المقصد الرابع في الإمامة 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : محاسن الاعتقاد   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

المقصد الرابع في الإمامة
وهي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص بالنيابة عن النبي.

وفيه مباحث:

المبحث الأول: في وجوب الإمامة
إن الإمامة واجبة على اللّه تعالى، لأنها لطف كالنبوة، وكل لطف واجب على الله، فيلزم أن الإمامة واجبة. والصغرى ضرورية بما تقدم.

لأن معرفة قوانين الشرع والتأديبات والسياسات، لا تعرف إلا بها، فبعد انقطاع النبوة  لا قيّم سواها.

وأمّا وجوب اللطف عليه فقد تقدم برهانه عقلاً ونقلاً ولولاها ماعرف اللّه، ولا ثبتت النبوة، فقد جاء في الأخبار المستفيضة إن لطف الإمامة أعم من لطف النبوة، وخالفت الفرق في ذلك، فالمعتزلة قائلون بعدم الوجوب على اللّه، لجواز اشتمالها على المفاسد، وتجب على الخلق لدفع الضرر عن أنفسهم.

وأما الخوارج: فنفوا وجوبها، ولما كانت حججهم واهية ليس في ذكرها كثير فائدة، وإنهم كابروا مقتضى عقولهم  أعرضنا عن ذكرها، وأما الأشاعرة:فاحتـجوا على عدم وجوبها على اللّه تعالى بنفي الواجبات عليه في الأمور كلها. وقد هدمنا بناءهم من الأساس وبينا ضعف حججهم وأنهم ليسوا من الأكياس، وإن أعلى أدلتهم أصبحت في انتكاس، فلا حاجة إلى إعادة الكلام عليها بعد صدورها من أولئك الأرجاس.

فحينئذ نقول: نصب الإمامة واجب على اللّه تعالى لما قلناه من أنه لطف مقرب إلى الصلاح، ومبعد عن الفساد، ولولاه لكان للناس حجة، وإن أرسل الرسل فيما سبق، واقام الحجج فيما تقدّم؛ لأن قواعد الشرع لا بد  لها من حافظ يحفظها على وجهها بحيث لايغادر صغيرة  ولا كبيرة إلا أحصاها، لأنه الكتاب الذي هذه صفته في الآية، وإلا انتقض الغرض من التكليف، ولا قامت للاسلام راية، فلا يجوز عليه حينئذ السهو والخطأ، فكما احتاج المكلفون إلى نبي يستفيد الحكمة من الوحي، فكذلك يحتاجون إلى حافظ لمابلّغة النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  إلى الأمة بعد موته، إذ لا يمكنهم حفظ جميع الأحكام والكتاب، وإن كان مقيماً بين أظهرهم لمكان التخليف؛ لأنه أحد الثقلين، لكنه لا يفي بعد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بدون القيم من بعده بمعرفة تلك الأحكام على وجه يرتفع الإحتياج إلى الإمام، فإن فيه مجملاً ومفصلاً ومحكماً ومتشابهاً وخاصاً وعاماً وناسخاً ومنسوخاً وعلوماً باطنة ودقائق غامضة، حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وخمس الجلدة، وعلم ما كان وما يكون، كما شهد به نفسه، وهذا مما لا يتيسّر الإحاطة به إلا لمن أنزل  أنبياءه عليه أو أنبأه اللّه به بطريق الوحي، أو وصي ذي أذن واعية تعي كلّ ما يسمعه من النبي فتحفظه على وجهه، والإجتهاد ممنوع فيه إلا عند الضرورة، وهي منتفية من جانبه، فلا بد لتلك الأمور من حافظ عالم بها على وجهها، ولا يتيسر كما عرفت إلالذي نفس قدسية وحدس عليّ، وبصيرة منيرة مصقولة من دنس الجهل وصدى الصفات الذميمة، لتنطبع فيها صور العلوم الإلهية، وتظهر فيها أسرار الأنوار الغيبية، وينفتح لصاحبها في لحظة واحدة ألوف أبواب من العلم، ينفتح من كلّ باب أبواب أخر مضاعفة، كما أشار إليه في حديث مدينة العلم.

ولابد أن يكون معصوماً منزهاً عمّا تنفر الطباع منه، كما في النبي، وإذ وجب نصب الإمام على اللّه تعالى، وجب النص عليه ليعلم من يجب اتباعه، والتمسّك بمنهاجه، وقد أشير إلى ذلك في طريق أهل الذكر كثيراً ـ كما في كلام سيد الوصيين لكميل بن زياد حيث قال:

اللهم لا تخل الارض من قائم للّه بحجته،  إما ظاهر مشهوراً وإما خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته، وكم ذا وأين أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون قدراً، يحفظ اللّه بهم حججه، وبيّناته، حتى يودعوها نظائرهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجموا  بفهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوبما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان خفيفة، أرواحها معقلة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء اللّه في أرضه، والدعاة إلى دينه ، كما ورد عنه أيضاً أنه قال: اللهم لا تخل الارض من حجّة.

وكما ورد في حديث الشامي الذي ورد في مناظرة أصحاب الصادق  عليه السّلام  فناظره بعد جماعة منهم هشام بن الحكم، فقال للشامي: يا هذا أربك أنظر لخلقه، أم خلقه أنظر؟ فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه، قال: ففعل بنظره لهم ماذا؟ قال: أقام لهم حجة ودليلاً  لكي لا يتشتتوا، ويختلفوا، ويقيم أودهم، ويخبرهم بفرض ربهم، قال: فمن هو؟ قال: رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، قال: فبعد رسول اللّه   صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  من؟ قال: الكتاب والسنة، قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة في رفع الإختلاف عنا؟ قال الشامي :نعم، قال: فلم اختلفت أنا وأنت، وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك؟ قال: فسكت الشامي  فقال أبو عبد اللّه  عليه السّلام : مالك لا تتكلم، فقال الشامي: إن قلت لم تختلف كذبت، وإن قلت: أن الكتاب والسنة يرفعان الإختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، إلا أن لي عليه هذه الحجة، فقال أبو عبد اللّه  عليه السّلام : سله تجده ملياً.

 فقال الشامي: يا هذا من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم؟ فقال هشام: ربهم أنظر إليهم، فقال الشامي: فهل اقام لهم من يجمع كلمتهم، ويقيم أودهم، ويخبرهم بحقهم من باطلهم؟ فقال هشام: في وقت رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  أم الساعة؟ فقال الشامي: في وقت رسول اللّه والساعة، فقال هشام: نعم، قال الشامي: من هو؟ قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأما بعد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  فغيره، فقال الشامي، ومن هو غير النبي القائم مقامه في حجته، فقال هشام في وقتنا هذا أم قبله؟ قال الشامي: بل في وقتنا هذا. قال هشام: هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال، ويخبر بأخبار السماء، وراثة عن أب عن جد، فقال الشامي:كيف لي أن أعلم ذلك؟ قال هشام: سله عمّا بدا  لك، فقال الشامي:قطعت عذري فعلى السؤال. فسأل فأخبره الصادق  عليه السّلام  كيف كان سفره، وما جرى له في طريقه، وأظهر عليه آيات الإمامة. فآمن به الشامي، وكان من الموقنين .

وأمثال ذلك مستفيض، حتى من طرقهم .. لقوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في الخبر المستفيض بين الفريقين، بل المتواتر: من مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وكفى به تنبيهاً لمن كان يسمع أو يعقل، وانجلى لمن كان ذا بصيرة مما تقدم إن الإختيار لا يكون طريقاً إلى نصب الإمام، بل لابد في نصبه من النص، فإن الأمة قاصرون عن معرفةمرتبة الإمامة، ومن يصلح لها،  إذ لابد في الإمام من أن يكون موصوفاً بالأوصاف المذكورة التي لا تتيسر للأمة الإحاطة بهاومعرفتها على وجهها.

وكيف يجوز على الرب الكريم الرؤوف بعباده الرحيم الذي أرسل إليهم الرسل تترى، وأنزل الكتب، ولم يخلهم من ذلك طرفة عين مع شدّة طغيانهم وعتوّهم تبعاً لشيطانهم، بل أمر الرسل بالصبر على الإبتلاء بهم، ومعاشرتهم بالخلق الحسن، ودعوتهم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، حتى أنه أمر موسى وهارون بمخاطبة فرعون الطاغي الباغي المدعى للربوبية بالقول اللين ـ كما حكاه سبحانه في كتابه العزيز : <فقولا له قولا ليّناً ...> الآية  ـ أن يتركهم في زمان بلا إمام يجمع كلمتهم، ويقيم أودهم، ويحفظ لهم قوانين الشرع وقواعد التكليف، وسيما بالنسبة إلى هذه الأمة، المبعوث إليها أفضل الرسل الذي لولاه لم يخلق اللّه شيئاً من المخلوقات، وقد اكمل دينهم، وأتم النعمة عليهم مع أنه قد ثبت ذلك في الأمم الخالية، وهي سنة اللّه في الذين خلو من قبل، ولن تجد لسنة اللّه تبديلاً.

كيف يجوز مثل هذا على من أرسل رحمة للعباد، وقد كان في غاية الشفقة حتى أنه كان ديدنه الإستغفار لهم، وكشف العذاب عنهم واستيهابهم من اللّه تعالى، كلا لا يجوز ذلك ممن له أدنى معرفة باللّه ورسوله، ولو لم يرد شيء من الأخبار، كيف وقد ورد من القرآن والسنة ما فيه آيات لقوم يعقلون ، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

 وقد روي عن الرضا عليه السّلام   بطرق عديدة  مايؤكد ما ذكرناه، قالوا: كنا عند الرضا  عليه السّلام  بمرو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة فأداروا أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فقال  عليه السّلام : جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن اللّه عزّ وجلّ  لم يقبض نبيه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن، فيه تبيان كلّ شيء بين فيه الحلال والحرام  والحدود والأحكام، وجميع ما تحتاج الناس إليه كملاً، فقال عزّ وجلّ :< ما فرطنا في الكتاب من شيء> وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :< اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً> .

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  حتى بيّن لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحق، وأقام لهم علياً  عليه السّلام  إماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه، فمن زعم أن اللّه عزّ وجلّ  لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه، ومن رد كتاب اللّه فهو جاهل كافر، فهل يعرفون قدر الإمامة، ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟

إن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأرفع جانباً وأبعد غوراً من أن تبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم، إن الإمامة خص اللّه بها ابراهيم الخليل  عليه السّلام  بعد النبوة، والخلة رتبة ثالثة وفضيلة، وشرفه اللّه بها، وأشار  بها تعالى ذكره فقال:< إني جاعلك للناس إماماً>، فقال الخليل مسروراً    بها: <ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين> فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة.

 ثم اكرمه اللّه تعالى، بأن جعل في ذريته أهل الصفوة، والطهارة، فقال:< ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة>  ،فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً، حتى ورثها اللّه النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  فقال عزّ من قائل: <إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا و اللّه ولي المؤمنين> ،فكانت له خاصة، فقلّدها علياً بأمر اللّه عزّ وجلّ ، على رسم ما فرضه اللّه، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم اللّه تعالى العلم والإيمان لقوله جلّ وعلا: <وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب اللّه إلى يوم البعث> ،فهي في ولد علي  عليه السّلام  خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  إلى يوم القيامة... إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، ووارثة الأوصياء، إن الإمامة خلافة اللّه وخلافة الرسول  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومقام أمير المؤمنين  عليه السّلام ، وميراث الحسن والحسين عليهما الصلاة والسلام، إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، بالإمامة تمام الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود، والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يُحل حلال اللّه ويحرّم حرام اللّه، ويقيم حدود اللّه، ويذب عن دين اللّه، ويدعو إلى سبيله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة.

 ثم وصف الإمام في هذا الحديث بما هو أعرف به ... إلى أن قال بعد ذلك: فأين الإختيار من هذا؟ وأين العقول من هذا؟، واين يوجد مثل هذا؟أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟...وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة< وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل> وكانوا مستبصرين زعموا عن اختيار اللّه، واختيار رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأهل رسوله، والقرآن يناديهم: <وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحن اللّه، وتعالى عمّا يشركون> وقال عزّ وجلّ < وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم>  ... ثم ساق  عليه السّلام  بما فيه هدى وبصيرة لقوم يعقلون، وإذا تأملت ما أوردناه عليك، وتدبرته تدبر منصف جلا غشاوة التعصب عن بصر بصيرته، أبصرت شمس الحق بازغة من أفق اليقين، وعلمت أن اللّه جلّ ثناؤه، وعمت آلاؤه لم يقبض نبيه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  حتى أكمل الدين بنصب إمام بعده يدعوهم إلى سبيله، ويبين لهم معالم دينهم، ولم يكل الأمر إلى آرائهم الفاسدة،ولا إلى اختياراتهم الكاسدة ـ كما تقوله أهل البدعة والضلالة، الذين ... قد ردوا على الكتاب والنبي الأواب ،فصغروا قدر الإمامة، بحيث أن النبي الأواب صلى اللّه عليه وعلى آله الأطياب، مع كمال شفقته على الأمة؛ وإشفاقه عليهم في كلّ باب حذراً من تشتت كلمتهم، لم يعتن بها، ولم يعيّن إماماً ينقادون له، ويجتمعون على طاعته...ثم ليت شعري ألم يكن أمير المؤمنين  عليه السّلام  قد جمع الصحابة والقرابة، بل هو أجلّ أهل البيت  عليهم السّلام  منقبة ونجابة فكانوا يرجعون إليه في الأحكام، ويلجأون إليه حين تعضلهم المعضلات، ويقعون في شبكات المشكلات فهلا اختاروه للإمامة.

هب انهم لم يختاروه، فهلا أشركوه في هذا الرأي العظيم، وأدخلوه في اختيارهم، وقد اشار  عليه السّلام  إلى هذا المعنى بقوله: واعجباه تكون الخلافة في الصحابة، ولا تكون بالقرابة والصحابة ،وفي الديوان المنسوب إليه مخاطباً لأبي بكر بهذين البيتين:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم           فكيـف بهــذا والمشـــيرون غُيّبُ

وإن كنـت بالقـربى حجـجت خصيمـهم     فــغـيرك أولـى بالــنبــي وأقــربُ

وبهذا التقرير الواقع في الكتاب والسنة انهدم ما أبدع اولئك الفرق من الإحتجاج على عدم وجوبها من وقوع المفاسد  ـ كما وقع للخوارج ـ  ومن عدم وجوبها، لنفي الواجبات عليه تعالى عقلاً، والتجأؤا إلى ايجابها عليه سمعاً بأن اللّه تعالى أمر بإقامة الحدود، ولا يجوز استيفاؤها إلا بالرئيس، فوجب على الخلق نصب رئيس ليقوم بالحدود الواجبة ـ كما وقع للاشاعرة ـ وهي متهافتة منهدمة البناء عند أدنى أهل البصائر، لأن الفتن الحاصلة في تعيين الأئمة ليست لازمة لها، وإن عرضت في بعض الأحوال، فهي لا توجب نفي وجوبها، والمفاسد المحتملة غير حاصلة؛ لأن وجوه المفاسد محصورة معلومة لنا لانا مكلفون باجتنابها، وليس شيء منها حاصلاً بالإمامة، وبهذا بطل قول المعتزلة ايضاً، على أنا نقول: إن تفويض ذلك إلى الخلق هو المفضي إلى الإختلاف والفتن، لاختلاف الآراء، والعقول بالإختيار، فلا يحصل التعيين فانهدمت المذاهب الثلاثة النافيه لايجابها.

 وأما الأدلة القائمة على ايجابها فيه فقد تقدم تقريرها بالعقل والنقل، والإنكار لها مكابرة، كيف والإنسان مدني بالطبع، لا يمكن أن يعيش وحده منفرداً، بل لابد من معاونته ببني نوعه.

وبيان ذلك مستلزم للتحارب والتجاذب، والهرج والمرج وإن الحكمة الإلهية اقتضت بقاء هذا النوع، فوجب إصلاح فساده عليه والإجتماع الذي هو ضروري في بقاء هذا النوع سبب في فساده واضمحلاله.

فوجب في الحكمة الإلهية نصب رئيس من بني نوعه ليكون رادعاً، ومنصفاً بين أفراد النوع، لينتظم اجتماعهم المضطر إليه في بقاء نوعه، فيكون الوجوب على اللّه تعالى، لا على الخلق، وحيث إن مذهبنا :أن الإمامة رئاسة عامة في الدين والدنياكالنبوة وجب فيها كلّ ماوجب في تلك من الشرائط والصفات، بل قد دلت الآيات والروايات على أنها أعظم من النبوة.

فلم يُجعل ابراهيم إماماً إلا بعد النبوة والرسالة والخلّة، ولهذا بقيت بعد اندراس النبوة، فتكون هي اللطف الأعظم، فلا فرق بينها وبين النبوة سوى تلقي الوحي الإلهي بلا واسطة في النبوة، وأمّا في الإمامة والتحديث فبواسطة النبوة، ولهذا كان مُحَدّثاً كما نطقت به الأخبار المستفيضة.

 

المبحث الثاني: فيما ينبغي أن يتّصف به الإمام
يجب أن يكون الإمام ذا صفات كاملة، وقد ذكرناها مجملة فيما تقدم وهي شروط في ثبوتها فمنها العصمة، وقد مر معناها في النبوة، ولم يشترطها من الفرق سوانا، وسوى الإسماعيلية.

والأدلة على اشتراطها في الإمام، هي الأدلة على اشتراطها في النبي، وهي أربعة:

الأول: إن الإمام لو لم يكن معصوماً لزم التسلسل، وهو باطل، فالملزوم وهو عدم العصمة مثله في البطلان، وبيان الملازمة أن الحاجة الداعية للأمة إلى نصب الإمام ليس إلا جواز الخطأ عليهم ليردهم عنه، فإن كان هو غير معصوم شاركهم في جواز الخطأ عليه فيحتاج إلى من يردعه عنه، وحينئذ ننقله إلى الإمام الثاني، فإن كان معصوماً ثبت المطلوب، وإن كان غير معصوم احتاج إلى آخر وهلّم جرًا فيلزم التسلسل.

الثاني: إن المعصية لو جازت عليه لصح وقوعها منه، وحينئذ مع فرض وقوعها فإما أن يجب علينا الإنكار عليه أولاً، فإن لم يجب الإنكار عليه لزم سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو باطل لوجوبهما عقلاً وسمعاً، وإن وجب الإنكار عليه انتفت الحكمة من نصبه، وسقط محله من القلوب، لأنه صار مؤمراً عليه بعد أن كان آمراً، ومنهي بعد أن كان ناهياً، فلا يتم المطلوب من نصبه.

المبحث الثالث: إن الإمام يجب أن يكون حافظاً للشرع بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكل من وجب أن يكون حافظاً للشرع وجب عصمته.
أما الصغرى : فلأنها ثابتة بالضرورة، لأن غيره من الكتاب والسنة وخبرالواحد، والإستصحاب والقياس والإجماع والبراءة الأصلية كلّ واحد منها لا يصلح أن يكون حافظاً للشرع، فتبين أن يكون هو الحافظ.

أما أن كلّ واحد منهما لا يصلح للحافظية، أما الكتاب والسنة فلأنهما غير وافيين باعتبار الظاهر بكل الأحكام بدون قيمها مع أن للّه تعالى في كلّ واقعة حكماً عينياً، يجب تحصيله، بقول من لم يحتمل الخطأ.

وأما الثلاثة المتوسطة، أعنى خبر الواحد، وهو الحاصل من شخص أو من شيء لم يبلغ قولهم حد التواتر.

واما الإستصحاب: وهو العمل بالحال المتقدم مع الشك في الحال المتأخر.

والقياس: وهو إلحاق حكم الفرع بالأصل لعلّة جامعة بينهما فكل واحد منهما لا يفيد إلا الظن، وهو لا يغني من الحق شيئاً،على أن الدليل قائم ببطلان القياس ـ كما ثبت في محله بأدلة قاطعة يطول المقام بذكرها.

وأما الإجماع: فلم يحصل في كلّ الوقائع مع أن للّه تعالى في كلّ واقعة حكماً،على أن الإجماع ليس بحجّة في نفسه مع عدم دخول المعصوم فيه؛ لتطرق الخطأ في كلّ واحد من المجتمعين؛ ولجواز الخطأ على الكل.

وإلى هذا أشار نبينا  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في الخبر المتواتر حيث قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا، وقال تعالى: <أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم> فإن هذا الخطاب لا يتوجه إلا لمن يجوز عليه الخطأ قطعاً.

وأما البراءة الأصلية فلأنه يلزم من العمل بها انتفاء أكثر الأحكام، إذ يقال: الأصل براءة الذمة من وجوب أو حرمة.

وإذا بطل أن يكون محل كلّ واحد من هذه المذكورات حافظاً للشرع تعيّن أن يكون الحافظ هو الإمام.

وأما أنه إذا كان هو الحافظ للشرع لزم أن يكون معصوماً؛ فلأنه لو لم يكن معصوماً كذلك لما أمن في الشرع من الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل، فلا يكون الشرع محفوظاً، فوجب عصمته ليؤمن عنه ذلك التغيير.

المبحث الرابع: إن اللّه تعالى قد أوجب العصمة في الإمام
 بقوله عزّ وجلّ < لا ينال عهدي الظالمين> جواباً لإبراهيم  عليه السّلام  حيث سأل الإمامة لنبيه فأجابه تعالى بقوله: <لا ينال عهدي الظالمين> فالمراد بالعهد هو الإمامة بإجماع  المفسرين، والأخبار المتواترة عن المعصومين  عليهم السّلام .

ومن هنا قال إمامنا الأفخم في الخبر المتقدم: فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة؛ وذلك لما ثبت بالضرورة أن غير المعصوم ظالم، ولو باعتبار نفسه، كما قال تعالى:< ومنهم ظالم لنفسه>.

فوجب بهذه الأدلة الاربعة أن يكون الإمام معصوماً من الخطأ وهو المطلوب.

ومنها: أنه يجب أن يكون الإمام منصوصاً عليه من اللّه تعالى، ومن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والنص هو القول الدال على الشيء الذي لا يحتمل ما يُفهم منه، وقد قسموه إلى:

خفي: وهو ما يدل على الشيء بانضمام مقدمة إليه كقوله تعالى <لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا> فإنه نص في ثبوت الوحدانية إلا أنه يحتاج إلى الإستدلال به عليها إلى انضمام أخرى، وقد تقدّم الكلام.

وظاهر: وهو الذي لا يحتاج إلى شيء، كقوله تعالى: <قل هو اللّه أحد> فإنه لا يحتاج في الإستدلال به على وجه الوحدانية إلى انضمام مقدمة أخرى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن النص كالعصمة، لم يشترطه أحد في الإمام من سائر الفرق سوى الإمامية، وإن كان قد حصل الإجتماع من الكل، على أنه مع حصوله سبب مستقل في تعيين الإمام، ويحصل النص بأحد أمور ثلاثة:

الأول: الإشارة إليه من النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في تعيين شخصه ونسبه، فإنه بالإتفاق سبب مستقل في تعيين الإمام، ووجوب متابعته على كلّ أحد.

الثاني: الإشارة إليه من إمام سابق، ثابت الإمامة عند الأمة، فإنه أيضاً بالإجماع سبب مستقل في تعيينه، واتباعه على الكل.

الثالث: ظهور المعجز على يديه عقيب دعواه الإمامة، فإنه سبب مستقل في تعيّينه ووجوب اتباعه على الجميع من فعل اللّه تعالى لوجوده عقيب دعواه، قائم مقام تصديقه، ومن صدقه اللّه فهو صادق؛ لاستحالة أن يصدق اللّه الكاذب.

ولا ريب أن كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة مستقل بنفسه، في تعيين الإمام الحاصل له أحدها، باتفاق الكل. وإنما اختلف في أن تعيين الإمام هل يحصل في غير هذه الثلاثة أم لا؟

فالإمامية على الإنحصار فيها، وأهل السنة أجمع على أنه يحصل أيضاً بالإجماع من الأمة وإن كان دون حصوله خرط القتاد، فمتى اجتمعت في شخص غلب في ظنهم استعداده للإمامة بأن يكون له قوة على القيام بما تحتاج إليه الأمة في الجملة، وكانت له شوكة يستولي بها على بلاد الإسلام، فإنه يكون إماماً إذا كان قرشياً.

وقالت الزيدية: كلّ من كان من ذرية فاطمة، عالماً عابداً زاهداً شجاعاً قائماً بالسيف مدعياً للإمامة فهو إمام، فشرائط الإمامة عندهم ست كما هو مصرح به في هذه القيود، وبانتفاء أحدها تنتفي الإمامة، وبطلان هذه الفرق لوجهين:

الأول: إن الإمامة لو كانت بالإختيار ـ كما تقوله أهل السنة ـ أو اجتماع هذه الشرائط ـ كما تقوله الزيدية ـ لجاز أن يختار ويبايع كلّ أمة شخصاً إذا غلب على ظنهم استعداده لها، أو يدعي كلّ فاطمي، استجمع هذه الشرائط الإمامة، فحينئذ يحصل الإختلاف الموجب لبطلان النوع وفساده واضمحلاله، لوقوع الفتنة بين الأمة والهرج والمرج في العالم، فينتفي الغرض من نصب الإمام، ومن بعثة الأنبياء.

ولعمري إن جميع ما وقع في هذه الأمة من الإختلاف والفساد والقتل والظلم والغصب، وولاة الجور مسبب عن القول بالإختيار والبيعة، لأن القول بهما قول بمجرد التشهي والرأي، وقد نفى اللّه عنهم الحق بالإختيار، ورتب عليه الهلاك والدمار.

الثاني: إن الإمامة  ـ  كما عرفت ـ نيابة عن النبوة، واستخلاف عنها، وقائمة مقامها فحينئذ لا فرق بينهما، إلا في تلقي الوحي بلا واسطة فكما ثبت في النبوة إنها لا تكون إلا من قبله تعالى فكذا الإمامة، والقول بالاختيار والبيعة، أو باستجماع الشرائط المذكورة ينافي ذلك، فيكون باطلاً، ومع ذلك فإن الإمام يجب أن يكون متميزاً عن بني نوعه بآيات ودلالات، تدل على خصوصيته بها عن باقي الرعية، فوجب أن يكون مؤيداً من اللّه تعالى بما يدل على ظهوره وامتيازه؛ ليكون مستحقاً للتقديم عليهم، وقائماً مقام نبيهم  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في الأوامر والنواهي، وذلك بين ظاهر إلا لمن اعماه الحق، وانحسر عن رتبة القبول للألطاف الإلهية.

والدليل على وجوب النص ما تقدّم من اشتراط أن يكون الإمام معصوماً؛ لأن العصمة أمر خفي لا يطّلع عليه إلا علام الغيوب فيجب العلم في اي شخص هي بقول من  لا يحتمل الخطأ، وذلك لا يحصل إلا بالنص، أما من اللّه أو من النبي، أو من الإمام السابق لأن ما سوى ذلك ليس طريقاً إلى معرفتها، فيكون النص واجباً وهو للمطلوب.

واعلم أن وجوب النص، واشتراط العصمة أصلان أصيلان، قد بني عليهما مذهب الإمامية، وبثبوتهما تبطل جميع المذاهب القائلة بخلاف مذهبهم، ولهذا قال إمامهم الرازي في كتاب المحصل: قد اشترط الإمامية في الإمام العصمة والنص دون غيرهم من باقي الفرق، فإن ثبت هذان الأصلان تم لهم المدعى.

ولقد أفصح إمامنا الرضا  عليه السّلام  في الخبر المتقدم من هذين الاصلين، واستدل عليهما بما هو كالشمس في الظهور، فلم تبق مقالة لذي لب وهداية إلا لمن رسب في بحر الجهل والغواية.

الثالث: يجب أن يكون الإمام أفضل من جميع الرعية بعد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  باستجماعه لأوصاف المحامد العلية كالزهد والكرم والشجاعة والعفة، وغير ذلك من الصفات الظاهرة والخفية، والأخلاق المحمودة المرضية، ومع ذلك يجب أن يكون أشرفهم نسباً وأعلاهم قدراً وحسباً وأكملهم خلقاً وخلقاً وادباً.

وبالجملة فكل ما وجب في النبي بالنسبة إلى أمته، كذلك يجب في الإمام بالنسبةإلى رعيته، وإن كان متفقاً عليه في الجملة من أكثر العقلاء .

الرابع: الإمام الحق بعد نبينا محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  هو علي بن أبي طالب  عليه السّلام ، بغير فصل؛ للتنصيص عليه من اللّه ومن رسوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  ـ كما رووه في صحاحهم، ومزبوراتهم ـ وقد خالف أهل السنة المعاندون مقتضى عقولهم، وما أوردوه في كتب أصولهم وفروعهم، فزعموا أنه أبوبكربن أبي قحافة، وقالت العباسية هوالعباس بن عبد المطلب، وما اخترناه هو مذهب الإمامية، واستدلوا على ذلك بالبراهين العقلية والنقلية، المتواترة كتاباً وسنةً، وهي مما يضيق بها الإملاء، وهي على خمسة أوجه:

الأول: النص من النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  عليه بالإمامة والخلافة والوصية والإمرة، نصاً ثابتاً متواتراً في مواطن عديدة، نقلها الفريقان وينقسم ذلك النص إلى قسمين: ظاهروخفي.

أما الظاهر: فمنه قوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  المتلقى بالقبول من كلّ الأمة: أنت الخليفة من بعدي، وأنت وصيي، وأنت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي، فسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، ومنها حديث الدار، وهو من المشهورات بل المتواترات، وقد نقله الفريقان أيضاً وهو أنه لما نزل قوله تعالى< وأنذر عشيرتك الأقربين>جمع النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بني عبد المطلب، وكانوا أربعين نفساً، فجاءهم بفخذ وعس من لبن.

فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى ارتووا، والطعام على حاله، فلما أراد إنذارهم سبقه أبو لهب بالكلام، وقال: كاد  ماسحركم به محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في طعامه أن يذهب بكم فتفرقوا قبل الإنذار، فجمعهم في اليوم الثاني، وفعل بهم كما فعل في اليوم الأول، فلما أراد الكلام عاد ابو لهب إلى كلامه الأول فتفرقوا، وجمعهم في اليوم الثالث، وفعل كما فعل في اليومين الأولين، وسبق  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  أبالهب (لع) بالكلام، فقال: إن اللّه أرسلني إلى الناس كافة، وإليكم يابني عبد المطلب خاصة. فأيّكم يصدقني ويؤازرني على هذا الأمر يكن وصيي، والخليفة من بعدي؟ فسكتوا كلهم،وتكلم عليّ  عليه السّلام  وقال: أنا أصدقك وأؤازرك، وكان يومئذ أصغر القوم سناً، وأخمصهم ساقاً، وأمرضهم عيناً، فقال له النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أقعد  ياعلي، ثم أعاد القول ثانية، فسكتوا، وتكلم علي، فقال كما قال أولاً،فأمره النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بالجلوس. ثم أعاد القول ثالثة، فسكتوا، فأجابه علي  عليه السّلام  وقال كما قال أولاً. فقال له النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : نعم أنت وصيي وخليفتي، ومنجز عدتي، وقد أمّرتك عليهم، فخرج القوم وهم يتضاحكون، ويقولون لأبي طالب إسمع لابنك، وأطع فإنه قد أمره عليك.

 وقد روى هذا الحديث احمد بن حنبل في مسنده وصححه وغيره في غيره.

ومنها حديث غدير خم، وهو حديث بلغ حد التواتر الذي أفاد العلم القطعي. وقد أكثر الرواة من روايته، حتى أنه قد نقله ثمانون ألف صحابي ـ كما اعترف به علماؤهم ـ ولم ينكره وينسبه إلى الآحاد إلا من أعمى الليل قلبه، وبالغ في إطفاء نور اللّه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره، وهو الغوي أبو علي القوشجي في شرحه على التجريد، وناهيك به من متعصب عنيد، ومع ذلك فقد  أكثروا فيه من التأويل الذي تأباه الفطرة والعقل السديد ـ كما هو غير خفي على من ألقى السمع، و هو شهيد ـ وقد كرر  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  هذا المضمون في مواقف عديدة.

ووجه دلالته على استحقاقه الإمامة، أن قد أثبت له الولاية التي أثبتها لنفسه عليهم، حيث قال: أيّها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، بعد أن رفعه علماً للناس، وقال على السبق: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار.

 فيكون المراد: المولى فيه هو الأولى بالتصرّف ولذلك يستبعد فيه حمل المولى على شيء من معانيه، غير ماذكرناه لعدم صلوحه في هذا المقام، كالجار والمعتق، والحليف، وابن العم، والناصر، لاستحالة أن يقوم النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بأمر من اللّه في تلك الساعة الشديدة الحر وينزل بالناس على غير كلأ ولاماء، في غير وقت النزول ليطلعهم على مالافائدة فيه، فإن ذلك مستحيل من الحكيم الذي لاينطق عن الهوى، مع ما يرشد إليه من القرائن، والأمورالتي صدرت من الصحابة في تلك الحال، حيث علموا مراده من المولى ماقلناه دون باقي معانيه، فإن عمر قال في تلك الحال بعد أن سلم عليه بأمرة المؤمنين، وقال: بخ بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت اليوم مولاي، ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

وقد أنشد حسان بن ثابت أبياته المشهورة المتضمنة للنص المستفاد من تلك المقالةـ كما نقله الفريقان ـ وقدرووا في تفاسيرهم المنقولة أنه في تلك الحال نزل قوله تعالى: <أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً> فقال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : الحمد للّه على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بن أبي طالب .

ومنها: ما رواه أحمد بن حنبل في ما صح في مستنده عن سلمان الفارسي " إنه قال: يا رسول اللّه، من وصيّك؟ فقال: يا سلمان  من وصي أخي موسى  عليه السّلام ؟ فقال: يوشع بن نون، قال  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ولم؟ قال: لأنه كان أعلمهم، فقال: يا سلمان، إن وصيي، ووارث علمي أعلم أمتي، يقضى ديني، وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب  عليه السّلام  .

ومنها: ما رواه ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب، بإسناده: عن رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  إنه قال: لكل نبي وصي ووارث،و وصيي ووارثي علي بن أبي طالب  عليه السّلام  .

وفي رواية أخرى لابن المغازلي أيضاً، عن جابر، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : كنت أنا وعلي نوراً بين يدى اللّه تعالى، فلما خلق اللّه آدم  عليه السّلام  ركب ذلك النور في صلبه، فلم نزل في نبي واحد حتى افترقنا من صلب عبدالمطلب جزئين، ففي النبوة  وفي علي الخلافة، وفي لفظ آخر عنه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  حتى قسمه جزأين، جزء في صلب عبدالله، وجزء في صلب أبي طالب، فاخرجني نبيّاً، وأخرج عليّاً وصيّاً .

ولقد أجاد ابن أبي الحديد المدائني في شرح نهج البلاغة، حيث قال فيه بعد ذكر جملة من الأخبار المتضمنه للتنصيص عليه بالوصية من رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لو اردنا أن نأتي بجميع ما ورد من الروايات في هذا الباب لملأنا الطوامير.

وأما النص الخفي ففي مواضع لا تحصى، فلنذكر بعضاً منها ليقف عليها المتطلع بعين بصيرته، فيزداد إيماناً في عقيدته.

فمنها: يوم أحد، وذلك أن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  لما ظفر به المشركون، وجرح، وكسرت ثناياه ورباعيته، انهزم عنه المسلمون، ولم يثبت عنده أحد منهم، غير علي  عليه السّلام ، وكان واقفاً على رأسه، يذب عنه المشركين بسيفه، فكان كلما رأى النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  من المشركين كتيبة مقبلة، قال: يا علي اكفني هؤلاء فيبرز إليهم، فيكفيه إياهم، حتى فعل ذلك مراراً، فنزل جبرئيل  عليه السّلام  متعجباً من مواساته  ، لرسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بنفسه وقال: إن هذه هي المواساة،يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وما يمنعه من ذلك وهو مني، وأنا منه.

وكان ذلك منه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  للدلالة على أنه قد خصه اللّه تعالى بما يوجب له التقدمة على جميع الأمة، لأنه لم يقتصر على قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنه مني، بل قال بعده: وأنا منه، بل قال جبرئيل  عليه السّلام  بعد ذلك: وانا منكما، ثم عرج إلى السماء وهو يقول: لا سيف إلا ذولافقار ولا فتى إلا علي .

فيكون معنى قوله: إن كلاً منهما قائم مقام الآخر، ونفسه مساوية لنفس الآخر، فيثبت لكل واحد منهما ما يثبت للآخر، وقد ثبت للنبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بالضرورة أنه أولى بالناس من أنفسهم، فيكون على مثله، وإلا لا نسلخ هذا الكلام عن الفائدة وهو لا ينطق عن الهوى.

ومنها: يوم الأحزاب، وهي التي نص اللّه عليها في الكتاب وقضيتها مشهورة متواترة، فلا احتياج إلى ذكرها، لأنه لا يورث سوى الإطالة، ويكفيك منها قوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  برز الإسلام كله إلى الكفر كله.

ومنها: يوم سد الأبواب، وقد روته العامة والخاصة بطرق عديدة تنوف على أربعة عشر طريقاً من جهتهم، ولقد ميزه عن الصحابة ببقاء بابه، وسد أبوابهم عن أمر من اللّه تعالى ورسوله، وقد أحل له ما أحله لنفسه، فلا يدخله جنب غير رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  وعلي عليه السّلام   وأبناؤه  عليهم السّلام  ، ولا غاية لهذه الكرامة سوى التنصيص عليه بالإمامة.

ومنها يوم نزول آية التطهير، وهي قوله تعالى:< إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس >... الآية،وهي من أتم الشواهد والبيّنات على ثبوت العصمة لشهادته بالطهارة من الرجس، إذ الرجس هو الذنب، فثبت لهم العصمة التي هي من شرائط الإمامة، كما هي من شرائط النبوة.

ومنها: يوم إنفاد سورة براءة، وهو أنه لما نزل عشر آيات من أول سورة براءة دفعها النبي إلى ابي بكر، وأمره أن يقرأها على المشركين في الموسم. فلما خرج بها ووصل إلى كراع الغميم ـ أول الجحفة ـ نزل جبرئيل  عليه السّلام ، وقال: يا محمّد إن اللّه يقول لك: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.

فدعا  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  عليّاً، وقال له: إلحق أبا بكر، وخذ الآيات منه حتى يكون أنت الذي تقرؤها على أهل مكة. فركب ناقته العضباء، وأدركه وأخذ الآيات منه، ورجع أبو بكر إلى النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقال له: إنك أهلتني ـ فتطاولت الأعناق إليه ـ ردني عليّ، أنزل فيّ شيء؟ قال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لا، ولكن جبرئيل أخبرني عن اللّه أنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني ، وعلي مني وأنا منه.

وهو من الأخبار التي كادت أن تتواتر بين الفريقين. وهي من الشواهد الشاهدة بإمامته، ونفي إمامة المعزول عنها، حيث لم يصلح، فإذا لم يصلح لاداء آيات من القرآن، فكيف يصلح للولاية العامة، وأمثال ذلك أكثر وأجلّ من أن يحصى، ولكن العناد ساد لأبواب الرشاد.

الثاني: الآيات القرآنية الناصة على إمامته المقرونة بالأخبار المروية من الطرفين، وهي كثيرة:

فمنها قوله في آية المباهلة: <فمن حاجك من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وابناءكم ...> الآية.

وجه الدلالة فيها أن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  في هذه الواقعة العظيمة، التي هي من قواعد النبوة لغير علي  عليه السّلام ، في استجابته دعاءه، فيكون افضل منهم، فيجب تقديمه عليهم، وهي دالة على امتيازه، بل سماه فيها نفسه.

ومنها آية المبيت على فراشه حيث قال: <ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه> وقصة نزولها مشهورة بين الفريقين،ومعنى <يشري نفسه> يبيع نفسه، أي يبيع نفسه في مرضاة اللّه؛ووجه دلالتها واضح من وجهين:

الأول: إن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  خلفه بعده في مهماته وأقامه مقامه في رد ودائعه وقضاء ديونه، وذلك يدل على اختصاصه به، وعدم وثوقه بغيره، وإنه نائبه في جميع أحواله، فيجب له ذلك الإستخلاف عند ذوى العقول، والإنصاف.

الثاني:إنّه قد فدى النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بنفسه، وعرض نفسه للتلف، وصانه عما قصدوه به، ولهذا باع نفسه، وكان ذلك سبباً في بقاء الدين، ومن هنا ورد في الأخبار المفسرة لها، إن اللّه  عزّوجلّ  أوحى إلى جبرئيل، وميكائيل: إني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يفدي صاحبه؟ فاختار كلّ منهماالحياة في طاعة اللّه، فأوحى اللّه إليهما: ألاكنتما كعلي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  ففداه بنفسه ووقاه بمهجته، وعرض نفسه للقتل دونه، حيث علم أن في ذلك نجاة أخيه، اهبطا إليه فاحفظاه من عدوه، فهبطا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل  عليه السّلام  يقول: بخ بخ لك يابن أبي طالب، من مثلك وقد باهى اللّه بك الملائكة .

ومنها: آية المناجاة، وهي قوله تعالى:< يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول، فقدموا بين يدي نجواكم صدقة> ،وسبب نزولها مشهور،فلم يعمل بها أحد إلا علي  عليه السّلام  نبص المفسرين، وعلماء الحديث من الفريقين  ـ كما في تفسير الثعلبى، ورواه الحميدي في الجمع بين الصحاح الستة، وكذلك ابن المغازلي، ومن هنا قال الثعلبي في تفسيره، حالياً عن بن عمر: إنه كان لعلي  عليه السّلام  ثلاث، لو كانت واحدة  منهن إلى كانت أحب إلى من حمر النعم: تزويجه بفاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

ومنها: آية تصدقه بالخاتم، وهي قوله تعالى: <إنما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا >... إلى قوله:< وهم راكعون> وسبب نزولها على ما رواه الفريقان بطرق عديدة: إن رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  صلى الظهر فجاء سائل إلى مسجد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  فسأل، فلم يعطه أحد شيئاً، فقال: اللهم إني أشهدك أنى سألت في مسجد نبيك فلم أعطَ شيئاً، فسمعه علي  عليه السّلام ، وكان راكعاً، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان متختماً بها ففطن له السائل، فأقبل حتى أخذ الخاتم من إصبعه، وكان ذلك بلغ النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فقال: اللهم إن موسى سألك فقال: <ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري  واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي  واجعل لي وزيراً من أهلي  هارون أخي أشدد به أزري> فأنزلت عليه بياناً، ناطقاً: <سنشد عضدك بأخيك > الآية، >وإني محمّد نبيك،  وصفيك اللهم فاشرح صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً اشدد به ظهري< فما استتم كلامه حتى نزل عليه جبرئيل  عليه السّلام  بهذه الآية ، هكذا ذكره الثعلبي بروايته عن أبي داود وابن المغازلي مرفوعاً إلى ابن عباس،ودلالته على المطلوب من أمور:

أحدها قوله تعالى: <إنما وليكم اللّه ورسوله>، وإنما للحصر بنص اهل اللغة، والولي المراد به الأولى بالتصرف؛ لأنه وإن تعددت المعاني لكنه لا يصلح غير هذا المعنى لها، لأن الولاية المذكورة منسوبة للّه عزّ وجلّ ، ثم من بعدها للرسول، ولا يصلح نسبة شيء من معاني الولي إليهما، ولا يمكن بإرادة العموم بالمؤمنين بعد التخصيص بهذه الأوصاف، فلو لا ذلك الإختصاص لكان كلّ واحد ولياً لنفسه، وهو باطل؛ ولأنه وصفهم بإيتاء الزكاة حال الركوع، ولم تجر لغير على لدلالة تلك النصوص، فثبت له الولاية الثابتة للّه، ولرسوله وهو المطلوب.

ومنها: قوله تعالى: <يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك ...> الآية. وسبب نزولها ظاهر، اتفق عليه أكثر المفسرين، وهو أنه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  لما رجع من حجة الوداع، نزل عليه جبرئيل  عليه السّلام  في أثناء الطريق فقال يا محمد: إن اللّه يقول:< يا ايها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك> في علي وولايته، وفرض خلافته، لأنه ما بقي من فرائض الإسلام سواها فقال: يا جبرئيل، إن قومي حديثوا عهد بالجاهلية، وأخاف أن يتهموني في ابن عمي فلما صار في غدير خم نزل عليه جبرئيل بتمام الأية< فإن لم تفعل فما بلغت رسالته، و اللّه يعصمك من الناس> فقال: يا جبرئيل ـ تهديد وتوعيد  ـ  لأمضين أمر ربي فإن يتهموني أو يكذبوني فهوأهون على من عقوبة ربي ... إلى آخر القصة ، وهي مشهورة، ثم قال بعد ذلك النصب والتنصيص، والأمر بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين: الا فليبلغ ذلك منكم الشاهد الغائب، والوالد الولد.

ووجه الدلالة لايحتاج، سيما بعد اشتمال الآية على حذف من حذفه، وهي قوله >في علي< هكذا ذكره الثعلبي في تفسيره والحسكاني وابو نعيم الحافظ، وغيرهم من ائمة الجمهور.

ومنها: آية النجم، وهي قوله تعالى:< والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم، وما غوى> ، وسبب نزولها برواية الجمهوروروايتنا إن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  كان جالساً  ومعه فتية من بني هاشم، وإذا هم بكوكب منقض من السماء،فقال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : انظروا لهذا النجم، فمن انقض في منزله فهو الوصي بعدي، فقامت الفتية فنظروا، فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي  عليه السّلام ، فقالوا: يا رسول اللّه لقد غلوت في حب علي بن ابي طالب  عليه السّلام . فأنزل اللّه تعالى:<والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم، وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي> اي ما نص به على عليّ ليس هو ضلال وغوي، لأنه لا ينطق عن الهوى .

ووجه الإستدلال بها واضح لأنه أثبت له الوصية بانقضاض هذا النجم في منزله، وهو الشرط في التنصيص، فحيث يثبت الشرط يثبت المشروط، وحيث نسبوه إلى الهوى، والنفس كذبهم اللّه بالوحي.

ومنها: آية التحريم، وهي قوله تعالى:< وإن تظاهرا عليه، فإن اللّه هو مولاة وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير>.

وسبب نزولها بروايات الفريقين، إنه لما أظهر رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  حفصة على استخلاف علي  عليه السّلام ، وافشت سر ذلك إلى عائشة، واتفقتا كلتاهما وتعاونتا عليه، أنزل اللّه هذه الآية تسلية للنبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  وبيان أنهما، وإن ظاهرا عليه، وتعاونا على سرّه، فإن لك ناصراً ومعيناً لأن اللّه هو الناصر له، وجبرئيل وصالح المؤمنين، وهو  عليه السّلام  والملائكة بعد ذلك كلهم أعوان.

ووجه الإستدلال بها إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب  عليه السّلام ، ومعنى الصالح هو الأصلح فيكون أفضل الرعية والأصلح من الأوقوام، فوجب أن يكون أفضلهم، على أنه قد صار ثالث اللّه وجبرئيل في الكفاية لنصرة النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  على من يخاصمه ويعانده، فتكون له مرتبة الخلق، فصار أولى بالتقديم من غيره.

ومنها: آية الدهر، وهي الكاشفة عن كونه  عليه السّلام  هو الموصوف بهذه الصفات والإيثار على النفس للمسكين واليتيم والأسير، وقد حكى هذه القصة الفريقان. وقد اشتملت على معاجز، وصفات يمتنع وجودها في سائر الخلق، ولهذا نزل فيهم سورة هل أتى على الإطلاق.

والآيات بهذا المضمون أكثر من أن تحصى مع أنها كلّها، وقد ورد عن طريقهم   ما يكشف نقاب تلك الفضائل واجتناب الرذائل مثل:<إنما أنت منذر ولكل قوم هاد> وقوله تعالى: <وقفوهم إنهم مسئولون> وقوله: <ولتعرفنّهم في لحن القول> وقوله:< وأسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا> وقوله: <وتعيها أذن واعية>،<والذي جاء بالصدق وصدق به>،  <هو الذي أيدك بنصره>،<يا أيّها النبي حسبك اللّه ومن اتبعك من المؤمنين> ، <والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون>،< ومن عنده علم الكتاب>، <يوم لا يخزى اللّه النبي والذين آمنوا معه>،<هو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً>، <يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين>، <ويتلوه شاهد منه>،< من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه>.

<ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا>، <أنا ومن تبعني> ،< ويؤتي كلّ ذي فضل فضله>،< واجعل لي لسان صدق في الآخرين>، <وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض>،< هل يستوي الذين يعلمون والذي لا يعلمون>،<هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل>، <فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون>،< وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر> ،<مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان يخرج منهما الؤلؤ والمرجان>،<أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم> ،<عم يتساءلون عن النبأ العظيم> إلى غير ذلك من الآيات التي لا يمكن حصرها ولا استقضاؤها، حتى جاء: إن القرآن فينا، وفي أعدائنا.

الثالث: أنه معصوم، وغيره ممن ادعيت له الإمامة غير معصوم فيقبح أن يكون غيره إماماً، فيكون هو الإمام لعدم الواسطة أما صغراه فثابتة بوجوه مرّ كثير منها، وأما كبراه فلنفيهم العصمة عنهم بشهادتهم، ولهذا نفوا شرطيتها، وأجمعوا على نفيها، فإذا بطل أن يكون غيره إماماً تعيّن أنه هو الإمام بالضرورة، وهذا بعد ما مرّ من اشتراط العصمة في الإمامة بالدليلين.

الرابع: أنه أفضل الرعية بعد النبي، وكل من هو أفضل الرعية بعده  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، يكون هوالإمام، لما ثبت من كونه هو أفضل الرعية، كما ثبت في النبوة بالدليلين الذين لا ينكرهما إلا مكابر.

 والآيات والأخبار الدالة على أفضليته أكثر من أن تحصى، وقد مر في مطاوى الآيات ما يشهد بها شهادة جازمة، وأفضليته على الرعية بقول مطلق، في جميع صفات الكمال، والجلال لا يحتاج إلى بيان، ولا إقامة برهان، حتى قال في مواقف عديدة على ما رواه العامة والخاصة: عليّ خير البشر، ومن أبي فقد كفر.

وليس وراء هذه القضية ما يخصصها، ولا ما يعاندها سوى ما ثبت من تفضيله عليه، وإن الفضل له بعده، وفي هذا غنية من تفاصيل تلك المناقب، وما سارت به الركائب، وما أحدثه كلّ ناصب في مصنفاته الثابتة، وما ذلك إلا من العجائب والغرائب.

وأما إحاطته بجميع العلوم، وانتهاء العلماء في علومهم، فمما شهد به الجماد العجماوات، وأعلنت به خلائق اللّه في الأرض والسماء، فما عالم إلا نسب علمه إليه، وإلا كان حرياً بالجهل  والحرمان، فأصحابنا يستندون إليه،وأما علماء الفصاحة والخطابة والبلاغة فهم عيال عليه.

والمعتزلة ينتسبون إليه لا نتسابهم لكبيرهم واصل بن عطا، وهو تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنـفية، وهو تلميذ أبيه علي  عليه السّلام .

وأما الأشاعرة فإنهم ينتسبون إلى أبي الحسن علي بن بشير الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، فيعود إلى شهادة المعتزلة بأنهم من مشائخهم.

وأمّا أهل الفقه فكلهم ينتسبون إليه أيضاً، أما الإمامية فظاهر،وأما السنة والفقهاء الأربعة، فالحنفية ينتسبون إلى أبي حنفية، وهو تلميذ الصادق عليه السّلام ، والشافعية ينتسبون إلى محمّد بن إدريس الشافعي، وهو تلميذ محمّد بن الحسن تلميذ أبي حنفية، وقرأ على مالك ايضاً، فرجع فقهه إليهما.

والمالكية ينتسبون إلى مالك، وهو تلميذ  ربيعة الراي، وربيعة تلميذ عكرمة، وعكرمة تلميذ ابن عباس، وابن عباس تلميذ علي  عليه السّلام .

وأما الحنابلة فينتسبون إلى أحمد بن حنبل، وهو تلميذ الشافعي، فرجع فقهه إليه.

وأما الخوارج فإنهم مع بعدهم عنه، وبغضهم له إلا أن أكابر علمائهم كانوا خواص أصحابه  وتلامذته، وإنما خرجوا عنه بعد تلك الصحبة والإتصاف.

وأما كونه أزهد الناس في الدنيا واكرمهم وأعبدهم وأشجعهم وانقاهم وأورعهم وأفصحهم وأحلمهم وأقربهم إلى رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فمما تواتر في الكتاب والسنة، ولا ينكره إلا جاحد  معاند، وللحق من وراء ظهره نابذ.

الخامس: أنه ادعى الإمامة، وتحدى في ذلك بظهور المعجز، كما وقع لرسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكلّ من ادعى الإمامة، وتحدى بالمعجز ثبتت إمامته، وإن كان بنص القرآن من الأخبار المتواترة الشاهدة بإمامته مما ذكرنا، وما لم نذكر، نكتفي، ولكن لأجل إقماع الخصوم ذكرنا بعض ذلك تكميلاً للحجة.

أمّا ادعاؤه الإمامة ـ كما هو مؤدى الصغرى ـ فنقول: بالتواتر، وقد وقع في كلامه  وخطبه ما فيه غنية لذوي البصائر، سيما خطبته الموسومة بالشقشقية، فهي أكمل حجة واضحة جلية، فهي بمرئى وبمسمع لكل من طلبها، ونسبتها إلى الرضي، وإنها من موضوعاته، ومقاماته التي زخرفها، فاوهن من بيت العنكبوت، كيف وقد ذكرت في كتب السير والتواريخ من علماء المخالفين والمؤالفين ـ كما نقله ابن أبي الحديد المدائني، حيث أسند روايتها إلى ا بن الخشاب في درسه، وأبي علي الجبائي في كتابه، وأبي هلال العسكري في تاريخه على ما نقله عنه الصدوق في كتاب العلل، وقد روى صاحب كتاب العاقبة من الجمهور، قال: قال علي  عليه السّلام : انا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة مع الثلاثة.

وأما ظهور المعجزة ـ كما هو مؤدى الكبرى ـ  فأظهر من الأول في النقل والإشتهار، فكم له من معجزة تزيد في الظهور على شمس النهار، بل لا يمكن أن يأتي عليها العدّ  والإنحصار، كتكليم الشمس له أربعين مرة ـ على ما اشتهر في الأخبار ـ وردها له أربع مرات بعد غروبها، وإن كانت واحدة منها في زمنه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكتكليم الجمجمة، وحذفه  باب خيبر، وقلعه الصخرة عن رأس القليب، وعلمه بالمغيبات والحوادث التي لم تقع، وقتاله الجن في بئر ذات العلم، وصعوده إلى السماء مراراً، إلى غير ذلك من المعاني الخارقة للعادة المنقولة بالتواتر، فتثبت إمامته .

 

المبحث السابع: في إثبات إمامة الأحد عشر بعد أبيهم  عليهم السّلام
 وأنهم هم القائمون من بعده،وهو مما اعترفت به الإمامية، وإن شاركهم بعض الفرق في البعض لكنهم لم ينتهوا إلى آخرهم، وقد استدل على إمامتهم بوجوه خمسة:

أولها: النص من كلّ واحد منهم على من بعده بالإمامة نصاً جلياً ظاهراً. وقد رواه الإمامية قاطبة، والمخالفون أيضاً ـ وإن بالغوا في تأويل تلك الأخبار.

فروى البخاري  في صحيحة بطريقين، عن جابر وأبي عبيدة، قالا: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  :لايزال أمر الناس ماضياً ماوليهم إثنا عشر خليفة من قريش.

 وفي صحيح أبي داود في تفسير السدي: إن سارة لما كرهت هاجر، أوحى اللّه إلى إبراهيم، وقال: إنطلق بإسماعيل وأمه، حتى تنزل البيت التهامي ــ يعني مكة ــ  فإني ناشر ذريته وجاعل فيهم نبياً عظيماً، ومظهره على الأديان، وجاعل من ذريته اثنى عشر عظيماً، وجاعل ذريته عدد نجوم السماء، وعن جابر: قال: سمعت رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  يقول: لايضر هذا الدين من ناواه، حتى يمضي إثنا عشر إماماً كلهم من قريش.

وعن مسروق قال: كنت عند عبد اللّه بن مسعود، فسأله سائل: هل عهد إليكم نبيكم هل يكون بعده كم خليفة؟ فقال: إنك لحدث السن، وهذا شيء ما سألني عنه أحد،نعم عهد إلينا نبينا  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  إنه يكون بعده إثنا عشر خليفة، بعدد نقباء بني إسرائيل.

وجاء في أخبار كثيرة نقلها الصدوق من طريقهم، ومن طريقنا التنصيص على أسمائهم  عليهم السّلام ؛ وإن أولهم عليّ بن أبي طالب  عليه السّلام  وآخرهم المهدي  عليه السّلام : هم أوصيائي، وأوليائي وحجج اللّه على أمتي، المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر، مع ما يضاف إليها ما استفاض عنه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وقوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اللّه خلق السماء، وخلق الأرض، وجعل لهما سكاناً وحراساً، ألا إن حرس أهل السماء النجوم فإذا هلك أهل النجوم هلك أهل السماء وخلق الأرض وجعل لها سكاناً وحراساً ،ألا إنّ حراس أهل الأرض أهل بيتي فإذا هلك أهل  بيتي هلك أهل الأرض ،وقوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : الأئمة من بعدي اثنا عشر إماماً، أولهم عليّ بن أبي طالب  عليه السّلام ، وآخرهم المهدي  عليه السّلام ، وقوله: إبني هذا إمام ابن إمام، اخوإمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم.

وفي حديث جابر قال: لما نزل قوله تعالى: <يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه  وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم> قلت: يا رسول اللّه، عرفنا اللّه فأطعناه، وعرفناك فأطعناك، فمن أولوالأمر الذين أمرنا بطاعتهم؟ قال:هم خلفائي يا جابر، وأولياء الأمر من بعدي، أولهم عليّ بن أبي طالب  عليه السّلام  ثم من بعده ولده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمّد الباقر، وستدركه ياجابر، فإذا أدركته فاقرأه مني السلام، ثم من بعده ولده جعفر الصادق، ثم ولده موسى الكاظم، ثم ولده علي الرضا، ثم ولده محمّد التقي، ثم ولده علي النقي، ثم ولده الحسن العسكري، ثم ولده الخلف الحجة المهدي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

والأخبار بهذا المضمون لايمكن الإتيان على آخرها من طريقهم فضلاً  عن طريقنا، وقد روتها أكابر الصحابة الممحدوحون في الكتاب والسنة.

الثاني: ما ثبت بهذه الأخبار التي مر ذكرها من نص النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  عليهم بأسمائهم ـ كما سمعت نصاً متواتراً، نقله الفريقان كما أوقفناك عليه.

 الثالث: إنهم أفضل الرعية، فيكونون هم الأئمة؛ لقبح تقديم غيرهم. أما كونهم أفضل الرعية فذلك ظاهر مشهور لا ينكره أحد، نقله أهل العلم من الفريقين، ومن تصفح كتب السير والتواريخ والأخبار تعرّف ذلك وتحققه.

الرابع: إنهم  عليهم السّلام  معصومون، ولا معصوم سواهم، فيكونون هم الأئمة، وإن ادعيت لغيرهم، لكن شهد المدعون لها أنهم غير معصومين.

وقد قام البرهان العقلي والنقلي ـ كما قدمنا على أن غير المعصوم لايصلح لها لجواز كذبه ووقوع المعاصي منه المستلزمين لنفي الامامة والإفتقار إلى رئيس يردع من هذه صفته عما ارتكبه، وكلّ من المقدمتين قد تقدم البرهان عليهما، وأنهما ضروريتان، لاينكرهما أحد إلا معاند أو متعصب.

الخامس: إن كلاً منهم ادعى الإمامة، وظهر المعجز على يديه وكل من ادعى الإمامة، وظهر المعجز على يديه كان إماماً.

أما بيان دعواهم الإمامة فمنقول بالتواتر،وأما إظهارهم المعجز بعد دعواهم الإمامة فكذلك مما توافر، فثبت بهذه الأدلة مذهب الإمامية، وإنتفت سائر المذاهب، وإن قالت ببعضهم، كالزيدية والإسماعيلية، والواقفية والفطحية، لأن من أنكر واحداً منهم فقد أنكر الجميع.

 

المبحث الثامن: فيما يجب الاعتقاد به من أمر الإمام الثاني عشر
يجب اعتقاد بقاء الإمام الأخير، وهو الحجة المنتظر، لئلا تخلو الأرض من حجة، فيبطل التكليف، ولا شك في وجوده من حين ولادته، وهي سنة ست وخمسين ومائتين إلى الآن.

وقد نقلت الإمامية في كتبهم نقلاً متواتراً، لا يختلفون فيه خلفاً عن سلف، وكذا اهل الخلاف، وإن خالفوا ما نقلوه.

فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن مسعود قال:سئل ابن مسعود: هل أخبركم نبيكم بعدة الخلفاء من بعده؟ فقال: عدة نقباء بني اسرائيل.

 وبإسناده عن العباس بن عبد المطلب قال: يا عم، يملك من ولدي إثنا عشر خليفة، ثم يخرج المهدي من ولدي يُصلح اللّه أمره في ليلة واحدة.

وفي حديث آخر عنه قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اللّه اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها، ثم اطلع اطلاعة ثانية فاختار علياً، وأمرني أن اتخذه أخاً ووصياً فهو مني وأنا منه، وهو زوج ابنتي، وأبوسبطي الحسن والحسين  عليه السّلام ، وإن اللّه تعالى جعلني وإياهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين  عليه السّلام  أئمة يقومون بأمري، ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل البيت ومهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأفعاله واقواله ،يظهر بعد غيبة طويلة، وحيرة معضلة، فيعلن بأمر اللّه، ويدين بدين اللّه، ويؤيده اللّه بنصره، وينصره بملائكته ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

وروى سلمان الفارسي "، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : الأئمة اثنا عشر إماماً عدد نقباء بني إسرائيل منها مهدي هذه الأمة له هيبة موسى وبهاء عيسى وحكم داود وصبر ايوب.

ومن ذلك مسنداً إلى أبي سعيد الخدري ايضاً: إن رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  قال: لابد من خروج المهدي من أمتي يبعثه اللّه عياناً للناس.

وروى  الترمذي قال: قال النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يلي الناس رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي، وأسم أبيه اسم ابي.

والأخبار بهذا المضمون كثيرة جداً، فإن اعترض معترض بأن هذه الأحاديث، وإن صرحت باسمه ونسبه فلا تدل على وجوده وبقائه، ولا أنه الإمام المسمى بـ م ح م د  بن العسكري فإن ولد فاطمة كثيرون.

قلنا: إن القائلين بوجوده يجمعون على أن المراد بهذه الأخبار هو الموجود عندهم، والخصم معترف تارة بمضمونها وتارة أنه لابد من وجوده ويحكمون أنه ولد أو سيولد، وقد ثبت بالنقل عن الأئمة إنه قد ولد ووجد وأن اسمه المهدي، فيكون هو المعني بهذه الأخبار، على أن كثيراً من تلك الأخبار صرح بوجوده وغيبته، وأنه التاسع من ولد الحسين  عليه السّلام ، وأنه الثاني عشر من الأئمة، ولا قائل باثني عشر أو بتسعة من ولد الحسين  عليه السّلام  غير الأئمة المشهورين فيكون هو المهدي بهذه الأحاديث وهو المتولد من الحسن العسكري  عليه السّلام ، فمن قال: إنه يمكن أن يكون غيره فقد كابر صريح الأخبار، والاجماع للإجماع على عدم وصف غيره بهذه الصفات، فلا يلتفت إلى إنكار وجوده بدلالة العقل القائم على وجوب وجوده لعدم خلو الزمان من وجود إمام معصوم ـ كما هو مقرر فيما سبق.

وأما ما نقله الإمامية فلا يمكن حصره، فلا حاجة إلى التعرض له في هذا المجال، ولأن ما ذكرناه من طريقهم تمام الحجة عليهم.

وأما سبب غيبته، مع الحاجة إليه، فقد اختلف علماؤنا فيها، فقال بعضهم: لا يجوز نسبة ذلك إلى اللّه؛ لأن الإمامة لطف، ولا يصح في حكمته منع اللطف، ولا يجوز نسبته إلى المعصوم لعصمته، فلا يكون الإخلال بالقيام بها منه لعدم جواز إخلاله بالواجب، فيكون السبب من الرعية، لكثرة عدوه وقلة ناصره وقد خاف على نفسه، فدفع الضرر عنها؛ لأنه واجب عليه فاختفى عنهم، فكان السبب في اختفائه؛ بعد إزالة العلة، وكشف الحقيقة من اللّه تعالى إلى الخلق، لأن الواجب عليه إيجاد الإمام، وتعينه وقد فعل ذلك، والواجب على الإمام قبول الإمامة، وتحمله لأعبائها وقد فعل ذلك أيضاً، والواجب على الرعية متابعة الإمام، وقبولهم لأوامره ونواهيه ونصرته على أعدائه، فهم لم يفعلوا ذلك، فكانت الحجة عليهم قائمة؛ لأنهم منعوا اللطف عن أنفسهم، فيكون النفع في غيبته للناس كإنتفاعهم بالشمس من وراء السحاب، وقد ورد ذلك التعليل في أخبار مستفيضة، كصحيحة العمري وغيرها.

وفي أخبار عديدة أيضاً، إن أعمال الخلائق تعرض عليه في كلّ اسبوع، فيعرف وليه من عدوه، ولكونه مترقب الخروج في كلّ وقت، وبذلك ترتدع الخلائق.

والواجب على اللّه تعالى وجود المترتبة عليه هذه المنافع والزواجر.

وقال آخرون: إنا لما أثبتنا إنه تعالى عدل حكيم لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب، فإن أفعاله معللة بالأغراض والمصالح، كان ذلك موجباً لاعتقاد أن جميع أفعاله مشتملة على الغرض الصحيح، وإن خفيت علينا تلك الحكمة والغرض؛ لأنه لا يجب علينا معرفة جميع الأشياء على الإستفصال لعجز القوة البشرية عن إدراك جميع ذلك.

وحينئذ يجوز أن الغيبة من اللّه تعالى كما وقع في الأمم السابقة والأنبياء، فما من نبي، ولا وصي نبي إلا وقعت له هذه الغيبة عند استضعاف الحق، وكان السبب فيها أمراً خفياً، ومصلحة استأثر بعلمها اللّه دوننا، إلا أنا نعتقد أنها لم تكن إلا عن مصلحة، فلا يجب علينا البحث عن حقيقة تلك المصلحة، والمعرفة بها، كما في خلق إبليس، والحيّات المؤذيات، والعقاقير التي فيها السموم، والآت الحرب التي يقع بها قتل النفوس.

وبعض علمائنا من المتأخرين قال: إن السبب في غيبته إستخلاص المؤمنين، من أصلاب المنافقين، محتجاً بأخبار عديدة جاءت في تفسير قوله تعالى: <ولو تزيلوا لعذبنا الذي كفروا منهم عذاباً أليماً> ،وهكذا في الأمم السابقة، إنما أخر العذاب عنهم لخروج أولئك المؤمنين من أصلابهم، ولهذا لا يقبل إيمانهم عند خروجه، كما قال تعالى <لاينفع نفساً إيمانها لم تكُ آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً<.

أو لأن قيامه من اشتراط الساعة وعلاماتها، كما قال تعالى: <يسألونك عن الساعة أيان مرساها>، قل: إنما علمها عند ربي، وكذا في غير آية من كتاب اللّه تعالى معبّراً عنها بالساعة، وقد استفاضت الأخبار في تفسير هذه الآيات إن المراد بها قيام القائم.

وقد أعلنت هذه الأدلة ببقائه، واستمرار حياته، إذ لا إمام بعده؛ لأنهم  عليهم السّلام  عدد نقباء بني إسرائيل، وقد بينا فيما سبق عدم جواز خلو الزمان عن إمام ظاهر أو مستور، فوجب على اللّه تعالى بقاؤه، وأنه مترقب الظهور، وليس فيه إبطال التكليف؛ لبقاء نوابه والآخذين عنه، وليس بمستبعد بقاء أمثاله عند إقتضاء الحكمة لها؛ لأن للّه تعالى الإستقلال في بقاء الأعمار وإنقطاعها، وإستبعاد أمثال ذلك من الجهل وشدة الضلالة والتعصب.

وأما مامنعه الطبيعيون، وكثير من الأطباء من الزيادة على المائة، والعشرين العام في المعمرين فأضغاث أحلام، وخيالات منام، وتكذيب لكتاب اللّه، ودفع لقدرته، بل إنكار لضروريات العادة،فقد وقع التعمير في كثير من السعداء والأشقياء على ما ادعاه الطبيعيون، فمن السعداء نوح، وشعيب، والخضر، وإلياس وأمثالهم، ومن الأشقياء ابليس والسامري والدجال وغيرهم، ومن سائر الناس كثير ـ كما هو مذكور في كتب المعمرين ـ ونص عليهم المرتضى في كتابه الشافي وفي الدرر والغرر، والصدوق في الإكمال ـ وإذا صح التعبير بالمتواتر في غيره ،وفي ما مضى، فما المانع في صحته في حقّه  عليه السّلام ، مع أنه لطف واجب بقاؤه على اللّه تعالى للمكلفين، وأمر مقدور للّه تعالى، فليس استبعاده إلا مكابرة، وعناداً ظاهراً ـ كما هو مشاهد.

وبالجملة فموافقة الطبيعيين، وأهل النجوم والجحود لما جاء به كتاب اللّه، ومتواتر الأخبار إلحاد وجحود، لا يعمل به إلا كلّ مُبْعَد عن رحمة اللّه مطرود، ثم إنه لابد من اعتقاد ظهوره بعد غيبته الكبرى، وهو أمر لا شك فيه، وقد وافق عليه المؤالف والمخالف، ورووا فيه أحاديث كثيرة عن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

فمن المستفيض من الطرفين قوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لو لم يبق من الدنيا إلا ساعة واحدة لطوّل اللّه تلك الساعة حتى يخرج من ذريتي رجل يواطيء إسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً، وجوراً.

وفي صحيح أبي داود يرفعه إلى علي بن أبي طالب  عليه السّلام ، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لو لم يبقَ من الدهر إلا يوم، لبعث اللّه رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً.

وما رواه الترمذي في صحيحه أيضاً، يرفعه إلى ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم، حتى يبعث اللّه رجلاً مني من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً، وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وروي عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي، ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذاباً كلهم يقول: أنا نبي.

وروي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  إنه قال: تملأ الارض ظلماً وجوراً فيقوم رجل من عترتي يملأها قسطاً وعدلاً.

وعنه أيضاً قال: لاتقوم الساعة حتى يملأ الأرض رجل من أهل بيتي عدلاً كما ملئت قبله جوراً، وفي صحاحهم هذا المعنى أكثر من أن يحصى، وهو مما اتفق على صحته، وصحة الكتب المنقولة منها عندهم كسنن أبي داود، وكتاب مناقب الشافعي، وكتاب أبي طلحة الشامي وصحيح الترمذي، وصحيح مسلم، والبخاري، وصحيح ابن ماجة، ومسند ابن حنبل، وغيرها من كتبهم.

وأمّا روايات أصحابنا في هذا الباب، فلا يأتي عليها الحد ولا الحساب، فلا حاجة لنا لنقلها في هذا الباب، لأن ما رووه في كتبهم أعظم حجة عليهم.

ومما يجب اعتقاده هنا لما قدمناه من الأدلة، إمامة الأئمة الإثنى عشر بعد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بغير فصل؛ لثبوت إمامتهم بالتنصيص عليهم من اللّه ورسوله، في الكتاب والنصوص المتواترة، وقد أفاد مجموعها العلم.

 ويجب اعتقاد أنهم موصوفون بالعصمة، منزهون من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها، عمداً وسهواً؛ لما ثبت من وجوب إمامتهم بالنص الصحيح، الدال على وجوب عصمتهم، ويجب اعتقاد أنهم أفضل الرعية بعد النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأنهم أفضل من النبيين والمرسلين ما سوى النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وإن اللّه قد كمل لهم أوصاف المحامد، وأودعهم الأسرار والعلوم يتوارثونها صاغراً عن كابر، وكل من أنكر واحداً منهم، وشكّ في إمامته، أو اعتقد فيه غير ما ذكرناه، فليس بمسلم، بل هو خارج عن ربقة الإسلام، وإن جهله بذلك سبب في التقصير في النظر إلى أدلة إمامتهم، أو ان الشيطان شبه عليه، أو لتقليده السلف من آبائه الطغاة، وإن كلّ واحد منهم إمام أهل زمانه، وقد ثبت في المستفيض من الطرفين :إن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

ويجب اعتقاد أن فاطمة  عليه السّلام  مطهرة معصومة من الذنوب والمعاصي، وأن اللّه أمر بطاعتها ومحبتها، فيجب تعظيمها لوجوه:

منها قوله  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، وفي حديث آخر من طريقهم كالمتواتر: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها .

وهذه الأخبار واضرابها مما توجب لها العصمة، فهي داخلة في آية التطهير، كما استفاضت به الروايات من طرقهم، ولقد أظهر اللّه لها كرامات ومعاجز، لوجاز لها دعوى النبوة والإمامة، لثبت لها ذلك الشأن، فهي اصل الأئمة  عليه السّلام ، وكلّهم في ذريتها ما عدا بعلها، فهي أفضل نساء العالمين من الأولين والآخرين، ولقد نقل السيوطي في انموذج اللبيب: أن فاطمة عليها السلام، وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة، فكلامه حق بالنسبة لغير علي  عليه السّلام ، فكيف يرتضون ويعتذرون عن أولئك الخلفاء بما صنعوا بها من تلك الأرزاء، وينفون عصمتها، بل نسبوا إليها مالا يجوز نسبته لسائر النساء.

ويجب اعتقاد أن المحارب لعلي  عليه السّلام  وللأئمة كافر لقول النبي  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  فيما اشتهربين الفريقين: ياعليّ حربك حربي، وسلمك سلمي، وحرب عليّ كحرب رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم  بتنصيص هذه الأخبار، وحرب النبي كفر بالإجماع، فيكون حرب علّي كذلك، وإلا لم تصح هذه القضية الحملية، ولا حمل هذه المواطاة بالكلية، فبهذا نعتقد ونقطع بأن معاوية وطلحة والزبير والمرأة  وأهل النهروان وغيرهم ممن حاربوا علياً والحسن والحسين  عليه السّلام  كفار بالتأويل، وإن كان بما نطق به القرآن ومتواتر الأخبار، فلا تغير بما أبداه بعض المشبهة من علماء الفريقين، حيث أثبتوا لهم البقاء على الإسلام، ركوناً إلى أخبار تضمّنت الكف عنهم، وعن أموالهم، وعن ذراريهم بعد الهزيمة والإسلام، وليس ذلك بنافع؛ لأن الكف عنهم إنما هو للمنة عليهم من رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، على أهل مكة مع كونهم كفاراً بالإجماع، ولعلمه بخروج المؤمنين منهم، ولأن لهم الدولة آخر الزمان فتمتحن شيعتهم بهم،ويستأصلونهم، وذلك من الحكم الخفية، التي لم يهتد لها أكثر الناس، ولم يقفوا عليها، والتعبير بالفسق في كثير من الأخبار لا ينافي ان الكفر؛ لأن الكفر والفسق بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل كافر فاسق، ولا عكس.

وأما أصحاب الجمل مثل طلحة والزبير فلم يتوبوا، بل هلكوا على غير التوبة، ولو أنهم تابوا توبة نصوحاً لرجعوا إلى الفئة المحقة واعتذروا لمّا خرجوا عليه.

وأما المخالف الجاحد لامامتهم، ولم يبلغ حد المحاربة، والمقدم غيره، والمعتقد أن خلافته كانت بالبيعة لا بالنص، فالمتفق عليه بين أصحابنا فسقهم، واختلفوا في كفرهم، والحق أنهم كفار بالتأويل، والحكم بإسلامهم نظراً إلى التنزيل، والأخبار بما قلناه مستفيضة.

أما المعلن منهم بعداوتهم، والغالي فيهم، فلا إشكال في كفرهم عند علمائنا، وقد نقل عليه الإجماع غير واحد، والأخبار به مستفيضة فهم في العذاب خالدون أبد الآبدين، وقد حققنا هذه المباحث في كثير من مصنفاتنا، وأجوبة المسائل، وأكثرنا هناك من ذكر الأخبار والدلائل، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، واعتقد ما قلناه فإنه من حقيقة الدي

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2496545

 • التاريخ : 20/09/2019 - 15:08