المقصد الأول في إثبات الواجب وصفاته 

القسم : مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور   ||   الكتاب : محاسن الاعتقاد   ||   تأليف : الشيخ حسين آل عصفور

المقصد الأول في إثبات الواجب وصفاته
وفيه أبحاث:

البحث الأوّل في إثبات الواجب على جهة التفصيل
وإلا فاثباته حاصل على جهة الإجمال لقيام الآيات والروايات على الفطرة بحيث لايحتاج إ لى استدلال بل يثبت بأدنى التفات، ولا شك في وجود ممكن بالبداهة والضرورة، ولابد له من مرجح يكون هو نفسه مستلزما لترجيحه، ومجرد اعتباره كان  فيه، وغير الواجب لا يثبت له هذا المعنى، بل كونه بحيث لو وجد وجد المعلول، وهذا القدر غيركافٍ في الترجيح، وايضاً عدم ذلك الوجود في حال وجوده ممتنع لا لذاته بل لأمر غير ممكن؛ لأن الممكن في حكمه، فيثبت المطلوب.

وأيضاً لاشك أن جميع الممكنات الصرفة في حكم ممكن واحد فلو كان كلّ الموجودات الخارجية ليس في شيء منها ما يقتضي ذاته وجوده لم يكن شيء منها بموجود، فإذاً لابد فيها من واجب الوجود ،ولا شك أنّ الممكن من حيث هو ممكن لا يمكن أن يفيد غيره الوجود، بل ولا نفسه بالضرورة، وعِلِيّة المجموع الممكن المركّب من الممكن الواجب لنفسه ليست فاعلية، فلو لم يكن واجب الوجود لم يكن موجوداً اصلا ً.

فعلى هذا تحقق الممكن الموجود الذي يحتاج الى موجد يدل على تحقق واجب الوجود بالذات، وهذه الأدلة خير من الأدلة الموقوف برهانها على بطلان الدور والتسلسل، لعدم اهتداء أكثر الناس اليه، ومرجعها الى الاستدلال على انتساب وجود الواجب الى مفهوم أنه علّة لغيره وثبوته له على حسب ما ذكره المحققون في الاستدلال بوجود المُؤَلَّف على وجود المُؤَلِّف فيكون لميّاً ،وهو طريق الصديقين والبالغين المرتبة العليا في التوحيد.

وأما الاستدلال بآثاره المحوجة إليه  من قبيل الإستدلال بوجود المعلول على وجود العلّة، فيكون إنيّاً، وهذا طريق ابراهيم الخليل  عليه السّلام  ـ كما أخبر عنه الملك الجليل ـ اقتفاه فيها المتكلمون، وفي القرآن العزيز  اشارة الى كلّ من الطرفين لقوله تعالى: <أو لم يكف بربك انه على كلّ شيء شهيد>، وقوله تعالى: <إنّ في خلق السموات والأرض ...> الآية، وما جرى مجراهما من الآيات، بل لسان الفطرة الانسانية فينادي بكل من الطريقين، حيث اشتملت على ما في الكون الكلي من جواهر وأعراض، ونفوس وأرواح، وربوبية واقتدار، فالعبودية جوهرة كنهها الربوبية ، كما تنادي به الأخبار والأدعية والآثار.

وفي الدعاء الحسيني المروي في يوم عرفة عنه  عليه السّلام : كيف يستدل عليك بما هو مفتقر في وجوده إليك، عميت عين لاتراك وكنت عليها رقيباً.

 

البحث الثاني في التوحيد ونفي الشريك عنه

 وهو أهم أبحاث هذا المقصد ولا شك أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه، وللعلماء من أهل الفرق الاسلامية طرق في الاستدلال بعضها أوضح من بعض.

وقد استدل الحكماء منهم أن وجوده وتعيّنه غير خارجين عن ذاته، والا لزم أن يكونا معلولين لها، والعلّة مالم تكن موجودةً معينةً استحال أن توجد غيرها بل عينها، فلو لتعدد الواجب حصل فيه اشتراك، وافتقر الى مميّز يكون غير عام الحقيقة، وغير عارض لعدم خروج كلّ من الوجود والتعيين عن ذاته، بل جزئه، فيلزم التركيب الملزوم للإمكان فيكون ممكناً ،وقد ثبت أنه واجب لذاته وهذا خلف.

وأما المتكلمون فاحتجاجهم على عدم الإحتياج إلى العلّة لا يسلم من خدش، حيث قالوا بزيادة وجود الواجب على ذاته، فيكون الوجود هنا اعتبارياً عقلياً، وزيادته على  الماهية، وافتقاره إليها إنما هو في الذهن نظراً الى أن المفتقر الى الغير إنما يكون ممكناً إذا كان مما له عين خارجة.

ووجه خدشه لأنّه إذا زاد على الذات اتصفت هي به في نفس الأمر، وإلا لم يكن موجوداً ،فلم يكن بدّ من إفتقار الإتصاف الى علّة، فيثبت الإمكان، ولغموض هذا الكلام عَدَلَ المتكلمون عن تلك الطريقة الى برهان التمانع المشار اليه في القرآن في غير آية كقوله تعالى:< لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا>، وقوله: <وما كان معه من آله إذا لذهب كلّ اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض>.

وتقريره: انه لو أمكن إلهان مع تساويهما في الصفات وتساوي الممكنات بالنسبة إليهما لم يقع منهما شيء، ولم يقع هذا النظام للعالم، لأنه كالشخص الواحد؛ لأن المؤثر أما أن يكون كلّ واحد منهما فتجتمع علتان على معلول واحد شخصي، وإلا فيلزم الترجيح من غير مرجّح.

والأوجه في تقريره أنه لو أمكن ذلك لأمكن أن يريد أحدهما حركة زيد والآخر سكونه؛ لإمكان كلّ منهما في نفسه ،فمع الإرادتين إمّا أن يقعا فيجتمع الضدان أولا، فيلزم عجزهما مع اجتماع الضدين، ووقوع المرادين من حيث لايقعان، أو عجز أحدهما، وفي العجز شائبة الإحتياج، وايضا يلزم الترجيح من غير مرجح لأنهما متساويان في الكمال، وربما منع اختلاف الإرادتين لعُلِم كلّ منهما وحكمته المقتضية لما هو الأصلح، فلا يمكن أختلاف الإرادة.

وأجيب عنه بجواز أن يكون فعل كلّ واحد من الضدين مصلحة وفيه ما فيه، وربما قدح فيه ابتداءآً بأنه انما يدل على امتناع الهين قادرين على جميع الممكنات، لامتناع الهين مطلقاً فلايتم الإحتجاجان.

و فيه انه خلاف المفروض.

وبالجملة فجميع الأدلة العقلية لهذا المطلب قابلة للمناقشة فيها، فا لأولى الإعتماد على السمع، ولا يلزم الدور لأنه كلام من ثبتت الهيته، ولقد نفى الشريك عن نفسه، فقال عزّ من قائل:<فاعلم أنه لا إله إلا اللّه< وما تقدّم في الآيتين مع إشتمالهما على الإستدلال بما ذكرناه، وقول باب مدينة العلم <علي> لإبنه الحسن  عليهما السّلام  < أنّه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه>، وإن كان من باب دليل الخطابة، لكنه في قوّة البرهان، لعدم احتياج التوحيد الظاهر المنادى الي اكثر من هذا الإستدلال:

 فـفـي كـل شيء لـه آيـة                تـدل عـلى أنـه واحـــد

 

البحث الثالث في التـنزيهـــات
يجب تنزيه الواجب تعالي عن كلّ نقص مما ينافي كمال وجوده كالشريك والند والمثل، خلافاً للبهشميّة حيث جعلوا ذاته مساويةً لذات غيره، وعن التركيب  خلافاً لبعض الغلاة والحشوية، وان كان ذلك الجزء عقليّاً، لا لأّن مالاجنس له  لا فصل له، لجواز تركيب الماهية من فصلين متساويين، بل لأنّ مايحصل بالجنس يحصل بالفصل، والواجب عين الوجود، وعن الحاجة للنقص ، وعن الجوهرية لا بمعنى ذات الشيء خلافاًلبعض النصارى  حيث زعموا أنه جوهر واحد لثلاثة اقانيم هي: الوجود  والعلم والحياة، لإستلزامه الحاجة وعدم زيادة  الوجوب، وعن الحيز لنفي الجسمية والجوهرية والاتصاف بالأكوان والحاجة ،وان كان في التمكن والضد والإتحاد بمعانيهما خلافاً لبعض الصوفية ،حيث ذهب الى أن العارف إذا بلغ نهاية العرفان ـ  وهي رتبة الغنى في التوحيد  ـ  صار هو اللّه لاستحالة الوضع والكون والفساد ،وصيرورة الاثنين شيئاً واحداً  وقاهريته لما سواه، وعن الحلول خلافاً لبعض النصارى، لزعمه أنه حلّ في عيسى  عليه السّلام ، اولبعض الغلاة حيث أنه حل في علي  عليه السّلام ، ولبعض الصوفية حيث أنه حل في بعض العارفين الواصلين، وأن لاتقوم به الحوادث خلافاً للكرامية ،لأنه من صفات المخلوقين العاجزين كما تضمنته الأخبار.

 وما تمسّك به الكراميّة من الإتفاق على أنه تعالى متكلِّم سميع بصير، ولا يتصور ذلك بدون وجود المخَاطَب والمسموع والمبصر وهي حادثة، ولأنه اتصف بالخلق ونحوه، بعد أن لم يكن، فأوهن من بيت العنكبوت لأن ذلك ليس بحلول الحوادث فيه، ولا بحصول التغيير، بل الصفات الثلاث راجعة الى الصفات الذاتية، ولو بخلق الكلام في غيره ـ كما سيجيء البرهان عليه ومن الألم والتألم بمعنييه  لإستلزامهما الجهة، وإثبات المنافى، وكذا اللذة والمزاجية.

 أما العقلية وهي إدراك الملائم من حيث هو ملائم فالأولى التوقف في إثباتها ونفيها لحصول المناقشة في حجتي الإثبات والنفي، لأنّ كونها نفس الادراك غير معلوم، وايجابه لها يجوز أن يختص بالشاهد لتوقفه على شرط هو تجدد الكمال، ونفيها لكونها من توابع المزاج قياس للغائب على الشاهد، ومن هنا توقف محقق التجريد لما ذكرناه من الموانع.

ومن الجهة خلافاً للكرامية للزوم التشكل والاتصاف بالأكوان الحادثة،ومن الصفات الزائدةعلى ذاته عبثاْ لما ثبت من الأخبار المتواترة ان كمال توحيده نفي الصفات عنه وان من وصفه فقد حدّه خلافاً لبعض المعتزلة.

ومن الأحوال خلافاً لأبي هاشم ومن المعاني خلافا للأشعرية، حيث ذهب نفاة الأحوال منهم الى أنه عالم بعلم هي العالمية، وقادر بقدرة هي القادرية، وهي عندهم معللة بمعنى هو العلم والقدرة ، وكذا باقي الصفات.

واتفق الفريقان على ثبوت الزائد له تعالى الا أن النفاة يجعلون الزائد عبارة عن نفس العالمية و القادرية ،والمثبتون لها يجعلونه صفة تقتضيها للزوم تعدد القدماء، بل تعدد الواجب لذاته على ما صرح به الرازي حيث قال: ان النصارى كفروا باثبات قدماء ثلاثة، واصحابنا قد اثبتوا قدماء سبعة، ولم يكفروا بها، ولزوم الافتقار ايضاً في أن يكون عالماً مثلاً الى العلم.

واستدل الحكماء بلزوم كون الواحد قابلاً وفاعلا معاً ان كانت واجبة بذاته، وافتقاره الى الغير ان وجبت به، وجواب مشائخ الأشاعرة بأنها ليست عينه ولاغيره.

والنصارى انما ثبت كفرها بذلك لما قالوا بالتغاير، وزعموا انتقال اقنوم العلم عن ذات اللّه تعالى الى بدن عيسى والصفات يمتنع بانتقالها من الخرافات الظاهرة؛ لأن نفي التغاير بمعنى جواز الإنفكاك ـ على ما ذكروا ـ لايخرجهم مما وقعوا فيه لبقائهم في المحذور بمطلق التعدد والتكثر الذي لا يمكنهم انكاره.

فاذاً الحق نفي الصفات لا على أنه لا اعتبار لها اصلاً ـ كما زعمه أهل التعطيل ـ بل على أنها عين الذات خارجاً، وزيادتها انما هي في الذهن، والاعتبار حيث تقاس صفاته الى صفاتنا لتعقل معناها.

فما يترتب في حق غيره على ذات وصفه يترتب في حقه على نفس الذات. ومرجعه إذا حققت النظر الى نفي الصفات مع حصول ثمراتها من الذات وحدها. ومن هنا قيل: >خذ الغايات واحذف المبادي<.

ويكشف عن ذلك صحيح هشام بن الحكم رضي اللّه عنه قال في حق الزنديق الذي سأل أبا عبداللّه  عليه السّلام  انه قال له: ونقول انه سميع بصير، فقال أبو عبداللّه  عليه السّلام : انه سميع بغير جارحه وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي انه سميع بنفسه انه شيء والنفس شيء آخر، ولكني أردت العبارة إذا كنت مسئوولاْ ،وإفهاماً لك إذا كنت سائلاً، فأقول يسمع بكلّه لا أن كلّه له بعض، لأن الكل لناله بعض، ولكن أردت افهامك، والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك كله الا انه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف ذات، ولا اختلاف معنىً.

وفي صحيح محمّد بن مسلم عن الباقر  عليه السّلام  انه قال في صفة: انه واحد صمد أحدي المعني ليست مختلفة. قال جعلت فذاك، انه يزعم قوم من أهل العراق: انه يسمع بغير الذي يُبصر، ويبُصر بغير الذي يسمع، قال: فقال: كذبوا والحدوا وشبّهوه بخلقه، تعالى اللّه عن ذلك انه سميع بصير يسمع بما يبصر ويُبْصر بما يسمع، قال: قلت:ـ  اجعلت فداك ـ  يزعمون انه بصير على ما يعقلونه قال: فقال  عليه السّلام : تعالى اللّه انما يعقل ما كان بصفة المخلوق، ليس اللّه كذلك ... وهكذا الكلام في باقي الصفات الذاتية، وما ذكرناه هو مراد عالم أهل البيت  عليه السّلام  بقوله: وكمال توحيده نفي الصفات عنه بشهادة كلّ صفة انها غير الموصوف، وشهادة الموصوف انه غير الصفة، وشهادتهما جميعاْ بالتثنية الممتنع منه .

ومما ينبغي تنزيهه عنه الرؤية البصرية ولو بغير الجارحة، خلافاً للمجسمة والأشاعرة حيث جوزوها وقالوا بوقوعها لابجارحة في الدار الآخرة للمؤمنين منزهاً عن الجهة والمكان، ومن قدمائهم من ارتكب شططاً، وتجشم القول بوقوع الرؤية بالجارحة ليلة المعراج ضرورة امتناع حرمه عن التلوث بما يلزم الرؤية من قدر المقابلة وما في حكمها الذي هو شرط الرؤية، والمنازع مكابر تبعاً لظاهر دلّ، أو عالم ضلّ، وقد يستدل عليه بما لا يسلم من خدش، وما تمسك به الخصم من أن رؤية الأجسام والأعراض حال وجودها  لابدّ من استنادها الى علة مشتركة مختصة بحال الوجود، ولا يكون الحدوث لكون القِدَم جزاً  لمفهومه والتأثير اثبات، فتعيّن الوجود، اذ لا مشترك غيرهما،

وهو يستدعي صحة رؤيته تعالى أوهن من بيت العنكبوت، وانه لأوهن البيوت لأنه على  تقدير تسليم أن الأجسام مرئية وحصر المشترك في الأمرين، وان المرئي من زيد ـ مثلاً ـ من غير تفصيل لما فيه من الجواهر والأعراض ليس من خصوصية ذاته، لانسلم جواز تعلق الرؤية بالهوية المطلقة لأنها أمر اعتباري، والتزام بعضهم له، وانه لا يبصر اختلاف المختلفات بل بعلمه بالضرورة مكابرة ... وكذا ما أجاب به الرازي من أن الوجود المشترك علة لصحة كون الحقيقة المخصوصة مرئية بفتح أبواب ايرادات قد  سدّها امام الحرمين، بأن المراد بالعلة ما يصلح لتعلق الرؤية مع أن الدليل منقوض بأن المخلوقية والملموسية مشتركتان بين الجوهر والعرض، ولاعلّة مشتركة بينهما سوى الوجود، وهو يقتضي كون الباري مخلوقاً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

وقد يستدل على الرؤية سمعاً بقوله تعالى <رب أرني أنظر اليك > الآية، وقوله: <وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناضرة> وهما في معرض المنع لتنصيص كثيراً من المفسرين من الفريقين، ومجيء أخبار أهل العصمة  عليه السّلام  في تفسيرهما ما يدفع ذلك برمته؛ لاعلانها في الآية الأولى بأن سؤال موسى  عليه السّلام  لقومه، وأنهم أرادوا منه السؤال، لنفسه ليجاب، والتعليق على الإستقرار حال الحركة حال التجلي لا على صحة السكون في تلك الحال ،مجيء يقال بإمكانه بأنه يحصل بدل الحركة، وبأن المراد بالثانية الى ثواب ربّها، أو الى واحد من الآلاء حرف جرّ كما يشعر به خبر المجالس والتوحيد على أن قوله تعالى <لا تدركه الأبصار> الإية،ما يناقض الآيتين لو دلا على ما استدل به، لأن قولنا: لا تدركه الأبصارمناقض لقولنا تدركه، وصدقه مستلزم لكذبه، فيكذب قولنا يدركه بصر  واحد  أو بصران، اذ لا قائل به من الفرق، واحتمال  أنّها سالبة مهملة، وأن السلب وارد على العموم، ينبئ عنه الإستعمال.

وكذا الجواب، لأن الادراك بمعنى رؤية الشيء من جميع جوانبه وهو أخص من الرؤية ممنوع، وتخصيص الادراك بالجارحة يلتجأ اليه لوقام الدليل على الرؤية، كيف وقد روي في تفسيرها أخبار عديدة عن ائمتنا  عليهم السّلام ، وعن كثير من المفسرين أن الأبصار فيها هي أوهام القلوب، وانها أدق من أوهام العيون، وهي منحسرة عن ادراكه، فكيف أبصار العيون، على أنه قد ورد عن ائمتنا  عليه السّلام  ابطال دعوى الرؤية بأدلة وبراهين لا يمكن دفعها، وقد أعرض عنها الفريقان فنحن نورد شيئاً منها:

ففي خبر محمّد بن عبيد ،قال: كتبت الى أبي الحسن الرضا  عليه السّلام  أسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، وسألته أن يشرح لي ذلك، فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يُرى اللّه بالعين وقعت المعرفة ضرورة، ثم لا تخلو تلك المعرفة من أن تكون ايمانا او ليست بايمان، فإنّ كانت المعرفة من جهة الرؤية ايمانا والمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنّها ضده، فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا اللّه عزّ وجلّ ، وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايماناً لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الإكتساب أن تزول اولا تزول فى المعاد ،فهذا دليل علي أن اللّه تعالي لا يرى بالعين، إذ  العين تؤدى الي ما وصفناه، يعني من المؤمن في الدنيا أو اجتماع النقيضين.

وفي صحيح  أحمد بن اسحاق قال: كتبت الى أبي الحسن الثالث أسألة عن الرؤية وما اختلف الناس فيه، فكتب  عليه السّلام : لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر،فاذا انقطع الهواء عن المرئي والرائي وعدم الضياء لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الإشتباه وكان ذلك التشبيه، لأن الأسباب لابدّ  لها من المسببات .

وفي خبر هشام بن الحكم قال: الأشياء لا تدرك الا بأمرين بالحواس والقلب، والحواس إدراكها على ثلاثة معان، ادراك بالمداخلة، وادراك بالمماسّة، وادراك بلا مداخلة ولا مماسة، فأمّا الإدراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم، وأما الادراك بالمماسة، فمعرفة الأشكال من التربيع والتثليث، ومعرفة اللين والخشن والحر والبرد، وأما الادراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر، فإنه يُدْرِك الأشياء بلا مماسّة ولا مداخلة في حيز غيره، ولا في حيزه، وادراك البصر له سبيل وسبب، فسبيله الهواء، وسببه الضياء، فإذا كان السبيل متصلاً بينه وبين المرئي، والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الالوان والأشخاص ،فإذا حمل البصر على مالا سبيل له فيه رجع راجعاً فحكى ما وراءه  كالناظر في المرآة، فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعاً يحكي ما وراءه،وكذا الناظر في الماء الصافي يرجع راجعاً فيحكى ما وراءه اذ لا سبيل له في انفاذ بصره فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء ،فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهّمه فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجوداً، رجع راجعاً فحكى ما في الهواء ،فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجوداْ في الهواء من أمر التوحيد جلّ اللّه وعزّ فإنه ان فعل ذلك لم يتوهّم الا ما في الهواء موجوداً ـ كما قلنا في أمر البصر ـ تعالى اللّه أن يشبهه خلقه، وسيأتي زيادة تحقيق لهذا الفصل في صفاته السلبية مشروحة بالأخبار الواردة عن أهل العصمة  عليهم السّلام  الواضحة الجليّة.

 

البحث الرابع في صفاته الثبوتية وفيه مسائل
المسألة الأولى: في القدرة
فلسان العالم وإلباسه الوجود بعد العدم ينادي بثبوت القدرة على الوجه الأتم لصانع هذه الأشياء والملبس لها بعد الامكان الوجود الفعلي، ولهم في تعريف القدرة خلاف لا يرجى زواله، ونحن نختار منها ما أثبتته أخبار أئمتنا  عليهم السّلام  وهذه التعاريف ليست حقيقية، بل تقريبية للأفهام، وللفرق بينها وبين قدرة الأنام، وإلا فقدرته عين ذاته، فلا تصل إليها الفِطَن والأفهام، وقد عرفها الأكثر من الفريقين بمعنى أنه ان شاء فعل وان شاء ترك، أي يصح كلّ من الفعل والترك بحسب الدواعي والمصالح المختلفة، خلافاً للفلاسفة، فنفوا القدرة عنه بهذا المعنى، وأثبتوها له بمعنى آخر، بمعنى أنه ان شاء فعل وان شاء لم يفعل.

وادّعوا وجوب مقدم الشرطية الأولى نظراً الى أن مشيئة الفعل لازمة لذاته وامتناع مقدم الثانية نظراً الى أن إمكان تخلّف الفيض نقص ،وقالوا ان تأثيره في العالم بالإيجاب، ولم يجوّزوا عدم صدور العالم عنه، ولا فنائه بعد وجوده.

وكان منشأ الخلاف على هذا نفس التعريف، كما حققه محققو المتأخرين ـ ويحتمل قوياًْ أن يكون منشأه القبول بالوجوب، ولإمتناع المتقدمين فلا يكون خلافاً في معنى القدرة، بل في عدم تجويز مشيئته تعالى لعدم العالم وعدمه. فلو أريد بصحة الفعل وتركه ما يساوق الامكان الذاتي لا نقضى  الفرق بين التعريفين، ومن هنا نقل عن بعض الحكماء أنه فسّر القدرة، بصحة صدور الفعل عنه وتركه، وكان الداعي للحكماء بذلك قولهم:كل فاعل بإرادة مختار، سواء قارنه فعله أو تأخر عنه، وموضع الخلاف بينهم وبين المتكلمين انما هو في الداعي، فالحكماء يجوزون تعلق الداعي بالموجود، ومع انضمامه الى القدرة، يجب وقوع الفعل وحيث أن القدرة والداعي ازليان فالفعل ازلى، فلزمهم القول بالقِدَم للعالم، والمتكلمون أنه لا داعي الى معدوم ليصدر عن الفاعل وجوده بعد الداعي بالزمان أو بتقديره، ويقولون: هذا الحكم ضروري ،وعلى هذا يكون قول الحكماء في سلسلة أقوال المخالفين في عموم القدرة، وعلى كلا التقديرين فهم قائلون بقدم العالم في الجملة، حيث قالوا بلزوم الفعل لذاته مدعين أن التخلف نقص ونحن نقول بحدوثه، ونقول النقص وارد عليهم، لأنهم أثبتوا له عدم المكنة من الفعل والترك فيما شاء ونحن نستدل عليهم بالحدوث بالآيات القرآنية والأخبار النبوية وبإجماع المسلمين ولا دور ،لأن اثبات صدق النبي لا الموقوف عليه كون الاجماع حجة انما يتوقف على كون خالق المعجزة قادراًْ عالماً مريداْ حكيماً لا على كون الواجب لا كذلك.

 والمشهور بين المتكلمين الاستدلال عليه بحدوث الأجسام لأنها ذات وضع وموضع لا ينفك عن الحركة والسكون، تتبدل أفراد أحدهما بأفراد الآخر، والتبدل علامة الحدوث وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، وهو موقوف على أنه إذا كان كلّ فرد حادثاًْ يكون الكل حادثاً، وهو كذلك، لتناهي الجزئيات حينئذ لوصف كلّ حادث بالاضافتين المتقابلتين أي كونه سابقاًعلى ما بعده وكونه لاحقاً  لما قبله.

ويجب زيادة المتصف بأحدهما من حيث هو كذلك على المتصف بالأخرى فينقطع الناقص والزائد أيضاً،وايضاً لعدم النوع والمجموع بغير الكليات والأجزاء، وفيه تأمل.

وبالجملة فحدوث العالم والقدرة الشاملة لجميع العالم باجتماع هذه الأدلة ضرورية لاتحتاج الى استدلال بالبرهان، وان كانت إقناعيّة إلا أن النفس تركن إليها وتطمئن بها، والمعهود من أئمة الهدى  عليهم السّلام في هذا المطلب وغيره الاكتفاء بالاقناعيات.

ولهذا قال نصير الملة والدين في تجريده :ووجود العالم بعد عدمه ينفي الايجاب، والواسطة غير معقولة.

وفي حديث هشام عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  فيما كان من سؤال الزنديق له إذ قال: فما الدليل عليه ـ يعني على وجود الصانع للعالم، أو المحدث له فقال أبو عبداللّه  عليه السّلام : وجود الأفاعيل دلت على أن لها صانعاً صنّفها، الا ترى أنك إذا نظرت الى بناء مشيد علمت أن له بانياً وان كنت لم تر الباني، ولم تشاهده قال: فما هو؟ قال: شيء فارجع بقولي شيءبخلاف الأشياء الى اثبات معنى، فإنّه شيء بحقيقة المشيئة، غيرأنّه لا جسم ولا صورة ولا يُحَس ولا يُجَس، ولا يُدرك بالحواس الخمس، لا تُدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور، ولا تُغيره  الأزمان ،وهذا القدر من الاستدلال كاف في معرفة أنه تعالى قادر واحتجاج الخصم بأنه لو كان قادراً وأثره حادث لزم التعطيل، واستغناء الممكن عن المؤثر فينسد باب اثبات الصانع، والتسلسل في المرجحات مع استكماله بالمرجح نجيب عنه بأنه:

لاوقت له قبل زمان حدوث العالم إلا موهوماً، فلا يحتاج الى مرجّح، وبأنه يجوز ترجيح المختار بارادته أحد مقدور ية  من غير داع وإن لم يجز ترجيح أحدهما من غير فعل مرجح، فهو بديهي، ورغيفا الجوعان وقدحا العطشان، وطريقا الهارب شواهد صدق على ذلك، وبالنقض عليهم بالحادث اليومي اذ يلزمهم قدمه.

اذا تقرر ذلك، فمذهب أكثر الامامية، والأشاعرة عموم قدرته تعالى على جميع الممكنات والاستدلال عليه عقلاً بأن المقتضي للقدرة  آثارها هو ذاته تعالى، والمصحح للمقدوريّة هو الإمكان، ونسبته إلى الجميع، أو الممكنات على السواء، وهو مبني على أن المعدوم نفي محض، وأنه لامادة له ولا صورة، فلا يتصوّر اختلاف في نسبة الذات الى المعدومات، ولاختصاص بعضها بالمقدورية.

وقد يستدل بعليّة الإمكان للمقدورية لشمولها للممكنات كما يظهر من الخواجه نصير الدين في تجريده، وبإنتهاء الممكنات إليه؛ لأن الممكن لا شيء مختص، فلا يكون مُوْجِداً، ومن جوّز كونه محرّكاً للأجسام جوّز أن يوجده تعالى مع الحركات، ضرورة إنه قادر على إيجاد المحرك، وقد خالف في هذا الاصل جماعة كثيرة منهم:

الديصانية القائلون :بأن الكواكب بحركاتها مؤثرات في الحوادث السفلية، والتغيرات الواقعة في جوف فلك القمر من اختلاف الفصول الأربعة وتأثير الطوالع في المواليد.

ومنها الثنوية: القائلون بأنه تعالى لا يقدر على الشر لأن الواحد لا يكون خيراً وشراً.

ومنها النظام حيث ذهب إلى أنه تعالى لا يقدر على القبيح ،كما نقله عنه في المواقف.

ومنها البلخي، حيث قال: انه لا يقدر على مثل فعل العبد.

ومنها الجبائية ،والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، حيث قالوا: انه تعالى لا يقدر على فعل غير العبد؛ لأن الدوران لايفيد العلية، والخير والشر لا يكونان لذاتيهما خيراً وشراً، بل بالإضافة الى غيرهما، فإنّه لا قبح في افعاله.

ولو سلّم جواز اتصافهما به فالصدور غير لازم للمانع، على أنه يلزم عدم قدرتنا نحن عليه لأن قدرتنا مستفادة منه سبحانه، وأن الطاعة والسفه اعتبارات تعرض للفعل بالنسبة الى العبد، وانه لا يلزم من اجتماع القدرتين اجتماع التأثيرين، والعدم إنما يتحقق عند تحقق الصارف، إذا لم يوجد قادر آخر يدعوه الداعي الى فعله.

وهذا بعيد من مثل هذين الإمامين، وتمسّكهما بماذُكِر أبعد وأبعد ومن نظر في الآيات والروايات عرف منهما بداهة عموم القدرة، وإنما تنتفي قدرته عن المحال، والا لزمه العجز والإنحسار عن الربوبية، واستحقاق العبودية.

وفي خبر ابن إسحاق قال: إن عبداللّه الديصاني سأل هشام بن الحكم فقال له: ألك رب؟ قال: بلى. قال: أقادر هو؟ قال: نعم، قادر قاهر، قال: يقدر على أن يدخل الدنيا كلّها في البيضة، ولا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا، قال هشام: النظرة، قال له: قد أنظرتك حولاً، ثم خرج عنه فركب هشام الى أبي عبداللّه  عليه السّلام ، فاستأذن عليه، فأذن له، فقال له: يابن رسول اللّه أتاني عبداللّه الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على اللّه وعليك، فقال له أبو عبداللّه  عليه السّلام : كم حواسك؟ قال: خمس. قال: أيها أصغر قال: الناظر، قال: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة، أو أقل منها، فقال له :يا هشام أنظر أمامك، وفوقك وأخبرني بما ترى. قال: أرى سماء وارضاً ودوراً وقصوراً، وبراري وجبالاً وأنهاراً، فقال له أبو عبداللّه  عليه السّلام : إن الذي قَدِرَ أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة، فأكب هشام عليه وقبّل يديه ورأسه ورجليه، وقال: حسبى يابن اللّه لا، وانصرف إلى منزله، وغدا عليه الديصاني فقال له: يا هشام اني أتيتك مسلماً ولم أجئك متقاضياً للجواب، فقال له هشام: ان كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب.

فخرج الديصاني عنه حتى اتى باب أبي عبداللّه  عليه السّلام  فاستأذن عليه فأذن له. فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي.

فقال له أبو عبداللّه  عليه السّلام : ما اسمك؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه، فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك، فقال: لو كنت قلت له: عبداللّه كان يقول: من هذا الذي أنت عبد له، فقالوا له: عُد له وقل له يدلك على معبودك، ولا يسألك عن اسمك، فرجع اليه فقال له: يا جعفر بن محمّد دلني على معبودي، ولا تسألني عن اسمي.

فقال له أبو عبداللّه  عليه السّلام : إجلس  ـ واذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها ـ فقال له أبو عبدالله: ناولني يا غلام البيضة فناوله اياها، فقال له أبو عبداللّه  عليه السّلام :يا ديصاني هذا حصن مكنون، له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ،وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ،ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة فهي على حالها، لا يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولم يدخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يُدْرَى أللذكر خلقت ام للأنثى، تنغلق عن مثل الطواويس، أترى لها مدبراً ،فأطرق ملياً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً لا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من اللّه على خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه.

وأنت إذا رايت هذا الاستدلال رأيته اقناعيا، وان كان كافياً في معرفة ما شهدت به الفطرة والبداهة، وأنه مقر عموم القدرة على أبلغ وجه لمن تامله، وهذا أكثر أدلتهم  عليهم السّلام .

 

المسألة الثانية: في كونه تعالى عالماً
وهي من أجلّ الصفات، وقد استدل على اثباتها له سبحانه وتعالى بأنها من أعلى صفات الكمال للموجودات، فيجب اتصافه سبحانه بها، والا فإنّ معلوله الممكن اشرف وأتم منه لثبوته له بالضرورة، والمشهور في الاستدلال على ذلك بين المتكلمين والحكماء اشتمال أفعاله على لطائف الصنع وبدائع الترتيب والإحكام التي تحيّر فيها العقول والأفهام ،وبأنه قادر فاعل بالقصد والإختيار، ولا يتصور ذلك بدون العلم بالقصود، وبأنه مجرد عن المادة والمدّة، وكل مجرد عاقل، وبأنه عالم بذاته، لعدم غيبة ذاته عنه.

 والعلم هو حضور الماهية المجردة، واذا علم بذاته علم ما عداه لكونه مبدأً لغيرة، أمّا بواسطة أو بدون واسطة، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول. وبأن كلّ مجرد يمكن أن يعقل لفقد المانع من المادة ولواحقها، وكلّما يمكن أن يعقل  وحده يمكن أن يعقل مع غيره، لعدم المنافاة بين التعقلين، وكون كلّ من المعقولات أمّا  ثابتاً له او مسلوباً عنه، والحكم في القضية يستلزم تعقل الطرفين، فيمكن أن يقارنه سائر المعقولات في العقل، فيمكن أن يقارنه ايضاً لذاته في الخارج بأن يحصل المعقول الآخر فيه، ولامتناع حلوله في الآخر، وحلولهما في ثالث للتجرد حذراً من لزوم الدور، وكون الشيء شرط نفسه لتوقف المقارنة المطلقة حينئذ على المقارنة في العقل، مع أنها موقوفة عليها فيجب لوجوب وجود كلما أمكن الواجب لعدم انتظار حاله له لكفاية ذاته تعالى في صفاته ، وقد ينتظر فيه بما يحتاج الي زيادة تأمل يطول الزمان به مع انا نكتفي في ذلك ببعض هذه الأدلة لأن العلم بأنه عالم قد صار من البديهيات المستغنية عن الاستدلال؛ لأنّ كلّ ما سواه فهو مخلوق له للضرورة، وهذه الأدلة انما ذكرت في مثل هذا المقام للتنبيه دون الاستدلال؛ لأنه عالم بذاته لذاته، ولا معلوم سواه ـ كما استفاضت به الأخبار والآيات القرآنية، وهي مغنية عن الأدلة العقلية ـ ولأن في سلب العلم عنه في مرتبة من المراتب موجب لثبوت النقص له والجهل ـ  نعوذ باللّه من ذلك ـ فعموم القدرة كافٍ في الاثبات.

ففي صحيح أبي بصير قال: سمعت ابا عبداللّه  عليه السّلام  يقول: لم يزل اللّه عزّ وجلّ  ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم .

 وصحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام  قال: سمعته يقول: كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه .

 وصحيح ايوب بن نوح، انه كتب الى أبي الحسن  عليه السّلام  يسأله عن اللّه عزّ وجلّ : أكان يعلم الاشياء قبل أن خلق الأشياء أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها ،فعلم ما خلق عندما خلق، وما كوّن عندما كوّن.

فوقّع بخطه:< لم يزل اللّه تعالى عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء< .

وخبر جعفر بن محمّد بن حمزة، قال: كتبت الى الرجل أسأله: ان مواليك اختلفوا في العلم ،فقال بعضهم: لم يزل اللّه عالماً لأن معنى يعلم (يفعل) فإن أثبتنا العلم ،فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً، فإنّ رايت جعلني اللّه فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه عليه ولا أجوزه، فكتب  عليه السّلام  بخطه: لم يزل اللّه عالماً تبارك وتعالى .

وفي الأخبار ما هو بهذا المعنى كثير جداً ،وهي من الدلالة على المطلوب من دلالة العلم وذاتيته، وإنه لا يتوقف على وجود المعلوم، وإلا كان أزليّاً كذاته تعالى اللّه، فيتعدد القدم في أعلى مراتب الدلالات، وإنما سكتوا  عليهما السّلام  عن دفع شبهة الفلاسفة لانها من أوهن الشبه التي تدفعها الآثار ،فلا يحتاج إلى زيادة التعمق في معنى علمه ، لأن التعمق فيه تعمق في الذات ، وهكذا الكلام في القدرة والبصر والسمع ، فبطل ما زعمه الفلاسفة من أن علمه حضوري لا يمكن إلا بوجود المعلوم في الخارج ، ومن أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها فأما قبل ذلك فإنه لا يعلم إلا الماهية ، وفيه إشارة أيضا إلى ردّ ما زعمه اليهود والفلاسفة ، حيث قالوا : إن اللّه تعالى فرغ من الأمر فعلمه واقع على معلومه أزلاً وأبداً  في طرفي الدهرية ، قالوا : أوعية الوجود ثلاثة : السرمد ، والدهر ، والزمان ، وإثبات البداء للّه تعالى لإبطال ذلك كلّه ـ كما يجيء  في أحاديث البداء ـ ولا يرد علينا ما قيل من قدماء الفلاسفة : أنّه لو عقل شيئا لعقل ذاته ، لأنه يلزم أن يعقل أنه يعقل ذلك الشيء  بالقوة القريبة من العقل ، وهي تتضمن علمه لذاته ، لكن اللازم باطل  لأن العلم عبارة عن إضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم ، أو عن حصول صورة المعلوم في العالم ، فالملزوم مثله .

وبأن العلم ليس عين ذاته ، بل صفة زائدة قائمة به  لازمة له ، فتكون ذاته فاعلاً وقابلاً ، وباستكماله تعالى بغيره لو كان العلم صفة كمال ، واتصافه بالنقص ، لو لم تكن صفة كمال ، لأن علمه بذاته عين ذاته ، يعني أنه غير غائب عن ذاته ، والإضافة إنما تستلزم المغايرة بوجه ما مع انتقاضه بعلم الإنسان نفسه .

ولا نسلم امتناع كون البسيط قابلاً وفاعلاً ـ وما قيل عن فرقة قليلة من القدماء ومعمر من المتكلمين، حيث ذهبوا إلى :أنه تعالى لا يعلم ذاته لأن العلم إضافة تقتضي أمرين لكفاية التغاير الإعتباري ، فذات الباري تعالى باعتبار صلاحيتها للمعلومية في الجملة مغايرة لها باعتبار صلاحيتها للعالمية، ويرد عليهم النقض بعلم الإنسان نفسه.

وقد منع بعض المتأخرين استحالة إضافة الشيء  إلى نفسه ، ولهذا يقال: ذاتي وذاتك.

وربما نقل عن بعض الأعلام إنه قال : ظني إنه لم ينفِ أحد من العقلاء علم الواجب مطلقا ً، بل إنما نفوا العلم التفصيلي قبل ايجاد الأشياء ، ظناً منهم أن هذا هو العلم ـ كما يدل عليه دليلهم الذي استدلوا به ـ والبعض الذي ينفي علمه بذاته إنما ينفي العلم الزائد ـ كما يشعر به الدليل ـ وعندي أن الظن الأول في محلة،كمالا يخفى على من تأمل في دليلهم المنقول.

وربما قيل أيضاً عن فرقة من قدماء الفلاسفة حيث ذهبت: إلى أنه تعالى لا يعلم غيره مع أنه تعالى عالم بذاته لأن العلم صورة مرتسمة في العالم ، ولا شك أن صور الأشياء المختلفة مختلفة ، فيلزم كثرة الصور في ذات الأحدي من كلّ وجه ،و يلزم كون الشيء  الواحد قابلاً وفاعلاً معاً ، لأن علمه بالأشياء بحصولها عنده حصولا حضورياً كعلمنا بذواتنا ، فلا يستدعي صورا مغايرة للمعلومات عنده ، إلا أن القول بحضور المعدومات وأحوالها خصوصا الممتنعات مشكل إذ  لا حقائق لها ثابتة.

ولهذا فركثير منهم عن هذا وزعم أن علمه بالأشياء بحصول صورها في مجرد آخر ، فيكون صفة العلم كصفة الكلام ، وبعد ثبوت أن علمه غير ذاته ، بمعنى أنه يترتب الإنكشاف على نفس ذاته ، وبهذا الإنكشاف تنكشف الأشياء المغايرة لذاته ، لكونه علّة مقتضية للأشياء بواسطة أو بدونها، ولا سبيل لنا إلى معرفة كيفية الحضور ، كما لا سبيل لنا إلى معرفة كنه ذاته ، لأنه إنما يعرف بعد موصوفة كنه الذات ـ كما نطقت به الروايات ـ وهذا غاية ما يقال في هذا المقام الذي زلّت فيه الأقدام ، وحارت فيه عقول العلماء الأعلام ، وبهذا سقط ما نسب إلى هشام بن الحكم ، حيث ذهب إلى أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها لوجوب معلوم الوقوع ، وامتناع معلوم العدم ، فيلزم الجبر ـ لأنا نقول إن أرادوا به وجوب صدوره عن علمه فهو باطل لعلمه بذاته ، وبالمعدوم وأنه تابع للمعلوم ، وإن عنى به أنه واجب المطابقة لعلمه فهو صحيح ، ولا جبر له لأنه عالم بما سيوجده هو ، ولا يكون مجبوراً ، لأن الوجوب وجود لاحق، وهو لا يؤثر في الإمكان السابق.

وكذا سقط ما ذهب إليه طائفة من أنه لا يعلم مالا يتناهي لعدم تميزه ، وفيه منع انحصار التمييز في المتناهي ـ ولا نسلم لزوم تناهي غير المتناهي ، لأن علمه لا يتناهي ، ومن هنا جاء في الأخبار النهي عن أن يقال : < منتهى علمه > ، وإنما يُقال : < منتهى رضاه <.

ففي حسنة الكاهلي  بل صحيحته قال : كتبت إلى أبي الحسن  عليه السّلام  في دعاء : < الحمد للّه منتهي علمه > فكتب  عليه السّلام  إليّ : لا تقل منتهي علمه ، فليس لعلمه منتهي ، ولكن قل : منتهى رضاه .

وما قيل عن جماعة من الفلاسفة حيث ذهبت: إلى أنه تعالى لا يعلم الجزئيات المتشكلة ، لأن إدراكها إنما يكون بآلات جسمانية ولا المتغيرة ، وإلا لزم الجهل، وزوال العلم الأول الموجب للتغير في ذاته تعالى ، لأن علمه ليس من حصول الصورة ـ كما سمعت ـ حتى يلزم المقدارللمنطبع فيه ، بل هو الحاضر بالذّات أو حضوره فلا صور هناك ، وكذلك يدفع الثاني لأن العلم إن كان حضورياً غير زائد على الذات لم يزل علمه بطريان آخر ، وتغاير المعلومين بالذات لا يستدعي تغاير العلم إلا بالإعتبار، وإن كان أحد الأخيرين لم يحصل تغير في صفة موجودة ، بل في مفهوم اعتباري وإضافات ، لكن في كون العلم أحدهما كلام مشهور ليس هذا موضعه.

وبالجملة فما ذكرنا من تحقيق معنى العلم المنسوب لذاته تعالى ينفي هذه الشبهات والترّهات التي زخرفوها ، وأوردوا بها موارد الغواة حتى نسبوه تعالى إلى عدم العلم الكثير من الجزئيات ، نعوذ باللّه من سلوك هذه المسالك الموقعة له في المهالك إن لم يتفضل اللّه المالك بإنقاذه من ذلك.


المسألة الثالثة : في أنّه تعالى مريد

 لتخصيصه بعض الممكنات بالإيجاد دون بعض، والإيجاد بوقت دون آخر ، وأمره ونهيه ، وكلّها شواهد صدق على ثبوت الإرادة له تعالى لعدم صلاحية غيرها من الصفات للتخصيص ، لأن العلم المطلق تابع غير مقيد للعليّة ، والقدرة نسبتها إلى المقدورات والأوقات على السواء ، وأيضا شأنها التأثير وعدم صلاحية الباقي ظاهر .

واحتجاج النافي لها بأن القاصد إلى إيجاد شيء  يكون مستكملاً به ، وإلا لم يتوجّه ،يجاب عنه : بأن الغاية كون الشيء  حسنا في نفسه ، وإن الإستكمال راجع إلى العبد ، والمثبتون لها قد اختلفوا في معناها وحقيقتها.

فالمعتزلة وابن نوبخت من علمائنا :هي علمه بما في الشيء  من المصلحة ، أوكونه غير مغلوب ولا مكره كما عليه النجار ،أو علمه بفعل نفسه ، وأمره بفعل غيره   كما عليه الكعبي ، أو صفة زائدة مغايرة للقدرة والعلم قديمة مرجحة كما عليه الأشاعرة، أو حادثة قائمة بذاته تعالى كما عليه الكرامية ، أولا في محل كما عليه أبو علي بن سينا وابنه.

وعن المرتضى هي اختلاف النقل ، والأقوال أصحها عنده الأول لأن السلبي لازمها لانفسها ، وكذلك الأمر والعلم المطلق أن أراد غير صالح للعلية والتخصيص ونسبة الذات إلى هذه الصفة كسائر الصفات ونسبة تعلق الصفة بأحد الضدين كالتعلق بالاخر،فلابدّ في الإتصاف بها دون غيرها،وفي أحد المتعلقين دون الآخر إلى مرجّح.

ويتسلسل كما أشار إليه في التجريد بقوله : وليست زائدة على الداعي، وإلا لزم التسلسل ، أو تعدد القدماء.

وقال الحكماء : إرادته تعالى هي نفس علمه بوجه النظام الأكمل ، ويسمونه عناية.

والأخبار المعصومية لا تساعد على شيء  من هذه المعاني ، بل ظاهر كثير منها أنها صفة فعليه حادثة هي نفس الإنشاء ، وفي العبد هي نفس القصد إلى الإنشاء.

ففي صحيح صفوان بن يحيى، قال : قلت لأبي الحسن الرضا  عليه السّلام  : أخبرني عن الإرادة من اللّه تعالى؟ فقال  عليه السّلام  : الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل ، وأما من اللّه تعالى فإرادته إحداثه ، لا يتروى ولا يهم ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق ،فإراده اللّه هي الفعل لا غير ذلك  يقول له : كن فيكون ، بلا لفظ ، ولا نطق بلسان ولا هم ، ولا تفكر ، ولا كيف ، كما أنه لا كيف له.

وفي صحيح عاصم بن حميد عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال : قلت له لم يزل  اللّه عالما قادراً ثم أراد .

وفي خبر بكير بن أعين قال : قلت لأبي عبداللّه  عليه السّلام :علم اللّه ومشيئته مختلفتان أو متفقتان ؟فقال  عليه السّلام  : العلم ليس هو المشيئة ،أفترى إنك تقول >سأفعل كذا إن شاء اللّه <ولا تقول :>إن علِم اللّه< فقولك:>إن شاء اللّه< دليل على أنه لم يشأ ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم اللّه السابق المشيئة.

وفي صحيح عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه ، قال : خلق اللّه المشيئة بنفسها ، وخلق الأشياء بالمشيئة .

وفي صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال المشيئة محدثة .

فهذه الأخبار ساطعة المنار قد دلت على إن المشيئة والإرادة ليست من الصفات الذاتية ، بل من الصفات الفعلية الحادثة ، وفيها الرد على أهل تلك الأقوال ، إلا أن يقال :  أن لها معنيين أحدهما ذاتي والاخر فعلي ، وسيجئ ما يدل على هذا الجمع من الأخبار ـ والمراد بالمشيئة المخلوقة هي مشيئة العبد التي تكون أفعاله عنها ، ويحتمل إرادة مشيئته تعالى ، لكن ينقدح إشكال قوي لا مفرعنه إلا بما قررته تلك الأقوال ، وسيأتي في جملة من الأخبار إن للّه في الأشياء كلّها علماً  ومشيئةً  وإرادة ً وقضاءًآ  وإمضاءًآ، وأنها لا تكون إلا بهذا الأشياء كلّها وذلك يوجب غموض معنى الإرادة لقوله في تلك الأخبار : لا يكون شيء  في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل فمن زعم إنه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر.

وفي خبر آخر منها قال : لا يكون شيء  في السموات ولا في الأرض إلا بسبع بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن ، فمن زعم غير هذا فقد كذّب على اللّه أو رد ّعلى اللّه.

وفي خبر آخر منها : لا يكون شيء إلا ماشاء اللّه وأراد وقدّر وقضى، قلت : ما معنى شاء؟ قال : ابتداء الفعل، قلت: مامعنى قدّر؟ قال : تقدير الشيء من عرضه وطوله ، قلت : ما معنى قضى ؟ قال: إذا قضى أمضى.

وفي الحديث القدسي:> ابن ادم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، بقولي أدّيت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً وبصيراً قوياً، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما اصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك إني بحسناتك أولى منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذلك إني لا أسأل عمّا افعل وهم يسألون<.

فهذه الأخبار تنادي بتعدد معنى المشيئة والإرادة، وأن بعضها إرادة  حتم وبعضها إرادة عزم كما في حديث الفتح بن يزيد الجرجاني وفيه>إن للّه تعالي إرادتين، ومشيئتين، إرادة حتم، وإرادة عزم< وبهذا دُفِعَ شبهتان للمعتزلة.

الأولى:إنه لو أراد اللّه عصيان العاصي لكان تكليفه بالطاعة تكليفاً بغير المقدور، والثانية:إن إرادة العصيان قبيحة لا تصدر عن اللّه تعالى ، وتقدير الدفع  أن للّه تعالي إرادتين:

إحداهما: إرادة حتم لا تقع معها للعبد قدرة واختيار، بل يصير محتوماً، كإرادة فرض العبد وصحته .

وثانيهما: إرادة عزم، أي يبقى للعبد معها اختيار وعزم، وإرادة اللّه لعصيان العاصي إرادة عزم، لا إرادة حتم؛ لاستحالة تعلقها مع بقاء التكليف، فلايلزم تكليف ما لا يطاق، وبهذا  تنحلّ شبه كثيرةٌ  أوردها أهل الإعتزال وأهل الجبر، فكن على تأمل في معاني المشيئة؛ لتكون على بصيرة من العقائد المنجية لك من شرك الشيطان، والمدخلة لك في الجبر والعصيان.

 

المسألة الرابعة: في أنه تعالي حيّ
 وقد اتفق المليّون والعقلاء على ثبوت هذه الصفة له، وليست بمعنى حياة الحادث لتنزهه عن ذلك، وقد اختلفوا في معناها بالنسبة إليه.

فالحكماء وأبو الحصين ذهبوا أن حياته عبارة عن كونه بحيث اتصافه بالعلم والقدرة، وذهب الأشاعرة وبعض المعتزلة: إلى أنّها صفة تقتضي القدرة والعلم.

وعن بهنيار: أن الحي هو الدرّاك الفعّال، واستدلوا على إثباتها بأنه تعالى قادر عالم حي بالضرورة، فحيث قد ثبتت قدرته وعلمه ثبت أنه حي بالضرورة.

ونقل عن الرازي إنه قال: الحياة قد توصف بها النباتات، وقد يوصف بها الإنسان والحيوانات، والجهة التي وصف بها كلّ منها هو كونه حياً على الوجه الذي يترتب عليه الكمالات التي من شأنه.

فالحياة في حقه تعالى عبارة عن كونه على الوجه الأرفع الأتم الذي يليق بجلالة ذاته، وكمال صفاته.

ولهذا جاء في بعض الأخبار ـ كما في كتاب التوحيد عن الصادق  عليه السّلام  إنه حي لا بحياة، فتكون مجرى الحياة مجرى الصفات الذاتية.

والغرض من هذا نفي الحياة الزائدة، وإلا لكان بدونها مسلوب الحياة، ويلزم الإفتقار  ـ كما قلناه ـ في العلم والقدرة، ولا يجب البحث عن حقيقة الحياة  فيه لعدم الوصول إلى ذلك وإنما يعتقد المكلف أن ذاته حياة، فيترتب على تلك الذات ما يترتب على صفة الحياة.

فيجب حمل ما في القرآن والأخبار من وصفه بهذه الصفة على ما قرر في غيرها من الصفات الذاتية.

وربما قيل في معناها: إنه واهب الحياة ـ كما جاء في العالم إنه واهب العلم وفي القادر إنه واهب القدرة لغيره ـ فعن الباقر  عليه السّلام  إنه قال: هل سمّي الواجب إلا لأنه وهب العلم للعلماء، والقدرة للقادرين، وكل ما ميزتموه بأوهامكم في ادق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ،والباري واهب الحياة ومقدر الموت، ولعل النمل الصغار تتوهّم أن للّه زبانيتين، فإن ذلك كمالها، وتتوهّم أن عدمهما نقص لمن لا يتصف بهما، ولا يكونان له هكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به، وإلى اللّه المفزع.

قال الفاضل الدواني بعد أن نقل هذا الكلام عن إمام الأنام: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر عن مصدر التحقيق، ومورد التدقيق. والسرّفي ذلك إن التكليف إنما يتوقف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع والطاقة، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها، وشاهدوها فيهم مع سلب النقائض الناشئة عن انتسابها إليهم.

ولمّا كان الإنسان واجباً لغيره، عالماً قادراً مريداً حيّاً متكلماً سميعاً بصيراً كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائض الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد بأنه واجب لذاته لا لغيره عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، مريد لجميع الكائنات وهكذا في سائر الصفات، ولم يكلف باعتقاد وصف فيه تعالى، لا يوجد مثاله ومناسبة، ولو كلفوا به أمكن تعقله بالحقيقة، وهذا أحد معاني من عرف نفسه فقد عرف ربه، مع أنه تعالى قال:< وما قدّروا اللّه حقّ قدره> ... انتهى.

 وبه يعلم أن كلام الإمام  عليه السّلام  المراد منه أن تخصيصات الإصحاب  ـ رضوان اللّه عليهم ـ  بعض الصفات بالنفي والإثبات محض اصطلاح، راجع إلى اعتبار الصفات التي تنبيء الشريعة عن التنبيه على خصوصياتها، وإن لم يتعلق غرض بما سواها فتورد، وإلا فهو سبحانه يُوْصَف بالإعتبارات اللائقة بجلاله وكماله، كالحق والقيّوم والجواد ...  ونحوها وكلها داخلة على سبيل الإجمال في وجوب الوجود، أوهما في إعتبار القدرة والعلم؛ لترتّب الباقي عليهما ـ كما يظهر لمن له المعرفة التامة ـ.

 

المسألة الخامسة: في أنه تعالى سميع بصير
وعلى اثبات هاتين الصورتين له انعقد اجماع المسلمين إلا من شذ، وكذلك الأدلة السمعية القطعية دالان على كونه تعالى سميعاً بصيراً فيجب الإذعان والتصديق بهما.

ولما استحال عليه الآلة وجب التأويل، فالسمع بالنسبة إليه العلم بالمسموعات، والإبصار العلم بالمبصرات، فيهما نوعان من العلم لعمومه وعدم صحة غيره من الصفات، من القدرة والحياة وغيرهما للمرجعية.

وذهب السيد المرتضى <عطر اللّه مرقده> إلى أن السميع البصير من كان على صفة بكونها مختصة به صح أن يبصر المبصر، ويسمع المسموع إذا وجد السامع المبصر هو المدرك للمسموع والمُبْصَر.

ففي الأزل هو تعالى سميع لاسامع، بصير لا مبصر، إذ ليس في الأزل موجود سواه فيدرك فينتفي إلادراك، مع أنه تعالى في الأزل على تلك الصفات، محتجاً بأن الإدراك زائد على العلم في المشاهد ضرورة التفرقة بين حالتي فتح العين وتغميضها، مع وجود العلم في الحالتين وعدم وجود استنادها إلى تأثير الحاسة لاستحالة الإنطباع، وإلا لا نطبع العظيم في الصغير ففي الغائب كذلك لأن المصحح للادراك هو كون الواحد منا حياً لاحاجة به.

وذهب جمهور الاشاعرة والمعتزلة والكرامية إلى :أنهما صفتان قديمتان زائدتان على العلم ،محتجين بأنه تعالى حي، والحي يصح اتصافه بها، وكلّ من يصح اتصافه بصفة لو لم يتصف بها لا تصف بضدها، وضدها نقص، وهو عليه تعالى محال.

والحق الأول، لما ثبت من عموم علمه ـ كما ذهب إليه ابو الحسن الاشعري والغزالي والكعبي وابن نوبخت والمحقق، وهو مذهب الحكماء قاطبة ،وقد تقدم في الأخبار ما يدلّ على ذلك، وأن مجرى السمع والبصر بالنسبة إلى ذاته مجرى العلم والقدرة لقوله  عليه السّلام : لم يزل اللّه عزّ وجلّ  ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا  مبصور، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور.

والمراد بوقوع العلم على المعلوم تجدد نسبته  بين  العلم والمعلوم لولا تحققها لم يكن العلم علماً به، وقد يعبر عن هذا الوقوع بالعلم ،وقس على هذا وقوع البصر والسمع.

ويمكن أن يراد بالوقوع تجدد وقوع متعلقه في الخارج على حسب ما تعلق به، وكان هذا إشارة إلى تفسير آيات ودفع إشكالات عنها، مثل قوله تعالى:< لنعلم أي الحزبين أحصى< وقوله: <ولما يعلم اللّه< <فعلم ما في قلوبهم<، < ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم< .. وهكذا في كثير من الآيات، فكان العلم إليه تعالي له معنيان.

أحدهما من صفات الذات، والآخر: من صفات الفعل، وهو وقوع العلم بالمعنى الأول على المعلوم، وفيه إشارة أيضاً إلى رد ما زعمه الفلاسفة من أن علمه تعالى حضورى لا يمكن إلا بوجود المعلوم في الخارج ... وهكذا في السميع والبصير وقد تقدم أيضاً تقريره.

وربما توهم من توهم أن العلم والسمع والبصر إذا كانت ذاتية أزلية، ووقوعه على المعلوم حادثاً، وكذا على المسموع والمبصر ،كأنّ اللّه منتقلاً من علم إلى آخر، وهو مبنيّ على أن العلم بأن الشيء سيوجد غير العلم بوجوده حين يوجد، فيزول الأول بالثاني، وذلك لتغاير المعلومين، فيلزم أن يكون اللّه تعالى منتقلاً أزلاً وأبداً من علم إلى آخر ... وقس على ذلك الإنتقال من سمع إلى سمع، ومن بصر إلى بصر، ومن قدرة إلى قدرة.

وحاصل الجواب عن ذلك من هذه الأدلة: أن العلم بأن الشيء سيقع عين العلم بوقوعه حين يقع، وكذا السمع والبصر والقدرة.

والدليل عليه بأن زوال علم لا يمكن إلا بالجهل بما علمه بذلك العلم واللّه تعالى عن ذلك ... وكذا زوال سمع وبصر وقدرة إنما يكون بصمم أو عمى وعجز تقابلها.

وأما الإنتقال في حصص العلم ـ مثلاً ـ المختلفة باختلاف أمر خارج عن العلم والمعلوم، كالأزمنة الغير المتناهية فهذا غير متنازع فيه.

وحيث إن العلم والسمع والقدرة مرجعها إلى ذاته تعالى لم يكن الإختلاف بينها إلا بالإعتبار والمتعلَّق.

والوجه في تخصيص السمع والبصر من بين سائر الصفات البدنية الدّالة على الكمال كالشام واللامس بالنسبة إلى المشموم والملموس وورودهما في الشرع دون غيرهما، أنه لمّا كان السمع والبصر ألطف الحواس، وأشدّها مناسبةً للعقل عبّربهما عن العلم بالمسموعات والمبصرات، فلأجل ذلك وصفوا الباري بهما دون الشام والذائق واللامس، وعنوا  بهما ماعلمت  من العالم بالمسموعات والمبصرات؛ لتعذر المعنى الحقيقي فيهما.

وما قدره المرتضى من الإستدلال فيما مضى غير ملتفت إليه، بل هو ضعيف جداً للإنتفاء الحسّي، فلا يقاس على الحاس، فلا يتم الإلحاق مع، أن الدليل الذي أقامه إنما يتم على زيادة الإدراك البصري فقط وعدم القول بالفرق ليس قولاً بعدمه، ومخالفة حياته لحياتنا، فلا يلزم مشاركتهما في جميع الأحكام، ولو سلّمت  المشاركة في  الحياة جاز أن تكون حقيقته تعالى مانعة منهما، كالشهوة والنفرة مع أن الحياة مصححة لهما فينا.

وبهذا تبطل حجية الأشعرية ايضاً ،مع خلو المحل من الضدين،كالهواء الخالي عن الألوان والطعوم.

وأما احتجاج النافي لهما بأن إثبات السمع والبصر في الأزل ولامسموع، ولا مبصر، خروج عن المعقول، وبأنهما أثر الحاسيّة عن المسموع والمبصر أو إدراكهما مشروط بتأثير الحاسة عنهما، كسائر الإحساسات، وإنه في حقه محال فمنقوض بالقدرة والعلم مع منع انهما تاثراً، أو أنهما مشروطان به، وإن قارناه فينا أو أنهما في الغائب كذلك لو سلم في الشاهد لأن صفاته تعالى مخالفة بالحقيقة لصفاتنا، ومعارض بالأدلة السمعيّة القطعيّة الدالةعلى أنه سميع بصير، وإن سمعه، وبصره بذاته عين ذاته.

 

المسألة السادسة: في أنّه تعالى مُتَكَلِّم
وقد تواترت الأدلة السمعية من الكتاب والسنة، وإجماع الأنبياء واتفاقهم على إنه متكلم، وهم صادقون بالمعاجز الموافقة لدعواهم، ولا يتوقف صدقهم على إخباره تعالى به ليلزم الدور.

واستدل العلامة رحمه اللّه بقوله تعالى: <وكلّم اللّه موسى تكليماً> للدور، لأنه إثبات لمطلق الكلام له تعالى بإثبات نوع منه لا من حيث أنه مستند إليه تعالى، بل أنه من حيث إخبار الرسول به.

وصدقه لا يتوقف على إثباته، وأنت تعلم إن مجرد إخبار النبي لا كافٍ في إخباره من غير حاجة إلى توسط الآية.

وحيث اتفق المسلمون عليه مع خفائه، اختلفوا في معناه وقدمه وحدوثه:

فالإمامية والحنابلة والمعتزلة والكرامية على أنه حروف، وأصوات مركبة تركيباً مفهماً إلا أن الإمامية والمعتزلة على أن تلك الحروف والأصوات حادثة بغيره. وإن معنى كونه تعالى متكلماً ،أنه اوجد حروفاً وأصواتاً دالة على معانٍ مخصوصة في أجسام.

والكرامية على أنها حادثة قائمة بذاته تعالى، لتجويزهم قيام الحوادث به، والحنابلة على أنها قديمة كذاته، قائمة بذاته، حتى نقل عن بعضهم إنه قال جهلاً: إن الجلد والغلاف قديمان.

والأشاعرة على أنه معنى مقابل للفظ قديم قائم بذاته تعالى، زعماً منهم أنه الأليق بكمال التوحيد، واكثرهم على أنه فى الأزل صفة واحدة تتكرر إلى الأمر والنهي والخبر بإختلاف التعلقات كسائر الصفات ، وتلك الأقسام أنواع إعتباريّة حصل بسبب التعلّقات الأزلية.

وذهب الرازي إلى أنه في الأزل خبر ومرجع الكل إليه ،لأن حاصل الأمر إخبار عن استحقاق الثواب على الفعل، والعقاب على الترك والنهي بالعكس، وحاصل الإستخبار الخبر عن طلب الإعلام، وحاصل النداء الإخبار عن طلب الإجابة، والمنقول عن أبي سعيد منهم القول بموافقة الأولين، إلا أنه جعل التعلقات حادثة، وسبب هذا الاختلاف عندهم وقوع التعارض بين قياسين متدافعين.

أحدهما: إن كلامه تعالى صفة له، وكل ماهو صفة له فهو قديم فكلامه قديم.

والآخر: إن كلامه مؤلف من أجزاء مترتبة، متعاقبة في الوجود وكل ما هو كذلك فهو حادث فكلامه تعالى حادث.

فالمعتزلة: منعوا صغرى الأوّل، استناداً إلى أن الأصوات المترتبة متعاقبة في الوجود.

والكرامية منعوا  كبراه، والحنابلة منعوا كبرى الثاني، والأشاعرة: منعوا صغراه، بمعنى انه ليس كلّ كلامه تعالى من جنس الحروف والأصوات، إذ لا نزاع على ما قيل في إطلاق إسم القرآن وكلام اللّه  على المؤلف الحادث الذي ترجع إليه الخواص التي هي من صفات الحروف من التأليف والإنزال، وكونه عربياً مسموعاً فصيحاً معجزاً إلى غير ذلك، وإطلاق هذين اللفظين عليه ليس بمجرد ذاته على كلامه القديم، فالحق ما ذهبت إليه المعتزلة والإمامية،ونحن نمنع صغرى الأول لدلالة السمع، وانعقاد الإجماع على أن القرآن المتنازع فيه في أنه المعنى القديم، أو المؤلف اللفظي ثابت، ولا شك أنه موصوف بكونه ذكراً عربيّاً مُنزّلاً مقروءاً مسموعاً مكتوباً مفصلاً قابلاً للنسخ، وكل ماهو موصوف بهذه الصفات لفظ، فالقرآن المتنازع فيه لفظ، ولم يثبت بنص شرعي، ولا برهان عقلي، أن للّه تعالى صفةً زائدةً أزليّةً تسمى بالكلام في لسان أهل الشرع، حتى يثبت له كلامان قديم وحادث.

فالقول بكلام آخر قديم، قول من غير دليل، والإقتصار على المقروء ترك لما يريب إلى مالايريب، وامتناع قِدَم المؤلَّف أو حدوثه، وقيامه بالواجب القديم، واحتجاج الأشاعرة على اثبات المعنى النفسي المقابل للفظي بأن كلّ من يأمر وينهى ويخبر يجد من نفسه معنى، ثم يدل عليه بالعبارة أو الكتابة، أو الإشارة وهو غير العلم، إذ قد يخبر الإنسان عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه، وغير الإرادة، لانه قد يأمر بما لا يريد، فذلك المعنى نحن نسميه كلاماً كما وقع في كلام البلغاء كقول الأخطل:

إن الكـلام لفي الفــؤاد وإنمـا          جعل اللسان على الفؤاد  دليلاً

وقول الآخر:<زورت في نفسي كلاماً> وعلى أنه صفة له قائمة به لأنه حيّ يصح إتصافه به، فيتصف به، ويقوم هو به تعالى، وإلا اتصف بضده، وقام الضد به، والضد نقص؛ ولأن الإشتقاق لا يقوم بغير من يثبت له المشتق، وعلى أنه قديم، لامتناع قيام الحوادث به تعالى، وعلى أنه واحد، لأنه الأليق بكمال التوحيد، والتعدد اعتباري، أو أنه الخبر فهو  واحد  والجميع راجع إليه ،مدفوع بأنّ ما صوروه أولاً إنما يدل على مغايرة الكلام للعلم المطابق لا للعلم المطلق، إذ كلّ عاقل تصدى للاخبار، لابد أن يحصل في ذهنه صورة ما أخبر به بالضرورة، والإنسان كما لا يريد الفعل لا يطلبه، نعم يأتي بصفته الموضوعة له.

ومراد الأخطل وعمرو تصوّر الكلام، وإلاسمي الأخرس متكلّماً، لوجود المعنى في نفسه، مع أن فيه قياس الغائب على الشاهد وهو غير مقيد، وليس الضد هاهنا نقصاً، بل الأولى أن يكون النقص في الكلام بذلك المعنى.

وإن المتكلم، من قام به التكلّم لا الكلام، وقيام الأول لايستلزم قيام الثاني ـ كما ظن ـ لأنه يجوز أن يراد بالتكلّم إيجاد الحروف والأصوات الدالة على المعاني وخلقها، فلا يلزم اتصافه تعالى بالأعراض المخلوقه له، وقيامها به.

والأليقيّة التي ذكروها غير لائقة التعليل مع قولهم بتعدد الصفات، وإنه لا يقدح في كمال التوحيد أصلاً لعدم الفرق بين تعددها، وبين تعدد كلّ منها، بل كمال التوحيد، هو نفي الصفات الزائدة عنه ـ كما تضمنته الأخبار المعتبرة ـ فإن من وصفه بها فقد حدّه، ومن حدّه فقد ثناه، وكونه واحداً في الأزل خبراً أو غيره، والتعدد حصل بسبب التعلقات الحادثة. كيف يجامع كلامهم قولهم: إن الأزلي مدلول اللفظ ،وأزلية التعلّقات ـ كما هو مختار جمهورهم ـ يقتضي أزليّة الأنواع، وهو عندهم غير لائق بكمال التوحيد، وما الباعث لهم لارتكاب هذه التكلّفات والاجماع عليه من غير دليل، إلا موافقة شيخهم الاشعري حيث ادعى هذه الدعوى ،فقال: إن كلامه تعالى عبارة عن المعنى النفسي،وأنه واحد قديم يتعدد بحسب التعلّق فسوّل له الشيطان وغوى، ولم يكن كلامه معروف المعنى والمغزى، فاضطربت آراؤهم في بيان مراده، فأكثرهم على أن مراده بالمعنى النفسي مدلول اللفظ وهو القديم عنده ،وأما العبارات فإطلاق الكلام عليها مجاز، لدالتها على ما هو كلام حقيقة ،حتى أنّ  عندهم ان اللفظ حادث على مذهبه ،وانها ليست كلامه حقيقة واتخذوا ذلك مذهباً لهم.

والعضدي في مواقفه: زعم أن مراده به اللفظ والمعنى معاً ،فيكون الكلام النفسي عنده شاملاً لهما قائماً بذات اللّه تعالى ،وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة.

 ثم قال:وما يقال من أن الحروف والألفاظ  مترتبة متعاقبة، فجوابه :إن ذلك المرتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم ملاحظة الآلة، فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث تحمل على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعاً بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخروا أصحابنا إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته؛انتهى كلامه.

فكأنّه حمل المعنى على مايقابل المعيّن ،والمراد به مالايقوم بذاته كسائر الصفات عندهم.

وذهب الدواني: إلى أن كلامه تعالى كلمات رتّبها في علمه الأزلي بصفته الأزلية التي هي التكلّم القائم بذاته، والتعاقب بينها إنما هو في الوجود الخارجي والمخاطب به مقدّر  إذ لا مخاطب موجود في الأزل، فيكون المعنى والحضور والاستقبال بالنسبة إلى الزمان المقدر للمخاطب المقدر، ولا اشكال في ورود بعضها بصيغة الماضي وبعضها بصيغة الحال، وبعضها بصيغة الإستقبال ، وزعم أنه تحقيق و تنقيح لمذهب الاشعري بعد  أن مهّد مقدمة هي: أن صفة التكلّم فينا عبارة عن قوّة تأليف الكلام ، و كلامنا عبارة عن الكلمات المؤلفة في الخيال ،و كلّ هذه الأراء و المذاهب عند من أنصف غير منطبقة على صفاته تعالى، مع أنه يلزم منها ما لايلتزمه الاشعري و لاغيره .

أما الاول : فللزوم عدم كفر من أنكر كلامه ما بين الدفتين مع انه قد عُلِم من الدين ضرورة أنه كلام اللّه حقيقة، و قد صرح القوشجي و التفتا زاني: بأنه لانزاع في إطلاق اسم القرآن و كلام اللّه بطريق الإشتراك على هذا المؤلف الحادث ، و هذه الدعوى مع صحتها لاتغني من الحق شيئاً كما عرفت.

و أما الثاني : فلأن القول بقدم اللفظ دون الترتيب و إن الترتيب  انما هو في التلفظ دون اللفظ امر لايدركه العقل و خارج عن طوره مؤد ٍ إلى أن لا فرق على هذا التقدير بين مايقوم به بالقارئ من الألفاظ و بين ما يقوم بذاته إلا بإجتماع الأجزاء  و عدم اجتماعهما بسبب تصوّر الآلة ،و هو ان أوجب اختلافاً في الحقيقة لم يكن القائم به تعالى من جنس الألفاظ و إن لم يوجب كان بعض صفاته تعالى الحقيقية مجانساً لصفات المخلوقين .

وأمّا الثالث : فلأن قوّة التأليف هي القدرة و مارتّب في الخيال هو العلم، فقوله كلامه تعالى هو الكلمات التي ... الى آخره .

إن اراد به ان كلام اللّه هي الكلمات المذكورة التي هي علمه تعالى و مبدأ تأليفها هو الصفة الازلية التي هي القدرة لم ينفعه لقوله: <لأن كلامه ليس علماً و لاقدرة> و إن اراد غير ذلك فغير مُسلَّم .

و بالجملة هذه هي الكلمات الدائرة على  ألسنة أقلامهم ،و هي الشاهد بزلّة اقدامهم ،و نحن في غنىً عن نقلها، لكنا أردنا الذب عن بعض الافهام حذراً  من ان يلج في ضلالتهم ،و يتبوأ لمقامهم فأردفناه بالنقض و الالزام ،و هدّمنا مابنوه لتتكشّف حقيقة الكلام .

و من اعجب العجاب ما وقع للغزالي حيث لم يكتف بذلك القول حتى جوّز سماعه، فقال في وجه اختصاص موسى  عليه السّلام  بأنه كليم اللّه: بأنه سمع كلامه الازلي بلا صوت ولا حروف كما ترى في الآخرة ذاته بلاكمّ ولا كيف.

وفي كلام سيد الموحّدين مايبين ذلك كمال التبيين فقال في بعض خطبه: الذي كلّم موسى تكليماً، وأراه من آياته عظيماً بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات، وقد قال قبل هذه الفقرات: لسنا نعلم كنه عظمتك إلا إنّا نعلم انك حيّ قيّوم، لا تأخذك سنة ولا نوم ،لم ينته إليك ولم يدركك بصر، ولا تُدرك بوهم، ولا تُقدّر بفهم، ولا يشغلك سائل، ولم ينقصك نائل، ولا تحد بأين ولا تُوصف بالازواج، ولم تُخلق بعلاج.

فظهر من هذه الكلمات ان كلّ ما يخطر ببالنا أو ندركه بأفهامنا من معنى ذاته المقدسة منزّهة عنه وبريئة منه، نعم إنه خاطبنا تعالى بمقدار مبلغ عقولنا، وما ألفناه من كلامنا لعجزنا عمّا فوقه، وهذا كما أنا نخاطب البهائم العاجزة عن مداركنا القاصرة عن فهم كلامنا إذا أردنا أمرها وزجرها ودعائها باسماء الأصوات، وهكذا سبيل الأنبياء وأوصيائهم، يكلّمون الناس على قدر عقولهم.

وفي الاحتجاج صفوان بن يحيى قال :سأل أبوقرة المحدّث الرضا  عليه السّلام ، فقال له: أخبرني  ـ جعلني اللّه فداك ـ  عن كلام اللّه لموسى  عليه السّلام   فقال: اللّه أعلم بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية، فأخذ  أبو قرّة يتكلّم بلسانه، فقال: إنما اسألك بهذا اللسان، فقال  عليه السّلام : سبحان اللّه مما تقول ومعاذ اللّه أن يشبه خلقه أو يتكلّم بمثل ما هم متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء،ولا كمثله قائل ،قال: كيف ذلك؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق فلا يلفظ بشق فم ولا لسان، ولكن يقول له كن فكان بمشيئته ما خاطب به موسى  عليه السّلام  من الامر والنهي ومن غير تردد في نفسه.

وأمّا الأخبار الدالة على أن القرآن ليس بمخلوق فالمراد منه التورية  والمعنى البعيد للإيهام على العامة ،فمعناه انه ليس بمبتدع ولامزوّر، وانما هو كلام اللّه المنزّل للأعجاز، أو أنه لا يخلق ذكره على ممر السنين والاعوام بل هو متجدد ومستمر الحجيّة في جميع الأوقات والأيام ،وبقيت هنا صفات ثبوتية بعضها ثابتة له فيما سبق على جهة الإشارة دون التصريح لملازمتها العلم ،وبعضها لم يشر إليه والجميع ذاتي.

فمنها: انه المُدْرِك ،وقد عُرِّف الإدراك في حقنا بما لايصلح  عليه ،وهو اطلاع الحيوان على الامور الخارجة عنه بواسطة الحواس الظاهرة ،وهو في صفة ليس كذلك لتنزّهه عن الحواس ،فيكون المراد  منه العلم بالمدركات، ولولاه لما وصف نفسه به في الشرع ولا امتنع عليه، وحيث قد ثبت فيما سبق عموم علمه بجميع المعلومات والمدركات من جملتها ،فيكون عالماً بها ومدركاً ،لأن الادراك في حقّه هو العلم ،ولأنه حيّ وكل حي يصح أن يدرك ،وإذا صح أن يدرك وجب أن يدرك ،وقد دلّ عليه قوله تعالى: <لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار> وإذا عاد إلى العلم ولو على جهة اللزوم والتجوّز حيث أنه سبب للعلم تفرّع على هذه الصفة ماقدمناه من كونه سميعاً بصيرا، فلا نحتاج إلى إطالة الكلام على ذلك بعد إرجاعها إلى هذا المعنى.

ومنها: أنه قديم أزلي باق أبدي فالقديم هو الذي لم يسبقه عدم، والأزلي هو الذي لا أول له والباقي هو المستمر الوجود ،والأبدي هو الذي لا نهاية لوجوده، وثبوت هذه الصفات الأربع بعد ثبوت وجوب وجوده ظاهر لأن وجوب وجوده الثابت له يقتضي امتناع العدم عليه أزلاً وأبداً لأنه لو لم يكن قديماً أزلياً لصح عليه العدم في الماضي، ولو لم يكن باقياً أبداً لصح عليه العدم في المستقبل فلا يكون واجباً.

وقد جاء في بعض الاخبار المنسوبة اليهم  عليهم السّلام  وفي الادعية كذلك ما يدلّ على ثبوت هذه الصفات ،وانها من صفات الوجود لا صفات مستقلة كما تفصح عنها الأدلة.

واعتبر الشيخ مقداد السيوري في تعريف القديم الأزلي أنه المصاحب لمجموع الازمنة المحققة بعد خلقها والمقدرة قبل خلقها بالنسبة إلى الجانب الماضي والباقي والأبدي بأنّه المستمر المصاحب لمجموع الازمنة المحققة والمقدّرة بالنسبة إلى المستقبل، وأراد بالمحقق ما كان جزءاً من العالم داخلاً فيه وبالمقدّر ما ليس كذلك، والسرفي إعتبار ذلك دفع سؤال أورده الحكماء وقرروه بأن قالوا: تقدّم الباري تعالى على العالم بزمانٍ متناهٍ أم  غير متناهٍ.

فبالأول: يلزم حدوثه تعالى لأن المتقدّم على الحادث بزمان متناهٍ يكون متناهياً فيثبت له الحدوث.

ومن الثاني: لزوم أن لا يوجد العالم أصلاً لتوقف وجوده على انقضاء ما لا يتناهى، وإنقضاء ما لا يتناهى محال ،وهذا خلف لأنه قد وُجِد بالفعل فيكون العالم قديماً ،وإنما صار ما اعتبره جواباً لأن هذا الترديد في تقدّم الواجب على العالم إنما يكون في الزمن المحقق ،وإلا فالمقدّر لا يقبل هذا الترديد، وحينئذ نقول: لو كان قبل وجود العالم أزمنة لكان اللّه مصاحباً لها ولا يوصف بالتناهي ولا عدمه لعدم تحققه، لأن المقدّر ليس موجوداً حتى يقال عليه الأمران بل بحسب التقدير والفرض لا غير، وهو كلام وجيز.

ومنها :انه تعالى صادق، لكنها من الصفات القائمة بالكلام وأنه وقعت عليه تعالى بإعتباره، لأن الصدق هو الخبر المطابق الواقع في الخارج كما هو المشهور، والخبر المطابق لاعتقاد المخبر كما عليه الجاحظ والمطابق للأمرين كما  عليه النظام لا مطابقته للأمرين كما عليه الجاحظ في أحد قوليه]، وعلى كلّ تقدير فيقابله الكذب .

وثبوت هذه الصفة لكلامه ثابت بالضرورة ويرشد إليه وجهان:

الأول: إنه لو لم يكن صادقاً لكان كاذباً لعدم الواسطة بينهما على القولين الأولين، لأن الكذب قبيح عقلاً ،فيمتنع صدروه عن الحكيم.

والثاني: إن الكذب نقص ،لأنه في مقابلة الصدق الذي هو الكمال، فيكون نقصاً، والنقص مستحيل عليه ،لوجوب اتصافه بصفات الكمال، فلا يجوز وصفه بالكذب، اذ لو جاز اتصافه به لبطل النظام من الوعد والوعيد حتى على قول الأشعري القائل:( بأنهما سمعيّان) وقد وصف نفسه بالصدق في الكتاب وكذلك نبيه، وإنما لم نتعرّض للصفات الفعلية الحادثة كالخلق والرزق ونحوهما لأنها ذات وجهين فباعتبار عودها إلى  القدرة تكون ذاتية، وبإعتبارها في نفسها تكون فعليه حادثة لتأخرها إلى صدور مضامينها ،وقد فرّق أئمة الاخبار بينها وبين الذاتية بأمرين:

أحدهما: أن كلّ صفة من صفاته تعالى توجد هي في حقه دون نقيضها فهي من صفات الذات،وكل صفة توجد هي ونقيضها في حقّه تعالى، فهي من صفات الفعل، ثم قالوا في تفسيرها انها   تثبت في الوجود ما يريد و ما لا يريد وما يرضاه وما يسخطه ،وما يحب وما يبغض، فلو كانت الارادة من صفات الذات كان مالا يريد مناقضأ لتلك الصفة ،ولو كان ما يحب من صفات الذات كان ما يبغض ناقضاً لتلك الصفة   ثم مثلوا لتلك الصفات الذاتية بأنّانجد في الوجود ما لا يُعْلَم وما لا يُقْدَر عليه ،وكذلك باقي الصفات الذاتية الأزلية لسنا نصفه بقدرةٍ على بعض وعجز عن آخر ويجوز أن يقال، يحب من اطاعه ويبغض من عصاه ويوالي من اطاعه ،ويبغض من عصاه ،وانه يرضى عن بعض ويسخط على آخر.

ويقال في الدعاء:( اللهم ارضَ عني ولا تسخط عليّ (.

ثم فرّعوا على الحد الثاني الفاصل بينهما بأنّه لا يجوز أن يقال بقدر أن يعلم ولا يقدر أن لا يعلم، ويقدر أن يملك ولا يقدر أن لا يملك، ويقدر أن يكون  عزيزاً حكيماً،ولا يقدر أن لا يكون عزيزاًحكيماً،ويقدر أن يكون  جواداً ولا يقدر أن لا يكون جواداً، ويقدر أن يكون غفوراً ولا يقدر أن لا يكون غفوراً  ،ولا يجوز أن يقال اراد أن يكون ربّاً قديماً وعزيزاً وحكيماً ومالكاً وعالماً وقادراً ،لأن هذه من صفات الذات والارادة من صفات الفعل، ألا ترى انه يقال اراد هذا ولم يُرِد هذا، وصفات الذات تنفي عنه كلّ صفة منها ضدها يقال: هو حي وعالم وسميع وبصير وعزيز وحكيم وغني وملك وعدل وكريم، فالعلم ضده الجهل، والقدرة ضدها العجز، والحياة ضدها الموت، والعزّة ضدها الذلة، والحكمة ضدها الخطا، وضد الحلم العجلة والجهل، وضد العدل الظلم والجور، وهذه الصفات ـ  اعنى الفعلية ـ قد غلب عليها الإسميّة فعبّروا عنها بالأسماء الحسنى ،وفيها ماهو مختص وفيها ماهو مشترك، وهي حادثة غير قديمة، وان رغم أنف الأشعري لقوله بالقدم فيها وهي غير المسمى.

ففي خبر محمّد بن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا  عليه السّلام  عن الاسم ما هو؟ قال: صفة لموصوف .

وفي صحيحة ابن رياب عن غير واحد عن الصادق  عليه السّلام  قال: من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد اشرك، ومن عبد المعنى بايقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه، ونطق لسانه في سرائره وعلانيته، فاولئك أصحاب أمير المؤمنين  عليه السّلام  حقاً.

وفي صحيح هشام بن الحكم إنه سأل أبا عبد اللّه  عليه السّلام  عن اسماء اللّه تعالى واشتقاقها فقال: يا هشام اللّه مشتق من اله على وزن فعال والا له يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمى فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ،ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الإسم والمعنى فقد كفر وعبد إثنين، ومن عبد المعنى دون الإسم فذاك التوحيد، فهمت يا هشام؟ قال: فقلت زدني، قال: إن للّه تسعة وتسعين اسماً فلو كان الاسم هو المسمى  لكان كلّ اسم  منها إلهاً، ولكن للّه معنى يدل عليه بهذه الاسماء، وكلها غيره يا هشام، الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمُحْرِق، أفهمت يا هشام فهماً تدفع به وتناضل به اعداءنا، والملحدين مع اللّه عزّ وجلّ ؟ قلت: نعم، فقال: نفعك اللّه يا هشام وثبّتك، قال هشام: فو اللّه ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا .

وفي صحيح عبدالرحمن بن أبي نجران قال: كتبت إلى أبي جعفر  عليه السّلام  أو قلت له :جعلني اللّه فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد؟ فقال: من عبدالإسم دون المسمى بالأسماء فقد أشرك وكفر وجحد بل اعبد اللّه الواحد الأحد الصمد المسمى بهذه الاسماء دون الاسماء اي  الأسماء<  والحديث والأخبار بهذا المضمون كثيرة.

وأما صفاته السلبية، فقد تقدم الكلام فيها في الفصل الذي عقدناه لما يجب تنزيهه عنه، وكلّها راجعة إلى قانون كلي على سبيل الاجمال، وهي نفي كلّ صفة لا تصح عليه لإستلزامها الحدوث والإمكان والمشاركة والإفتقار والرؤية وغير ذلك من الأعراض والأزمنة والأمكنة، لكن الاخبار قد تضمّنت التفصيل في كثير منها متًبوعة بالاستدلال لا سيّمافي نفي الشريك والرؤية.

وفي خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه  عليه السّلام  قال: إن اللّه عظيم رفيع لا يُقَدِّر العباد صفته، ولا يبلغون كنه عظمته لا تدركه  الأبصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، لا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث، وكيف أصفه بالكيف وهو الذي كيّف الكيف حتى صار كيفاً ،فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بالأين وهو الذي أيّن الأين حتى صار ايناً ،فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين، أم كيف أصفه بالحيث وهو الذي حيّث الحيث حتى صار حيثاً ،فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث، فاللّه تعالى داخل في كلّ مكان بلا مباشرة، وخارج من كلّ شيء ،لا تدركه الابصار لا اله إلا هو العلي العظيم وهو اللطيف الخبير.

وفي خبرا بن أبي عمير قال: سمعت يونس بن ظبيان يقول: دخلت على أبي عبداللّه  عليه السّلام  فقلت: إن هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماًإلا اني اختصر لك منه أحرفاً ، يزعم:أنّ اللّه جسم، لأن الاشياء شيئان لا ثالث لهما، جسم وفعل الجسم ،فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل فقال ابو عبداللّه  عليه السّلام : ويله أما عَلِمَ أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية، فإذا احتمل الحد  احتمل الزيادة والنقصان ،واذا احتمل الزيادة والنقصان كان مَخْلُوقاً ،قال: قلت :فما أقول؟ قال: لا جسم ولا صورة، وهو مُجَسِّم الاجسام ومُصَوِّر الصور، لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص، ولو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ولا بين المنشيء والمنشأ فرق، لكن هو المنشئ ، ففرّق بين من جسَّمَه وصوَّره وانشأه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئاً .

وفي مرفوعة أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الباقر عليه السّلام  فسأله رجل فقال: اخبرني عن الرب تبارك وتعالى له اسماء وصفات في كتابه ،وصفاته هي هو؟ فقال أبو جعفر  عليه السّلام  إن لهذا الكلام وجهين إن كنت تقول >هي هو< أنه ذو عدد وكثرة فتعالى اللّه عن ذلك، وإن كنت تقول <هذه الاسماء لم تزل > فإنّ < لم تزل > محتمل معنيين:

فإن قلت >لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها< فنعم، وإن قلت >لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها< فمعاذ اللّه ان يكون معه شيء بل كان اللّه ولا خلق ثمّ خلقها وسيلةً بينه وبين خلفه يتضرّعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره، وكان اللّه ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل والاسماء والصفات مخلوقات ،والمعاني والمعني بها هو اللّه الذي لا يليق به الإختلاف و  الإئتلاف ،وإنما يختلف ويأتلف المتجزيء فلا يقال اللّه مختلف ولا مؤتلف ولا اللّه كثير وقليل، ولكنه القديم في ذاته لانّ ما سوى الواحد متجزئ، واللّه واحد لا متجزئ، وكل متجزئ أو مُتَوَهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له ،فقولك> إن اللّه قدير< أخبرت انه لا يعجزه شيء ،فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه ،وكذلك قولك >عالم< انما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه ،فإذا أفنى اللّه الأشياء أفنى الصورة والهجاء  والتقطيع ،ولا يزال من لم يزل عالماً ،فقال الرجل: كيف سمينا ربّنا سميعاً؟ فقال: لأنه لا يخفى عليه خافية ،لأنه لا يخفي عليه ما يُدْرَك بالأسماع ،ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، وكذلك سميناه بصيراً لأنه لا يخفى عليه ما يُدْرَك بالأبصار من لون أو شخص، ولم نصفه ببصر لحظة العين، وكذلك سميناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك ،وموضع النشوء منها والعقل و الشهوة للسفاد والذب على نسلها وأقام بعضها على بعض، ونقلها الطعام إلى أو لادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار، فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيف، وأن الكيفية للمخلوق المكيّف، وكذلك سمينا ربّنا قوياً لا بقوة البطش المعروف من المخلوق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولا احتمل الزيادة ومتى احتمل الزيادة احتمل النقصان ،وما كان ناقصاً امتنع قدمه وما كان غير قديم كان عاجزاً ،فربّنا تعالى لا شبه له ولا ضدّ ولا ندّ ولا كيف ولا نهاية ولا تصاريف، مُحرّم على القلوب أن تمثله، وعلى الأوهام أن تحدّه، وعلى الضمائر أن تُكوّنه، جلّ وعزّ عن أداة خلقه وسمات بريّته وتعالى عن ذلك علوّاً  كبيراً  .

فانظر ببصرك وتبصّرببصيرتك في هذا الحديث واضرابه، وأولج البصر من بابه فقد كشف النقاب عن معاني تلك الصفات الذاتية والسلبية،وان العقول والقلوب لا تدرك سوى السلوب ،فلا تغتر بمقالة أهل الشبه والحجود، وميّز الرب عن المربوب واخرج من ظلمات الأوهام، ولا تلج مافي القلوب  فإنه لا يطّلع عليها إلا علام الغيوب.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2494831

 • التاريخ : 18/09/2019 - 01:45