المقصد الثاني في الأفعال المنسوبة إليه 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : محاسن الاعتقاد   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

المقصد الثاني في الأفعال المنسوبة إليه
 وفيه مسائل

الأولى : في الحسن والقبح العقليين
 إن العقل حاكم بالضرورة إنه لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب وهو معنى كونه عدلاً لا يجوز عليه الظلم ولا الجور وحيث أن هذا البحث والخوض فيه يتوقف على معرفة الحُسن والقبيح العقليين كما عليه الامامية واكثر المعتزلة صار العقل هو الحاكم بذلك .

وحيث أن في هذا العالم شروراً وقبائح لابد ّلها من فاعل، ولا يجوز على اللّه فلا بدّ  من نفيها عنه حيث انه الفاعل الحقيقي ،ولمّا كان ضروري الثبوت من غير احتياج إلى برهان ودليل أغنانا ذلك عن التعريف له، لكن لابد  من الإشارة إلى تقسيمه لأن الفعل المقارن للقصد ان استحق فاعله الذم فقبيح ،ويسمى حراماً وإلا فحسن ،فإن استحق المدح بتركه فممدوح، أو بفعله مع استحقاق الذم على تركه فواجب وإلا فمستحب، أولا يستحق شيئاً منها فمباح، فالقبح ما استحق المتصف به الذم ،والحسن بخلافه ،وهما عقليان ضرورة ً،خلافاً للأشاعرة الذين تجردوا عن لبس شعار العقل، فهم قوم قد  كابروا مقتضى عقولهم،والضرورة قاضية بحسن الاحسان وقبح الظلم والعدوان  من نفات الاديان ،والمنازعة في ذلك مكابرة للعقول والأذهان، وما اشتهر بين متأخيرهم من التفصيل العليل لمعنى الحسن والقبح والتقسيم له على وجوه ثلاثة: الكمال والنقص والملائمة وعدمها واستحقاق المدح والذم ليس بسديد  إذ  الضرورة قاضية بإستحقاق الكمال والمدح والنقص للذم.

 وإنما أراد الاشاعرة بهذا التقسيم مهرباً يلجأون إليه حين صرعتهم الحجة، فيقولون: ان مثل حسن الإحسان وقبح الظلم بالمعنى الأول لا بالمعنى المتنازع فيه ولم يتفطنوا انه مستلزم له، وإن اختلج في خلدك ان الكمال والنقص من الملكات لا من الافعال المتنازع في اتصافها بالمعنى المذكور،فادفع ذلك بأن  تتبيّن الآثار الصادرة عن الملكات المذكورة، ــ  التي هي أفعال بلا شك ـ هل تتصف بالمعنى المذكور ،  فإنّها تجدك جازماً بذلك، فإذا استيقنت نفسك ذلك ،فلا تجحد  فتكون من الذين قال اللّه فيهم: <وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم> على أن الكمال قد يطلق على تلك الآثار أيضاً ،كما يطلق على ملكاتها ،نعم قد يتبدّل الإتصاف بحسب إقتضاء المصالح، وأيضاً منه مايدرك بالضرورة كما مثّلنا، ومنه ما يدرك بالنظر، ومنه ما يقصر دون ادراكه أكثر العقول، ولا يكشف عنه الا الشارع في المنقول، وإن في القرآن المجيد  مايدل على هذا المطلوب: <لآيات لقوم يعقلون> كقوله تعالى رداً على من اسند القبح إليه تعالى< وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إن اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه مالا تعلمون قل أمر ربّي بالقسط إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان > الآية.

وفي كلام سيد الوصيين عليه السّلام في وصيته لابنه الحسن  عليه السّلام  :(فإنه لم يامرك إلا بحسن ولم ينهك...) ،وامثال هذه الادلة أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصى، والحاصل أن هذا المطلب اشدّ ظهوراً لأولي البصائر من الشمس لأولي الأبصار، إلا لعصابة قد عصبت عصائبها بعصابة التعصّب فهم حينئذ في]عموم <ومن كان في هذه أعمى فهو ...> الآية.

واذا سلكت هذه المحجّة البيضاء الواضحة ،وتجنبت هذه المقالات الفاضحة انتهى بك الى مقام التنزيه له تعالى عن القبائح، إذ هو جلّ اسمه عالم بها مستغن عنها ،فيعتقد من هذا كونه تعالى بريئاً عنها كما وصف نفسه ،فتعتزل عن طريق الضالين فتخلص عن طريق المضلين وما احتجّوا به من أن الحسن والقبح لو كانا ضروريين لما وقع الإشتباه فيهما ،ولكان الحكم بهما كالحكم بالمتنازع فيه اجتماع النقيضين، ولكن ذلك لا كذلك لوقوع الاشتباه فيهما ،فإنّا نجد الإشتباه والتفاوت وأنّه لو كان الحسن والقبح ذاتيين لما انقلبا ،ولكن وجدناهما انقلبا في مواطن كثيرة، فقد يكون الحسن قبيحاً فيما إذا اختفى النبي والامام عن ظالم عند شخص فإنّه لو سئل عنه واخبر بالصدق كان قبيحاً ،بل الحسن هنا هو الكذب لوجوب الدفع عن النبي  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  ،وقد يكون القبيح حسناً كمن قال لغيره >أنا اكذب لك غداً <فإنه يكون وعداً بالكذب وهو حسن من حيث انه إيفاء بالوعد، والإيفاء بالوعد حسن، فإنا نجيب عن ذلك:

أما عن الأول: فبالمنع من الاشتباه، إذ لااشتباه فيه عند كلّ شخص عاقل، ومكابرتهم لا إلتفات إليها ،ولا فرق في الحكم بين الحكم بالحسن والقبح  وبين الحكم بامتناع اجتماع النقيضين، بل هما في مرتبة واحدة عند العقل.

سلّمنا حصول الإشتباه والتفاوت، لكن الضرور يات  قد يعرض لها الاشتباه بعدم التفطّن في تصورات معاني الألفاظ ، وقد تتفاوت ويكون بعضها أجلى من بعض ،ولا يخرجها ذلك عن كون الجميع ضرورياً، فإن الحكم بأنّ الواحد نصف الاثنين أجلى عند العقل من الحكم بان شرب السقونيا مسهل.

وعن الثاني: بأن الإنقلاب المذكور ليس بالنسبة إلى حقيقة ذاتيهما بل بالنسبة إلى أمور عارضة ،وتلك العوارض لا توجب خروج ذاتيهما عمّا كانت عليه قبل العوارض، على انّا نقول: إن الكذب في الصورة المذكروة إنما حسن باعتبار اشتماله على التخليص للنبي  صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهو من الحسن بمكان لابإعتبار نفسه ،وكذلك الصدق إنما قبح بإعتبار اشتماله على الإعانة على قتل النبي والإمام، وذلك لا يخرجهما عمّا كانا عليه من الحسن والقبح الأصليين ،مع إن كثيراً من العلماء لم يجوزوا الكذب هنا واوجبوا التورية بما يخرج عن الكذب جمعاً بين الحقين ـ أعني الصدق والتخليص ـ  وما ذكروه من قول القائل:(أنا أكذب غداً ) عند إرادة الوعد بالكذب ،فهو حسن من حيث عروض الوعد به ليخرج عن الكذب  الذي هو خلف الوعد، مع انه قبيح في نفسه من حيث انه كذب، فما هو قبيح ذاتاً لم ينقلب حسناً ،وماهو حسن لم ينقلب قبيحاً، بل الحسن حسن في نفسه، والقبيح قبيح في نفسه، وبهذا العارض لايخرجان عن حقيقتهما كما عرفت ،على انه وارد على من قال بشرعيتهما أيضاً لاتصافه تارةً بالحسن وتارة ًبالقبح عند الشارع، ولاجواب عن ذلك بالإعتبار العارض، فبطل ما استدلوا به عليه.

 

الثانية: في الكلام على أفعال العباد
إن أفعال العباد الصادرة عن القصود والدواعي مما تعلّقا بها الأمر والنهي عنه قد اختلف أهل الملل في انها هل هي منسوبة اليهم بمعنى أنهم هم الفاعلون لها أو الفاعل لها هو اللّه تعالى فالأشاعرة قالوا إنه لا مؤثر في الوجود إلا اللّه، وليس شيء منها مؤثراً في شيء أصلاً ،بل المؤثر والأثر صادران عن اللّه تعالى ،وبالغوافي ذلك غاية المبالغة ،فقالوا :فما نرى من حصول المسببات عقيب الاسباب إنما هو باجراء العادة ،بمعنى ان اللّه تعالى أجرى عادته بخلق هذه المسببات عند حصول هذه الأسباب، فالأكل لا يؤثر الشبع، والماء لا يؤثر الري ،والنار لا تؤثر الإحراق، وإنما أجرى اللّه العادة بخلق الشبع عقيب الأكل، وخلق الري عقيب الماء ،وخلق الإحراق عقيب ملاقاة  النار.

 والمعتزلة ولامامية الموسومون بالعدلية: على أن الأفعال الواقعة من المكلّفين بحسب قصودهم ودواعيهم منسوبة اليهم ،وهم الفاعلون لها إلا أن المعتزلة قالوا :على أن لا تأثير للّه ،والاماميّة على أن للّه فيها تأثيراً بإعتبار اسبابها والآتها،وانكار ذلك مكابرة لمقتضى العقل وسوفسطائية لا تستحق المجادلة بها ،لأنا نرى تأثيرات الاسباب في مسبباتها ونشاهده ونحكم به حكماً ضرورياً.

وبعض الاشاعرة اعتذر عن مقالتهم الفاسدة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو: أن القول بقطع النظر عن تأثيرات الأسباب في مسبباتها ، ونسبة ذلك للّه تعالى خالصاً ،إنما هو زهد واخلاص في التوحيد بأن لا نجعل مع اللّه في العالم خالقاً آخر، وهو كما ترى اعتذار كاسد واعتقاد  رديء فاسد، يترتب عليه عدم العدل ولسنا مكلفين بهذا الإعتقاد، فإن خلق الأسباب وتفويض المسببات إليها دليل على قدرة الفاعل لذلك، وإتقانه لأفعالها وبيان أحكامها، وعجيب صنعها، فإنه يكون في كلّ واحدة منها دلالة واضحة على قدرتين وحكمتين في خلقها وخلق تأثيرها وحصول الاحكام في خلقها وفي ترتيب هذه المسببات عليها وكونها اسباباً لها، وجعل تلك الاسباب مؤثرات في مسبباتها، وذلك ترتيب لطيف وتأليف طريف لا ينكره من ذوي الألباب إلا مكابر مرتاب، ولهذا عدل متأخر وهم عن هذا القول المستنكر وفرّوا عنه ولم ينفعهم المفر .

وقال أبو الحسن الاشعري وأتباعه: إن أصل الفعل من اللّه ،والعبد له الكسب فلم يُفْهم المراد منه، واختلفوا في تفسيره.

فقال أبو الحسن معناه: ان اللّه أجرى العادة بأن العبد إن اختار الطاعة فعلها وإن اختار المعصية فعلها فالعبد  له الإختيار.

وقال فريق من أصحابه: إن معناه كون الفعل طاعة أو معصية ،ومُثّل له بلطم اليتيم، فأصل اللطمة من اللّه، وكونها واقعة على سبيل التأديب طاعة وعلى وجه الظلم معصية فعلى العبد.

وآخرون منهم قالوا :معنى الكسب هو أن للقدرة  أثر ما  ،لكنه غير معلوم ،وهذه الاعذار في الحقيقة من الهذيان بمكان.

وإذا تحقق ذلك علم أن مذهب الاشاعرة يسمى بالجبر، لانهم يقولون :إن العبد مجبور على أفعاله مسلوب الاختيار، ومذهب المعتزلة يسمى بالتفويض بمعنى ان العبد  مفوض إليه في افعاله يختار فيها، وان اللّه تعالى قد فوضه في اختيار نفسه ،فانتفت قدرة اللّه تعالى بعد ذلك التفويض، فلا مدخل له فيه، والمذهبان كما ترى قد خرجا من طريق الصواب وخالفا ما في الكتاب، فلا جبر ولا تفويض وانما هو أمر بين أمرين، فلا يلزم خروج اللّه عن سلطانه ـ كما عليه المعتزلة  ـ ولا جبرهم على المعصية كما عليه الاشعرية ،وقد جاءت الأخبار برد هذين المذهبين، وإنما وقع في الخبر النبوي المستفيض بين الفريقين من قوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم :( إن القدرية مجـوس هذه  الأمة)، وكلّ من الفريقين قد فسر مذهب الآخر به إلا أن انطباقه على مذهب الاشعري أوضح، لان القدري منسوب إلى القدر وهم المثبتون له.

واما: المعتزلي فإنما نفى القدر في أفعال العباد فلا تناسبه هذه النسبة الا بتكلّف شديد، لأن المقصود منه خلاف النسبة، وقد سئل الكاظم عليه السّلام   ـ والسائل هو أبو حنيفة ـ  عن المعصية، فقال: >إن المعصية لابد أن تكون من العبد، أو من ربه أو منهما جميعاً ، فإن كانت من الرب فهو أعدل وانصف من أن يظلم عبده ،وإن كانت منهما جميعاً فهو شريكه والقوي أولى بالانصاف من عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، وإليه توجّه النهي وله حق الثواب والعقاب ،ولذلك وجبت له الجنة أو النار< فانجلى بذلك أن من أسند جميع الافعال إليه سبحانه فقد عدّه ظالماً.

وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً ، واتضح ايضاً ان القبائح واردة على خلاف إرادته تعالى فإنّه لا يريد من عباده إلا ما أمرهم به ،ولا يكره إلا ما نهاهم عنه، ولا يرضى لعبادة الكفر والنقض بالمغلوبيّة غير مسموع عند ذوى الفطن السمعية، فإنه تعالى خلق لهم قوى وقدرة وإرادة ودلّهم على الطريق كما قال:< إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً > وأمرهم ونهاهم  وتركهم وشأنهم حيث مكّنهم ليبلوهم ايّهم أحسن عملاً، وهذا الذي ورد (أمر بين أمرين) كما جاءعن الصادق  عليه السّلام  مفسراً لقولهم :(لاجبر ولا تفويض) حيث قيل له :ما أمر بين أمرين؟  فقال: مَثَل ذلك مثل رجل رأيته في معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يقبل منك فتركته أنت الذي أمرته بالمعصية .

وأيضاً لا يتعقّل طلب مالا يراد والفرق بين الطلب والارادة غير معقول، والقضاء والقدر في فعل العبد بمعنى الإيجاب في الأمر كما في قوله تعالى: (وقضى ربّك أن لا تعبدوا إلا ايّاه) .

وفي خبر أبي طالب القمي   المرسل عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال: قلت له: اجبر اللّه العباد على المعاصى ؟قال: لا ،قال: قلت فوض الأمر اليهم؟ قال: لا، قال: قلت: فماذا؟ قال: لطف .

وفي مستفيض يونس بن عبدالرحمن عن الباقر والصادق ^ قالا: إن اللّه أرحم بخلقه من أن يجبرهم على الذنوب ثم يعذّبهم عليها واللّه أعزّ من أن يريد فلا يكون قال: فسئلا  عليه السّلام  :هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا:نعم أوسع ممابين السماء والأرض، واشارا بقولهما (إنه أوسع مما بين السماء والأرض) إلى  أن كلّ خلائقه من الإنس والجن والملائكة وغيرهم ممن هو فاعل في الجملة مخلوقون على هذه الواسطة ،لأن الكل فاعل مختار،ويُحتمل أن يكون الموسع بإعتبار أن لاضيق فيها لمعارضة دليل عقلي ولا نقلي ،ويتوافق فيها ظواهر الآيات والأحاديث التي توهموا تعارض ظواهرها من استدلال المجبرة ببعضها واستدلال المفوضة ببعض منها.

وفي خبر يونس عن عدة من أصحابنا عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال ذلك له رجل: جعلت فداك اجبر اللّه العباد على المعاصي ثم يعذبهم عليها، فقال: لا فقال له: جعلت فداك فوّض اللّه إلى العباد، قال: فقال: لو فوّض إلى العباد لم يحصرهم بالأمر و النهي .

و أمّا  ماجاء في خبر ابن أبي نصر البزنطي قال : قلت للرضا  عليه السّلام : إن بعض أصحابنا يقول بالجبر و بعضهم يقول بالاستطاعه قال : فقال لي اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم ، قال عليّ بن الحسين  عليه السّلام  قال اللّه  عزّوجلّ : يابن آدم بمشيئتي كنت انت الذي  تشاء ،و بقوتي أديت اليّ فرائضي ،و بنعمتي قويت على معصيتي ،جعلتك سميعاً بصيراً، ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك و ذلك إني أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيآتك مني، وذلك إنّي لا أُسأل عمّا  أفعل و هم يسألون قد نظمت لك كلّ شيء تريد .

و ما ضاهاه من الاخبار العميقة المراد التي لا تنطبق على مذهب العدلية إلا بتكلفات و نظر ،فهي مرجوعة إلى المحكم من الاخبار بحمل قوله : بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء هي مشيئة العزم لا الحتم كما تقدم، و بقوله ( و بقوتي أديت اليّ فرائضي) اشارة الى القوّة التي هي محفوفة بالتوفيقات الالهية و الهداية الى ما يوصل الى المطلوب ،وحصول العناية من المحبوب فكأنها صادرة عن قوته تعالى التي هي لائقة بتلك الافعال لاعلى طريق الصدور الحقيقي من اللّه ، و قوله: و بنعمتي قويت على معصيتي إشار به  الى نعمة الإقتدار بإعطاءالجوارح التي امر بصرفها في الطاعات و زجرها عن المعاصي و هي النعمة التامّة لو وضعها فيما جعلت له ،لكنه قد اختار لها الطريق المنهي عنه فلم يخرج اللّه من سلطانه كما تقوله المفوّضة ،فمن هنا فرّع عليه انه جلّ شأنه احق بحسنات العباد وهم كانوا أحق بسيئاتهم ، و ليس المراد منه أنه جبرهم على الطاعات بحيث لا يستحقون ثواباً و لاجعل لهم الاستقلال في المعاصي ، بحيث لم يكن للّه فيها تقدير ولا تسبيب كما تقوّلته المفوّضة  والمعتزلة .

وفي خبر يونس بن عبدالرحمن ايضاً قال: قال لي أبو الحسن الرضا  عليه السّلام : يا يونس لا تقل بقول القدرية، فإنّ القدرية، لم يقولوا بقول أهل الجنة ولا بقول أهل النار ولا بقول ابليس، فإن أهل الجنة يقولون: <الحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه> وقال أهل النار: <ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوماً ضالين>، وقال ابليس لعنه اللّه: <ربّ بما أغويتني لأزينن لهم> الآية، فقلت: واللّه ما أقول بقولهم ولكنني اقول :لا يكون إلا بما شاء اللّه واراد  وقدّر ومضى ،قال: يايونس ليس هكذا ،ولكن لا يكون إلا ما شاء اللّه وأراد وقدّر،يا يونس تعلم ما المشيئة؟ قلت: لا، قال هي: الذكر  الأول ،وتعلم ما الارادة؟ قلت: لا، قال: هي العزيمة والجدّ على ما يشاء، قال: فتعلم ما القدر؟ قلت: لا، قال: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، قال: ثم قال: والقضاء هو الإ برام واقامة العين، ثم استأذنته أن أقبل رأسه، وقلت: فتحت لي شيئاً كنت عنه في غفلة.

وفي صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني عن الصادق  عليه السّلام  قال: إن اللّه خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، فما أمرهم بشيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين بشيء ولا تاركين إلا باذن اللّه.

وفي خبر حفص بن قرط عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال: قال رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : من زعم ان اللّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه ،ومن زعم أن الشر والخير بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه، ومن زعم  ان المعاصي بغير قوة اللّه فقد كذب على اللّه ،ومن كذب على اللّه أدخله النار.

وفي خبر اسماعيل بن جابر قال: كان بالمدينة رجل متكلّم بالقدر، والناس مجتمعون قال: فقلت: يا هذا أسألك ،قال: سل قلت يكون في ملك اللّه مالا يريد ،قال: فأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليّ، فقال: لي يا هذا إن قلت إنه لا يكون في ملكه إلا مايريد فقد أقررت لك بالمعاصي، قال: فقلت لأبي عبدالله عليه السّلام  سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا  فقال :لنفسه نظر، لو قال غير ما قال لهلك .

وناهيك بهذه الاخبار من براهين هادمة لبناء القدري والجبري هدماً له من أصله من غير حاجة إلى التعرض إلى ما التجأ ؤا إليه من التعرّض للأدلة التي دلّهم الشيطان عليها، فقد كفينا مؤنة التعب في دفع شبههم التي شبهوها على ضعفاء العقول وظنوا أنهم بلغوا بها غاية المعقول والمنقول.

ومما يشيد هذا البناء الذي قام عليه العدلية من الأمر بين الامرين ماروي عن سيد الموحدين بطرق عديدة، قال: كان أمير المؤمنين  عليه السّلام  جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ  أقبل شيخ محتبي على ركبتيه بين يديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّه وقدر ؟فقال أمير المؤمنين  عليه السّلام : أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ  إلا بقضاء من اللّه وقدر، فقال له الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي، ما أرى لي شيئاً من الأجر ،فقال: مه ايّها الشيخ عظم اللّه أجركم في مسيركم وانتم سائرون وفي منصرفكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالا تكم مكرهين ،ولا إليه مضطرين ،فقال: كيف والقضاء والقدر ساقانا، فقال: ويحك لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتما ،ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والامر والنهي، ولم تأت لائمة من اللّه لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان ،وشهود الزور أهل العمى عن الصواب ،وهم قدرية هذه الامة ومجوسها، إن اللّه تعالى أمر تخييراً ،ونهي تحذيراً ويسيراً ،ولم يكلّف عسيراً ولم يُعَصى مغلوباً ،ولم يُطَع مكرهاً، ولم يُرسِل الرسل إلى خلقه عبثاً، ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلاً ،ذلك ظن الذين كفرو ا ،فويل للذين كفروا  من النار، قال الشيخ: فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما ؟قال  عليه السّلام : هو الأمر من اللّه ذي الحكم، وتلا قوله تعالى <وقضى  ربك الا تعبدوا الإ إيّاه> ثم القضاء والقدر في افعاله تعالى وخلفه المخلوقات وإحداثه الحوادث الشيء بعد الشيء والأمر بعد الأمر ،على فنون الاختلاف بتفاوت الحكم والمصالح، فذاك مما لا يستطيع سلوك سبيله اقدام العقول البشرية، ولا تنتهي إلى معالمه ابصار البصائر الانسانية، ولا يطّلع على شيء منه إلا من إرتضى من رسول أو وصي أو ملك، وقد نهى أهل الذكر عن الكلام فيه.

وقد روي ان سائلاً سأل سيد الموحدين أمير المؤمنين علياً  عليه السّلام  عن القدر فقال  عليه السّلام  :بحر عميق فلا تلجه، ثم سأل ثانية فقال  عليه السّلام  :طريق مظلم فلا تسلكه ثم سأل ثالثة، فقال  عليه السّلام : سرّ اللّه فلا تكلفه.

وقال صلوات اللّه عليه: (إن القَدَر سرّ من سرّ اللّه وحرز من حرز اللّه، مرفوع في حجاب اللّه مطوي عن خلق اللّه، مختوم بخاتم سابق في علم اللّه،وضع اللّه عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم).

 واتضح من مطاوي ما اسلفناه حسن التكليف وأنه لطف واجب على اللّه كما سيجيء بيانه.

 

الثالثة في بيان وجه الحكمة في أفعاله تعالى
إن افعاله تعالى لم تكن عبثاً ولا يفعل باطلاً ،بل أفعاله معللة بأغراض وفوائد مشتملة على حِكَم وعوائد ومصالح تعود على مخلوقاته بحسب ما تقتضيه حكمته، وخفاء الحكمة في البعض لا يقتضي نفيها، وخالف في ذلك الأشاعرة، فزعموا ان أفعاله كلها ليست لغرض وحكمة، بل وقعت لمقتضى الإرادة، واحتجوا على ذلك بأنه لو كان فاعلاً لغرض لكان مستكملاً بذلك الغرض ،فيكون ناقصاً قبل خلقه للخلق ،واجيب عن ذلك بأنه إنما يلزم الأستكمال لو كان الغرض عائداً إليه، ونحن لا نقول بذلك بل الغرض إما عائد إلى مصلحة العبد أو إلى اقتضاء نظام الوجود ،بمعنى ان نظام الوجود لا يتم الا بذلك الغرض، فيكون الغرض عائداً إلى النظام لا إليه تعالى، وعلى كلا الامرين لا يلزم الاستكمال ولا يرد ما قالوه من ان إفادة الكمال لغيره استكمال لانه مغالطة، فإنّ افادة الكمال للغير لا تدل على الاستكمال بل على الاكمال، لان إفادة الكمال استكمال.

واستدل العدلية بوجهين:

الأول: الآيات القرآنية مثل قوله تعالى< افحسبتم انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون> وهو استفهام انكاري على نفي الفرض عن أفعاله تعالى، وقوله تعالى: <وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون> وقد فسرت العبادة هنا فيه هي المعرفة له ،ولما يترتب على المعرفة ،وقد اشار إلى ذلك في الحديث القدسي: >كنت كنزاً مخفياً فاحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف> وقوله تعالى: <ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار>  وكلّ فعل لا غرض فيه لفاعله يكون باطلاً.

الثاني: انه لو لم يكن فاعلاً لغرض كان عبثاً لان الفعل منحصر فيهما، ولأن العبث هو ما فعل لا لغرض، والعبث قبيح بالضرورة ،وقد تقدم انه لا يصح نسبة القبيح إليه تعالى، وأيضاً يلزم ان جميع المنافع التي جعلها اللّه منوطة بالاشياء غير مطلوبة له ولا مرادة، فلم يكن خلق العين للإبصار والأذن للاسماع ،واللسان للنطق، والنار للاحراق ،والماء للتبريد ،والشمس للاضاءة ،وكل هذه سفسطة وإنكار للحِكَم والمصالح ،وحكم عليه بالعبث   ـ نعوذ باللّه من ذلك ـ  .

ثم ان ذلك الغرض الذي هو الغاية في افعاله تعالى هو الثواب والأمن من العقاب لا نفع حقيقي غيره، لأن ما عداه من جلب النفع للأمور الدنيوية أو دفع الضرر ،ليس فيها نفع حقيقي لأنه غير مستغن وغنائه وحصوله دائماً ولعدم خلوصه عن مشاركة الضد فكأنه ليس نفعاً أصلاً ،ولهذا لم يجز أن يكون الغرض من خلق العبد المذنب المترتب الترتيب اللطيف الذي تعجز العقول عن الاطلاع على كيفيته، المشتمل على التأليف الحسن الظريف الذي لا تقدر الافكار على معرفته، ولا لإدراك جميع جهاته وفوائده وحقيقته، بل رجعت القهقرى عجزاً عن ذلك، وكلّت وتاهت قواها واعترفت بالعجز والتقصير عن معرفة ذلك الجسم الحقير هذا النفع الحقير المنقطع المشوب بشوائب التغيير لأن الغرض لو كان ذلك للزم العبث من خلق هذا الخلق على هذا على هذا النوع المعيّن بل لغرض لا يكون إلا نفعاً دائماً غير زائل ولا منقطع ولا مشوب بشيء من الأضداد، وليس ذلك إلا للثواب ولمّا كان ذلك الثواب المذكور لا يصح الإبتداء به لغير مستحقه وجب في الحكمة الربانية والعناية السبحانية توسط التكليف بين العبد وبين الثواب حتى لا يثبت له الاستحقاق لذلك النفع المشتمل على التعظيم ليتم الغرض الأقصى من خلقه الموافق لأرادة خالقه.

 

الرابعة: في بيان ماهيّة التكليف
حيث عرفت مما سبق أن التكليف من الألطاف المترتب عليها كمال العناية وبلوغ الغاية، فلا بد من معرفته بالحقيقة وقد عرّفه غير واحد من علمائنا بأنه: بعث من تجب طاعته على ما فيه  مشقّة على جهة الابتداء بشرط الإعلام فالبعث على الشيء هو الحمل عليه ولهذا سمّي الرسول مبعوثاً لأنه محمول على اداء الرسالة، وأمّا من تجب طاعته فمنحصر بالإستقراء للأدلة في سبعة:

أولها: اللّه تعالى لانه المنعم الأول بالوجود بعد العدم واعطاء القدرة والآلات وافاضة الارزاق والألطاف والرحمة.

وثانيهما: الرسول  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  لانه المنعم الثاني بتبليغه عن اللّه تعالى.

وثالثها: الإمام لأنه المُنعِم الثالث لحفظ الشريعة وقيامه على الرعية بما يصلحهم.

ورابعها: الوالد لانه المُنعِم الرابع لانه سبب لايجاد الولد.

وخامسها: العالم لانه المرشد والمؤدي عن الإمام.

وسادسها: المُنْعِم: هو كلّ من له النعمة لوجوب شكره.

وسابعها: الزوج: لنص الشارع على طاعته ،وقولهم على ما فيه مشقة للاحتراز عمّا لا مشقّة فيه، كالبعث على النكاح المستلذ وأكل الاطعمة المستلذة فإن البعث عليهما لايسمى تكليفاً.

وقولهم على جهة الابتداء ليخرج به طاعة غير اللّه من باقي الستة المذكورين، لان طاعتهم ليست على جهة الابتداء لكونها تابعة ومتفرعة على طاعة اللّه، وليس قولهم بشرط الاعلام من تتمة التعريف بل هو شرط في شرائط حسن التكليف، ولا يرد ما أوجب علينا من نكاح الحلائل والأكل من الهدي فانهما وإن دخلا في التكليف مع حصول تلك اللذة إلا انهما لا يخلوان عن المشقة نظراً إلى الاعتمال وبذل الاموال من النفقات وغيرها وإن كانا في جهة كونهما أكلاً ونكاحاً غير شاقين، فدخلوهما في التكليف ما اشتملا عليه من المشقة واضح لا غباوة فيه.

 

الخامسة: فيما يحسن التكليف به
انما يحسن التكليف بامور:

الأول: الشروط عائدة الى المكلّف وهي ثلاثة:

الأول: قدرة المكلف على ما كُلِّف به لاستحالة التكليف بما لا يطاق كما جاء في الكتاب والسنة قال اللّه تعالى:< لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها، ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به> فلا يُكلَّف الاعمى بنقط المصحف ولا الزمن بالطيران إلى السماء، وخالفت الاشاعرة في ذلك فجوزوا التكليف بالمستحيل، وقالوا: إن اللّه كلف بمالا يُطاق ،لأنه كلّف الكافر بالايمان مع أنه لا يمكن وقوعه منه بناء منهم قاعدتهم الفاسدة من القول بالجبر وقد عرفت فسادها مما تقدم من الادلة فلا يحتاج إلى اعادتها.

الثاني: وجود المكلّف على صيغة اسم المفعول لاستحالة تكليف المعدوم، بل يقبح تكليف الجمادات لخلوها عن الآت التكليف من النفوس والعقول، وخالفت الاشاعرة في ذلك وإن كان مستحيلاً عقلاً وشرعاً فأثبتوا تكليف المعدوم ومخاطبته وأمره ونهيه وبنوا عليه ثبوت الكلام النفسي القديم كما مر تحقيقه، وكم لهم من مثل هذه المقالات الفاسدة والسفسطة الكاسدة.

الثالث: كون المكلَّف عالماً بما كُلِّف به بالفعل أو متمكناً من العلم به لاستحالة تكليف مالا يتمكن من التعلّم لسلب العقول منه، كالبهائم والمجانين وغير المميزين من الصغار، واما من رُفِع عنه القلم لجهله مع تمكّنه من العلم فهو معذور لاقتضاء الأدلة العقلية والسمعية معذوريته .

الأمر الثاني:الشروط العائدة إلى المكلف، وهو فاعل التكليف، والآمر به هو اللّه تعالى ـ كما مر ـ وهي ثلاثة ايضاً:

الأول: كونه عالماً بصفات الفعل من كونه حسناً أو قبيحاً، إذ  لو لا ذلك، لجاز أن ينهى عن الحسن، ويأمر بالقبيح، وذلك محال عقلاً، وممتنع شرعاً.

الثاني: علمه بقدر ما يستحق كلّ واحد من المكلفين من الثواب والعقاب، لأنه لو لا ذلك لجاز أن ينقص عن القدر المستحق له، فيخلو التكليف عن العوض، ويسبب إليه الجور والظلم والخطأ، وهي قبيحة عقلاً ونقلاً.

الثالث: كونه غير فاعل للقبيح، وإلا لجاز أن يخل بالعوض فيخلو التكليف عنه فيكون قبيحاً.

الأمر الثالث:الشرائط العائدة إلى التكليف نفسه، وهي ثلاثة ايضاً:

الأول: كونه مشتملاً على صفة زائدة على حسنة ـ كما مرّ في تقسيم الأفعال ـ أما بأن يكون واجباً أو مندوباً أو ترك قبيح أو مكروه لاستحالة التكليف بالمباح؛ لان من شرط حَسُن التكليف حصول العوض في مقابلته، فما لا يحصل به العوض لا يصح التكليف به.

وخالفت الاشاعرة في ذلك فجوزوا التكليف بما يستحق عليه العقاب والعذاب، وهو جهل محض.

الثاني: كونه مقدوراً غير مستحيل لما تقدم من استحالة التكليف بالمستحيل، وهو معلوم بالضرورة عقلاً وسنة وإجماعاً.

الثالث: إمكان آلته ووجودها حيث يتوقف عليها، وبدونها يسقط التكليف، كاليدين للوضوء، لاستحالة وجود الفعل المتوقف على الآلة، أو ما يقوم مقامها من دونهما.

 

السادسة: في أقسام التكليف
 لأنه ينقسم إلى ثلاثة باعتبار متعلقه؛ لأنه أمّا  علم أو ظن أو عمل، ثم العلم إما عقلي كالعلم باللّه تعالى وصفاته وما يتبعها مما قدمناه في أصول المعرفة، ولو كان بالتقليد، حيث يتعذّر عليه البرهان والدليل، وما تطمئن إليه النفس، وينفي عنها وصمة الشكوك.

وأما شرعي كالعلم بالعبادات، وكيفية المعاملات، والعقود والإيقاعات والأحكام، ومسائل الحلال والحرام.

وأما الظن فكما ثبت في جهة القبلة والوقت حيث يتعذر العلم، لأن التكليف بهما مبني على الإجتهاد المفيد للظن، وأما العمل فكالعبادات وفعل الواجب، وترك المحرمات كلّ ذلك بالأدلة الشرعية المفصلة في محالّها.

 

السابعة: في وجوب التكليف
 وعدم وجوبه على اللّه:وقد اختلف فيه،فزعمت الأشاعرة: نفي الوجوب عنه تعالى، بناء منهم على أصلهم الرديء من نفي الواجبات والألطاف عليه تعالى لجعلهم الحسن والقبح شرعيين.

وقالت المعتزلة والمحققون من العدلية :بالوجوب، واستدلوا عليه بأنه لو لم يكن واجباً في الحكمة، لكان اللّه تعالى فاعلاً للقبيح، واللازم محال، فالملزوم مثله.

وبيان الملازمة :إن اللّه جلّ وعزّ خلق في العبد الشهوات والميل إلى القبائح، والنفور عن الحسن الذي فيه مشقة، وجعل ذلك طبيعة غريزية فيه، فلو لم يقر بالتكليف بالأوامر والنواهي وتحريم المحرمات ووجوب الواجبات، وندب المندوبات، ويعده على فعلها بالثواب، ويتوعده على تركها، وفعل المحرمات بالعقاب، لكان مغرياً له بفعل القبيح لو تركه هملاً،والإغراء بالقبيح قبيح كفعله، وقد ثبت استحالته عليه تعالى، فحينئذ لابد من الزاجر، وليس ذلك سوى التكليف، فيكون واجباً في الحكمة وهو المطلوب.

وقالت الأشاعرة: إن اللّه هو الحاكم، وليس سواه حاكماً عليه، فلا يحسن وجوبه عليه.

وأجيب عن ذلك: بأن حكمته تعالى وعنايته اقتضت وجوب ذلك عليه مع  إنا نقول: أن الوجوب العقلى لا يتوقف على حاكم يحكم به، بل المستلزم للحاكم والمتوقف عليه هو الوجوب الشرعي، وليس هو المراد هنا. ولا يرد ما قاله بعضهم على جهة الإيراد، والسؤال، إن علم المكلف بحسن الحسن، وعلمه بالمدح على فعله داعٍ إلى فعله، وعلمه بقبح القبيح، الذم على فعله داع إلى تركه، وحينئذ فلا حاجة إلى توسط التكليف، فيكون توسطه عبثاً؛ لحصول الغرض منه بدونه لأن الأثر جار بدونه؛ لأنا نقول: إن العلم المذكور ـ وإن كان حاصلاً للمكلَّف في بعض التكاليف ـ إلا أنه غير كاف في الأثر ؛ جار عن فعل القبائح، والنفور عن الحسن؛ لأن المُكلَّف كثيراً ما يستسهل الذم عند قضاء وطره من القبيح، لا سيما عند حصول الدواعي الحاثّة له على ذلك ـ أعني الشهوة والغضب التي هي في أغلب الناس تكون ظاهرة للدواعي العقلية، وهي العلم بحسن الحسن والمدح عليه، والعلم بقبح القبيح والذم عليه؛ لان اللّه تعالى لما خلق البدن، وعلّق به النفس المدبرة له صاحبها بشهوة أولاً ثم بالغضب ثانياً ثم صاحبها بالعقل فكانت الشهوة اقدم، وكلّما كان الأنس به أقدم كانت النفس إليه اميل، فمن هنا كانت الدواعي الحسيّة في جر الناس قاهرة، وغالبة لدواعي العقل، فلا يكون حينئذ العلم المذكور كافياً في الإنزجار؛ لضعفه وقوة ضده فاحتاج إلى ناصر ينصره، وذلك هو التكليف، فوجب التكليف في الحكمة الاهية.

وكذا لا يرد علينا ما قاله البعض من الأشاعرة: من أن التكليف لا يصلح أن يكون واجباً حتى يكون حسناً في نفسه، لكنه ليس بحسن؛ لان وجه حسنه إن كان هو المؤاخذة والعقاب كان قبيحاً، وإن كان هو الثواب فاللّه تعالى قادر على إيصاله إلى المكلف ابتداءً من غير توسط التكليف، فيكون توسطه عبثاً أيضاً، فإن الكافر مكلف بالعقائد بالإتفاق مع أن الدليل قائم على عدم حصول الثواب له.

وإذا انتفى هذان الوجهان لم يكن له وجه حسن، فيكون قبيحاً، والقبيح لا يكون واجباً،لأنا نقول: إنما نمنع من الحصر المذكور في هذين الأمرين، فليس وجهه منحصراً في حصول الثواب، ولا حصول العقاب، بل هو تعريض المكلَّف إلى الثواب، والتعريض المذكور عام بالنسبة إلى جميع المكلفين المؤمن منهم، والكافر؛ لأن التعريض هو: جعل المكلَّف على صفات بها يتمكن من الوصول إلى الثواب، وذلك حاصل بالضرورة إلى كلّ مكلف، لأن اللّه تعالى أفاض الوجود أعطى القدرة و الارادة ، و خلق الآلات ، و فعل الالطاف و ارسل الرسل  ونصب الحجج ، و أنزل الشرائع ، و اقام  البراهين لكلّ مكلّف فكانوا كلّهم على الشرائط الموصلة لهم إلى الثواب ، فمن قَبِل منهم ما عرض له و فعل الصواب سَعُد من قبل نفسه ، و من أبى فقد شقي من قَبِل نفسه ، و ذلك يجري مجرى من أولم وليمة ، و بسط بساطاً ، و فتح الأبواب ، و أذن للناس إذناً عاماً في الدخول ، و أرسل رسله إلى كلّ واحد منهم ، فمن وصل منهم إلى مائدته انتفع ، و من لم يصل حرم ذلك من قبل نفسه لا من قبله تعالى .

ولا يرد أيضاً ما قيل من أنه تعالى قد علم أن بعضهم لايقبل هذا التعريض فلم يحسن تعويضه ، قلنا: بل يحسن على كلّ حال تعريضه ، وإن علم عدم قبوله لان العلم لا يوثر فيما فيه ،هو قادر عليه من القبول بل ويحسن معاقبته على ترك القبول لقيام الحجّة .

و يجري ذلك مجرى السلطان إذا دعى رعيته إلى ضيافته ، و علم أن فيهم من لا يصل إلى تلك الضيافة ، فإنه لا يقبح منه دعاؤه إليها ، بل و يحسن منه معاقبته على ترك القبول ، و منكر ذلك مكابرة لمقتضى عقله .

و أما قولهم: إن الثواب مقدور للّه تعالى ابتداء من غير توسط التكليف ،فهو مسلّم إلا إنا قد بيّنا لك أن الثواب لايكون ابتداءا ً لغير مستحقه ، لما قلنا أنه يشتمل على التعظيم  و الإجلال ، و تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح عقلاً .

و بيان أن الثواب مما يجب اشتماله على التعظيم و الإجلال ظاهر من تعريفه ؛ لأنهم عرّفوه بأنه النفع المستحق المشتمل على التعظيم و الإجلال، فصار النفع له كالجنس يدخل فيه الثواب و التفضّل و العوض ، و بقية القيود ، و يخرج التفضل ، لأنه يقع على غير المستحق ، و يخرج العوض لعدم مقارنته للتعظيم ، والإجلال .

 

الثامنة: في وجوب اللطف على اللّه
يجب اللطف على اللّه ، كما هو مقتضى عدله و حكمته ،و قد عرف اللطف بما يقرب المكلف معه إلى الطاعة ، و يبعد عن المعصية ، و لا حظ له في التمكين ، ولا يبلغ إلى حدّ الإلجاء .

و خالفت الأشاعرة في ذلك بناء على أصلهم الخبيث ، من عدم وجوب شيء  على اللّه ، و استدلوا عليه بأن اللطف هو ما يتوقف عليه غرض المكلِّف من المكلَّف ، و كلّما يتوقف عليه الغرض يكون واجباً لما عرفت أن غرض المكلف من المكلف إيقاع ما كلفه به، وهو يتوقف على كلّ ما يُقَرِّبه إلى فعله ، و يُبَعِّده عن تركه ، و أيضاً فإن المريد من غيره فعلاً من الافعال إذا علم المريد أن المراد منه لايفعل الفعل المطلوب إلا بفعل يفعله المريد للمراد منه من نوع ملاطفة أو مكاتبة أو يسعى إليه ، أو يراسله من غير مشقة عليه في ذلك ، إذ  لو لم يفعل ما توقف إيقاع ذلك الفعل عليه مع تصميم إرادته إيقاعه منه لكان ذلك المريد ناقضاً لغرضه عند العقلاء ، و نقض الغرض قبيح  لذم العقلاء .

و على ذلك فإذا أردنا تمشية  هذا التقدير في حقّه تعالى نقول : إنه تعالى قد كلف العباد بالأوامر و النواهي ، و كان غرضه من هذا التكليف إيقاع الطاعة من العبد المكلف ، و البعد عن المعصية .

فإذا علم أنهم لايفعلون ذلك إلا بفعل يفعله بهم بحيث يحصل به تقريبهم لإيقاع ذلك منهم ، ولو لم يفعل ذلك مع علمه بتوقف غرضه عليه كان ناقضاً لغرضه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، فوجب في حكمته تعالى  و عنايته فعل الالطاف المقربة للمكلفين بالقيام بالطاعات المبعدة لهم عن ارتكاب المعاصي و هو المطلوب .

ثم إن هذه الالطاف تارة تكون من فعله خاصة كإرسال الرسل ، و نصب الأئمة ، و إظهار المعجزات  و الكرامات على يد الأنبياء  و الأولياء فيجب عليه فعل ذلك ،و قد يكون تارة من المكلفين كاتباعهم للرسل، و طاعتهم للأئمة ، و اتباعهم لأوامرهم ، و قبولهم لنواهيهم ، فيجب عليه إعلامهم بذلك ، و ايجابه عليهم ليتم الإمتثال ، و يحصل القبول ، فتشمل الألطاف جميعهم .

فتارة من فعل غيرهما كقبول الرسول للرسالة ، و تحمل الإمام للإمامة ، و قيامهما بأعبائهما ، فيجب عليه تعالى في ذلك الإيجاب على الغير و إثباته عليه ؛ لأن تكليف شخص لنفع غيره من غير نفع له قبيح عقلاً .

ففي صحيح الفضل بن شاذان في العلل عن الرضا  عليه السّلام  حيث قال: فإن قال : فاخبرني هل يجوز أن يكلف عبده فعلاً من الأفعال لغير علّة  و لا معنى، قيل له : لا يجوز ذلك لأنه حكيم غير عابث ، ولا جاهل .

فإن  قال : فأخبرني لِمَ كلّف الخلق؟   قيل :لعلل ، فإن قال : فاخبرني عن تلك العلل أمعروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة ؟،قيل :بل هي معروفة وموجودة عند أهلها ، فإن قال : أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟  قيل لهم: منها ما نعرفه ، و منها ما لا نعرفه .

فإن قال : فما أول الفرائض ؟ قيل: الإقرار باللّه  عزّوجلّ  و برسوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  و حججه ، و بما جاء من عند اللّه ،فإن قال: فَلِمَ أمر اللّه الخلق بالإقرارب اللّه و برسله و حججه ، و بما جاء من عند اللّه  عزّوجلّ ؟   قيل: العلل كثيرة :

 منها: إنه من لم يقر باللّه  عزّوجلّ  ، لم يجتنب معاصيه ، و لم ينته عن ارتكاب الكبائر ، و لم يراقب حداً فيما يشتهي من الفساد و الظلم ، فإذا فعل الناس هذه الأشياء ، و ارتكب كلّ إنسان ما يشتهي ، و يهوى من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين ، وو ثوب بعضهم على بعض ، فغصبوا الفروج  و الأموال ، و أباحوا الدماء والنساء ،و قتل بعضهم بعضاً ، من غير حق  و لاجرم ، فيكون في ذلك خراب الدنيا ، و هلاك الخلق ، و فساد الحرث و النسل .

و منها: إن اللّه  عزّوجلّ  حكيم ، و لايكون الحكيم حكيماً ، و لايوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد ، و يأمر بالصلاح ، و يزجر عن الظلم ، وينهى عن الفواحش ، و لايكون حظر الفساد ، والأمر بالصلاح ، و النهي عن الفواحش إلا بعد الإقرار باللّه  عزّوجلّ  ، و معرفة الآمر و الناهي ، فلو ترك الناس بغير إقرار باللّه و لامعرفته لم يثبت أمر بصلاح ، و لانهي عن فساد،إذ لا آمر ولا ناهي .

و ساق الحديث إلى أن قال : فلم وجب عليهم معرفة الرسل ، و الإقرار بهم ، والإذعان لهم بالطاعة؟   قيل :  لما لم يكن في خلقهم ما يكملون لمصالحهم ، و كان الصانع متعالياً عن أن يرى ، وكان ضعفهم  و عجزهم عن إدراكه ظاهراً ، و لم يكن بدّ من رسول بينهم و بينه معصوم يؤدي إليهم أمره و نهيه و أدبه ، و يوفقهم على ما يكون به من إحراز منافعهم ، و دفع مضارهم . إذ  لم يكن في خلقهم مايعرفون به مايحتاجون إليه من منافعهم  و مضارهم ، فلو لم يجب عليهم معرفته  و طاعته ، لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة و لاسدُّ حاجة ، و لكان إتيانه عبثاً بلا منفعة  و لاصلاح ، و ليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كلّ شيء  .

فإن قال : فلم جعل أولى الأمر ، و أمر بطاعتهم  ؟ قيل : العلل كثيرة :

 منها:  إن الخلق لما وقفوا على حد محدود ، و أمروا أن لايتعدوا ذلك الحد ، لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ، فلايقوم إلا بأن يجعل عليهم أميناً يمنعهم من التعدي ، و الدخول فيما حُظِر عليهم ؛ لأنه لولم يكن ذلك كذلك لكان أحدهم لايترك لذته و منفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيماً يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود ، و الأحكام  .

و منها : إنا لانجد فرقة من الفرق ، و لا ملّة من الملل بقوا أو عاشوا  إلا بقيّم و رئيس بما لا بد له منه في الدين و الدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق بمن يعلم أنه لابد لهم منه ، ولا قوام لهم إلابه ، و يقاتلون به عدوهم ، و يقسم به فيهم ، و  يقيم لهم جمعتهم و جماعتهم ، و يمنع ظالمهم من مظلومهم .

و منها : إنه لو لم يجعل لهم قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة و ذهب الدين ، و غُيّرت السنة  و الاحكام ، و لزاد فيه المبتدعون ، و نقص فيه الملحدون ، و شبّه ذلك على المسلمين  ، لانا قد  وجدنا الخلق  منقوصين محتاجين ، غير كاملين مع اختلافهم ، و اختلاف اهوائهم ، و تشتت أنحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسول  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  على نحو مابيناه لغيرت الشرائع  و السنن و الأحكام و الأيمان، و كان في ذلك فساد الخلق أجمعين .

فإن قال : لم أمر اللّه العباد و نهاهم؟  قيل  : لانه لايكون بقاؤهم ، و صلاحهم إلا بالأمر و النهي و المنع عن الفساد  و التغاصب .

فانظر بعين البصيرة لهذا الخبر فإنك تراه مُثْبِتاً  لقواعد العدل و ما يترتب عليه من اللوازم ، كإيجاب اللطف والتكليف عليه ، و لهذا عللها بعلل كلّها مبنية على العقل ، و انتفاء الفساد ، ووقوع النظام بها .

و في الأخبار مايدل على ماهوأفصح من ذلك في الدلالة ، و بها انهدم ما بناه الأشعري و المعتزلي من أبنية الضلالة ، و الخروج عن قواعد النبي  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  و آله . فاشرب من رحيق هذا الزلال ، و اعتمده في الأقوال و الأفعال .

 

التاسعة: في الأعمار و الآجال
 الأ جل: هو الوقت الذي جعل علماً للحدث ، و أمره فيه ، فأجل الدين هو وقت حلوله ، و أجل الموت وقت حصوله ـ أعنى الوقت الذي علم اللّه فيه انقطاع الحياة ـ و قد اختلف في المقتول لو  يُقتل ، هل كان يعيش قطعاً ، أو يموت قطعاً ، أو يحتمل الأمران

فالأشاعرة على الثاني ، و إلا لزم انقلاب علمه جهلاً .

و البغداديون من المعتزلة على الأول ، و إلا لكان الذابح لغنم غيره يحسن إليه و هما ضعيفان .

 أما الأول : فلأن العلم لايؤثر مع أن علم الحياة يجوز أن يكون مشروطاً بعدم القتل .

وأما الثاني : فلأن الأشاعرة تمنع الملازمة ، إذ لو مات الغنم ، استحق مالكها عوضاً  زائداً على اللّه تعالى  ، فبذبحه إياها فوت الأعواض الزائدة . و القود إنما وجب من حيث مخالفته الشارع ، إذ قتله حرام عليه ، و إن علم موته ، ولهذا لوأخبر صادق بموت زيد لم يجز لأحد قتله .

و ذهب البصريون من المعتزلة و الإمامية إلى الثالث ، و هو قريب ، فيجوز عليه البقاء ، و يجوز أن يموت ، ثم اختلفوا ، فقال قوم منهم : إن كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان .

و قال الجبائيان و اصحابهما ، و أبوالحسن  البصري : إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ، ليس له أجل آخر لو لم يقتل ، فما كان يعيش إليه ليس له بأجل الآن حقيقي ، بل تقديري ، و الآيات و الأخبار تدل على إن له أجلين :

أحدهما : للّه فيه البداء، و الآخر محتوم ، و ما للّه فيه البدا ء مربوط بأسباب موجبة لنقصه أو زيادته من الأعمال الحسنة و السيئة ، و يدل عليه قوله تعالى : <ثم قضى أجلاً ، و أجل مسمى عنده > .

ففي صحيح الحلبي عن ابن مسكان ـ كما في تفسير القمي ـ عن الصادق  عليه السّلام  قال : الأجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه اللّه وحتمه، والمسمّى الذي فيه البداء  يقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، و المحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير.

وفي صحيحة أبي بصير ـ كما فيه أيضاً ـ عن الباقر  عليه السّلام   في قوله تعالى: <و لن يؤخر اللّه نفساً إذا جاء أجلها> قال: إن عند اللّه كتباً موقوفة يقدّم منها ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، فإذا كان ليلة القدر أنزل فيها كلّ شيء يكون إلى مثلها، فذلك قوله: <ولن يؤخر اللّه نفساً إذا جاء أجلها> إذا نزّله و كتبه كُتَّاب السموات وهو الذي لا يؤخره.

ومثله خبر مسعدة بن صدقة ـ كما في العياشي ، و في خبر حمران،كما فيه ايضاً ـ عن الصادق  عليه السّلام  قال: المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة، وهو الذي قال اللّه :< إذا جاء أجلـــهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون> ، وفيه أيضاً عنه  عليه السّلام  قال: في قوله:<قضى أجلاً، و أجل مسمى عنده> فقال: الأجل الأول هو الذي نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء. والأجل المسمى عنده هو الذي ستره عن الخلائق، فعلى هذا تخلتف الأخبار المفسرة للآية ـ كما  ترى، لظهور بعضها في كون الأجل الأول محتوماً و الثاني موقوفاً، و بعضها بالعكس.

و يكره الجميع بأن المعنى إنه تعالى قضى أجلاً أخبر به أنبياءه وحججه  عليه السّلام  و أخبرهم بأنه محتوم، و لا يتطرق إليه التغيير، وعنده أجل مسمى أخبر بخلافه غير محتوم، فهو الذي إذا أخبر بذلك المسمى يحصل منه البداء،فالمقتول إنما قتل بأحد الأجلين، و  هو أقصرهما، فلا منافاة بين الأقوال في الأخيرة، و إنما وقع هذا الخلاف بينهم لإنكارهم البدا لصعوبة معناه على أفهامهم ـ ولهذا اغتر بعض علمائنا بما أحدثوا فيه من الإيهام، والشكوك، و أنكر البداء منه بناءاً  على مقالتهم الفاسدة.

و في الكتاب و السنة و دليل العقل ما يثبت ما ذكرناه غاية الإثبات، فلله عبرة بما زخرفوه من الآفات و الخرافات.

العاشرة: في الرزق
 و يقال على ما يصلح للإغتذاء، و على الملك، و على المباح، و هو المراد في هذا المبحث، و موضع الإختلاف بين أهل العدل.

والأشاعرة في أنه هل الرزق ما صح الإنتفاع به، و لم يكن لأحد منع المنتفع منه، أو إن الرزق ما أكل و أغتذى به حلالاً كان أو حراماً ،فالمعتزلة و العدلية على الأول.

و الأشاعرة على الثاني، فالحرام عند الأولين ليس برزق، و إنما جعله اللّه عوض ما فرض لهم من الرزق الحلال، حيث ارتكبوا الحرام، فالرزق يجوز طلبه، بل قد يجب إذا توقف القوت الواجب عليه و دفع الضرر به.

ومنع جماعة من الصوفية فقالوا: لا يجوز طلبه لما فيه من معونة الظلمة بإعطاء الطعمات .

 و بقوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : لو توكّلتم على اللّه حق توكله لرزقكم اللّه كما يرزق الطير في خطاها، تغدو خماصاً، و تروح بطاناً، و فيه ضعف؛ لمجيء الذم على ترك السعي، و فيه الحرمان، و تعريض النفس للدمار، و تضييع العيلولة، و إلقاء كَلّه على الناس.

و أمّا الحديث :لا حجة فيه أصلاً، لأن الطائر لا يأتيه رزقه إلا بالسعي، و إن كان غير مكلف بالأحكام الشرعية، نعم لا يجب الكدح في الطلب.

و يدل على ما قلناه من الأخبار بعد ظواهر الآيات صحيح ابراهيم ابن أبي البلاد عن أبيه عن الباقر  عليه السّلام  إنه قال: ليس من نفس إلا و قد فرض اللّه لها رزقها حلالاً يأتيها في عافية، و عرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت من الحرام قاصّها من الحلال الذي فرضه لها و عند اللّه سواهما فضل كبير.

و في صحيح أبي حمزة الثمالي عن الباقر  عليه السّلام  قال: قال رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  في حجة الوداع إن الروح الأمين نفث في روحي إنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا اللّه، و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاع شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه، فإنّ اللّه تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً، و لم يقسّمها حراماً، فمن اتقى اللّه، و صبر أتاه رزقه من حلّه، و من هتك حجاب اللّه عزّ وجلّ ، و أخذ من غير حله قصّ به من رزقه الحلال  و حوسب عليه .

و في مرفوعة اسماعيل بن كثير ـ كما في العياشي ـ عن النبي  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  قال: لمّا نزلت هذه الآية <و أسألوا اللّه من فضله> قال: فقال أصحاب رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : ما هذا الفضل، ايكم يسأل رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  عن ذلك، فقال علي بن أبي طالب  عليه السّلام : أنا أسأله، فساله عن ذلك الفضل ما هو، فقال رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اللّه خلق خلقه، و قسّم لهم أرزاقهم من حلها، و عرض لهم بالحلال، فمن انتهك حراماً نقص له من الحلال بقدرما انتهك من الحرام، و حُوسب به ، إلى غير ذلك من الأخبار، ثم الظاهر منها أن اللّه قدر في الصحف السماوية لكل شيء رزقاً حلالاً بقدر ما يكفيه، بحيث إذا لم يرتكب الحرام وطلب من الحلال سبب له ذلك و يسره، و إذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك يمنع ما قُدِّر له.

و ربما استدل الأشاعرة: بأنه لو لم يكن الحرام رزقاً، لم يكن المتغذي طول عمره بالحرام مرزوقاً، و ليس كذلك، لقوله تعالى:< و ما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها> و فيه نظر، فإنّ الرزق عند العدلية أعم من الغذاء، و هم لم يشترطوا الإنتفاع بالفعل، فالمغتذى طول عمره بالحرام إنما يرد عليهم لو لم ينتفع مدة عمره بشيء محلل، و لو بشرب الماء، و التنفس في الهواء، بل و لا تمكن بالإنتفاع بذلك أصلاً، و الظاهر إن هذا مما لا يوجد، ثم إنه قد ثبت هذا الدليل عليهم و عُورِضوا  به، و هو أنّه لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا محللاً ولا محرماً يلزمه من أن يكون غير مرزوق ، فما هو جوابكم فهو جوابنا .

هذا ولا يخفى أنّ الأحاديث المذكورة ،و إن لم تكن نصاً في مطلق ما يتغذى به، و يتعيش بالفعل لكنها دالة على إن الأرزاق إنما قُسّمت و قُدّرت حلالاً؛ لأن اللّه سبحانه لايرضى بما حُرم، و من هنا ورد النهي عن مكاسب كثيرة، و إن ترتب عليها الأرزاق الكثيرة الدارة، و ربما جاءت بعض الأخبار إطلاق الرزق على الحرام ـ كما رواه صفوان بن أمية ـ قال: كنا عند رسول اللّه  صلى اللّه عليه وآله وسلّم  إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول اللّه، إن اللّه قد كتب عليّ الشقاوة و لا أراني أرزق إلا بدين من كفر، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : لا إذن لك، و لا كرامة، و لا نعمة. اي عدو اللّه لقد رزقك طيباً فاخترت ما حُرِّم عليك من رزقه مكان ما أحل لك  من حلاله ، أمّا إنّك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضرباً وجيعاً.

و به تمسك الأشاعرة، وطعن المعتزلة في سنده، و أولوه على تقدير سلامته، لأنّ سياق الكلام يقتضى أن يقال: فاخترت ما حُرِّم عليك من حرامه مكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله، و إنما قال  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : من رزقه مكان >من حرامه<. فأطلق على الحرام لفظ الرزق لمشاكلة قوله: فلا أراني أرزق، و قوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : لقد رزقك اللّه.

و قد تمسك المعتزلة بقوله تعالى:< و مما رزقناهم ينفقون> و الإنفاق من الحرام لا يوجب المدح ، وربما يقال : أن تقديم الظرف يفيد الحصر وهو يقتضي كون المنفق على ضربين : ما رزقه ، و ما لم يرزق ، و إن المدح إنما هو على الإنفاق بما رزقهم ، و هو الحلال ، لامماسولت لهم أنفسهم من الحرام .

و لو كان كلّ ما ينفقونه رزقاً من اللّه سبحانه ، لم يستقم الحصر ، و هو كلام متين وجيه ، صدر من الشيخ في التبيان .

و تحقيق الكلام : إنه إن كان المراد من قولهم رزقهم اللّه الحرام ، إنه خلقه ، و مكّنهم من التصرف فيه ، فلا نزاع في إن اللّه رزقهم بهذا المعنى ، و إن كان المعنى إنه المؤثر في أفعالهم ، و تصرفاتهم في الحرام ، فهو إنما يستقم على أصلهم الذي ثبت بطلانه .

و إن كان الرزق بمعنى التمكين ، و عدم المنع من التصرف فيه بوجه فظاهر أن  الحرام ليس برزق بهذا المعنى على مذهب من المذاهب ،و إن كان المعنى إنه قدر تصرفهم فيه بأحد المعاني التي ثبتت في القضاء و القدر ، أو خذلهم و لم يصرفهم جبراً عن ذلك ، فبهذا المعنى  يصدق أنّهم رزقوا الحرام  ، و  أما ظواهر الآيات ، و الأخبار الواردة في ذلك فلا ريب لعاقل في إنها منصرفة إلى الحلال ـ كما أومينا إلى معناه سابقاً .

 

الحادية عشرة: في الأسعار
 و ما يترتب عليها من الغلاء و الرخص

فقد ذهب الأشاعرة إلى إنه ليس المسعّر إلا اللّه تعالى ، بناء على أصلهم من أنه لامؤثر في الوجود إلا اللّه تعالى .

أجاب الإمامية و المعتزلة إلى إن الغلاءو الرخصة قد يكونان بأسباب ترجع إلى اختيار العباد ، و أما الأخبار الدالة على أنها من اللّه تعالى كخبر الحجّال عن بعض أصحابه عن الثمالي عن علي بن الحسين  عليه السّلام  قال : إن اللّه تعالى و كلّ ملكاً بالسعر يدبر بأمره  .

و خبر داود بن يزيد عمّن ذكره عن الصادق  عليه السّلام  قال : إن اللّه و كّل بالأسعار مَلَكاً يدبّرها ، و ماجرى هذا المجرى فالمعنى فيه إن أكثر أسبابها راجعة إلى قدرة اللّه تعالى ، و إن اللّه لمّا لم يصرف العباد عما يختارونه من ذلك مع ما يحدث في نفوسهم من كثرة رغباتهم او غناهم بحسب المصالح، فكأنهما وقعا بإرادته تعالى ـ كما مر غير مرة في تأويل ما دلّ على الجبر و القضاء و القدر مما لايصح نسبته إليه تعالى  .

واعلم أنّ كلاً من الرخص والغلاء قد يكون من قِبله تعالى، بأن يقلل جنس المتاع و يكثر رغبة الناس فيه ، فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين ، و قد يكثر جنس المتاع ، و يقلل الرغبة فيه ، فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين ،و قد يكثر جنس المتاع ، و يقلل الرغبة فيه تفضلاً منه و إنعاماً عليهم ، أو لمصلحة دينية  أو دنيوية ، فيحصل الرخص ، و قد يحصلان من قبلنا ، بأن يحمل السلطان الناس على بيع تلك السلعة بسعر رخيص ظلماً منه أو لإحتكار الناس ، أو لمنع الطريق خوف الظلمة ، أو لغير ذلك من الأسباب المستندة إلينا ، فيحصل الغلاء ، و قد يحمل السلطان على بيع السلعة  برخص ظلماً منه ، أو يحملهم على ظلم ما في أيديهم من جنس ذلك المتاع فيحصل الرخص ، و ذلك أمر معلوم بالضرورة و الوجدان لايحتاج إلى حجة و برهان .

 

الثانية عشرة: في الآلام والأعواض
 وهي مشتملة على ثلاثة أمور:

الأول:في تقسيم الآلام

لأنها تنقسم بالقسمة الأولى إلى ضربين: حسنة وقبيحة: فالحسنة كلّها لا يحكم العقل فيها بوجه قبح، والقبيحة بعكسها وهي مالا يحكم العقل فيها بوجه حسن، والقبيحة بهذا المعنى، لا يصح نسبتها إلى اللّه تعالى، لما بيّنا فيما سبق من استحالة صدور القبائح منه تعالى، فلا تصدر إلا منّا خاصة، وأما الحسنة بهذا المعنى فيجوز صدورها منا ومنه تعالى.

وقد حصرت العلماء الوجوه التي يتسبب عنها الحسن للآلام في ستة، وإذا خلا من واحد منها كان قبيحاً:

الأول: اشتمال الآلام على النفع الزائد على الآلام، كتحمل المشقة في طلب الرئاسة، وكتحملها في طلب العلم.

والثاني: اشتمالها على ضرر  زائد عليها، كقطع اليد المتآكلة، وكالفصد والحجامة.

والثالث: كون الألم مشتملاً على وجه الدفع، كما إذا قتلنا من يريد قتلنا أو أخذ مالنا، فهو حسن لاشتماله على المدافعة الواجبة.

الرابع: كون الألم لإجراء العادة، كما إذا ألقي صبي في النار فاحترق، أو وقع في البحر فغرق، فإن هذا الألم حسن، لإجراء وجوب العادة، وعدم خرقها إلا لمصلحة عامة.

الخامس: كون الألم مستحقاً للتألم، كآلام من القصاص.

السادس: كونه مشتملاً على التعويض، كالإجارة.

 

الثاني:في الآلام الصادرة منه تعالى

وحينئذ فنقول: الآلام الصادرة منه إما أن تكون على جهة الإبتداء، أو العقوبة، فالأول كألم المعصوم والأطفال والمجانين والبهائم، وهي حسنة قطعاً لأنها فعله تعالى بالضرورة، وكل أفعاله حسنة بالبرهان المتقدم، القائم على انتفاء القبيح منه تعالى، ويشترط في حسنها أمران:

أحدهما: حصول العوض على ذلك الزائد عليه إلى حد الرضا للمتألم عند كلّ عاقل، بحيث يختار المتألم مع ذلك الألم، لأنه لولاه لكان ذلك ظلماً.

ثانيهما: اشتمال ذلك الألم على اللطيفة، أما للمتالم إن كان مكلفاً، أو لغيرة إن لم يكن كذلك، ليخرج به عن العبثية، ونعنى بالعوض النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال.

وأما الآلام الصادرة منه على جهة العقوبة، فلا عوض فيها لأنها جزاء كألم القصاص، فتكون حسنة، والآلام للمكلفين يحتمل فيه الإجزاء على الإبتداء، والعقاب.

الثالث:في اللآلام الصادرة عن غيره تعالى

فإن كانت صادرة عن المكلفين، فإن كانت بأمره لهم بإيقاعه، كأمره بذبح الهدي، والأضحية وجوباً أو ندباً أو بإباحة، كذبح الحيوان للأكل  كان العوض فيها عليه تعالى؛ لانها وقعت من المكلفين عن إذنه، وموافقة لإرادته، فيجب بمقتضى كرمه وفضله التعويض عنه وإلا  لزم الظلم.

وإن كانت صادرة لابأمره ولا إباحته، كانت قبيحة، لكونها ظلماً، والعوض فيها على الفاعل، فالواجب عليه فيها الإنتصاف للمؤلم من المؤلم.

أما أولاً: فلدلالة النقل على ذلك في قوله تعالى: <يوم القيامة يفصل بينكم>.

وأما ثانياً: فلأن الكلّ ملكه، فإذا جنى بعض مماليكه على بعض وجب في حكمته الإنتصاف للمجني عليه من الجاني، لأنه خلق الجاني قوياً متمكناً من الإيلام، وخلق المجني عليه ضعيفاً غير قادر على الإمتناع، فلو لم ينتصف من القوى للضعيف كان ظلماً.

ويجب في هذا العوض مساواته الألم لأنه لو أخذ الزيادة من الجاني لكان ظلماً في حقه، ولو كان ناقصاً كان ظلماً في حق المجني عليه فتتعين المساواة، وإن كانت الآلام صادرة من غير المكلّف، كالصادرة من المجانين والبهائم والصبيان، فقد اُختلف في العوض عنها.

فالمحققون على أن العوض فيها عليه تعالى، لأنه لما خلقها جعل فيها قوة على الإيلام، وميلاً إليه وشهوة، ولم يجعل لها عقلاً زاجراً عنه، فكان كالمغري لها في فعلها، فلو لم يعوضها عنه لكان ظالماً لها تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً، وذهب البعض إلى سقوط العوض عنها وعن اللّه، محتجاً بقوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : جرح الجماء جبار، ولعدم تكليفها وآخرون: إن عوض إيلامها عليه لقوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اللّه ينتصف للجماء من القرناء، وكلا القولين ضعيفان.

 وكذلك ما احتج به لهما لأن الخبرين من أخبار الآحاد، وقد سبقا  لبيان نفي القصاص في الدنيا، ونفي الضمان كما في أولهما، فلا يفيدان العلم، ولا يعارضان مادلّ عليه الدليل العقلى القطعي من ايجاب العوض عليه تعالى من إنهما قابلان للتأويل.

فنقول في الخبر الأول: إن معنى الجبار عدم القصاص لأن قوله  صلى اللّه عليه وآله وسلّم : جرح الجماء جبار، معناه لاقصاص ولا ضمان فيه، وإسقاط القصاص، لا يستلزم إسقاط العوض، لأن أحدهما غير الآخر.

 ومعنى الثاني: أن الجماء ليس المراد به الحيوان المخصوص، بل معناه أنه الضعيف العاجز عن الإمتناع عن الظالم، ومعنى القرناء القوي القادر على الظلم، فيكون معنى الحديث: إنه ينتصف يوم القيامة للضعيف من القوي ونحن نقول به، وليس الكلام فيه. وحينئذ يكون العوض، واجباً عليه تعالى، وهو المطلوب.

وكذا يجب عليه تعالى العوض من الآلام الحاصلة بسبب تفويت المنفعة للغير والآلام الحاصلة بسبب إنزال الغموم الحاصلة من غير فعل العبيد كلّ ذلك بفضله وكرمه، والآيات القرآنية والسنة المتواترة المحمدية تنادي بهذه الفروع كلّها سيما أخبار التمحيص وأخبار العلل، والأمراض ـ كما هو غير خفي على من تتبعها، ولهذا جاء الفرق بين آيتي قوله تعالى: <وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير>0، <وماأصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من  قبل أن نبرأها إن ذلك على اللّه يسير>.

وجاءت الأخبار في تفسيرهما: بأن الأولى لمن تجوز عليه المعصية من العباد، والثانية لأهل العصمة.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492835

 • التاريخ : 15/09/2019 - 22:53