المقصد الثالث في النبوّة 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : محاسن الاعتقاد   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

 المقصد الثالث في النبوّة
 وهي من الألطاف الإلاهية، وعليها بنيت  الشرائع ، وأقيمت الحدود، وبها عرف المطابع من العاصي، والنبي هو الحامل لها، والمبعوث بها، وقد عرفوه بانه الإنسان المخبر عن اللّه  بغير واسطة من البشر، وهو أعم من الرسول، لأن الرسول هو المخبر كذلك مع مشاهدته للملك، وسيجيء الفرق بينهما من الأخبار المعصومية.

 وفيه مباحث:

المبحث الأول: في بيان حسنها

 لأنه لو لم يثبت لها الحسن لماصحّ وجوبها على اللّه ؛ لأنها من فعله تعالى، والقبيح لا يصح منه تعالى، وقد أطبق العلماء  على ذلك الحسن إلا البراهمة أصحاب برهما من حكماء الهند، فقد أنكرو حسنها، محتجين على ذلك بأن النبي  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  إن جاء بما يوافق العقل ففي العقل كفاية عنه لإدراكه له من دونه، وإن جاء بما يخالفه كان له ردهّ؛ لأنه لا يقبل ما يخالفه ،فحينئذ تكون البعثة عبثاً، وقد اجيب عن ذلك بوجهين:

الأول: إن اللّه  تعالى قد بعث الأنبياء، وارسل الرسل، وكل أفعاله حسنة، فتكون النبوة حسنة؛ لأنه فعلها، ولاشيء من أفعاله قبيح.

الثاني: المنع من الحصر المذكور، فإنا نقول: يجوز أن يأتي النبي بما يوافق العقل ولا يستغني العقل عنه؛ لأن العقل إنما يدركه مجملاً فالشرع يفصله، فتحصل للعقل فائدة لم تحصل له من قبل، وهو العلم التفصيلي، أو أن يدركه، لكن قد يعارضه الشك والوهم فيه فحينئذ تحصل له الفائدة بحصول الجزم بمعتقده، لزوال ذلك الشك والوهم بالنبوة، وخلوصه عن التردد، ويجوز أن يأتي بما يخالف العقل ،ولا يصح للعقل ردّه؛ لأنه يجوز أن يكون غافلاً عن وجه حسنه، فإذا بين له الشرع الوجه، وعرّفه بالطريق المؤدي إلى حسنه ،قبله العقل واهتدى  إلى ما جهل حسنه، لأن العقول لم تطلع على جميع الأشياء، ولم تهتد إلى جميع جهات الحسن والقبح فلم تخل النبوة عن الفائدة على الوجهين، ومع ذلك فإن النبوة قد اشتملت على فوائد كثيرة وأمور جليلة، لم تدركها العقول، ولم تجز السبيل إليها في الوصول.

مثل تعلّم الصنايع الدقيقة، وكيفية إستخراجها ،فإن العقول قاصرة عن إدراكها، بل اللّه  تعالى هدى إليها خلقه على لسان أنبيائه فعَلِمُوها بكيفياتها، وأوضاحها حتى حصل لهم المنافع التامة، ومثل استخراج الأغذية، وكيفية الإنتفاع بها والإحتراز عن السموم القاتلة، فلو لم تُعَلم الأنبياء المكلّفين المضر من النافع لما عرفت العقول شيئاً من ذلك، ولاشتمال النبوة على إصلاح الأمور المعاشية، وتمام نظام النوع الإنساني الذي اضطر في بقائه إلى الاصلاح، فإنه بهم استقامت العوام واهتدوا إلى كيفية المعاش وانحسم بهم الشرور والعدوى في العالم بسبب استيلاء قوتي الشهوة والغضب، ولأن بهم حصل النوع المذكور في ردع بعضهم عن بعض بحصول الرئاسة المضطر إليها في كلّ زمان ومكان.

ويرشد إلى ذلك من الآيات ما لا يُحصى، ومن الأخبار مالا يستقصى، ففي خبر هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق الذي أتى  أبا عبد اللّه   عليه السّلام  ،فقال: من أين أثبت أنبياء، ورسلاً ،قال له  عليه السّلام : إنا لمّا أثبتنا لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن تشاهده خلقه، ولا يلامسوه، ولا يباشرهم، ولا يباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى عباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما  به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عنه ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء، وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحليم العليم بالحكمة والبراهين، ثم ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ما أتت به الأنبياء والرسل من الدلائل والبراهين، لكي لا تخلو أرض اللّه  عزّ وجلّ  من الدلايل والبراهين والشواهد، من إحياء الموتى، وإبراء الاكمه والأبرص، فلا تخلو ارض اللّه  من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول، ووجوب عدالته .

وفي مصباح الشريعة ،قال الصادق  عليه السّلام : إن اللّه  عزّ وجلّ  مكن أنبياءه من خزائن لطفه، وكرمه ورحمته، وعلّمهم من مخزون علمه، وأفردهم من جميع الخلائق لنفسه، فلا يشبه اخلاقهم واحوالهم أحد من الخلائق أجمعين، إذ جعلهم وسائل سائر الخلق إليه، وجعل حبّهم وطاعتهم سبباً لرضاه، وخلافهم وإنكارهم سبب سخطه، وأمر كلّ قوم باتباع ملة رسولهم، ثم أبى أن يقبل طاعة أحد إلا بطاعتهم، ومعرفة حقهم وحرمتهم ووقارهم وتفظيمهم وشأنهم عند اللّه .

فعظّم جميع أنبياء اللّه ، ولا تنزّلهم بمنزلة أحد من دونهم، ولا تتصرف بعقلك في مقاماتهم وأحوالهم وأخلاقهم إلا ببيان محكم من عند اللّه ، وإجماع أهل البصائر، بدلائل تتحقق بها فضائلهم ومراتبهم، وأنى للوصول إلى حقيقة مالهم عند اللّه ، وإن قابلت أقوالهم وأفعالهم من دونهم من الناس أجمعين فقد أسأت صحبتهم، وانكرت معرفتهم، وجهلت خصوصيتهم بالله، وسقطت عن درجة الإيمان والمعرفة فإياك ثم إيّاك.

وفي العلل في الصحيح المستفيض عن الحسين بن نعيم الصحاف، قال: قلت لأبي عبد اللّه   عليه السّلام : ايكون الرجل مؤمناً قد ثبت له الإيمان، ثم ينقله اللّه  بعد من الإيمان إلى الكفر؟ قال  عليه السّلام : إن اللّه  هو العدل، وإنما بعث الرسل لتدعوا الناس إلى الإيمان بالله، ولا تدعوا  أحداً إلى الكفر، فيكون الرجل كافراً قد ثبت له الكفر عند اللّه ، فينقله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان، وقال: إن اللّه  عزّ وجلّ  خلق الناس على الفطرة التي فطرهم عليها، لايعرفون إيماناً بشريعة، ولا كفراً بجحود، ثم بعث اللّه  الرسل إليهم لتدعوهم إلى الإيمان باللّه  حجة عليهم، فمنهم من هداه اللّه ، ومنهم من لم يهده .

وقد تقدم في صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا  عليه السّلام  ما حاصله: فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة؟ قيل : لأنه لم يكن في خلقهم، وقواهم ما يكملون لمصالحهم، وكان الصانع متعالياً عن أن يُرى، وكان ضعفهم عن إدراكه  ظاهر، فلم يكن بد من رسول بينهم وبينه، معصوم يؤدى إليهم امره ونهيه وأدبه، ويوقفهم على ما يكون به إحراز منافعهم، ودفع مضارهم. إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم، فلو لم تجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة، ولاسد حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثاً لغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كلّ شيء، وناهيك بها من أخبار كشفت عن وجوه الحكمة، وأبراء الأبرص والاكمه، وازالة السحب المدلهمة من شكوك أولئك الزنادقة الظلمة، وكم في الأخبار من مثلها ما هي واضحة مفهمة، وحينئذ فينطبق على هذا الأدلة استدلال الحكماء والمتكلمين.

اما طريق الحكماء، فتقريره أن يقال: إرشاد الخلق إلى مصالحهم بالنسبة إلى أحوال معاشهم ومعادهم واجب، وكلّ ما كان كذلك كانت النبوة واجبة.

اما الأولى: فلأن فعل الأصلح في حكمته واجب، فيجب عليه إرشادهم إلى مصالحهم بالنسبة إلى الأمور المعاشية والمعادية.

وأما احتياجهم في الإرشاد المذكور إلى الأنبياء، فنقول في بيانه: أن النسبة إمّا إلى أحوال معاشهم، وهو أن الضرورة داعية سابقة في النوع الانساني إلى الاجتماع لاحتياج كلّ واحد إلى مأكل وملبس ومسكن وسلاح وغير ذلك، وكل واحد من هذه الأمور يحتاج إلى أمور كثيرة، لا يقوم ببعض منها وحده، فلهذا كان الإنسان لا يعيش وحده منفرداً،فدعت الضرورة إلى الإجتماع مع بنى نوعه، ليقوم كلّ واحد منهم بمهم صاحبه، والإجتماع مظنّة التنازع والإختلاف، لأن لكل واحد منهم شهوة، وغضباً يدعوه إلى الإستعانة ببنى نوعه، مع عدم الإعانة فيفضي ذلك إلى التحارب المفضي إلى الى فساد النوع واضمحلاله، فاقتضت الحكمة وجوب معاملة وقوانين تجري بين النوع يرجعون إليه عند الإختلاف والتنازع تتفق عليها آراؤهم، ولايجوز أن يكون المقرر لهذه القوانين إلا اللّه  تعالى، لأنه لو فوض ذلك إليهم لحصل ماكان أولاً، لأن لكل شخص عقلاً يقتضيه رأيه، وميلاًيوجبه طبعه، فلايكون مقبولاً عندهم، ولابد لهذه القوانين من مقرر لها يكون منه تعالى.

فاقتضت الحكمة وجود شخص  يقرر  الشرع ويجريه بين النوع الإنساني، ويكون ذلك متميزاً عن بني نوعه بآيات ودلالات تدل على صدقه، لتحصل به الرئاسة عليهم، وينقاد كلّ إلى طاعته ويخاف من مؤاخذته، كي يشرع لهم مبلغاً عن ربه، يعد فيهم مطيعهم بالثواب ،ويتوعد عاصيهم بالعقاب، ولابد للعوام الذين لايبالون بفساد النوع عند استيلاء شهواتهم من حدود وتعزيرات، لينقادوا إلى الشرع، ليتم نظام الوجود ويحصل بقاء النوع الإنساني به، الذي هو مراد الحكيم.

و أمّا بالنسبة إلى أحوال معادهم، فهو أن السعادة الأخروية، والبهجة المرضية الأبدية، لمّا كانت لاتحصل إلا بكمال النفس بالمعارف الحقّة، والأعمال الصالحة السنيّةـ أعني قوتي العلم والعمل اللذين لايحصل السعادة في الآخرة إلا بهما، وكان تعلق النفس بالأمور الدنيوية ،وانغمار العقل في الشهوات البدنية، والملابس السنية مانعان من تحصيل ذلك على الوجه الأتمّ والنهج الأقوم، وجب في الحكمة الربانية،والألطاف الإلهية وجود شخص لم يحصل فيه ذلك التعلّق المانع، ليقرر لهم المعارف ويوضحها ويزيح عنهم الشبهات ويدفعها، ويقصد مااهتدت إليه عقولهم منها، ويبين لهم مايهتدون إليه، ويقرر لهم العبادات والأعمال الصالحة ماهي وكيف هي، على وجه يوجب لهم الزلفى من عند ربهم، ويقوم عليهم بتكرارها في الأوقات المتعددة، ليحفظوا التذكير بالتكرير وتستكمل الأشخاص الإنسانية بقوتي العلم والعمل، والإستعداد لقبول السوانح الإلهية، والنفحات القدسية، ليكون سبباً لإدراك السعادة الأخروية، ونيل الكمالات الأبدية، وذلك الشخص هو النبي فيكون واجباً في الحكمة،وهوالمطلوب.

 وأما طريق المتكلمين، فبيانه أن نقول: إن وجبت التكاليف العقلية وجبت التكاليف الشرعية ،لكن المقدّم حق فالتالي مثله ،أمّا حقيقة المقدّم فقد تقدّم ، وأمّا الشرطيّة فلأن التكاليف الشرعية ألطاف في التكاليف العقلية، فإنّا نرى أن من داوم على الصّلاة  ـ مثلاً ـ دعاه ذلك إلى معرفة اللّه  ودوام ذكره، ولهذا إن الصلاة كررها الشارع في اليوم والليلة خمس مرات ليحصل بذلك الإلتفات إلى اللّه  تعالى في الأزمنة المتكررة، والمداومة على معرفته وذكره.

فقد ظهر أن التكليف السمعي لطف في التكليف العقلي، وقدعرفت فيما تقدم وجوب اللّطف في الحكمة، فيكون التكليف السمعي واجباً، فيكون مستلزماً لوجود الواسطة بين المكلّف وبين اللّه  تعالى في تحصيل هذه الألطاف من اللّه  تعالى.

وإنما قلنا ذلك لأن المكلّف في غاية التعلّق بأمور الدنيا، والإنغماس في شهواتها، والباري تعالى شأنه في غاية التجرد عن المكان والجهة، والمسامتة والمقابلة، والإشارة الحسية، واستفادة من هو في الغاية من التعلق ممن هو في هذه الغاية من التجرّد محال، فحينئذٍ  احتيج إلى واسطة بينهما، فوجب وجود شخص جامع للجهتين، الجهة القدسية للإستعارة من الذات السبحانية لطهارة نفسه الملكية من كدورات التعلقات، وشوائب الشهوات الطبيعية، بل تكون نفسه في غاية التجرد، والإستعداد لقبول السوانح من الجانب الإلهي السبحاني، وجهة السبحانية لإفادته بني نوعه؛ لانه لولم يكن منهم  وعلى خلقهم وطبيعتهم وصورهم لم تمل طباعهم ولاقبلوا، ولااستفادوا ما وجب عليهم، لنفرة الطباع عمّن لم يكن مماثلاً لها؛ لأن الطباع إلى أمثالها أميل ، وبأجناسها أشكل، ومن ذلك قولهم: الأشباه على أشباههاتقع، والجنسية علّة للضم، فلهذا وجب أن يكون ذلك الشخص إنساناً لتتم إفادته لبني نوعه، وذلك الشخص الجامع للجهتين المفتقر له في التوسط بين اللّه  وبين خلقه هو النبي، فيكون واجباً في الحكمة. وهوالمطلوب.

المبحث الثاني : في نبوّة نبيّنا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم
 وهو المطلب الأقصى، والباب المهم من هذه الأمور، لأن المقصود بالذات إثبات نبوته  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  لكونه النبي المتعين في هذا الزمان، الواجب معرفته على كلّ مكلف،فنبوة غيره من الأنبياء إنما وجب علينا بالتبعية لا بالإصالة؛ لأنه لمّا ثبتت نبوته، وأخبر بنبوة الأنبياء السالفين، وجب تصديقه فيما أخبر به عنهم، واعتقاد وجودهم في تلك الأزمنة السالفة، وكذلك بنبوتهم وشرائعهم بمعنى أن الجميع حق لكن لما كان البحث عن نبوة نبينا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  بحثاً عن نبوّة خاصة ،مسبوقاً بالبحث عن النبوة المطلقه، قدمنا البحثين السابقين على هذا البحث ،لأنهما كالمقدمتين له، وقدمهدنا لهذا المطلب قواعد يُبْنَى عليها الدليل والبرهان، وهي كون النسخ ثابتاً جائزاً في الحكمة، ولمّاكانت نبوة نبينا  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  مسبوقة بنبوة الأنبياءالمتقدمين، كنبوة موسى وعيسى وغيرهما من النبوات، لاجرم كان ثبوت هذه النبوات موقوفاً على جواز نسخ النبوات المتقدمة عليها، والكلام في هذا النسخ ينحل إلى مسألتين:

الأولى:في حقيقته لان التصديق مسبوق بالتصور.

والثانية :في جوازه عقلاً وقد عرّفوه اصطلاحاً بأنه: رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه على وجه لو لا الثاني لبقي الأول، وقولهم على وجه، لو لا الثاني لبقى الأول، بيان لفائدة النسخ ودالّ على أنه لو لم يكن على هذا الوجه لم يُسَمّ نسخاً.

وأما الثانية ـ  أعني جوازه عقلاً وحكمته ـ  فاتفق عليه أكثر العقلاء، مستدلين عليه بما حاصله: إن مصالح المكلف لاريب في إختلافها بإختلاف أزمانهم وأشخاصهم، وأختلاف المصالح بحسب اختلاف الأزمان والأشخاص مستلزم لاختلاف الشرائع والنبوات، لوجوب تغيّرها بتغيّر المصالح السابقة بتغيّر الأزمان والاشخاص، ومثال ذلك المريض الذي يعالج  عن المرض، فإنه يعالج في وقت بما يستحيل معالجته به في وقت آخر؛ لاختلاف الأزمان والامراض، والزلات في الطبائع وإذا كان ذلك كذلك، وجب في الحكمة الربانية اختلاف  الشرائع  والنبوات وتغيرها؛ بسبب اختلاف الأزمان والأشخاص، وتغيرهما بتغير المصالح فكان سبحانه كالطبيب للمكلفين، وهم كالمرضى في الإحتياج إلى المعالجة، وهذه  الشرائع  كالأدوية، والمعاجين، وإذا عرف الطبيب الأصلح للمريض في كيفية المعالجات، واختلاف الأدوية باختلاف الأزمان والأشخاص، عرف بأدنى فكر أن مصالح المكلفين، تختلف باختلاف أزمانهم وأشخاصهم، وأنه تعالى يعالجهم بالشرائع المختلفة، والاديان المتغايرة بحسب ما تقتضيه المصلحة التابعة للتغيير المذكور.

وذلك هو السر الذي حصل به نسخ الشرائع بعضها لبعض في الأوقات المتقدمة والأزمنة السالفة، حتى انتهت إلى النبوّة المحمدية والشريعة الأحمدية التي اقتضت الحكمة وجودها، ونسخها لما تقدمها من النبوّات والشرائع، وبقائهما ببقاء التكليف ،ومن أنكر هذا التعليل فهو مكابر لمقتضى عقله، ومقتحم للجّة التضليل، فلا يلتفت إليه.

 والمنكر له هم اليهود (لع) ، فإنهم أنكروا جوازه عقلاً، وقالوا بدوام شريعة موسى  عليه السّلام ، فإذا اريد إلزامهم وحجتهم، وإنقطاع حجتهم، يقال: إن نبوة موسى  عليه السّلام  لم تكن مبتدأة بالضرورة، بل هي مسبوقة بغيرها من النبوات والشرائع، فإذا قلتم بعدم جواز النسخ عقلاً لزمكم ألا تكون نبوته حقاً، فوجب عليكم القول بالنبوة السابقة على جميع النبوات والإعتقاد بانتفاء النبوة المبتدعة، فينقطعون عند ذلك بالكلية ولا يكون لهم جواب البتة.

ولا حاجة لنا إلى هدم ما بنوا عليه مذهبهم الفاسد، ومقالهم الكاسد،بعد إلزامهم بتلك الحجّة الواضحة، لأن ما تمسكوا به أوهن من بيت العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت..

فوضعوا حديثاً أسندوه إلى موسى  عليه السّلام ، حيث قال:> تمسكوا بالسبت ابداً< والتأبيد يقتضى الدوام، وما قالوه: من أن النسخ يستلزم البداء، وهو ممتنع عليه تعالى؛ لأن رفع الحكم إن كان لا لمصلحة لذم العبث، وإن كان لمصلحة فوجوده إن كان مصلحةً وجب دوامها، وإن كان مفسدة ًاستحال الأمر بها.

وكذب الأول ووضعه مغنٍ عن الجواب، والبداء في الثاني ليس هكذا معناه، بل هو عبارة عن رفع الحكم في الزمن اللاحق لمصلحة حدثت قد سبق علمه بها.

على أن قولهم: أن المأمور به إن كان مصلحة استحال نسخه، غير مسلم لجواز أن يكون ما هو مصلحة في نفسه، مفسدة في آخر، وما كان مصلحة بالنسبة إلى شخص مفسدة بالنسبة إلى آخر يستحيل بقاؤه في الحكمة.

وحيث ثبت هذا التمهد المقرون بكمال التسديد، فلنستدل على نبوة نبينا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  مجاراة للخصوم، وإلا فهو بديهي معلوم فطري  كما شهد به القرآن، وتواترت به الأخبار في جميع الأوقات والأزمان.

وتقريره: إن نبوة نبينا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ورسالته حق وصدق، لأنه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  قد ادعاها، وظهر المعجز على يده عقيب دعواه، وكل من ادعى النبوة، وظهر المعجز على يديه يكون نبيّاً حقاً، ورسولاً صدقاً، فهاهنا مقدمتان:

 إحداهما: دعوى النبوة.

 وثانيهما: ظهور المعجز على يديه عقيب دعواه.

والثانية من القياس المذكور، إن كلّ من ادعى النبوة، وظهر المعجز على يديه، يكون نبياً حقاً، وهي كبرى القياس، فلا بد من تقرير هذه المقدمات الثلاث. ليتم الإستدلال، فنقول:

أما أنه ادعى النبوّة فظاهر مشهور بين عامة الخلق المخالف والمؤالف لا ينكره أحد منهم في أن رجلاً  ظهر بمكة اسمه محمّد  بن عبد اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وادعى النبوّة فإنّا نعلم بذلك كالعلم بوجود مكة والهند.

 وأما أنه ظهر المعجز على يديه عقيب دعواه، فهو أيضاً معلوم بالتواتر مشهور بين فرق المسلمين، من غير نكر بينهم، حتى أنهم حفظوا من معجزاته ما يزيد على ألف ألف معجزة، وقد أحصي عليه في سفره إلى الشام ستة عشر ألف معجزة، كما نطقت بها الأخبار على جهة الإجمال والتفصيل، فلا تحيط الأقلام والكتاب بتعدادها وضبطها، وقد بقي منها ما به الكفاية وإليه المرجع في ذلك والغاية أعنى القرآن المجيد الذي لا تبليه الأعصار، وقد تحدى به العرب العرباء، ومصاقع الخطباء فعجزوا عن معارضته، والإتيان بمثله، ولا ريب أن القرآن معجز؛ لأن المعجز هو الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدي، الممتنع على الخلق الإتيان بمثله.

وأصل التحدي المباراة  لغةً، وفي الإصطلاح: هو أن يقول النبي بعد فعل المعجز: من لم يصدقني في دعواي فليأت بمثل فعلي.

وقولهم الممتنع على الخلق الإتيان بمثله أعم من أن يكون ذلك في المحاربة، فاختيارهم لها دليل على عجزهم عن المعارضة؛ لأنهم لو تمكنوا منها لكانت اسهل من المحاربة، والمقاتلة الحاصل بها ذهاب أنفسهم، وأموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، مع انهم كانوا أقدر على ذلك؛ لتمكنهم من مفردات الألفاظ وتركيبها، فعدولهم عن المعارضة دليل على عجزهم، إذ العاقل لا يختار الأصعب مع إنجاع الأسهل إلا لعجزه، فيكون القرآن معجزاً وإن اختُلِف في إعجازه، وسنبين ذلك الخلاف، وقد خص اللّه  كلّ نبي بمعجزة،هي أظهر معجزاته بالنسبة إلى قومه، كلّ ذلك لإلزامهم وتبكيتهم.

ففي خبر السياري ـ كما في المجالس ـ مسنداً، وفي الإحتجاج مرسلاً عن الرضا  عليه السّلام ، برواية ابن السكيت عنه  عليه السّلام  حيث قال له ابن السكيت: لماذا بعث اللّه  موسى بن عمران بيده العصا والبيضاء وآلة السحر، وبعث عيسى  عليه السّلام  بالطب، وبعث محمداً  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  بالكلام والخطب؟ فقال  عليه السّلام : إن اللّه  تعالى لما بعث موسى  عليه السّلام  كان الغالب على عصره السحر فأتاهم من عند اللّه  عزّ وجلّ ، بمالم يكن في وسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وإن اللّه  تبارك وتعالى بعث عيسى  عليه السّلام  في وقت ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فاتاهم من عند اللّه  عزّ وجلّ  بمالم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وابرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه ، وأثبت به الحجة عليهم.

وإن اللّه  تبارك وتعالى بعث محمداً  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  في وقت كان الغالب على أهله الخطب والكلام، وأظنه قال: والشعر، فأتاهم من عند اللّه  بكتاب اللّه  ومواعظه وأحكامه بما أبطل به قولهم، وأثبت الحجة عليهم، فقال ابن السكيت :تاللّه  ما رأيت مثل اليوم قط.

وفي خبر أبي بصير ـ كما في العلل ـ قال: قلت لأبي عبد اللّه   عليه السّلام : لأي علّة أعطى اللّه  عزّ وجلّ  أنبياءه ورسله، وأعطاكم المعجزة ،فقال  عليه السّلام : ليكون دليلاً على صدق من أتى به، والمعجزة علامة اللّه ، لا يعطيها إلا أنبياءه ورسله وحججه؛ ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب ،والأخبار الشاهدة بذلك أكثر من أن تحصى، وأجل من أن تستقصى، ولاحاجه لنا إلى استقصاء معجزاته  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  المتواترة منها، وغير المتواترة؛ لأن الاقلام تأبى أن تأتي عليها.

المبحث الثالث:  في كون القرآن معجزاً
 فقد اختلف في وجه الإعجاز في القرآن، فالمرتضى <رحمه اللّه> ذهب إلى أنه الصرفة ـ بمعنى أن اللّه  تعالى صرفهم عن المعارضة ـ بأن كفّهم عن القدرة عليها.

وقال كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة إنه لإشتماله على العلوم العربية، والأكثرون على الفصاحة البالغة حد الإعجاز، وآخرون على اشتماله على الاخبار بالمغيبات لأن فيه ما كان،ولكل هؤلاء حجج ذكرت في المطولات،والقدر المحقق منها عجزهم عن المعارضة في مقام التحدي، وليس لنا ما وراء ذلك حاجة، فهو مستمر الإعجاز.

وأما أن كلّ من ادعى النبوة على هذا الوجه، وظهر المعجز على يديه فهو صادق فهذه كبرى القياس لأن المعجز لا شك أنه من فعل اللّه  تعالى، فكان قائماً  مقام التصديق للمدْعى لحصوله بعد دعواه، ومن صدقه اللّه  يجب أن يكون صادقاً، لاستحالة أن يصدق الكاذب لما تقدم من الأدلة العقلية والسمعية إنه لا يفعل القبيح، وتصديق الكاذب قبيح، ولأنه أغرا المكلفين باتباع الكاذب، وهو من أقبح القبيح، تعالى اللّه  عن ذلك علوّاً كبيراً فوجب أن يكون صادقاً، وجرى ذلك مجرى من ادعى الرسالة عن ملك، وقال: إن كنت صادقاً في دعوى الرسالة عنك، وإلا فخالف عادتك، فخالف الملك عادته عقيب قول هذا الشخص، وتكرر ذلك الفعل منه، فإن الحاضرين يضطرون إلى تصديق ذلك الشخص في دعواه الرسالة عن الملك، فكذا نقول ذلك في حق اللّه  تعالى إذا ادعى شخص الرسالة عنه، وطلب منه خرق العادة في بعض الأفعال، ففعل اللّه  ذلك عقيب دعواه، وجب على الكل تصديقه، فيكون صادقاً، وهو المطلوب.

المبحث الرابع:  وجوب عصمته كوجوب عصمة الأنبياء قبله
لاقتضاء الدليل ذلك،والعصمة لغه :هي المنع، وفي الاصطلاح عرفوها بتعاريف كثيرة، وعليها إيرادات،وأحسنها: إنها لطف يفعله اللّه  بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة، وفعل المعصية مع قدرته عليها.

وإنما شرطنا القدرة على ترك الطاعة، وفعل المعصية للردّ على بعضهم حيث قال: إن المعصوم لا يمكنه الإتيان بالمعاصي ولا ترك الطاعات، وهو بعيد عن الصواب؛ لأنه لو كان كذلك لما استحق مدحاً، ولخرج عن كونه مكلفاً.

ومذهب أصحابنا الإمامية قاطبة إنه لا يصدر منه الذنب لا صغيرة، ولا كبيرة  ولا عمداً ولا نسياناً ولا خطئاً في التأويل، ولا الإسهاء من اللّه  سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق، وشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد رحمه اللّه ، فإنه جوز الإسهاء لا السهو الذي هو من الشيطان.

وذهب أكثر المعتزلة: إلى أنه لا تجوز عليه الكبائر، وتجوز عليه الصغائر، إلا الصغائر الخسيسة، كسرقة حبة أو لقمة، وكل ما يُنسب فاعله إلى الدناءه والضعة.

ومذهب أبي على الجبائي: إنه لا يجوز أن يأتي بكبيرة ولا صغيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو.

وذهب النظام، وجعفر بن مبشر، ومن تبعهما إلى أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، لكنهم مؤاخذون بما يقع منهم سهواً، وإن كان موضوعاً عن أمتهم لقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم، وكثرة ولائلهم، وأنهم يقدرون من التحفظ على مالا يقدر عليه غيرهم.

وذهب الحشوية، وكثير من أصحاب الحديث من العامة إلى أنهم تجوز عليهم الكبائر والصغائر عمداً وخطأ، ثم اختلفوا في وقت العصمة إلى ثلاثة اقوال:

أولها: إلى أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا اللّه  سبحانه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية.

وثانيها: إنه من حين بلوغهم، ولايجوز عليهم الكفر، والكبيرة قبل النبوة، وهو مذهب كثير من المعتزلة.

وثالثها: إنها وقت النبوة والبعثة واما قبل ذلك فيجوز صدور المعصية منهم، وهو قول أكثر الاشاعرة، ومنهم الفخر الرازي.

وإليه ذهب أبو الهذيل، وأبو علي الجبائي من المعتزلة، والأدلة لهذه المذاهب من القرآن وغيره موجودة، إلا أن العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمة  عليهم السّلام ، عن كلّ ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها، وقول أئمتنا  عليه السّلام  بذلك  معلوم لنا قطعاً؛ لإجماع أصحابنا رضوان اللّه  عليهم مع تأيّده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضرورات في مذهب الإمامية، وقد استدل عليه أصحابنا بأدلة عقلية، منها: إنه لو صدر عنه ذنب لزم اجتماع الضدين، وهما وجوب متابعته ومخالفته، ولأنه لو صدر عنه ذنب لوجب منعه وزجره والإنكار عليه، ولأنه لو قدر على الفسق لزم أن ترد شهادته؛ ولأنه يلزم أن يكون الأقل درجة من عصاة الأمة، فإن درجاتهم في غاية الرفعة والجلالة، والإصطفاء على الناس، وجعلهم أمناء على وحيه؛ ولأنه يلزم استحقاقه العذاب واللعن، واستجابة التوبيخ واللوم،وهذه اللوازم كلها منتفية.

 وحينئذ فيجب صرف الآيات والروايات الدالة على ثبوت معصية إلى معنى يليق بشأنهم فيما أمكن فيه من باب المجاز والكنايات، ومالم يكن فيه ذلك من الآيات والروايات فسبيله ما ثبت عندنا بالأدلة السمعية والقطعية من جرأتهم  على تغيير القرآن ـ كما يشهد به حديث الإحتجاج ـ عن عليّ  عليه السّلام  في الجواب الإجمالي له عن جميع الآيات المؤنبة للأنبياء والرسل من آدم  عليه السّلام  إلى محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم .

المبحث الخامس : يجب بقاء شريعة نبينا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم
 لماثبت من البراهين النقلية من أنه خاتم الأنبياء، لقوله تعالى: <ولكن رسول اللّه  وخاتم النبيين>.

وأما السنة المتواترة فمثل قوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  لعلي  عليه السّلام : أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي .

وفي عيون أخبار الرضا. بإسناده عن الرضا  عليه السّلام  قال: إنما سُمي أو لو العزم أولى العزم؛ لأنهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع، وذلك إن كلّ نبي كان بعد نوح  عليه السّلام  كان على شريعته ومنهاجه، وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل، وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده  كان على شريعة ابراهيم ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى  عليه السّلام  وكلّ نبي كان في زمن موسى عليه السّلام  وبعده كان على شريعة موسى  عليه السّلام  ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى أيام عيسى  عليه السّلام ، وكل نبي كان في ايام عيسى  عليه السّلام  وبعده كان على منهاج عيسى  عليه السّلام ، وشريعته، وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم .

فهولاء الخمسة أولو العزم، وهم أفضل الأنبياء والرسل، وشريعة محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  لا تنسخ إلى يوم القيامة، ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى نبوة أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه.

وفي إكمال الدين، بسند موثق عن الثمالي، عن الباقر  عليه السّلام  قال: إن اللّه  عزّ وجلّ  عهد إلى آدم أن لا يقرب الشجرة  ... وساق الحديث وهو حديث طويل مشتمل على نبوّة الأنبياء، من آدم إلى محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ... إلى أن قال: فلما نزلت التوراة على موسى بن عمران  عليه السّلام  بشّر بمحمد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلم تزل الأنبياء تبشّر بمحمد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وذلك قوله< يجدونه> يعني اليهود والنصاري يعني صفة محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : واسمه مكتوب في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو قول اللّه  يحكي عن عيسى بن مريم  عليه السّلام : <ومبشراً برسول يأتي من بعدى إسمه أحمد>، فبشر موسى وعيسى  عليه السّلام  بمحمد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما بشرت الأنبياء بعضهم بعضاً حتى بلغت محمداً  صلى اللّه عليه وآله وسلّم .

فلما قضى محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  نبوته، واستُكملت أيامه، أوحى اللّه  تعالى وتبارك إليه: ان يا محمّد قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والإسم الأكبر، وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب  عليه السّلام ، فإني لم أقطع العلم والآيات والإسم الأكبر، وميراث العلم وآثار علم النبوة، والعقب من ذريتك، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك، وبين أبيك آدم،وذلك قوله تعالى: <إن اللّه  اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض و اللّه  سميع عليم>.

وذكر كلاماً طويلاً ... إلى أن قال: إن اللّه  عزّ وجلّ  أرسل عيسى بن مريم  عليه السّلام  إلى بني اسرائيل، وكانت نبوته بيت المقدس، وكان من بعده الحواريون اثنا عشر، فلم يزل الإيمان يستتر في بقية أهله منذ رفع اللّه  عيسى، وأرسل اللّه  محمداً إلى الجن والإنس عامة، وكان خاتم الأنبياء، وكان من بعده الإثنا عشر الأوصياء، منهم من أدركنا، ومنهم من سبقنا، ومنهم من بقى.

فهذا أمر النبوة، والرسالة، وكل نبي أرسل إلى بني إسرائيل، خاصاً أو عاماً له وصى، جرت به السنة، وكان الأوصياء الذين بعد محمّد على سنة أوصياء عيسى، وكان أمير المؤمنين على سنة المسيح .. الخبر.

المبحث السادس:  إن نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم
 مع كونه خاتم الأنبياء هو أفضلهم
 وأفضل الرعية على الإطلاق،بمعنى أنه أعلاهم درجة، وأكملهم خَلقاً وخُلقاً، وأكثرهم ثواباً وقربة، ويدل على ذلك القرآن العزيز، فإن فيه ما يدل عليه بأقوى دلالة مثل قوله تعالى: <وإذ أخذ اللّه  ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلك إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا على ذلكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هو الفاسقون> .

ففي الأخبار المروية بطرق ـ كما في القمي والعياشي والمجمع ـ عن علي  عليه السّلام  إنه قال في هذه الآية: لم يبعث اللّه  نبياً آدم، ومن بعده إلا أخذ عليه العهد والميثاق، على أنه إن بعث محمداً  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه .

وفي رواية أخرى عن الصادق  عليه السّلام : وإذ أخذ اللّه  ميثاق أمم النبيين بتصديق نبيها، والعمل بما جاءهم به، وليأخذوه على أممهم بتصديق محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  إذا بعث، ويأمرهم بنصرته على أعدائه إذا أدركوه.

وفي أخرى عن أمير المؤمنين  عليه السّلام ، وابن عباس ـ كما في المجمع ـ  :إن اللّه  أخذ على الأنبياء الذين قبل نبينا  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  ان يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشروهم به، ويأمروهم بتصديقه.

 وفي الحديث القدسي ـ كما في العيون والإكمال والكافي والجامع ،بطرق عديدة ـ إني أنا اللّه  لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين، ومذل الظالمين، وديّان يوم الدين .. وساق الحديث إلى أن قال جل جلاله: إني لم أبعث نبياً فاكملت أيامه، وانقضت مدته، إلا جعلت له وصياً، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء...الحديث.

وفي الإكمال في الصحيح، عن علي  عليه السّلام  : قال : قال رسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم : ماخلق اللّه  خلقاً أفضل، ولاأكرم عليه مني، قال عليّ  عليه السّلام  فقلت: يارسول اللّه : أفأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال: ياعليّ: إن اللّه  تبارك، وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضّلني على جميع الأنبياء والمرسلين، والفضل بعدي لك ياعليّ: والأئمة من بعدك ،فإنّ الملائكة لخدامنا وخدام محبينا يا عليّ< الذين يحملون العرش ومن حوله، يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا>...الآية. بولايتنا.

ياعليّ لولا نحن ماخلق اللّه  آدم ولاحواء  ،ولاالجنة ولاالنار، ولاالسماء ولاالارض، وكيف لانكون نحن افضل من الملائكة، وقدسبقناهم إلى التوحيد ومعرفة ربّنا عزّ وجلّ  وتسبيحه وتقديسه  وتهليله وتحميده، ثم خلق الملائكة، فلما شاهدوا أرواحنا نوراًواحداً،استعظموا امرنا فسبحنا اللّه  لتعلم الملائكة إنا خلق مخلوقون... وساق الحديث إلى أن قال: فكيف لانكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون، وإنه لمّا عرج بي إلى السماء، أذن جبرئيل  عليه السّلام  مثنى مثنى، ثم قال: تقدم يامحمد صل بالناس، فقلت: ياجبرئيل أتقدم عليك؟ فقال: نعم، لأن اللّه  فضل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضلك خاصة على جميع المخلوقين، ثم ساق كلاماً طويلاً... إلى أن قال: فقلت: ياربّ، وهؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يامحمد هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي، وهم أصفياؤك، وخلفاؤك، وخيرخلقي بعدك .

وفي كتاب سليم بن قيس الهلالي، وقد  رواه في الكافي منه: قال:سمعت سلمان الفارسي " يقول: كنت جالساً بين يدي رسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم  في مرضه الذي قبض فيه، فدخلت فاطمة  عليه السّلام  فلما رأت مابه من الضعف بكت حتى جرت دموعها على خديها، فقال رسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم  مايبكيك يافاطمة فقالت: أخشى الضيعة على نفسي وولدي بعدك؛ فدمعت عينا رسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم  بالبكاء،ثم قال: يافاطمة... وساق الحديث إلى أن قال: إن اللّه  تعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها، وجعلني نبياً،واطلع إلى الأرض اطلاعة ثانية، فاختارمنها زوجك، وأوحى إليّ أن أزوجك به... إلى أن قال: فأبوك خير أنبيائه ورسله، وبعلك خير الأوصياء... الحديث ثم قال: إنا أهل بيت أعطانا اللّه  سبع خصال لم يعطها أحداً من الأولين قبلنا ولايعطيها أحداً من الآخرين بعدنا، نبينا سيد المرسلين وهو أبوك، ووصينا سيد الأوصياء وهو بعلك...الحديث.

وبالجملة فالأخبار من الفريقين قد تواترت بهذا المضمون، وقد ثبت بها من الفضل والرفعة والجلالة على جميع الخلق.

وأما الدليل العقلي فلما مرمن قبح تقديم المفضول على الفاضل، فيجب أن تكون الرعية كلّ واحد واحد هو أفضل منه؛ لأنه لو كان له مساوٍ، أفضل منه لوجب تقديمه عليه، أو حلوله في مرتبته؛ لأنه يقبح من الحكيم الخبير تقديم المفضول المحتاج للتكميل على الفاضل الكامل، وقد قال جل من قائل: <هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون> ،وقال تعالى:<أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لايهدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون> وغيرهما من الآيات، أجل من أن تحصى، وكذا لو كان في الأمة من هو مساو، لكان تقديمه عليه ترجيحاً من غيرمرجح، لاستحالة ترجيح أحد المتساويين على الآخر بغير مرجّح لقبحه.

وقد ثبت أيضاً إنهم أفضل من الملائكة ـ كماعليه الإمامية والأشعرية؛ لأمرهم بالسجود لآدم تعظيماً له؛ ولتعليمهم إياهم؛ ولأن الملائكة خدمة الأنبياء، والأئمة  عليهم السّلام ، بل شيعتهم ـ كما في الأخبار المتقدمة ـ وفيها غنية، وكفاية عن الإستدلال.

ولما روي في المستفيض إن شئت :تقدّم جبريل  عليه السّلام  في الصلاة على آدم  عليه السّلام ، ولأن نبيّنا  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  ترقّى إلى مالم يستطع جبرئيل إليه، ولاغيره من الملائكة، فكان كقاب قوسين أوأدنى؛ ولقوله تعالى: <إن اللّه  اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين>.

وخالفت المعتزلة في ذلك، ففضلوا الملائكة عليهم مستدلين بأنهم  الواسطة بين اللّه  وبينهم في التبليغ؛ ولقوله تعالى:< إن اللّه  يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس> وقوله: <لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً للّه  ولاالملائكة المقربون> وقوله تعالى حكاية عن إبليس وآدم: <مانهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين> ولا دلالة في شيئ من هذه الأدلة، لأن الواسطة بين اللّه  و بين أنبيائه إنما كانت من الملائكة لتشريفهم بخدمتهم، ولمناسبة حالهم في العالم العلوي والمجردات، وأما التقديم الذكري في الآية الأولى لايدل على الشرف، ولو دلّ على الترتيب، فليس إلا لتقدّم رسالتهم الخارجية على بعثة الأنبياء والرسل بالأوامر والنواهي.

وكذا ليس في الآية الثانية دلالة، وإن ذكرت في مكان الترقي لجريان ذلك على مقتضى عقائدهم في الملائكة من تفضيلهم على الأنبياء، حتى سموهم بنات اللّه ، فخاطبهم اللّه  بهذا الترقي لذلك.

وأما ماحكاه تعالى من  خطاب إبليس لآدم  عليه السّلام  فلايدل على المطابقة، لما في نفس الأمر، ولكن لمّا كان مقام الملائكة لتنزههم عن الحاجة إلى المطاعم، والمشارب دون مقامات أولي الأجسام، كان مقامات افتخار على مقامات أولى الأجسام المفتقرة لتلك المآكل والمشارب، ولمافيها من الشهوة الموجبة للمناكح، فلايكون منافياً لشرف النوع الإنساني، لأن عصمتهم مع حصول هذين المانعين مما يوجب لهم المقام الكريم، ولهذا قال اللّه  تعالى للملائكة عند خلق آدم، واعتراضهم على خلقه واستخلافه: <أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لاتعلمون> فهناك أظهر غضبه تعالى على الملائكة لما وقع لهم في الإعتراض، حتى أنهم لاذوا بالعرش خمسمائة عام، وتابوا إليه وتضرعوا واعترفوا بالتقصير.

وفي تفسير العسكري  عليه السّلام  ،قال في حديث طويل، يذكر فيه أمر العقبة إن المنافقين قالوا لرسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم : أخبرنا عن علي  عليه السّلام ، أهو أفضل أم ملائكة اللّه  المقربون؟ فقال رسول اللّه   صلى اللّه عليه وآله وسلّم : وهل شرفت ملائكة اللّه  تعالى إلابحبها لمحمد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  وعلي  عليه السّلام ، وقبولها لولايتهما أنه لاأحد من محبي علي  عليه السّلام  من نظف قلبه من كدر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب، إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل أمر اللّه  الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا وضعوه في نفوسهم وزعموا أنه لايصير في الدنيا خلق بعدهم، إذ رفعوا عنها، إلا وهم أفضل منهم في الدين، وأعلم باللّه  وبدينه علماً، فأراد اللّه  أن يُعرّفهم أنهم أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم، فخلق اللّه  آدم، وعلمه الأسماء كلها، ثم عرضها عليهم فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم  عليه السّلام  أن ينبئهم بها، وعرّفهم فضله في العلم عليهم، ثم أخرج من صلب آدم  عليه السّلام  ذريته، ومنهم الأنبياء والرسل والخيار من عباد اللّه ، أفضلهم محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  ثم آل محمد، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  وخيار أمة محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  وعرف الملائكه بذلك لو أنهم أفضل منهم إذن لاحتملوا ما حملوه من الاثقال، وقاسوا ماهم فيه من تعرّض أعوان الشياطين، ومجاهدة النفوس، واحتمال أداء ثقل العيال والإجتهاد في طلب الحلال، ومقامات الخوف، ومخاطرة الخوف من الأعداء من لصوص مخوفين، ومن سلاطين جور قاهرين، وصعوبة في المسالك في المضائق والمخاوف، فعرّفهم اللّه   عزّوجلّ ، أن  أخيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ويتخلّصون منها، ويحاربون الشياطين، ويهزمونهم، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها، ويغلبونها من ماركب فيها من شهوة الفحولة، وحب اللباس والطعام، والعز والرئاسة، والفخر والخيلاء، ومقاساة البلاء والعناء من إبليس (لع) وعفاريته وخواطرهم وأعوانهم وإستهوائهم، ودفع ما يكيدونهم من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء اللّه ، وسماع الملاهي، والشتم لأولياء اللّه  مايقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم، والهرب من أعدائهم... الحديث.

المبحث السابع: فيما يجب أن يتّصف به النبي من الصفات]
يجب أن يتصف النبي بجميع الصفات، في الخَلق والخُلق، والظاهر والباطن، وقد أجمع على ذلك، وكذا يجب أن يتصف بجميع أوصاف المحامد، وتنزهه عن جميع الرذائل الخلقية والخلقية.

أما أوصاف المحامد، فكقوة العقل وشدة الفطنة، وقوة الحدس والإطلاع على الأشياء في أسرع مايكون، واشتماله على النجدة، وهي قوة تقتضي فضيلة للعقل بسبب ورودها بالنسبة إلى الأفعال التي تقتضي العواقب الحسنى في الأمور والشجاعة، وهي فضيلة تتوسط بين التهوّر والجبن وتقتضي الإقدام في مواضعه ، والغيرة وهي قوة للنفس تقتضي سرعة غضبها في الأمور الغير المحمودة، وغير ذلك من الخصال الفاضلة الشريفة كالكرم والسخاء والجودة والإيثار وغير ذلك.

ويجب أن يكون هو في كلّ واحدة من هذه الفضائل، أفضل وأكمل من كلّ واحد واحد من أهل زمانه؛ لتحصل المزية له، بذلك عليهم ووجوب التقدم له في كلّ واحدة منها.

وأما الرذائل الخلقية والخلقية التي هو منزه عنها، فهي إماأن تكون بالنسبة إلى الخارج عنه، كدناءة الأباء وعهر الأمهات، بمعنى أنه لايكون في آبائه من يوصف بالدناءة ولابالكفر، ولابالفسق، ولاالتلوث بالصناعات الدنيئة، ولايكون في أمهاته من توصف بالعهر وهو الزنا، ولهذا قال  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : لم يزل ينقلني من الأصلاب الزكية إلى الأرحام المطهرة، وقال اللّه  تعالى في شأنه:< الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين> ففي تفسيرها عنهم  عليه السّلام  أن المراد تنقله من أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي، ومن وصي إلى وصي ـ على مارواه في المجمع وغيره.

وأما بالنسبة إلى الرذائل فيه فهي:

 إما بالنسبة إلى خلقه الظاهر فكالصمم والبكم والجذام والبرص وسائر العاهات، وغير ذلك من الصفات الذميمة التي توجب سقوطه عند بني نوعه، واستصغاره في أعينهم.

وأما الباطن: فكالحقد والحسد والجهل والجنون، وهوكثرة الضحك ومن ذلك البخل والشح والحرص على الدنيا، والإقبال عليها، ومداراة أهلها في أوامر اللّه  تعالى؛ لأنه يجب أن يكون معصوماً في أقواله وأفعاله، وفي تروكاته وتقريراته، وقدتضمنت الآيات والروايات عند بيان صفتهم ما ذكرناه.

وأما الطباع فكالأكل في الطريق، أو في الأسواق، ومجالسة الأراذل والأدنين من الناس، ومجالسة الذين لايبالون بما قالوا، ولاما قيل لهم.

وإنما قلنا بوجوب تنزيهه عن ذلك كله، لما فيه من النقص الموجب لسقوط محله من القلوب، فكان وجود الصفات الحميدة فيهم، وتنزيههم عن الصفات الذميمة، لطف مقرب للمكلفين إلى اتباعهم، والإقبال عليهم، فوجب أن يكونوا كذلك ليتم الغرض، ولاشك أن نبينا  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  كان في أعلى مايكون من هذه الصفات.

وأما بالنسبة إلى الخارج عنه، فما ثبت من علو نسبه، وعظم مرتبته في ذلك فإنه كان من أشرف بويتات العرب، وأكملهم حسباً ونسباً بحيث لاينكره أحد.

وأما بالنسبة إلى خلقه الظاهر :فكان أكمل الناس في ذلك، فقد جاء في بيان صفاته في الكتب السماوية: لابالقصير اللاصق، ولابالطويل الشاهق، أسمر اللون مشرب بالحمرة، أقنى الأنف، دقيق الشفتين، ميمي الفم، نوني الحواجب، ليلي الذوائب، مدور الهامة، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن جسده اللؤلؤ الرطب، في مشربته شعرات لم يكن في جسده  شعرات غيرها، كأن رائحته المسك الأذفر، أطيب الناس عرفاً، وأسمح الناس كفاً، وأرحم الناس بالناس، إذا  قام مع الناس أغمرهم، وإذا مشى فكأنما ينقلع من صخر، أو ينحدر من جبل، ينظر من ورائه كما ينظر من قدامه، لا ينام قلبه إذا نامت عيناه ... إلى غير ذلك من صفاته الحميدة، وخواصه المجيدة.

وأما بالنسبة إلى أخلاقه الملكوتية، فهي كما وصفه اللّه  تعالى في الآيات القرآنية، فقال عزّ من قائل:<وإنك لعلى خلق عظيم> وقال  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وقد جمعها أمرئ في قوله:

خـذ العفـو وامـر بالعــرف             وأعـرض عن الجاهـلين فيالـها

مـن منقـبة زادت حـواشــيه          ومن فضيلة بلغـت أعلى مراقيها

وأما الآيات المشعرة بالتأنيب لهم والإنحطاط عن هذه المراتب ،وآيات العتاب فهي من الآيات التي صحّفها العامة  كما وقعوا في الآيات الدالة على ثبوت المعاصي والذنوب إلى الأنبياء من قبله ـ كما يشعر به حديث الإحتجاج عن عليّ  عليه السّلام  مع بعض الزنادقة.

واما قوله تعالى ـ حكاية عن إبراهيم ـ< وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة>  وقد ثبت أنه كان كافراً، فليس المراد منها أنه الأب الحقيقي، وإنما هو الأب المربى، وهو عمه أبيه ـ كما دلت عليه جملة من الأخبار.

وأما الخبر المروي عن الروضة والقمي في تفسيره عن الصادق  عليه السّلام  الدال صريحاً على أنه أبوه الحقيقي فمحمول على التقية.

وكذلك ما دل على كفر آباء النبي وأمهاته من الأخبار، كأخبار بصائر الدرجات وغيرها لكونه مذهبهم، ومطابقا لرواياتهم.

ويجب اعتقاد أن الأنبياء من آدم إلى محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  مائة ألف نبي، وأربعة وعشرون ألف نبي؛ لاستفاضة الأخبار بذلك، وأن أولي العزم منهم خمسة، خامسهم أشرفهم وهو محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإنما سموا أولي العزم؛ لأنهم أرسلوا للناس كافة ،وأمّا الرسل منهم فثلاثمائة وثلاث عشر.

ففي موثّق إبن فضّال عن الرضا  عليه السّلام  كما في العيون ،قال: إنّما سمي أُلوا العزم أولوا العزم لأنّهم  كانوا أصحاب العزائم والشرائع، وذلك أن كلّ نبي بعد نوح كان على  شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم  عليه السّلام ، وكل نبي كان في أيام إبراهيم  عليه السّلام  وبعده كان على شريعة ابراهيم ومنهاجه وتابعاً لكتابه، إلى زمن موسى  عليه السّلام ، وكل نبي كان في زمن موسى  عليه السّلام  وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه، إلى زمن عيسى  عليه السّلام ، وكل نبي كان زمن عيسى وبعده كان على شريعة عيسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  ،فهؤلاء الخمسة أولو العزم، وهم أفضل الأنبياء والرسل، وشريعة محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  لا تنسخ إلى يوم القيامة،ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبوة، أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع منه.

وفي خبر جابر بن يزيد الجعفي، كما في العلل، عن الباقر  عليه السّلام ، في قول اللّه  عزّ وجلّ <ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما> قال: عهد إليه في محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم فيهم أنهم هكذا.

وإنما سموا أولوا العزم لأنهم عهد إليهم في محمد، والأوصياء من بعده والهدى، وسيرته، فأجمع عزمهم أن ذلك كذلك، والإقرار به، وفي تفسير (ره): إنهم عزموا على الصبر مع التكذيب لهم الإيذاء.

وأما أسماء محمّد  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  على ما جاءت به النصوص الكثيرة: فمنها محمد، وأحمد، وعبدالله، والماحي ـ كما في صحف ابراهيم ـ والحاد ـ كما في توراة موسى ـ وأما أحمد ففي الإنجيل، وأما محمّد ففي القرآن.

وأما الفرق بين النبي والرسول والإمام، فالأخبار به مختلفة ،ففي صحيح زرارة عن الباقر  عليه السّلام ، قال: سألته عن قول اللّه  عزّ وجلّ :<وكان رسولاً نبياً > ما الرسول، ومالنبي؟ قال: النبي الذي يرى في منامه، ويسمع الصوت، ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويعاين الملك ... الحديث.

وفي خبر اسماعيل بن مراد، قال: كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا  عليه السّلام : جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين النبي، والرسول والإمام؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام، أن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه، ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو إبراهيم، والنبي ربما يسمع الكلام، وربما يرى الشخص ولم يسمع.

والإمام، هو الذي يسمع الكلام، ولا يرى الشخص، وفيه مخالفة لما مضى في النبي إلا أن الأول هو المطابق لأكثر الأخبار.

وفي رواية الفضيل عن الصادق  عليه السّلام ، قال: لم يبعث اللّه  من العرب إلا أربعة، هوداً، وصالحاً، وشعيباً، ومحمداً  صلى اللّه عليه وآله وسلّم . وروي أنهم خمسة وإسماعيل بن ابراهيم منهم، وقال: إن الوحي نزل من عند اللّه  بالعربية، فإذا أتى نبياً من الأنبياء أتاه بلسان قومه.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492917

 • التاريخ : 15/09/2019 - 23:44