد أصله معود على وزن مفعل، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها، فقلبت ألفاً، وهو إسم للزمان والمكان ونفس الفعل، وليس المراد هنا الأولين، بل الأخير أعني العود، وهو الرجوع الثاني لأبد ان البشرية؛ وإعادة نفوسها المدبرة إليها، وإفاضة الحياة عليها، وربما عرف بأنه العود الثاني للابدان البشرية؛ لأخذ الحق منها، وإيصال الثواب، والأعواض إليها، فذلك بعد عدمها وتفرّقها، ولا شك أن الأبدان يتلاشى وجودها، ويضمحل قبل القيامة.

وقد اختلف في تحقق انعدامها بالكلية، أم ليس سوى التفرق، والتلاشي في أجزاء البدن، وهذا الإختلاف ناشىء عن مسألة، قد بُنِي عليها، وهي: هل يجوز إعادة المعدوم أم لا؟

فمن قال: بإعادته حكم على البدن بالعدم، ومن أحالة قال: إنه لا يعدم، بل يتفرق أجزاؤه، والإعادة عبارة عن جمعها بعد تفرقها ولكل من الفريقين حجج يطول المقام بذكرها.

ولنا في المسألة تحقيقات رائعة في أجوبة مسائل بعض علمائنا المعاصرين، وقد احتج المجوزون بأنه لو امتنع لكان إما ممتنعاً لذاته، فلا يوجد أصلاً قطعاً لا أولاً ولا ثانياً، وإن كان لغيره جاز زوال ذلك الغير، فيجوز وجوده حينئذ نظراً إلى ذاته وبأن العالم قبل عدمه ممكن، فيجوز اتصافه بالوجود والعدم، فإذا اتصف بالعدم لم يخرج عن إمكانه لذاته، لاستحالة الإنتقال من الإمكان إلى الإمتناع، فهو باق على صرافة إمكانه بعد عدمه، فيمكن اتصافه بالوجود ثانياً.

واحتج المانعون بأنه إذا عدم انتفت هويته ،وكلّما انتفت هويته امتنع الحكم عليه بإمكان الإعادة، وأيضاً، لو أعيد لوجب إعادته مع زمانه؛ لأنه من جملة مشخصاته، فيكون مبتدأ لا معاداً، وأيضاً: لو أعيد لتخلل العدم بين الشيء  ونفسه وهو محال، وأيضاً: لو أعيد لم يبقَ فرق بينه وبين مثله فلا مائز حينئذ، وكلّ هذه المحالات لازمة من جواز إعادته بعد العدم فتكون محالة.

وربما اعترض عليهما معاً، إما على الأول، فلأنه إذا عُدِم صار نفياً محضاً وعدماً صرفاً، فتنتفي هويته، فلا يمكن الحكم عليه حينئذ.

وأما على الثاني، فلأن قولهم: إذا عدم لم يمكن إعادته غير مسلم؛ لأن جواز إعادته بالنسبة إلى الإمكان والإمكان، ثابت حال العدم ـ كما هو ثابت حال الوجود ـ لعدم جواز الإنتقال، وما ذكروه من  المحالات غير لازم من جواز الإعادة، بل بحسب عوارض من جهة الإمكان، وقد أجمع العلماء، من شذ وندر على وجوب المعاد البدني في الحكمة، ووجوب وقوعه، وخالف الفلاسفة، وقالوا باعادة النفوس بعد مفارقتها الأبدان إلى عالمها.

والحق ما عليه الملِّيّون والأدلة عليه، والبراهين والحجج قائمة؛ و اللّه تعالى قادر على كلّ الممكنات، وقد أخبر الصادق  بوقوعه، وكل شيء  ثبت إمكانه في العقل، وأخبر الصادق  بوقوعه وجب وقوعه، ووقوع ما أخبر به الصادق، وإلا لم يكن صادقاً هو به.

وهذا الدليل مبني على كون اللّه قادر أً على جميع المقدورات، وعالماً بجميع المعلومات الجزئيّة والكلية، وقد تقدم بيانهما، وبأن كلما كان التكليف واجباً، كانت الإعادة واجبة، لكن المقدم حق، فالتالي مثله.

أما حقيقة المقدم فقد تقدم برهانه، وأما بيان الشرطية: فلأن التكليف مشقة تستلزم وجوب التعويض عنها؛ لأنه لولاه لزم الظلم، ولا يصح أن يكون ذلك العوض في دار التكليف، لاستحالة اجتماع العوض والمعوض، وأيضاً يجب أن يدوم ويخلو عن شوائب الضد، وهو لا يحصل في دار التكليف، فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا العوض، وهي دار الآخرة، فوجب إعادة الأبدان، وإفاضة النفوس عليها ليحصل لها العوض عن مشاقّ التكليف الخالية من شوائب الضد الباقية أبد الآباد، فيجب التصديق بوجود هذه الدار، ونقل المكلفين إليها على كلّ مكلّف؛ لاستحالة اتصافه تعالى بالظلم والعبثية ولدلالة الآيات القرآنية بأوضح دلالة على وقوعه، والإنكار له كفر وقد قال اللّه  عزّوجلّ : <وضرب لنا مثلا، ونسى خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم؟> فأمر رسول اللّه بإجابة هذا السائل، والجاحد بقوله: <قل يحييها الذي أنشأها أول مرة> وكم من آية في القرآن دالة هذه الدلالة، حتى وقعت للرسل والأنبياء مع اللّه   عزّوجلّ   فيها مناقشة لاستغراب العقول لها، لكن إحالة ذلك ينفي القدرة الثابتة على كلّ شيء.

ولهذا إن جميع المسلمين حكموا بأن جاحد الإعادة البدنية كافر، وإن دان بجميع الأصول والفروع، لأن الإعادة البدنية من جملة أركان الإيمان، ومع عدم وجودها لا يحصل الإتصاف به، ومن لم يتصف بالإيمان فهو كافر.

وفي آيات القرآن المتكثرة دلالة على إنكار جاحد المعاد البدني حاكمة بكفره، ولما ثبت الإعادة البدنية بالنسبة إلى المكلفين، فلم يكن المعاد عاما بالنسبة إلى غيرهم، لكن الأدلة قد أثبتت عمومه لإمكانه عقلاً، نظراً إلى العوض، وهو ثابت في جميع الحيوانات لحصول الألم لها، فوجب إثباته لها؛ لإيجاب إيصال حقه إليه، وأخذ الحق منه؛ لوجوب الإنتصاف والإنصاف في الحكمة الربانية، فهؤلاء تجب إعادتهم عقلاً وسمعاً، حيث ثبت لهم عوض على اللّه أو على غيره، أو عليه عوض من حقوق اللّه أو من حقوق غيره للعلة المذكورة.

وأمّا من لاعوض له ولا عليه، فهو لا تجب إعادته عقلاً. نعم السمع دلّ على إعادته، قال اللّه تعالى: <وما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شئ، ثم إلى ربهم يحشرون> وليس الحشر إلا عبارة عن الإعادة البدنية ـ كما تقدّم الكلام فيه، وقوله تعالى: <وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً> وقال تعالى: <وإذا الوحوش حشرت>.

وجوب التصديق إجمالاً بما ورد من أحوال الأخرة

ثم إنه يجب التصديق بجميع ما جاء به النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وما نطق به القرآن من البعث والحشر والنشور والبعث والنشور عبارة عن الخروج من القبور، والتئام تلك الأجزاء المتفرقة بعضها من بعض، حتى تصير على حالتها الأولى، فإثبات ذلك لا يحتاج إلى البرهان؛ لأن المراد على ما قدمناه لك من الأدلة على المعاد.

وأما الأيات فأكثر من  أن تحصى، وكذلك الأخبار النبوية البالغة حد التواتر اللفظي والمعنوي.

ففي مجالس الشيخ عن غير واحد من الرواة، إن نفراً من قريش اعترضوا الرسول  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  منهم عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن سعيد، فقالوا: يا محمّد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد مانعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن يكن الذي نحن عليه الحق، فقد أخذت بالحظ منه، وإن يكن الذي أنت عليه الحق، فقد أخذنا بحظنا منه. فأنزل اللّه تعالى: <قل: يا أيها الكافرون>.. إلى آخر السورة، ثم أتى ابن خلف بعظم رميم، ففته في يده  ثم نفخه، وقال: أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما ترى؟ فأنزل اللّه تعالى: <وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يُحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم>.

وفي حديث الإحتجاج، في هشام بن حكم، إنه قال: قال الزنديق للصادق  عليه السّلام : أنى للروح بالبعث، والبدن قد بلي، والأعضاء قد تفرقت؟ فعضو في بلدة تأكله سباعها، وعضو بأخرى تمزقها هوامها وعظم قد صار تراباً بني به مع الطين حائط؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ، وصوّره على غير مثال كان قد سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه، قال: أوضح لي ذلك  قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسنين في ضياء وسعة، وروح المسئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير تراباً منه خلق، وما تقذف به السباع، والهوام من  أجوافها، مما أكلته ومزقته، كلّ ذلك في التراب محفوظاً عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، وإذا كان حين البعث مطرت السماء ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غُسِل بالماء، والزبد من اللبن، فيجتمع تراب كلّ قالب، فينتقل بإذن اللّه تعالى، حيث تعود الروح، فتعود الصورة بإذن المصور كهيئتها ،وتلج الروح فيها، فإذا استوى لا ينكر من فضله شيئاً.

وفي صحيح جميل بن درّاج، كما في تفسير القمي، عن الصادق  عليه السّلام  قال: إذا أراد اللّه أن يبعث الخلق، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً، فاجتمعت الأوصال، ونبتت اللحوم.

وقال : أتى جبرئيل رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأخذه، وأخرجه إلى البقيع، فانتهى إلى قبر فصوت فصاح به، وقال: قم بإذن اللّه تعالى، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه، وهو يقول: الحمد للّه و اللّه أكبر، فقال جبرئيل: عد بإذن اللّه، ثم انتهى به إلى قبر آخر، فقال: قم بإذن اللّه تعالى فخرج منه رجل مسود الوجه، وهو يقول: يا حسرتاه ويا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن اللّه تعالى، فقال: يا محمّد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلاء يقولون ما ترى.

وفي قصة إبراهيم ـ كما حكى اللّه في القرآن، إذ قال: <ربِّ أرني كيف تحيي الموتى> حيث رأى جيفة على ساحل البحر، بعضها في الماءوبعضها في البر، تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء، ثم ترجع فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، وتجيء سباع البر فتأكل منها، فيشتمل بعضها على بعض، فيأكل بعضها بعضاً، فعند ذلك تعجب إبراهيم  عليه السّلام  مما رأى، فقال:< رب أرني كيف تحيي الموتى> هذه أمم يأكل بعضها بعضاً، <قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي> حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها. قال: فخذ أربعة، من الطير فقطعهن واخلطهنّ، كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضاً فاختلط،ثم اجعل على كلّ جبل منهن جزءاً، ثم ادعهن يأتينك سعياً، ولما دعاهن أجبنه ... الحديث.

فهذه الأخبار شاهدة بأن البعث ليس بعد العدم بالكلية، بل بعد تفرق الأجزاء، أو صيرورتها تراباً، فلا يرد ما أورده منكروا البعث من استحالة إعادة المعدوم، وإنه القادر على كلّ شيء حتى لو قلنا بالعدم، كما قررناه لك فيما سبق.

وفي موثق عمار السباطي عن أبي عبد اللّه  عليه السّلام  قال: سئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم، إلا طينته التي خلق منها، فإنها لاتبلى، تبقى في القبر مستديرةحتى يخلق منها كما خلق أول مرة.

وهذا الحديث مؤيد لما ذكره المتكلمون من أن تشخص الإنسان إنما هو بالأجزاء الأصلية، ولا مدخل للأجزاء، والعوارض فيه.

وفي تفسير النعماني فيما رواه عن أمير المؤمنين  عليه السّلام  قال: وأما احتجاجه على الملحدين في دينه وكتابه ورسله، فإن الملحدين أقروا بالموت ولم يقروا بالخالق، فأقروا بأنهم لم يكونوا ثم كانوا، قال اللّه تعالى:< ق والقرآن المجيد >... إلى بعيد، وكقوله:<وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه> ... إلى قوله <أول مرة> ومثله قوله تعالى:< ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم ويتّبع كلّ شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله  ويهديه إلى عذاب السعير> ،فرد اللّه عليهم ما يدلهم على صفة ابتداء خلقهم، وأول نشئهم:< يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث، فإنا خلقناكم من تراب>... إلى قوله:< لئلا يعلم بعد علم شيئاً> وقال سبحانه: <وهو الذي أرسل الرياح بشراً >... إلى قوله:< كذلك النشور>،فهذا مثال اقام اللّه لهم به الحجة في إثبات البعث والنشور بعد الموت.

*الرد على الدهريّة *

وأما الرد على الدهرية الذين يزعمون أن الدهر لم يزل أبداً على حال واحدة، فإنه ما من خالق ولا تقدير صانع، ولا بعث ولا نشور، قال تعالى حكاية لقولهم: وقالوا: <ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيي وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً >... إلى قوله:<أول مرة> .

ومثل هذا في القرآن كثير، وذلك رد على من كان في حياة رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان سبب هلاك الأمة، فرد اللّه عليهم بقوله:< يا ايها الناس إن كنتم في ريب من البعث> الآية. وقوله تعالى: <وترى الأرض هامدة >، وما جرى مجرى ذلك في القرآن، وقوله سبحانه في سورة ق ـ كما مر ـ فهذا كلّه رد على الدهرية، والملاحدة ممن أنكر البعث والنشور، وفي تفسير القمي ما يقرب من ذلك.

المسألة الثانية في الرجعة القيامة الصغرى
ومما يجب الإقرار به على المكلفين القيامة الصغرى لكنها غير عامة لسائر الناس، وإنما يرجع إلى الدنيا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، وقد تفرّد  بهذه الإمامية إلا من شذّ  منهم ممن لا يتدبر الآيات القرآنية والأخبار المعصومية، قال اللّه تعالى:< ويوم نحشر من كلّ أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا> فإن حشر القيامة ـ كما مر ـ عام؛ لقوله تعالى:<وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً>.

وقد جاءت أخبار مستفيضة، بالغة حد التواتر بأن المنكر لها كافر؛ لأنه مكذب للقرآن ولأخبار أئمتنا  عليهم السّلام .

وقد ذكرالمخالفون في صحاحهم مايدل على هذه الرجعة، ولكن حملتهم العصبية والعناد على الإنكار والحجود، والرد على الإمامية في ذلك ـ كما كانت عادتهم، وطريقتهم هنا لك، قال اللّه تعالى: <وعد اللّه الذين آمنوا منكم  وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض>  الآية، وقال تعالى: <إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد>، وقال تعالى: <إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد>... إلى غير ذلك من الآيات الواضحة البينة، مع ماجاء في تفسيرها من متواتر الروايات.

وقد صنّف أكثر علمائنا كتباً مبسوطة في الدلالة على تلك القيامة، وهي العذاب الأدنى المعبر عنه في تلك الآيات، نسأل اللّه الثبات على تلك العقائد، ومشاهدة تلك الآيات، وعدم الإلتفات إلى ما جحدته تلك الكفرة الغواة وقد جاء في تلك الأخبار التحديد في تلك السنوات وإن كان مبدأ ظهورها من المخفيات ـ كما قال اللّه تعالى: <لا تأتيكم إلا بغتة<.

 

المسألة الثالثة في مساءلة الملكين في القبر وأحوال عالم البرزخ
ومما يجب اعتقاده: السؤال في القبر بعد إرجاع الجسد إلى الحياة عن تلك العقائد التي مات عليها، وبعض ما بني الإسلام عليه من الفروع، كالصلاة والزكاة،وإن القبر موضع النعيم والجحيم وهو واقع ليس له من دافع، وإليه الإشارة بقوله: <ربنا أمتنا اثنتين، وأحييتنا اثنتين< .

وقال حكاية عن قوم نوح<أغرقوا فأدخلوا ناراً>، وقوله تعالى:<النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً> وقد أطبق عليه فرق الإسلام.

ففي تفسير العسكري  عليه السّلام ، قال في قوله عزّ وجلّ : <كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون> قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  لكفار قريش واليهود: كيف تكفرون باللّه الذي دلكم على طريق الهدى، وجنبكم إن أطعتموه سبيل الردى وكنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، وأرحام أمهاتكم، فاحياكم: أخرجكم أحياء، ثم يميتكم في هذه الدنيا، ويقبركم، ثم يحييكم في القبور فينعم فيها المؤمنون بنبوة محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وولاية عليّ، ويعذب فيها الكافرين بهما ثم إليه ترجعون في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد ،ثم تحيوا للبعث يوم القيامة، ترجعون إلى ما وعدكم اللّه من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها، ومن العقاب على المعاصي إن كنتم مقارفيها.

 فقيل له: يابن رسول اللّه: ففي القبور نعيم وعذاب؟ قال: إي والذي بعث محمداً  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بالحق نبيّاً، وجعله زاكياً هادياً مهديّاً، وجعل أخاه عليّاً بالعهد وفياً، وبالحق مليّاً، ولدى اللّه مرضيّاً، وإلى الجهاد سابقاً، ولله في أحواله موافقاً، وللمكارم حائزاً، وينصره اللّه على اعدائه فائزاً، وللعلوم حاوياً، ولأولياء اللّه موالياً، ولأعدائه معادياً، وللخيرات ناوياً، وللقبائح رافضاً ،وللشيطان مخزياً، وللفسقة المردة مقصياً ،ولمحمد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  نفساً، وبين يديه لدى المكاره جنة وترساً، آمنت به أنا وأبي علي بن أبي طالب  عليه السّلام ، وعبد رب الأرباب المفضل على أولى الالباب، الحاوي لعلوم الكتاب، زين من يوافي يوم القيامة عرصات الحساب، بعد محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  صفي العزيز الكريم الوهاب، إن في القبر نعيماً يوفر اللّه به حظوظ أوليائه، وإن في القبر عذاباً يشدد به على أشقياء أعدائه.

قال شيخنا المفيد نور اللّه ضريحه: جاءت الأخبار الصحيحة عن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن الملائكة تنزل على المقبورين تسألهم عن أديانهم، وألفاظ الأخباربذلك متقاربة.

فمنها: إن ملكين للّه يقال لهما: ناكر ونكير ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه وعن نبيه وعن دينه وعن إمامه، فإن أجاب بالحق سلموه إلى ملائكة النعيم، وإن أرتج عليه سموه إلى ملائكة العذاب والجحيم.

وقيل في الأخبار إن الملكين اللذين ينزلان على الميت يقال لهما: مبشر، وبشير، وقيل: إنما سمى ملكا الكافر ناكراً ونكيراً لأنه ينكر الحق، وينكر ما يأتيان به ويكرهه، وسمي ملكا المؤمن مبشراً وبشيراً؛ لأنهما يبشرانه من اللّه بالرضا والثواب المقيم، وإن هذين الإسمين ليسا بلقبين لهما، وإنهما عبارة عن فعلهما.

وهذه أمور يتقارب بعضها من بعض، ولا يستحيل معاينها واللّه أعلم بحقيقة الأمر فيها.

وقد قلنا فيما سلف إنه إنما ينزل الملكان على من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، وما سوى هذين فيلهى عنه، وبيّنا أن الخبر جاء بذلك، فمن جهته قلنا فيه ما ذكرنا.

وليس ينزل الملكان إلا على حي، ولا يسألان من لا يفهم المسألة، ولا يعرف معناها، وهذا يدل على أن اللّه يحيي العبد بعد موته، للمساءلة، ويديم حياته بنعيم إن كان يستحقه، أو بعذاب إن كان يستحقه ـ والعياذ باللّه من سخطه، ونسأله التوفيق لما يرضيه برحمته ـ وإنما الغرض من نزول الملكين، ومساءلتهما العبد فهو استفهام بحال العبد، وذلك إن اللّه تعالى وكل بالعبد بعد موته ملائكة النعيم، وملائكة العذاب، وليس للملائكة طريق إلى ما يستحقه العبد إلا بإعلام اللّه تعالى ذلك لهم فالملكان اللذان ينزلان على العبد، أحدهما من ملائكة النعيم، والآخر من ملائكة العذاب، فإذا  هبطا لما وُكلا به استفهما حال العبد بالمسألة، فإن أجاب بما يستحق به النعيم قام بذلك ملك النعيم وعرج عنه ملك العذاب، وإن ظهرت فيه علامة استحقاقه العذاب وكل به ملك العذاب، وعرج عنه ملك النعيم.

وقد قيل: إن الملكين الموكلين بالنعيم والعقاب غير الملكين الموكلين بالمساءلة، وإنما يعرف ملك النعيم، وملك العقاب ما يستحقه العبد من ملكي المساءلة، فإذا سألا العبد وظهر ما يستحق من الجزاء، تولّى منه ذلك ملائكة الجزاء، وعرج ملائكة المساءلة إلى مكانهما من السماء، وهذا كله جائز، ولسنا نقطع باحد دون صاحبه، إذ الأخبار فيه متكافئة، والعادة لنا فيما ذكرناه التوقف والتجويز.

ثم قال: وإنما وَكّل اللّه تعالى ملائكة المساءلة، وملائكة العذاب والنعيم بالخلق تعبداً لهم بذلك، كما تعبد طائفة وكل الكتبة من الملائكة  تحفظ أعمال الخلق وكتبها ونسخها ورفعها تعبداً لهم بذلك، كما تعبد طائفة من الملائكة بحفظ بني آدم، وطائفة منهم بهلاك الأمم، وطائفة بحمل العرش ،وطائفة بالطواف حول البيت المعمور، وطائفة بالتسبيح، وطائفة بالإستغفار للمؤمنين، وطائفة بتنعيم أهل الجنة، وطائفة بتعذيب أهل النار، والتعبد لهم بذلك ليثيبهم عليها، ولم يتعبد اللّه الملائكة بذلك عبثاً، كما لم يتعبد البشر والجن بما تعبدهم به لعباً ،بل تعبد الكل للجزاء وما تقتضيه الحكمة من تعريفهم نفسه تعالى، والتزامهم شكر النعمة عليهم.

وقد كان اللّه  تعالى قادراً على أن يفعل العذاب بمستحقه، من غير واسطة، وينعم المطيع من غير واسطة، لكنه علق ذلك على الوسائط لما ذكرناه، وبيّنا وجه الحكمة فيه ووصفناه.

وطريق مساءلة الملكين الأموات بعد خروجهم من الدنيا بالوفاة هو السمع، وطريق العلم برد الحياة إليهم عند المساءلة هو العقل، إذ لا تصح مساءلة الأموات ومخاطبة الجمادات، وإنما يحسن الكلام للحي العاقل لما يكلم به وتقريره والتزامه مما يقدر عليه مع إنه قد جاء في الخبر إن كلّ مساءل تُرَدّ إليه الحياة عند مساءلته ليفهم ما يقال له،فالخبر بذلك آكد مما في العقل، ولو لم يرد بذلك خبر لكفى حجة العقل فيه على ما بيناه ... انتهى.

وإذا تأملت ما ذكرناه لك من الأدلة العقلية والنقلية، انتفت عنك شبهات الملاحدة والفلاسفة المنكرين لعذاب القبر وسؤاله، متمسكين بوساوس شيطانية، حملتهم على تكذيب ما جاء به القرآن من الحجة والبرهان، نعوذ باللّه من ذلك، ومن سلوك هذه المسالك.

والذي ظهر لنا من تلك الأدلة السمعية والبراهين القطعية، هو أن النفس باقية بعد الموت، إمّا معذبة ممن محض الكفر، أومنعّمة ممن محض الإيمان، ويلهى عنه إن كان من المستضعفين، وتُرَدّ عليه الحياة في القبر، إما كاملاً أو إلى بعض بدنه ـ كما وقع في بعض الأخبار، فيسأل بعضهم عن بعض العقائد، وبعض الأعمال، ويثاب ويعاقب بحسب تلك الفعال، وتضغط أجساد بعضهم عند السؤال والضغطة في الأجساد الأصلية وكذلك السؤال، وربما ارتفعا عن بعض المؤمنين، كمن لقن تلقين الإنصراف، أو مات في ليلة الجمعة أويومها، ثم تتعلق الروح بالأجساد المثالية اللطيفة الشبيهة بأجساد الجن والملائكة، المضاهئة في الصورة للأبدان الأصلية، فينعم من ينعم ويعذب من يعذب، ولا يبعد أن يصل إليه الآلام ببعض ما يقع على الأبدان الأصلية لسبق تعلقه بها، وبهذا يستقيم جميع ما ورد في ثواب القبر وعذابه، واتساع القبر وضيقه ،وحركة الروح وطيرانه في الهواء، وزيارته لأهله، ورؤية الأئمة  عليهم السّلام  في أشكالهم، ومشاهدة أعدائهم معذبين.

فالمراد بالقبر في بعض الأخبار: ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ، وهذا يتم على تقدير تجسم الروح وتجسده، وإن كان ممكن لتصحيح بعض الأخبار بالقول لتجسم الروح أيضاً بدون الأجساد المثالية، لكن مع ورود الأجساد المثالية في الأخبار المعتبرة المؤيدة بالأخبار المستفيضة لا محيص عن القول بها، وليس هذا من التناسخ الباطل في شيء، إذ التناسخ لم يقم دليل عقلي على امتناعه؛ لأن أكثرها عليلة مدخولة، ولوتمت فهي غير جارية فيما نحن فيه ـ كما لا يخفي على من تدبر فيها ـ إذ العمدة فيما نحن فيه هو ما انعقد من الإجماع والضرورة في الدين من نفيه، كيف وقد قال به كثير من المسلمين، كشيخنا المفيد رحمه اللّه وغير من علمائنا المتكلمين والمحدثين، بل لا يبعد القول بتعليق الروح بالأجساد المثالية عند النوم أيضاً، كا يشهد به ما يرى النائم في المنام.

 وقد وقع في الأخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحال الرؤيا ما يشاهد فيها، بل يمكن أن تكون للنفوس القوية العالية أجساد مثالية، كأئمتنا  عليه السّلام ، كي لا نحتاج إلى ارتكاب التأويلات البعيدة، والتوجيهات الغير السديدة في حضورهم عند كلّ ميت، وسائر ما نُقِل عنهم من الغرائب، كعروجهم إلى السماوات كلّ ليلة جمعة.

وقد نقل العلامة الحلي في شرحه على التجريد عن ضرار من المعتزلة الإنكار لعذاب القبر، ثم رُدّ عليه بالإجماع المدعى المنقول على خلافة. وإنما أطلنا الكلام على هذه المسألة لخفاء دقائق مسائلها مع تكثر براهينها ودلائلها.

المسألة الرابعة في معنى الصراط
ومنها: الإقرار بالصراط، وهو على ما ورد في الأحاديث المتواترة بين الفريقين :جسر ممتد بين الجنة والنار أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأظلم من ظلمة الليل، رأسه ينتهي إلى الجنة، وأكثره امتداداً على النار ألف سنة صعود وألف سنة هبوط وألف سنة اعتدال، يكُلَف الناس العبورعليه.

وفي تفسير القمي في<وجيء يومئذ بجهنم> ،سئل رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  عن ذلك فقال: أخبرني الروح الأمين جبرئيل  عليه السّلام  إن اللّه تعالى لا إله غيره، إذا برز الخلائق وجميع الأولين، والآخرين أتي بجهنم تقاد بألف زمام يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، إلى أن قال: ثم يوضع عليها الصراط، وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف عليه ثلاث قناطر:أما واحدة :فعليها الأمانة والرحم،وأما الثانية: فعليها الصلاة،وأما الثالثة: فعليها عدل رب العالمين، لا إله إلا هو، فيكلفون الممر عليها فتحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين جل جلاله، وهو قوله تعالى:< إن ربك لبالمرصاد> والناس على الصراط، فمتعلق بيد، فتزل قدم، وتستمسك قدم، والملائكة حولها ينادون  ياحليم إغفر واصفح وعد بفضلك وسلم.

والناس يتهافتون في النار كالفراش، فإذا نجا ناج برحمة اللّه عزّ وجلّ ، ومربها قال: الحمدلله وبنعمته تتم الصالحات، وتزكو الحسنات، والحمد للّه الذي نجاني منك بعد الأياس، بمنه وفضله، إن ربنا لغفور شكور.

وفي المعاني عن المفضّل بن عمر، قال: سألت الصادق  عليه السّلام  عن الصراط، فقال: هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّ وجلّ  ، وهما صراطان، صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة.

فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ،ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه في الآخرة ،وتردّى في نار جهنّم.

وفيه ايضاً عن الباقر عليه السّلام ، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا علي إذا كان يوم القيامة، أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط، فلا يجوز أحد إلا من كان معه كتاب فيه براءة بولايتك.

وفي تفسير العسكري عن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال: إن اللّه تعالى إذا بعث الخلائق، من الأولين والآخرين نادى منادي ربنا من تحت عرشه: يا أيها الخلائق غضوا أبصاركم؛ لتجوز فاطمة بنت رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  سيدة نساء العالمين على الصراط، فتغض الملائكة كلهم أبصارهم فتجوز فاطمة على الصراط، ولا يبقى أحد في القيامةإلا غضّ بصرة، إلا محمّد وعليّ والحسن والحسين والطاهرون من أولادهم فإنهم محارمها.

فإذا دخلت بقي مرطها ممدوداً على الصراط، طرف منه بيدها وهي في الجنة، وطرف في عرصات القيامة، فينادي منادي ربنا: أيها المحبون لفاطمة تعلقوا بأهداب مرط فاطمة، سيده نساء العالمين، فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلّق بهذبة من أهداب مرطها، حتى يتعلّق به أكثر من ألف فئام وألف فئام وألف فئام، قالوا: وكم فئام واحد؟ قال: ألف الف ينجون بها من النار.

وفي رواية من طرقهم خذ لهم اللّه عن أبي هريرة، إن رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  قال: أتاني جبرئيل  عليه السّلام  فقال: ابشرك يا محمّد بما تجوز على الصراط، قال: قلت: بلى، قال: تجوز بنور اللّه، ويجوز عليّ بنورك، ونورك من نور اللّه، وتجوز أمتك بنور عليّ، ونور عليّ من نورك< ومن لم يجعل اللّه له نوراً فما له من نور>.

ثم إنه لا اضطرار إلى تأويل كونه أدق من الشعرة، وأحد من السيف، وتأويل الظواهر الكثيرة بلا ضرورة غير جائز،ثم إنه يتسع للمطيع، ويضيق على العاصي، والناس فيه مراتب على قدر أعمالهم.

فمنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمرّ كعد و الفرس، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشى مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على وجهه، ومنهم من لم يقدر على المشي أصلاً، بل يسقط في النار.

 

المسألة الخامسة في بيان كيفيّة الحساب ومعنى الميزان
ومنها الإقرار بالميزان، كما ذكر في كثير آية من القرآن وهو ميزان ذو كفتين ولسان، توزن فيه الأعمال، أما باعتبار الصحائف، أو باعتبار تجسمها، ومن علمائنا من صرفه إلى العدل في الجزاء والحساب، ولا تنافي  بينهما؛ لأن الميزان ميزانان، كما جاء في الصراط.

وفي بعض الأخبار نفي الميزان، وإن اللّه تعالى لا يزن أعمال العباد؛ لأنه محص الأشياء؛ ولأن الأعمال أعراض تثبت وتنعدم كالحركة والزمان.

وهذه الروايات من باب الإلزام، حيث أن السائل عن ذلك هو الزنديق لأبي عبداللّه  عليه السّلام ، كما في الإحتجاج عن هشام، حيث قال الزنديق: أو ليس توزن الأعمال؟ فقال أبو عبداللّه  عليه السّلام : لا، إن الأعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الاشياء، ولا يعرف ثقلها وخفتها،وإن اللّه لا يخفى عليه شيء.

قال: فمامعنى الميزان؟ قال: العدل. قال: فمامعناه في كتابه <فمن ثقلت موازينه>؟ قال: من رجح عمله.

وفي كثير من الأخبار أن المراد بالميزان، والميازين في الآيات هو رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  والأئمة الهداة، ولامنافاة لما قلناه.

وقال الصدوق في اعتقاده: اعتقادنا في الحساب والميزان أنهما حق، منه ما يتولاه اللّه، ومنه ما يتولاه حججه، فحساب الأئمة والأنبياء يتولاه  اللّه، ويتولى كلّ نبي حساب أو صيائه، ويتولى الأوصياء حساب الأمم، واللّه تبارك وتعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل وهم الشهداء على الأوصياء، وهم شهداء على الناس، وذلك قوله تعالى: ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، وقوله تعالى: <فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد، وجئنا بك على هولاء شهيداًً؟> وقال   عزّوجلّ  : <أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه>، والشاهد أمير المؤمنين  عليه السّلام . وقوله: <إن إلينا إيابهم<.

وسئل الصادق  عليه السّلام  عن قول اللّه   عزّوجلّ  : <ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  فلا تظلم نفس شيئاً>قال: الموازين الأنبياء والمرسلون، وفي الخلق من يدخل الجنة بغير حساب.

ثم قال المفيد في شرحه لهذا الكلام: الحساب هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه، والتوبيخ له على سيئاته والحمد له على حسناته ومعاملاتة في ذلك باستحقاقه، وليس هو كما ذهبت إليه العامة من مقابلة السيئات بالحسنات، والموازنة بينهما على حسب استحقاق الثواب والعقاب عليهما؛ لأن   التحابط بين الأعمال غير صحيح، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت وما يعتمده الحشوية في معناه غير معقول، والموازين هو التعديل بين الأعمال، والجزاء عليها، فيوضع كلّ جزاء في موضعه، وإيصال كلّ ذي حق إلى حقه، فليس الأمرفي معنى ذلك على ما ذهب إليه الحشوية: من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا، لكل ميزان كفتان توضع الأعمال فيهما، إذ الأعمال أعراض، والأعراض لا يصح وزنها، وإنما توصف بالثقل والخفة على جهة  المجاز.

والمراد بذلك أن ما ثقل منها هو ماكثر واستحق عليه عظيم الثواب، وماخف منها ماقل قدره، ولم يستحق عليه جزيل الثواب. والخبر الوارد: أن أمير المؤمنين والأئمة من ذريته هم الموازين، فالمراد أنهم هم المعدلون بين الأعمال فيما يستحق عليها، والحاكمون فيها بالواجب والعدل.

ويقال فلان  عندي في ميزان فلان، ويراد به نظيره، ويقال كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان، والمراد به: أن كلامه أعظم وأفضل قدراً، والذي ذكره في الحساب والخوف منه  هي المواقفة على الأعمال، لأن من وقف  على أعماله لم يتخلص من تبعاتها، ومن عفا اللّه عنه فاز بالنجاة، ومن ثقلت موازينه بكثرة استحقاقه الثواب فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه بقلة أعماله بالطاعات فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، والقرآن إنما نزل بلغة العرب وحقيقة كلامها ومجازه، ولم ينزل على ألفاظ العامة، لما سبق إلى قلوبها من الأباطيل. انتهى. وفيه: إنه مناط الإحباط هو مادلت عليه الأخبار وسيأتي الكلام عليه.

وأما إنكار الميزان بهذه الوجوه فغريب من أمثاله، وليس بمرضي من أقواله لتكثر الأخبار بها على وجهها صريحاً، فلا مفر عن الإقرار بتلك المعاني أجمع؛ وتعدد معنى الميزان.

وأمّا الخبر المنافي له كما سمعت، فليس إلا من باب الإلزام، فنحن نؤمن بالميزان ونرد علمه إلى حملة القرآن، ولم نكلف علم ما لم يوضح لنا بصريح البيان، واللّه الموفق وعليه التكلان.

المسألة السادسة في كيفيّة إنطاق الجوارح
ومنها: الإقرار بإنطاق الجوارح على العباد كما قال اللّه تعالى: <يوم تشهد عليهم السنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون> وغيرها من الأيات أكثر من أن تحصى، والأخبار بها ناطقة على الحقيقة، لا ينكرها إلا من أعمى اللّه قلبه وبصيرته، وأظلم سريرته وهاأنا أتلو عليك شطراً منها.

ففي تفسير النعماني، عن أمير المؤمنين  عليه السّلام  في أنواع آيات القرآن: ثم نظّم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة ،فقال: <وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن اللّه لا يعلم كثيراً مما تعملون> يعني بالجلود هاهنا الفروج.

 وقوله تعالى: <ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولاً>، وساق الخبر... إلى أن قال: ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة، حتى تستنطق؛ لقوله تعالى: <اليوم نختم على أفواههم وتكلّمنا أيديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون>.

وفي تفسير القمي في تفسير قوله تعالى: <حتى إذا جاؤهاشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون>، فإنها نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم، فينكرونها، فيقولون ما عملنا منها شيئاً، فتشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم، قال الصادق  عليه السّلام : فيقولو يارب، هؤلاء ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون باللّه ما فعلوا من ذلك شيئاً، وهو قوله تعالى:< يوم يبعثهم اللّه فيحلفون له كما يحلفون لكم>، وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين  عليه السّلام ، فعند ذلك يختم اللّه على ألسنتهم، وتنطق جوارحهم، فيشهد السمع بما سمع مما حرم اللّه، ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرم اللّه، وتشهد اليدان بما أخذتا ، وتشهد الرجلان بما سمعتا مما حرّم اللّه،و يشهد الفرج بما ارتكب مما حرم اللّه، ثم أنطق اللّه ألسنتهم، فيقولون لجلودهم لم شهدتم علينا، فيقولون: <أنطقنا اللّه الذي أنطق كلّ شيء>  الآية، <وما كنتم تستترون من اللّه أن يشهد عليكم سمعكم> الآية،والجلود الفروج.

وفي العياشي، عن أبي معمر السعدي، قال: قال عليّ  عليه السّلام  في صفة يوم القيامة: يجتمعون في موطن يُستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، فيقام الرسل، فتسأل، وذلك قوله تعالى لمحمد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، <فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً> وهو الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل.

وفي رواية في الكافي عن أبي جعفر  عليه السّلام  قال فيها: وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، وفي كثير من الأخبار شهادة البقاع للمؤمن بصلاته، وكذلك الأيام والليالي.

فعن أبي عبد اللّه  عليه السّلام  ،قال: ما من يوم يأتي على ابن آدم، إلا قال ذلك اليوم: يا بن آدم، أنا يوم جديد، وأنا عليك كثير، فافعل بي خيراً، واعمل في خيراً، أشهد لك يوم القيامة، فإنك لا تراني بعدها أبداً،وفي بعض نسخ الحديث: فقل فيّ خيراً، واعمل فيّ خيراً.

 وفي حديث مسعدة بن زياد عن الصادق  عليه السّلام ، قال: الليل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلا الثقلين: يا بن آدم إني على مافيّ شهيد، فخذ مني فإني لو طلعت الشمس، لم تزدد فيّ حسنة، ولم تستعتب فيّ من سيئة، وكذلك يقول النهار إذا أدبر الليل.

وبالجملة إن الشهود على بني آدم متعددة، وقد جاء في الأعمال ما يقوي ذلك أيضاً بأن يجسّم اللّه تلك الأعمال، ويجعل لها ألسنة، او أن لها تأثيراً في العبد، بحيث تكون الجوارح التي له، لها جوارح.

ومنها اعتقاد تطاير الكتب، وصحائف الأعمال إلى كلّ  شخص، لقوله تعالى:< وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً<

  وجاء في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن الباقر  عليه السّلام  في هذه الآية، وهي قوله تعالى: وكل إنسان يقول خيره وشره معه، حيث كان لا يستطيع فراقه، حتى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل.

وفي خبر البطائني، قال: سمعت الصادق  عليه السّلام  يقول: إذا أراد أن يحاسب المؤمن أعطاه كتابه بيمينه، وحاسبه فيما بينه وبينه، فيقول: عبدي فعلت كذا وكذا، فيقول: نعم يا ربّ قد فعلت ذلك، فيقول: قد غفرتها لك وأبدلتها حسنات، فيقول الناس: سبحان اللّه أما كان لهذا العبد سيئة واحدة؟ وهي قوله تعالى: <وأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب  حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً> قلت: أي أهل؟ قال: أهله في الدنيا هم أهله في الجنة إن كانوا مؤمنين.

وإذا أراد بعبده شراً حاسبه على رؤوس الناس وملائكته، وأعطاه كتابه وراء ظهره، وهو قوله تعالى: <وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً  ويصلى سعيراً إنه كان في أهله مسروراً> قلت: أي أهل؟ قال: أهله في الدنيا، قلت قوله تعالى:< إنه ظن أن لن يحور> ،قال: إنه ظن لم يرجع.

 وفي خبر عن الصادق  عليه السّلام ، رواه أبوبصير، قال: يقول: إن ألمؤمن يعطى يوم القيامة كتابه منشوراً، فيه كتاب اللّه العزيز الحكيم، أدخلوا فلان الجنة.

المسألة السابعة في أحوال يوم القيامة ومواقفها
 ومنها: الإقرار، والإعتقاد بأحوال يوم القيامة ومواقفها، ومراتب الناس فيها، وقيام الأمم حفاة عراة، ما سوى أهل الولاية، والإيمان فإنهم يبعثون بأكفانهم، أو مكسيين من حلل الجنة، ويقفون بين يدي اللّه للحساب، وقد استفاض ذلك في الآيات والروايات.

ومنهم من لا تنشر له دواوين أعماله؛ لكرامته عند اللّه، ومنهم من لا تنشر له دواوين أعماله لكثرة معاصيه، فيؤمر به إلى النار، وقد قال اللّه في سورة الرحمن: <فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولاجان<.

 ففي رواية أبي الواردة عن أبي جعفر  عليه السّلام  قال: إذا كان يوم القيامة، جمع اللّه الناس في صعيد واحد، وهم حفاة عراة، فيقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقاً شديداً، فتشتد أنفاسهم، فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاماً، وهو قول اللّه تعالى: <وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً>قال:ثم ينادي مناد من تلقاء العرش: أين النبي الأمي؟ فيقول الناس قد اسمعت، فسم باسمه، فينادي: أين محمّد بن عبد اللّه نبي الرحمة النبي الأمي؟ فيقدم رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  أمام الناس كلهم، حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين آيلة إلى صنعاء، فيقف عليهم، ثم ينادي بصاحبكم فيتقدم أمام الناس، فيقف معهم، ثم يؤذن للناس، فيمرون فبين وارد الحوض يومئذ، وبين مصروف عنه، فإذا رأى رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  من يُصرف عنه من محبينا يبكي، فيقول: ربّ شيعة علي، قال: فيبعث اللّه ملكاً فيقول: ما يبكيك يا محمّد؟ فقال: أبكي لشيعة على، أراهم صُرفوا تلقاء أصحاب النار، ومنعوا ورود الحوض، قال: فيقول له الملك: إن اللّه يقول: قد وهبته لشيعتك يا محمد، وصفحت لهم عن ذنوبهم، وألحقتهم بك، وبمن كانوا يقولون به وجعلتهم في زمرتك يا محمّد فأوردهم حوضك.

فقال أبو جعفر  عليه السّلام  :كم من باك يومئذ  وباكية، ينادون يامحمد إذا رأوا ذلك، ولا يبقى يومئذ أحد يتولانا ويحبنا ويتبرأ  من عدوّنا ويبغضهم، إلا كان في حزبنا ومعنا ويرد حوضنا.

 

حوض الكوثر
ومما يجب اعتقاده أن للّه حوضاً يقال له الكوثر، فيردون عليه، ورسول اللّه   صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  وعلي  عليه السّلام  والأئمة  عليهم السّلام  جالسون عليه، فيسقون أولياءهم ويمنعون أعداءهم، والحديث المتقدم وغيره من الأخبار مصرح به.

وصفته كما جاء في عدة أخبار عنهم  عليه السّلام  منها خبر محمّد بن العباس ـ كما في المجالس للشيخ ـ قال: لما نزل على رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، <إنا أعطيناك الكوثر> قال علي  عليه السّلام : ما الكوثر يارسول اللّه؟ قال: نهر أكرمني اللّه به. قال علي  عليه السّلام : إن هذا النهر لشريف فانعته لنا يا رسول اللّه. قال: نعم ياعلي، الكوثر نهر يجري تحت عرش اللّه، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، حصاؤه الزبرجد والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر، قواعده تحت عرش اللّه تعالى، ثم ضرب رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  يده في جنب أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقال: ياعلي، إن هذا النهر لي ولك ولمحبيك من بعدي.

ومنها :حديث الأربعمائة ـ كما في الخصال ـ قال: قال أمير المؤمنين  عليه السّلام : بينما أنا مع رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومعي عترتي على الحوض،ممن أرادنا فليأخذ  بقولنا، وليعمل بعملنا، فإن لكل أهل بيت نجيباً، ولنا شفاعة، ولأهل مودتنا شفاعة، فتنافسوا في لقائنا على الحوض، فإنا نذود عنه أعداءنا، ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ،ومن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، حوضنا مترع، فيه شِعْبَان ينصبَّان من الجنة، أحدهما من تسنيم، والآخر من معين، على حافتيه الزعفران وحصاه اللؤلؤ والياقوت وهو الكوثر.

قال الصدوق رحمه اللّه في عقائده: إعتقادنا في الحوض إنه حق، وإن عرضه ما بين آيلة وصنعاء، وهو حوض النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء،وإنّ الوالي عليه يوم القيامة عليّ  عليه السّلام  يسقي منه أولياءه ،ويذوذ عنه أعداءه ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. وقال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ليختلجن قوم من أصحابي، دوني وأنا على الحوض، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأنادي: يارب أصحابي، اصحابي، فيقال لي: إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك.

الشفاعة للمسئمين
ومما يجب اعتقاده، والتدين به الشفاعة للمسيئين من هذه الأمة، والأمم السالفة، والمشهور بين علماء الفريقين ثبوتها كذلك، وهي ثابتة للنبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما قال تعالى: <عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا> .

واختلفوا في متعلقها، وثمرتها. فقالت الوعيدية: إنها عبارة عن طلب زيادة المنافع للمؤمنين المستحقين للثواب.

وذهبت التفضيلية: إلى أن الشفاعة للفساق من هذه الأمة في إسقاط عقابهم وهو الحق، لأنه لو كانت في زيادة لا غير لكنا شافعين في النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حيث نطلب له من اللّه أعلى الدرجات، والتالي بطلانه قطعاً؛ لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه، وقد استدلوا بقوله تعالى: <ما للظالمين من حميم ولاشفيع يطاع<.

فقد نفى اللّه قبول الشفاعة عن الظالم، والفاسق ظالم. والجواب : إنه نفى الشفيع المطاع، ونحن نقول به؛ لأنه ليس في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع فوق المطيع، واللّه تعالى فوق كلّ  موجود، ولا  أحد فوقه، ولا يلزم من نفي الشفيع المطاع نفي الشفيع المجاب.

ولو سلم دلالة الآية على نفيها مطلقاً، فيجوز أن يكون المراد بالظالمين هنا الكفار، جمعاً بين الأدلة، وكذا الجواب عن قوله تعالى :<ما للظالمين من أنصار>، <ولا تنفعها شفاعة> ،و <فما تنفعهم شفاعة الشافعين> ،بحملها على الكفار.

 وإذا تتبعت تلك الأخبار الواردة في تفسير هذه الآيات رأيتها دالة على ثبوت الشفاعة بالمعنيين، وإن شفاعة نبينا  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  هي أعم الشفاعات، حتى أن الأنبياء عليه السّلام  إنما يشفعون في أممهم بعد استشفاعه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  لهم بقبول شفاعتهم.

قال الصدوق في عقائده: إعتقادنا في الشفاعة إنها لمن ارتضى دينه من أهل الكبائر والصغائر،فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة ،وقال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من لم يؤمن يشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي.

وقال: لا شفيع انجح من التوبة، والشفاعة للأنبياء، والأوصياء والمؤمنين والملائكة، وفي المؤمنين من يشفع بين ربيعة ومضر، وأقل المؤمنين شفاعة من يشفع لثلاثين إنساناً، والشفاعة لا تكون لأهل الشك والشرك، ولا لأهل الكفر والجحود، بل تكون للمؤمنين من اهل التوحيد.

وفي تفسير العياشي عن سماعة بن مهران، عن أبي إبراهيم في قول اللّه تعالى: <عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً> قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاماً، وتؤمر الشمس فتركد على رؤوس العباد، ويلزمهم العرق، وتؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً، فيأتون آدم  عليه السّلام  فيتشفعون عنده، فيدلهم على نوح  عليه السّلام ، ويدلهم نوح على إبراهيم  عليه السّلام ، ويدلهم إبراهيم على موسى  عليه السّلام ، ويدلهم موسى على عيسى  عليه السّلام ، ويدلهم عيسى فيقول: عليكم بمحمد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  خاتم النبيين فيقول: أنا لها، فينطلق حتى يأتي باب الجنة، فيدقه، فيقال له: من هذا، واللّه أعلم، فيقول محمّد افتحوا له الباب، فإذا فتح الباب استقبل ربه فخر ساجداً رأسه، حتى يقال له: تكلم وسل تعط، واشفع تشفع، فلايرفع رأسه ويستقبل ربّه ساجداً، فيقال له: مثلها، فيرفع رأسه، حتى أنه ليشفع في من يُحرق بالنار، فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم اوجه من محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو قوله تعالى: <عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً>.

وفي خبر عليّ بن أبي حمزة ـ كما في المحاسن ـ قال: قال رجل لأبي عبد اللّه  عليه السّلام : إن لنا جاراً من الخوارج، يقول: إن محمداً  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  يوم القيامة همه نفسه، فكيف يشفع؟ فقال  عليه السّلام : ما أحد من الأولين والأخرين إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  يوم القيامة.

وفي خبر محمّد بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه  عليه السّلام ، عن أبيه عن جده، عن علي  عليه السّلام  قال: إن للجنة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منهم شيعتنا ومحبونا، فلا أزال فعلى الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبي وأنصاري ومن توالاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أُجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك، فيشفع كلّ  رجل من شيعتي، ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني، بفعل أو قول في سبعين ألف من جيرانه وأقربائه وباب يدخل منه سائر المسلمين، ممن يشهد ألا إله إلا اللّه، ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت.

وفي تفسير قوله تعالى ـ كما في المحاسن ـ عن الصادق  عليه السّلام  : <لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا> ،قال: واللّه نحن المأذون لنا في ذلك اليوم، والقائلون صواباً، قلت: جعلت فداك وما تقولون؟ قال  عليه السّلام : نمجد ربنا، ونصلي على نبيّنا، ونشفع لشيعتنا، فلا يردّنا ربّنا.

وبالجملة فأخبار ثبوت الشفاعة متواترة من الطرفين، فلا معنى لإنكارها.

الجنّة والنار
ومما يجب إعتقاده أن الجنة والنار الكائنتين في يوم القيامة مخلوقتان الآن، لا سيخلقان، والجاحد لذلك كما عليه المعتزلة، ليس من شيعتهم، لشهادة الآيات والروايات بذلك، وارتكاب المجاز فيها غير محتاج إليه، وليستا جنة آدم  عليه السّلام  ونار برهوت، بل الكل موجود بنص الكتاب والسنة.

ففي صريح الهروي كما في العيون قال: قلت للرضا  عليه السّلام  :يابن رسول اللّه، أخبرني عن الجنة والنار، أهما اليوم مخلوقتان؟ قال: نعم، وإن رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قد دخل الجنة والنار لما عرج به إلى السماء، قال: فقلت له: إن قوماً يقولون:إنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين، فقال:  عليه السّلام  ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن كذبنا فليس من ولايتنا على شيء، وخُلِّد في نار جهنم.

قال اللّه عزّ وجلّ  : <هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها، وبين حميم آن> وقال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لما عُرج بي إلى السماء، أخذ بيدي جبرئيل فادخلني الجنة، فناولني من رطبها، وأكلته، فتحول ذلك نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة  عليه السّلام  ففاطمة حوراء إنسبة، وكلّما اشتقت إلى الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة  عليه السّلام .

وفي كتاب صفات الشيعة للصدوق ،بإسناده إلى عمار، قال: قال الصادق  عليه السّلام : ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، والمسائلة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة.

وفيه عن الفضل بن شاذان عن الرضا  عليه السّلام ، قال:من أقر بتوحيد اللّه ... وساق الحديث، إلى أن قال: وأقر بالرجعة والمتعتين وآمن بالمعراج، والمساءلة في القبر والحوض، والشفاعة، وخلق الجنة والنار، والصراط، والميزان، والبعث والنشور والجزاء، والحساب فهو مؤمن حقاً، وهو من شيعتنا أهل البيت.

وفي تفسير النعماني: عن أميرالمؤمنين  عليه السّلام  قال: وأما الرد ّعلى من أنكر خلق الجنة والنار فقول اللّه تعالى: <عند سدرة المنتهي، عندها جنة المأوى>  ،وقول رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : دخلت الجنة فرأيت قصراً من ياقوت يُرى داخله من خارجه، وخارجه من داخله من نوره، فقلت يا جبرئيل لمن هذا القصر؟ فقال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، واطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام، فقلت: يا رسول اللّه: وفي أمتك من يطيق هذا؟ فقال لي: أدن مني، فدنوت منه، فقال: أتدري ما إطابة الكلام؟ فقلت: اللّه ورسوله اعلم، فقال: هو سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه اكبر، أتدري ماإدامة الصيام؟ فقلت: اللّه ورسوله أعلم، فقال: من صام شهر رمضان ولم يفطر منه يوماً، أتدري ما إطعام الطعام؟ فقلت: اللّه ورسوله أعلم، فقال: من طلب لعياله ما يكف به جوعهم، أتدري ما التهجّد بالليل والناس نيام؟ فقلت: اللّه ورسوله اعلم، فقال: من لا ينام حتى يصلي العشاء الأخرة، ويريد بالناس هنا اليهود والنصارى لأنهم ينامون بين الصلاتين.

واعلم أن الإيمان بالجنة والنار على ما أوردنا في الآيات والأخبار من غير تأويل من ضروريات  الدين، ومنكرهما، أو مؤولهما بما أولت به الفلاسفة، خارج من الدين؛ لأن كونهما مخلوقين الآن قد ذهب إليه أكثر طوائف المسلمين، إلا شرذمة من المعتزلة، فإنهم يقولون سيخلقان في القيامة، وقد سمعت ما في تلك الآيات والأخبار، فهي مانعة لقولهم مزيفة لمذهبهم، ولم يذهب لهذا القول السخيف أحد من الإماميّة إلا ما ينسب إلى السيد الرضي  " وقد وقع منه غفلة.

وأما مكانهما فقد عرفت إن الأخبار تدل على أن الجنة فوق السماوات السبع، والنار تحت الأرضين السابعة، والعرض سقف الجنة بدليل قوله تعالى :<عند سدرة المنتهي، عندها جنة المأوى>، وقوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : سقف الجنة عرش الرحمن.

فإذا ثبت ذلك، وجب الإقرار أيضاً بأن الثواب والعقاب متعلقان بالجنة والنار، وإنهما خُلِقا لذلك، وهو مما لا يأتي عليه التفصيل ـ كما نطقت به الآيات والروايات.

ففي الجنة مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يحصيه إلا علام الغيوب، وكذلك الآلام والأغلال والحميم وسرابيل القطران وغير ذلك، مما توعّد به من نكال أهل النار، فيجب التصديق بهذه الأمور والإقرار بها، واعتقاد وقوعها بالأدلة السمعية المتواترة القطعية؛ لأنها أمور ممكنة، فتكون مقدورة للّه تعالى.

وقد أخبر النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بوقوعها، فيجب الإعتراف بها، وهي من العقائد المتوقف عليها ثبوت الإيمان ـ كما نطقت به الأخبار المساقة لبيان ما يجب على المكلفين ـ.

وليعلم إن الواقع منهما في البرزخ وفي القبر بالنسبة إلى الجنة البرزخية والنار البرزخية، وإن لم يكونا عامتين واقع لقوله تعالى: <ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيّاً  النار يعرضون عليها غدواً وعشيّاً > ،كما أشرنا إليه فيما سبق.

 في إستحقاق الثواب والعقاب

وأما بيان استحقاق ذلك الثواب والجزاء، وكذلك العقاب في مقابلة تلك الأعمال، وكيفية وصولهما إلى المكلفين، وبيان مستحقهما، فيتوقف على بيان أمور.

الأول: في بيان المستحق، وكيفية الإستحقاق، ولا خلاف في أن المؤمن الذي قد عمل عملاًصالحاً مخلداً في الجنة، وإنما الخلاف في هذا الثواب الواصل إليه، هل هو بالإستحقاق من جهة الطاعة، أو من باب التفضل، فالأشاعرة  والبلخي من المعتزلة، وابن نوبخت من الإمامية على أنه ليس من الإستحقاق من جهة الطاعة.

أما الأشاعرة فلبنائهم ذلك على أصلهم الفاسد من أنه لا واجب على اللّه، فلا يستحق عليه شيء، وأما البلخي، وابن النوبخت فقالا: إن نعم اللّه على المكلفين كثيرة، ولا تعد ولا تحصى فيجب على المكلف شكرها، وطاعات المكلف، وإن كثرت، لا توازي بعض ما يجب عليه من شكر تلك النعم، فلا تستعقب استيجاب ثواب آخر، لأن المؤدي لماوجب عليه لغيره، لا يستحق عنه عوضاً.

والمحققون من المتكلمين، والإمامية على الإستحقاق بالطاعة لقوله تعالى في آية: <جزاء بما كنتم تعملون>، والمذهبان الأولان ضعيفان.

أما مذهب الأشاعرة فلإبتنائه على أصلهم الفاسد من منع الواجبات عليه وقد مرّ  بيان فساده، وأما المذهب الآخر، فإن الشكر ليس هو العبادة الشرعية المتنوعة إلى أنواع التكاليف الشاقة، بل عبارة عن الإعتراف بنعم المنعم، مع ضرب من التعظيم، وهو قد يحصل من المكلف من دون التكاليف الشرعية، وكل عاقل يحكم بأن الشكر عبارة عن ذلك، لاعن شيء  آخر، فكان التكليف مستلزم للعوض.

وربما ذهب  بعض مشائخنا من المتأخرين إلى عدم استحقاق العبد لشيء من هذا الثواب؛ لأنه من النعم المسببة عما أنعم اللّه بها عليه من الهداية والتوفيق وقبول الألطاف، ولأن الشكر ليس مختصاً بما ذكره المشهور؛ لأنه لغة فعل ينبىء عن تعظيم المُنعِم بسبب إنعامه فيشمل التكاليف والعبادات كلها، وعرفاً صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه فيما خُلِق لأجله، وفيه نظر، لأن التكليف بالعبادات متأخر عن التكليف بالشكر في مقابلة النعم ومتوقف على الخطابات الشرعية، مع أنه ينقسم إلى الأحكام الخمسة، فكيف يكون من أنواع الشكر الواجب عقلاً وسمعاً بجميع طرقه، نعم اطلاق الشكر على العبادات بعد التكليف بها من باب المجاز، ولأنها فرضت لتأدية الشكر، لكونها بعض طرقه، وطرقه غير محصورة، فلا محيص عن ارتكاب المجاز جمعاً بين الآيات والروايات، ولا خلاف بين فرق المسلمين في أن الكافر الذي يموت على كفره مخلد في النار، وإنما الخلاف في كيفية استحقاقه له، هل هو عقلي أو سمعي؟ فالمعتزلة على الأول؛ لأنه لطف، فيكون واجباً.

أما الصغرى فلأن المُكلّف إذا علم انه متى   أخطأ عُوقِب كان ذلك زاجراً له عن المعصية.

وأما الكبرى فقد تقدمت الأدلة على ثبوتها، وقال المرجئة والإمامية: إنه سمعى، لأنه ليس للعقل دلالة على الحكم بإيجابه على اللّه تعالى؛ لأنه حقه، فجاز وقوعه بالنسبة إلى حكم العقل من غير ترجيح لما ورد من السمع من تحقق وقوعه، فوجب التصديق به، والحكم بوقوعه.

وإنما الخلاف بينهم في أن المؤمن الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ويكون السيء كبيراً؛ لأن السيء إذا كان صغيراً، فلا خلاف في أنه مكفر باجتناب الكبائر، ولم يواف الموت بالتوبة، فإنّه لو وافاها  كان الذنب مكفراً أيضاً إجماعاً،وإنّما الخلاف في أنّه إذا كان السيء كبيراً ولم يواف بالتوبة هل يكون عقابه دائماً أو منقطعاً؟ فالمتكلمون ما عدا المعتزلة على وجوب انقطاعه بل جوزوا ألا يعاقب أصلاً؛ لأجل حصول الأجرين:

الأول: العفو عنه، فإنه جائز في حكمة اللّه تعالى، والمعتزلة منعوا من جوازه، واحتج الأولون بوجهين:

الأول: إن العفو إحسان، وكلّ إحسان حسن، فينتج أن العفو حسن، والمقدمتان ظاهرتان.

والثاني: إن العقاب حقه، فجاز منه إسقاطه، مع أن السمع مشحون بذلك. مثل قوله تعالى: <إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء> وقوله تعالى:< إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً> ،ولتمدّحه في مواضع كثيرة من القرآن بأنه عفو غفور، وغفور رحيم، وليس المراد بذلك مع التوبة قطعاً؛ لعدم الفرق بينهما حينئذ لقيام الأدلة، والإجماع على سقوط العقاب بها، فيكون المراد مع عدمها؛ ليحصل الفرق؛ ولما مرّ من ثبوت الشفاعة للنبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأهل بيته ومن الأنبياء والأولياء فهي ثابتة بالأدلة المتقدمة وبها يسقط العقاب؛ ولأمر اللّه تعالى له بالإستغفار للمؤمنين، وهو لا يترك الإستغفار، وكذا الملائكة، لعدم جواز تركه بعد الأمر لقوله  عليه السّلام ، ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.

ولمّا كانت المعتزلة قائلين بعدم الإسقاط منعوا من الشفاعة وقالوا :إنّها ليست لإسقاط العقاب، بل لزيادة الدرجات، وقد سمعت أدلتهم الفاسدة وبيان نقضها بالكتاب والسنة، فحيث لم يحصل أحد هذه الأمور لصاحب الكبيرة، كان مستحقاً للتعذيب، ولله المشيئة فيه، فينقطع عذابه، إلا إذا كانت السيئة الكبيرة مخرجة له عن الإسلام ،كأديان أولئك الفرق المحكوم بكفرهم، ولأنه لو استمر عذابه، مع أنه قد عَمِلَ صالحاً، لكان لا يخلو إما أن يصل إليه عوض إيمانه أم لا، والثاني باطل؛ لأنه ظلم، والأول إما أن يكون متقدماً على العقاب، أو متأخراً عنه، والأول باطل، لقيام الأدلة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها للعقاب والعذاب لوجوب الخلود واستمرار النعم، فتعين الثاني، وهو الظاهر؛ لأن وصول الثواب إليه إنما يكون بعد عقابه؛ لاستحالة اجتماعهما، وإلى هذه أشار النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في الحديث المشهور من الطرفين في حق أهل الكبائر، إنهم يخرجون من النار، وهم كالفحم فيراهم أهل الجنة، فيقولون هؤلاء جهنميون، فيؤمر بهم فيغمسون  في نهر الحيوان، ثم يخرجون وأحدهم كالبدر في ليلة تمامه.

وهذا التقرير مبني على أن المؤمن يستحق بإيمانه الثواب وبعصيانه العقاب، وعلى جواز اجتماع الإستحقاقين، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى، <فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره>.

والمعتزلة قد منعوا اجتماعهما، وإن أحدهما عندهم ينفي الآخر،فلهذا قالوا بالإحباط والتكفير، ومعناهما: إن كلا منهما ينفي الآخر، فإن كان استحقاق العقاب نافياً لاستحقاق الثواب سمي إحباطاً، وبالعكس سمي تكفيراً.

واحتجوا عليه بأنه لو لا الإحباط لكان من أنعم على شخص بنعم كثيرة ثم إن هذا كسر قلماً للمنعم عليه أو فعل معه فعلاً دنيئاً حسن منه الذم لهذا الكاسر، لكن ذلك باطل؛ لأن العقلاء لايذمونه، وما ذلك إلا لأن فعله الكبير محبط لتلك النعم الكثيرة، وهو مذهب سخيف، واحتجاج ضعيف جداً.

أما أولاً: فلأنه لو كان كما يقولون في جميع الأعمال، لكان من فعل فعلاً يستحق به العقاب، وفعلاً يستحق به الثواب، وكانا متساويين بمنزلة من لم يفعل شيئاً، وهذا باطل بالضرورة من غير حاجة إلى إقامة براهين.

وأما ثانياً: فلأن الثواب، والعقاب إن لم يكونا متنافيين، لم ينف أحدهما الآخر، فيجمع الإستحقاقان، وإن تنافياً لذم اجتماع الوجود والعدم في كلّ منهما؛ لأن التنافي من الطرفين.

فإن قيل: أن الطاريء ينفي السابق، قلنا: لا أو لوية في انتفاء الطاريء بالسابق دون العكس لتساويهما في القوة.

فالحجة رديئة، ولإثم حصول الذم على فعل ذلك اليسير، بل نقول يجب مدحه على إحسانه، ويجوز ذمه على إساءته.

الثاني: في بيان ما يستحق به العقاب والثواب.

أما الثواب فيستحق بوجوه خمسة ـ كما اقتضته الأدلة السمعية والعقلية:

الأول منها: فعل الواجب لحصول المشقة بفعله المستلزمة لوجوب التعويض عنه.

الثاني: فعل المكروه للأمر به على جهة الترغيب، المستلزم للتكليف،وإن لم يكن لازماً المستلزم الإتيان به المشقة المستلزمة للعوض.

الثالث: ترك المكروه لغير ما ذكرناه في الأولين.

الرابع: فعل ضد القبيح الذي هو الحسن أعني المباح الذي يكون فعله مستلزماً لترك القبيح، فإنه بسبب استلزامه لترك القبيح يكون موجباً للعوض، كإباحة الجماع للصائم ليلاً، كما قال تعالى:< أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم> لأن ترك القبيح تكليف مستلزم للتعويض.

الخامس: الإخلال بالقبيح، فإنه مأمور به، لورود النهي عن فعله، والنهي عن فعل شيء أمر بتركه،فيستلزم المشقة المستلزمة للتعويض ما نهي عنه شرعاً لقبحه، أو عقلاً لمخالفة فاعله الأمر بتركه ،فيحصل له العصيان بذلك، فيستحق جزاء المعصية، وهو العقاب.

الثاني: الإخلال بالواجب لغير ما ذكرناه.

وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الشرط في حصول الثواب بما ذكرناه، أن يفعل المكلف الواجب لوجوبه، لا لغرض من ثواب أو عقاب أو رياء أو سمعة أو مدح أو ثناء، وبالجملة، أن لا يكون لفرض أخروي ولا دنيوي أو آخر يفعله لوجه وجوبه، على كونه لطفاً   في واجب عقلي، أو شكراً للنعمة، أو طلباً لمرضاة اللّه، أو لكونه مأموراً به، أو لكونه أهلاً لذلك.

وكذا الكلام في فعل المندوب، بأن يفعله لندبه، أو لوجه ندبه ـ ما ذكرنا في الإخلال بالقبيح لقبحه، لا لغرض آخر؛ لأنه لو أخل به لا لقبحه لم يكن مخلاً به في الحقيقة، فلا يستحق شيئاً،هذا ملخص كلام أولئك الفرق.

والذي يقتضيه التحقيق المستنبط من الآيات والأخبار، أنه لا يمكن إنكار سقوط ثواب الإيمان بالكفر اللاحق الذي يموت عليه، ولا سقوط الكفر بالإيمان اللاحق الذي يموت عليه، وقد دلت أخبار كثيرة على أن كثيراً من المعاصي توجب سقوط ثواب كثير من الطاعات، وإن كثيراً من الطاعات كفارة لكثير من السيئات، ومن تتبع تلك الأخبار المتكثرة، ظهر له ظهوراً تاماً، بأن الحسنات يذهبن السيئات، ولم يقم دليل تام عقلاً، ولا شرعاً على بطلان ذلك.

وأما إن ذلك عام في جميع الطاعات، والمعاصي فغير معلوم، وأما إن ذلك على سبيل الإحباط، والتكفير بعد ثبوت الثواب والعقاب، وعلى سبيل الإشتراط، لأن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع ذلك الفسق بعده، وإن العقاب على المعصية مشروط بعدم وقوع تلك الطاعة بعدها، فلا يثبت أولاً ثواب ولا عقاب، فلا يهمنا تحقيق ذلك، بل يرجع النزاع في الحقيقة إلى اللفظ، لكن الظاهر من كلام المعتزلة أكثر، والإمامية، إنهم لا يعتقدون إسقاط الطاعة شيئاً من العقاب، أو المعصية شيئاً من الثواب، سوى الإسلام والإرتداد والتوبة.

وأما الدلائل التي ذكروها لذلك فليس يخفى ههنا.

في الوعد والوعيد
والحق في الوعد وجوب الوفاء به على اللّه، وإن لم يكن مستحقاً له في الحقيقة.

وأما الوعيد فهو فيه بالخيار، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ففي خبر عبداللّه بن القاسم الجعفري ـ كما في المحاسن ـ عن الصادق  عليه السّلام ، عن آبائه قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من وعده اللّه على عمل ثواباً فهو منجزه، ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار، إن عذّبه  فبعد له، وإن عفا عنه فبفضله، وما اللّه بظلام للعبيد، وقد قال اللّه عزّ وجلّ : <إن اللّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء>.

في العدل
واعتقادنا في العدل هو أن اللّه تبارك، وتعالى أمرنا بالعدل، وعاملنا بما هو فوقه، وهو التفضل، وذلك إنه عزّ وجلّ  يقول: <من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون> ولا يرد على ما قلناه ما قاله المعتزلة الجاحدون للعفو، والمكذبون للّه تعالى فيما أخبر به، لما أحضر الشيطان في قلوبهم من أنه لو صدر ذلك عن اللّه بعد ما أوعد من أتى بكبر الكبيرة بالعقاب إذ لو لم يعاقب لذم الخلف في وعده، والكذب في خبره، وهما محالان.

لأنا نقول: إن الوعد والوعيد مشروطان بقيود، وشروط معلومة من النصوص، فيجوز التخلف بسبب بعض تلك الشروط، ولأن الغرض منها إنشاء الترغيب لا الإخبار، وسيما بعد تكثر الآيات والروايات بالفرق فيما بين الأمرين، ولأن الوعد حق العبد، والوعيد حق اللّه، وهو من المدائح التي مدح بها نفسه في مواضع عديدة، وأمر العباد بذلك في أدعيتهم، واندبتهم، على أنا نقول: يجوز أن يُقال بتخصيص الذنوب المغفورة من عمومات الوعيد بالدلائل المفصلة، ولا خُلف على هذا التقدير أيضاً، فلا يلزم تبديل القول، كما يدل عليه آية: <ما يبدل القول لدي> ،وكذا أيضاً حمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد به، لا على وقوعه بالفعل. ولله در شيخنا المفيد في كتاب العيون والمحاسن، حيث حكى عن أبي القاسم الكعبي في كتاب الغرر عن أبي الحسين الخياط، قال: حدثني أبو مجالد، قال: مر أبو عمرو بن العلاء  بعمرو بن عبيد، وهو يتكلم في الوعيد، قال: إنما أتيتم من العجمة؛ لأن العرب لا ترى ترك الوعيد ذمّاً، وإنما ترى ترك الوعد  ذمّا وأنشد:

وإني وإن أوعدته ووعدته        لأخلف إيعادي وأنجز موعدي

قال: فقال له عمرو: أفليس يسمى تارك الإيعاد مخلفاً؟ قال: بلى، قال: فتسمي اللّه تعالى مخلفاً إذا لم يفعل ما أوعد؟ قال: لا، قال: فقد أبطلت شهادتك، ثم قال المفيد: وجدت أبا القاسم قد اعتمد على هذا الكلام، واستحسنه، ورأيته قد وضعه في أماكن شتى من كتبه واحتج به على أصحابنا الراجية، فيقال له: إن  عمرو بن عبيد ذهب عن موضع الحجة  في الشعر، وغالط أبا عمرو بن العلا، وجهل موضع المعتمد من كلامه، وذلك أنه إذا كانت العرب والعجم، وكل عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد، ولا يعلقون بصاحبه ذماً، فقد بطل أن يكون العفو من اللّه تعالى مع الوعيد قبيحاً؛ لأنه لو جاز أن يكون منه قبيحاً ما هو حسن في المشاهد عند كلّ عاقل، لجاز أن يكون منه حسناً ما هو قبيح في المشاهد عند كلّ عاقل.

وهذا نقض العهد، والمصير إلى أهل الجور والجبر، مع إنه إذا كان العفو مستحسناً مع الخلف، فهو أولى بأن يكون حسناً مع عدم الخلف. ونحن إذا قلنا: إن اللّه سبحانه يعفو مع الوعيد، فإنما نقول: إنه توعد بشرط يخرجه من الخلف في وعيده لأنه حكيم لا يعبث، وإذا كان حسُن العفو في الشاهد منا يعم قبح الخلف حتى يسقط   الذم عليه، وهو لو حصل في موضع لم يخرجه العفو أو لو حصل في معناه من الحسن لكان الذم عليه قائماً، ويجعل وجود الخلف كعدمه في ارتفاع اللوم عليه، فهو اخراج الشرط المشهود عن القبح إلى صفة الحسن، وإيجاب الحمد والشكر أحرى، وأولى من إخراجه الخلف عما كان يستحق عليه من الذم عند حسن العفو وأوضح باب البرهان، وهذا بين لمن تدبره؛ انتهى.

وهو كلام حقيق بأن يكتب بالنور على صفحات جباه الحور، ثم قال: وإني لأعجب من متكلم يقطع على حسن معنى، مع مضامته لقبيح وجعل حسنه سقطاً للذم على القبيح، ثم يمتنع في حسن ذلك المعنى مع تقربه من ذلك القبيح، ثم يفتخر بهذه النكتة عند أصحابه، ويستحسن إحتجاجه المؤدى إلى هذه المناقضة، ولكن العصبية ترين القلوب.

خاتمة في التوبة
حيث إن التوبة حاسمة للذنب، وموجبة للمغفرة عندالجميع أفردنا لها هذه الخاتمة في هذه الرسالة، لأنها ذات مباحث وكلام، وتقسّم إلى أقسام، وقد جاءت بها الآيات القرآنية، والأحاديث المعصومية. قال اللّه تعالى: <فتلقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم>  ،وقال: <فتوبوا إلى بارئكم>،< إن الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا >،<وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم >... إلى غير ذلك مما اشتملت عليه أكثر السور القرآنية، حتى قال في سورة النصر: <واستغفره إنه كان تواباً> وهي مشتملة على مباحث رائعة:

الأول: في وجوب التوبة، ولاخلاف في وجوبها في الجملة بالكتاب والسنةو الإجماع، والأظهر أنها لم تجب إلا لما لم يُكفَّر من الذنوب كالكبائر والصغائر التي أصر عليها، فإنها  ملحقة بالكبائر، والصغائر التي  لم يتجنب معها الكبائر، فأما مع اجتنابها فهي مكفرة به إذا لم يصر عليها؛ لقوله تعالى:< إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم> ،وإن كان الكلام قد طال في تحقيق الكبائر ومغايرتها والصغائر أو اتحادها بها ،وليس هذا مقام ذكرها.

 والدليل العقلي على الوجوب لذلك رفعها الضرر، ووجوب الندم على كلّ قبيح، أو اخلال بوجوب، ولعلها هي الندم على المعصية، لكونها معصية، والعزم على ترك المعاودة في المستقبل؛ لأن ترك العزم يكشف عن نفي العزم، وعلى تقدير وجوبها في الجملة اختلف المعتزلة وغيرهم من فرق الإسلام في تعميمها، وتخصيصها،فجماعة من المعتزلة، إنها تجب من الكبائر المعلومة، إنها من الكبائر، أو المظنون فيها ذلك، ولا تجب من الصغائر المعلومة إنها من الصغائر، وآخرون إلى أنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل، وآخرون إنها تجب من كلّ صغير وكبير من المعاصي، أو الإخلال بالواجب، سواء تاب منها أو لم يتب، وما ذكرناه من الإستدلال العقلي ظاهر في وجوب التوبة من الذنب الذي تاب عنه، ولعله نظر إلى أن الندم من القبيح واجب في كلّ حال، وكذا ترك العزم على الحرام واجب في كلّ حال دائماً، وفيه إن العزم على الحرام مالم يأت به لم يترتب عليه إثم ـ كما تضمنه كثير من الأخبار ـ إلا أن يقال: إن العفو عنه تفضلاً لا ينافي كونه منهياً عنه، كالصغائر المكفرة.

وأما الندم على ما صدر عنه فلا ثم وجوبه، بل تحقق الذم سابقاً، وسقوط العقاب، إلا أن القول بوجوبه قوي جداً.

الثاني: قد اختلف في انه هل تتبعض التوبة أم لا، قولان للمتكلمين، والأقوى الأول؛ لعموم الآيات والنصوص وضعف المعارض، وحينئذ يجوز أن ترجح لفاعل القبائح دواعيه إلى الندم على بعض القبائح دون بعض، وإن كانت القبائح مشتركة في أن الداعي يدعو إلى الندم عليها، وذلك بأن تقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب، وكثرة الزواجر عنه، والشفاعة عند العقلاء عند فعله، ولا تقترن هذه القرائن بهذه القبائح، وعلى هذا فينبغي أن يحمل كلام علي  عليه السّلام ، وكلام بعض أولاده كالرضي> رحمه اللّه< وغيره، حيث نقل عنهم نفي تصحيح التوبة عن بعض القبائح دون بعض، على قوة الداعى بأعتبار جميع الذنوب؛ لكمال إيمانه؛ لأنه لو لا ذلك لزم خرق الإجماع ورد كثير من الأدلة المبعضة.

بيان ذلك: إن الكافر إذا تاب من كفره، وأسلم، وهو مقيم على الكذب، أما أن يحكم بإسلامه، وتقبل توبته من الكفر، أم لا، والثاني خرق الإجماع؛ لاتفاق المسلمين على إجراء حكم المسلم عليه، والأول هو المطلوب، وقد التزم أبو هاشم استحقاقه عقاب الكفر، وعدم قبول توبته وإسلامه، ولكن لايمنع من إطلاق إسم الإسلام عليه.

الثالث: إن العزم على عدم العود إلى الذنب فيما بقي ممن العمر، لابد في التوبة منه ـ كما عرفت ـ وهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط حتى لوزنا ثم جب، وعزم ألا يعود إلى الزنا مع عدم قدرته عليه، لم تصح توبته؟ أم ليس بشرط فتصح؟ الأكثر على الثاني، بل ربما نقل عليه غير واحد الإجماع، وأولى من هذا بصحة التوبة لمن تاب في مرض مُخوِّف غلب على ظنه الموت فيه.

أما التوبة عند حضور الموت، وتيقّن الفوت،وهو المعبّر عنه بالمعاينة، فالآيات والأخبار، والإجماع على عدم صحتها، وفي بعض الأخبار مايدل على قبولها من الجاهل دون العالم، ولعله في أول مراتبها.

الرابع: في أنواعها، لأن التوبة إما أن تكون من ذنب يتعلق به تعالى خاصة، أو يتعلق به حق الأدميين، والأول إما أن يكون فعل قبيح، كشرب الخمر والزنا أو إخلال بواجب، كترك الصلاة والزكاة والأول يكفي في التوبة منه الندم عليه، والعزم إلى ترك العود إليه.

وأما الثاني فتختلف أحكامه بحسب القوانين الشرعية، فمنه ما لابد مع التوبة من فعلها مع التوبة من فعله أداء، كالزكاة، ومنه ما يجب معه القضاء، كالصلاة، ومنه ما يسقطان عنه <كالعيدان>. وهذا الأخير يكفي فيه الندم، والعزم على ترك المعاودة، كما في فعل القبيح.

وأما ما يتعلق به حق الآدمي فيجب فيه الخروج منه إليهم فإن كان أخذ مالاً، وجب رده إلى مالكه، أو وارثه إن مات، ولم يتمكن من ذلك وجب العزم عليه، وكذا إن كان قذف، وإن كان قصاص وجب الخروج إليهم منه، بأن يسلم نفسه إلى اولياء المقتول، فإما أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدية أو بدونها، وإن كان في بعض الأعضاء وجب تسليم نفسه ليقتص منه في ذلك العضو إلى المستحق من المجني عليه أو لوارثه، وإن كان إضلالاً  وجب إرشاد من أضل ورجوعه مما اعتقده بسببه من الباطل إن أمكن ذلك.

وليعلم أن هذه التوابع ليست أجزاءاً  من التوبة، فإن العقاب مُسْقَطٌ بالتوبة، ثم إن قام المكلف بالتبعات  التائب إذا فعل التبعات بعد إظهار توبته كان ذلك دلالةً على صدق الندم، وإن لم يقم بها أمكن جعله دلالة على عدم صحة الندم.

والمغتب: إما أن يكون بلغه اغتيابه أم لا، ويلزم فاعل الغيبة في الأول الإعتذار منه إليه لانه أوصل ضرر الغم فوجب عليه الإعتذار منه، وبالغم والندم عليه.

وفي الثاني: لايلزمه الإعتذار، ولا الإستحلال منه، لأنه لم يفعل به ألماً، وفي كلا القسمين يجب الندم للّه تعالى لمخالفة النهي والعزم على ترك المعاودة.

أما المتلبس بالعلّة قبل وجود المعلول  فهل يجب عليه الندم على المعلول، أو على العلة، أو عليهما؟ مثاله الرامي إذا رمى قبل الإصابة.

فشيوخ المعتزلة على وجوب الندم على الإصابة لأنها هي القبيح، وقد صارت في حكم الموجود الواجب حصوله عند حصول السبب، والقاضي على أنه يجب عليه الندمان، أحدهما على الرمي لأنه قبيح، والثاني على كونه مولداً للقبيح، ولا يجوز أن يندم على المعلول؛ لان الندم على القبيح إنما هو لقبحه، وقبل وجوده لا قبح فيه.

وهل يجب بالتوبة في الذنوب الكثيرة  مع العلم بها؟ التفصيل في التوبة أيضاً؟

 ولا يكفي الإجمال إلا عند عدم العلم بها مفصلة أم لا يجب؟ قولان: وعلى الأولى فلو كان بعضها مفصل العلم، وبعضها غير معلوم، لزم في كلّ واحد بحسبه من الإجمال والتفصيل، والأقوى عدم الوجوب، بل يكفي الإجمال مطلقاً.

الخامس: لأنه لا خلاف بين المتكلمين في وجوب التوبة سمعاً، واختلفوا في وجوبها عقلاً فأثبتها المعتزلة؛ لدفعها ضرر العقاب ـ كما تقدم ـ وهذا لا يدل على وجوب التوبة عن الصغائر، ممن يجتنب الكبائر؛ لكونها مكفرة ـ كما سمعت ـ ولهذا ذهبت البهشمية إلى وجوبها من الصغائر سمعاً لا عقلاً.

وأما فورية الوجوب فقد صرح بها المعتزلة، فقالوا: يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضاً،حتّى أنّ من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين، وساعتين أربع كبائر، الأولتان، وترك التوبة من كلّ منهما، وثلاث ساعات ست كبائر وأربع ساعات ثمان كبائر... وهكذا.

وأصحابنا يوافقونهم على الفورية، لكنهم لم يذكروا به هذا التفصيل فيما رأيت من كتبهم الكلامية.

السادس: لاشك في أن التوبة مسقطة للعقاب ـ كما أجمع عليه أهل الإسلام، وإنما الخلاف في أنه هل يجب على اللّه القبول حتى لو عاقب بعد وقوع التوبة يكون ظلماً، أوهو تفضل محض، بفعله سبحانه كرماً منه، ورحمة بعباده؟

فالمعتزلة، وأكثر الإمامية على الأول، والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب شيخ الطائفة في كتاب الإقتصاد، والعلامة الحلي في بعض كتبه الكلامية، وتوقف المحقق الطوسي في التجريد، والظاهر من الأخبار، وأدعية الصحيفة هو الثاني، وهو مختار الطبرسي في المجمع ونسبه إلى أصحابنا كافة، ودليل الوجوب ضعيف مدخول ـ كما لا يخفى على من تأمل فيه.

ولنختم مباحث التوبة ببعض الأخبار الكاشفة الأستار عن حقيقة الإستغفار. ففي تحف العقول عن كميل بن زياد: قال: قلت لأمير المؤمنين  عليه السّلام : يا أمير المؤمنين العبد يصيب الذنب فيستغفر اللّه منه، فما حد الإستغفار؟ قال: يا بن زياد: التوبة؛ قلت: فسّر؟ قال: قلت: فكيف؟ قال: إن العبد إذا أصاب ذنباً يقول: أستغفرُ اللّه َـ بالتحريك ـ قلت: وما التحريك؟ قال: الشفتان واللسان، ثم قال: وإن يتبع ذلك بالحقيقة، قلت له: وما الحقيقة؟ قال: تصديق في القلب، وإضمار ألا يعود إلى الذنب الذي اسستغفر منه.

قال كميل: فأصل الإستغفار ماهو؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه، وهي أول درجة العابدين.

وترك الذنب والإستغفار إسم واقع لمعان ستة:

أولها، الندم على مامضى.

والثاني:العزم على ترك العود.

والثالث: أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم.

والرابع: أن تؤدي حق اللّه في كلّ فرض.

والخامس: أن تذيب البدن الذي نبت على السحت والحرام، حتى يرجع الجلد إلى عظمه، ثم ينشيء ما بينهما لحماً جديداً.

والسادس: أن تذيق  البدن ألم الطاعة، كما أذقته لذات المعاصي .

وفي المحاسن مرفوعاً إلى أمير المؤمنين  عليه السّلام ، إنه صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الذنوب ثلاثة، ثم أمسك، فقال له حبّة العرني: يا أمير المؤمنين  عليه السّلام ، فسّرها لي،فقال  عليه السّلام : ما ذكرتها إلا وأنا أريد أن أفسرها، ولكن عرض لي بحر حال بيني وبين الكلام، نعم، الذنوب ثلاثة، فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجوا لصاحبه، ونخاف عليه، قال: يا أمير المؤمنين بيّنها لي، قال: نعم، أما الذنب المغفور فعبد عاقبه اللّه على ذنبه في الدنيا، فاللّه أحكم وأكرم أن يعاقب عبده مرتين.

وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض، إن اللّه تبارك وتعالى إذا برز لخلقه، وأبرز لخلقه، أقسم قسماً على نفسه، فقال: وعزتي وجلالي لايجوزني ظلم ظالم، ولو كف بكف، ولو مسحة دم بكف، ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء، فيقتص اللّه للعباد بعضهم من بعض، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، ثم يبعثهم اللّه إلى الحساب.

وأما الذنب الثالث، فذنب ستره اللّه على عبده، ورزقه التوبة فاصبح خاشعاً من ذنبه، راجياً لربه، فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة، ونخاف عليه العقاب.

وفي تحف العقول  مرسلاً عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام ، قال: تأخير التوبة اعتذار ، وطول التسويف حيرة، والإعتداء على اللّه هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر اللّه < ولا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون>  .

وفي ثواب الأعمال: عن أبي جعفر  عليه السّلام  قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من تاب في سنة تاب  اللّه عليه، ثم قال: إن السنة لكثير، ثم قال: من تاب في شهر تاب اللّه عليه؛ ثم قال: إن الشهر لكثير ،ثم قال: من تاب في يوم تاب اللّه عليه، ثم إنه قال: إن اليوم لكثير، من تاب إذا بلغت روحه هذه  ـ يعني الحلقوم ـ  تاب اللّه عليه .

وفي العياشي عن الحلبي عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  في قوله تعالى: <وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن>، قال: هو الفرار حين لم ينفع، ولا يقبل منه.

وعن زرارة عن أبي جعفر  عليه السّلام ، قال: إذا بلغت النفس هذه، وأهوى بيده إلى حنجرته، لم يكن للعالم توبة، وكانت للجاهل توبة.

ومثله في المحاسن، عن جميل بن درّاج، وظاهر هذه الأخبار فرق بين العالم والجاهل في قبول التوبة، عند مشاهدة أمور الآخرة وهو مخالف لما ذهب إليه المتكلمون من عدم قبول التوبة، في ذلك الوقت مطلقاً، وعدم الفرق في التوبة مطلقاً بين العالم، والجاهل، ويمكن توجيهها بوجهين:

الأول: أن يكون المراد بالعالم من شاهد أحوال الآخرة، وبالجاهل من لم يشاهدها، لأن بلوغ النفس إلى الحنجرة قد ينفك عن المشاهدة.

الثاني: أن يكون المراد نفي التوبة الكاملة عن المعاصي في هذا الوقت دون الجاهل، من حمل تلك الحالة على عدم المشاهدة، إذ العالم غير معذور في تأخيرها إلى هذا الوقت.

ولنقطع جري القلم عن إملاء هذه الرسالة، ولنقتصر على ما سمحت به هذه القريحة من الإستدلال، وتنقيح الدلالة، ولعل في ذلك إن شاء اللّه كمال الكفاية بالعارض والإصالة، وحذراً من حصول الإطالة والملالة، ونسأل اللّه سبحانه أن ينفع بها الطالبين، والعلماء العاملين، ويزيل بها سحائب الجهالة، وأن ينفعنا بثوابها في يوم الدين، كما هي عادته في من يقبل أفعاله وأعماله، ونحمده سبحانه حيث وفقنا لذلك، وختم إتمامه  وإكماله، وصلى اللّه على محمّد  وآله أهل النبالة  والعدالة.

وجرى ذلك باليوم الحادي والعشرين من شهر المحرّم سنة السادسة عشر بعد المائتين والألف (21/1/1216 هـ) من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل التحية والسلام.

تمت وبالخير عمّت،وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492855

 • التاريخ : 15/09/2019 - 23:05