المقدمـــة 

القسم : مصنفات الشيخ باقر آل عصفور   ||   الكتاب : احسن الحديث في فقه اهل الحديث   ||   تأليف : الشيخ باقر آل عصفور

المقدمة
وفيها جهات من الحديث الاولى قد تواترت الاخبار، لفظيا ومعنويا تدعمها آى من القرآن المجيد، بالحث على تحصيل العلم وأكدت بطلبه بما ليس فوقه مزيد والرسول العظيم(صلى الله عليه وآله) قد أهاب بالامة جمعاء اليه فقال(صلى الله عليه وآله): اطلبوا العلم من المهد الى اللحد كناية عن طلبه طوال الاعمار وأمدها، وقال(صلى الله عليه وآله): اطلبوا العلم ولو بالصين. كنايه عن طلبه في جميع الامصار وابعدها.
فالحديث الاول لعموم الزمان، والثاني لعموم المكان وقال الامام الصادق(عليه السلام): لا احب ان ارى الشاب منكم غاديا الا في حالتين اما عالما او متعلما وان لم يفعل فرط وان فرط أثم وأن أثم دخل النار.
وقال العارف
تعلم فليس المرء يولد عالما***وليس اخو علم كمن هو جاهل
وان كبير القوم اذ كان جاهلا***صغير اذا التفت عليه المحافل
والمراد من العلم في هذه الاحاديث: علوم الدين: التى سمى القرآن المجيد طلبها النفر الاخر من جهاد المسلمين. قال تعالى (فلولا نفر من كل فرقة طائفة في الدين) بل قد استفاضت الاخبار في ان المداد الراشح من اقلام هذه الفرقة وهم جلوس على الارائك اجل وافضل من الدم السافح من جراح اولئك وهم في المعارك.
والشاهد بان المراد من العلم هو معارف الدين: قوله(صلى الله عليه وآله): انما العلم ثلاث: آية محكمة وفريضة عادلة وسنة قائمة.
لان هذه هي المقصد من رسالته، والهدف لدعوته، فان مقصده توجيه العباد تجاه المعبود، والاتحاد في النظام، وصرفهم عن الجحود والانقسام.
وليس معنى ذلك الحط من كرامة العلوم الدينوية، وبدائع الفطن التى انتجت المخترعات الجديدة، والمصطنعات الحميدة التى مهدت الراحة للبشر، في السفر والحضر وطوحت عنهم كل جهد ونصب وقوضت بكل كد وتعب. كلا بل لان دواعي اهل الدنيا لامور الدنيا نشيطة دانية وهم مدفوعون اليها بدافع نفساني فهي داعية نفسها بنفسها على الضد من علوم الدين والآخرة فان بواعثها نائية ووانية وقد بعث الله جل ذكره رسله الكرام دعاة اليها وادلاء عليهاوانزل شرائعه المقدسة للتبشير بسعادتها والتحذير عن مجانبتها وقد بلغوها سلام الله عليهم باحسن البلاغ وارشدوا اليها الامم والاتباع.
واشار(صلى الله عليه وآله) بالآية المحكمة الى العلم باصول الدين والعقايد القلبية وبالفريضة العادلة لعلم الاخلاق الفاضلة وكرائيم النفوس وبالسنة القائمة علم الاحكام المتعلقة بالقوالب والابدان التي بها قوام الانسان واستقامته في دنياه وعاقبته.
( الجهة الثانية ) من جهات الحديث في المقدمة.
في ان المراد من اصول الدين: هي التوحيد والعدل والرسالة والامامة والمعاد في يوم القيامة ومن العلم بها الاعتقاد بالآلة وبوحدانيته والاقرار بعدله والاعتراف برسالة النبي محمد(صلى الله عليه وآله) للناس كافة وبأمامة الائمة الاثني عشر ووصايتهم من عنده وبمعاد البشر في يوم المعاد وحشرهم في المحشر للحساب ليجزي الذين احسنوا بالحسنى ويجزي الكافرون النار.
وقد هدانا الله عز وجل الى عرفان هذه المعارف نتيجة أصل واحد من هذه الاصول هو قطبها الذي عليه المدار وهو الاعتراف بآلة كون الكون وما حواه والمبدء الاول ومسبب كل الاسباب. وهذا امر فطري جبلى تشهد به بداهة العقول ويعيه الوجدان من كل انسان فانه يعي من نفسه أنه حادث مثل سائر الحوادث وبأدنى التفاتة يعتقد جازما بان له موجد غير نفسه وغير سائر الحادثات لانها مثله في الحدثان واذا فكر اقل تفكير في عجائب تراكيبها وخصائص منافعها علم علم اليقين بانه عليم حكيم (الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ومن البديهي الواضح ان العليم لابد ان يكون حيا قديرا. قال(صلى الله عليه وآله): كل مواد يولد على الفطرة. يعنى: على الاعتقاد بوجود باريه ودين الحق. ويرشد الى ان المراد بالفطرة ما قلناه ارداف الجملة الاولى بقوله(صلى الله عليه وآله): حتى يكون ابواه الذان يهودانه وينصرانه([1]).
يعني تقترن هذه الفطرة السليمة بتغرير الشيطان الغرور بوسوسته ومعاشرة الانسان لاهله الذين غلو في حب اسلافهم وصلحائهم لما رسخ حبهم في قلوبهم فمثلوهم ثم عبدوهم وابدعوا بذلك عبادة الاوثان فصار على الفطرة السليمة درن وغبار فصارت سقيمة. ولطف الله سبحانه (وهو اللطيف الخبير) فارسل رسله الكرام لانجلاء ذلك الرين والدرن الذي كدر صفاء تلك القلوب النقية. فارشدوا الخلق ووجهوا ضمائرهم تجاه الحق والصواب من الاعتقاد بالله وتوحيده بالدعوة الحسنة ليرتفع حجاب الشبه وستار الاغواء فيعرفه من كان به من الجاحدين ويوحده من كان به من المشركين الا من غلبت عليه شقوقه وحقت عليه كلمة العذاب.
وبعد ان تم هذا الاساس بالنسبة الى جل الناس على ضوء الفطرة السليمة من الادناس وفي البعض الاخر بالتوجيه والارشاد من الرسل الذين برهنت المعجزات الباهرة على صدقهم ومنها القرآن الكريم الذي هو المعجز الخالد الوحيد واظهر معجزات نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) وقد تحدى به فطاحل الفصحاء فاعجزهم ان يأتوا بآية واحدة من مثله فاذا هم فاشلون.
فصار هذا المعجز الخالد شاهدا لنفسه بانه من لدن الرب العظيم وشاهد صدق على رسالة النبي الكريم.
وهذه الآية المباركة: وهي قوله تعالى: (لا اله الا انا قائما بالقسط)قد دلت بصراحة -مضافا الى دلالتها على توحيد الاله ونفى اى اله سواه- دلت على توصيفه بالعدل وانه قائم بالقسط وهو ثانى اصول الدين.
كما ان في القرآن الكريم صفات الله سبحانه الثبوتية وهي صفات الجمال وهي التسعة والتسعون إسما التي جاء فيها الاثر أن من أحصاها من البشر دخل الجنة. وهي تفصيل الصفات الثلاث العينية: الحياة والعلم والقدرة وفيه الصفات السلبية صفات الجلال وهي الصفات التي يمتنع اتصاف الباري بها ويجب نفيها منه وسلبها عنه ومرجعها الى تنزيه الباري عن كل ما لا يليق بجلالة مثل الشريك والكفو والضد والجسمية والتركيب التي فصلتها مئتان وثلاثة وعشرون آية جمعت اصولها سورة الاخلاص وعنونتها آية: تبارك ربك ذو الاجلال والاكرام.
وفي القرآن ذكر مفصل عن الاصل الرابع: المعاد والادلال عليه وعن مواقف المحشر والميزان والصراط ودرجات الجنة وانواع نعيمها المقيم ودركات جهنم وعذابها الاليم تضمنت بيان ذلك ثمان مائة واحدى وخمسون آية.
وفي القرآن آيات بينات تشير الى امامة الائمة وحتى قيام القائم ووصايتهم بالاجمال ونص النبي(صلى الله عليه وآله) بالتفصيل والبيان.
فقد عرفنا اصول الدين (بالوفاء والتمام) بدلالة من رب العالمين وبدون حاجة الى ادلة الفلاسفة وأصحاب الكلام بل ان خطر هذه لعامة الناس اكثر من نفعها كما اعترف بذلك جمع من اهل من اهل الفن والمتخصصين.
وهذا المقدار كاف لحصول الايمان للمكلف وصحة اطلاق المؤمن عليه لترتيب احكام المؤمن عليه ولتصح اعماله وعباداته التي كلف بها في سائر المكلفين.
وفوق هذه الدرجة درجات ومقامات للسالكين لا تحصل بقوة البراهين وانما طريق تحصيلها منحصر بتخلية الباطن من الرذايل وتحليته بالفضائل ومتابعة الشرع المبين وملازمه التقوى. قال الله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم). وقال تعالى: (ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا). وقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وفي الحديث النبوي: من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه وفيه من علم وعمل ورثة الله علم ما لم يعلم ومثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمه، فكلما اضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سبباً لاضائة قطعة اخرى منه. وهكذا العلم بمنزلة السراج والعمل بمنزلة المشي.
هذا فيما يخص الانسان ويتعين عليه بالخصوص.
أما من كان مكلفا بابطال شبه الملحدين وتشكيكات المعاندين واعداء الدين فلا جرم يلزمه التوسع في معرفته ببراهين المتكلمين والتضلع فيها ليتسلح بها لقمع المفسدين على ان هذه جلها بل كلها مقتبسة من أحاديث أهل البيت واثارهم فانهم عيبة العلم وخزنته. وقد صعدوا ذرى الحقائق باقدام النبوة والولاية ونوروا سبع طبقات اعلام الفتوه بالهداية.
ومن أراد ان يختبر صحة ما أقول فعليه بمطالعة كتاب الشارح([2]) والحجة لمؤلفه العلامة الشيخ حسين قدس سره فانه قد سلك فيه تلك المحجة.
أما ما عدا ذلك من تفاصيل مسائل الاصول الخمسة: مثل معرفة عينية صفات الباري تعالى لذاته ومثل كيفية علم الامام ومثل عذاب البرزخ وثوابه وما الى ذلك فلا يجب معرفتها وانما يجب الاذعان بها اذا عرفتها ولا يجب العرفان بخلاف الاصول فانه يجب معرفتها كما يجب الاذعان بها والايقان.
 
الجهة الثالثة
في علم الاخلاق: وهذا العلم ايضا قد احتل من القرآن الجانب الاعظم وقد جاءت به جميع الشرايع والاديان. ومن اختصاصيات شريعة الانجيل روحية بحته واخلاقية صرفة وكفى هذا العلم شرفا: ان قال فيه ذو الخلق العظيم(صلى الله عليه وآله) انما جئت لاتمم مكارم الاخلاق. ومن خواصه انه لا ينسخ في زمن من الازمان والدهور وهو المعروف باسم الفقه في القرآن وفي سالف العصور لانه العلم بطريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الاعمال ويوجب شدة التطلع الى نعيم الآخرة، والجنان واستيلاء الخوف على القلب والوجل من اهوال الحافرة والنيران. يدلك على ذلك قوله تعالى (ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم اذ رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) فان الآية تفيد: ان الانذار والحذر يحصل من التفقه. وبديهي ان مسائل الطلاق والعتاق والميراث والسباق والهبات والديات وغيرها من مسائل الفقه المصطلح ولا مسائل اى علم آخر دون علم الاخلاق لا توجب خوفا في القلب ولا تذكيرا بالآخرة. وانما يوجبه العلم بالموبقات والمنجبات. وهى الاخلاق الذميمة الرديّه: من الجبن والبخل والكبر والعجب والرياء والغضب والحقد وغيرها من آفات النفوس وأمراض القلوب التي ينحصر علاجها بالتوسل الى الله تعالى في رفعها وبالتفكر في سوء عاقبتها وفي عيوب نفسه ورداءة اصله وما ينتهي اليه حاله. ثم يعالج كل رذيلة من أخلاقه بتمرين النفس على ضدها حتى يصير ضدها خلقا له وعادة وفي اثناء ذلك يتدبر في الاخبار الواردة في ذمها ومدح أضدادها: مثلا صاحب البخل يداوي نفسه بالتفكر في ان المال لا ينفعه بعد الموت وبذله واعطائه هو النافع له وان الله يخلفه ولا يخلف وعده ثم يزجر نفسه على الاعطاء وهو ان شق عليه لاول مرة فانه سوف يسهل عليه بالتدريج والتكرار. وكذا صاحب الانانية والترفع يعالج نفسه: بالجلوس مراراًفي محل دون ما يليق به وهكذا غيرها.
وفي الصحيفة السجادية دعاء لمكارم الاخلاق ودعاء آخر للاستعاذة من سوء الاخلاق فعليه بالتزام قرائتهما. واحسن شيء نافع لذلك صحبة الاخيار وملازمة الابرار وهجرة صحبة الفسقة والظلمة والاطعمة الحرام فان لصحبتهم تأثيراً عظيما في قسوة القلوب وكذلك طعام الظلام فانه يحول نور القلب الى ظلام([3])
 
 
الجهة الرابعة
يجب في الدرجة الثانية وبعد معرفة العقائد واصول الدين على كل انسان جرى عليه قلم التكليف وسجل اسمه في ديوان التوضيف ان يتفقه في احكام عباداته المسماة بفروع الدين وبالاخص الصلاة فان لها اربعة الاف حد وفي آخر اربعة الاف باب.
كما يجب عليه ان يتفقه في احكام المأكل والمشارب والمساكن ويتفقه في احكام الحرفة التي يزاولها والمعاملة التي يمارسها. ففي الخبر المتضافر: «التاجر فاجر ما لم يتفقه». وهذا الفجور والفسوق لا يختص بالمتاجرين بل يعم كل الكسبة والمحترفين حتى الدلال والحمال والحلاق وانما ذكر التاجر في الخبر المار من باب المثال. ولان باب الربا الذي هو اعظم المحرمات -لباب مخزنه مفتوح والمقصود عمله بفقاهته والا فعمله بالفقه في مهمته بدون عمل لا يفيده في رفع فجرته.
ولما كانت الاحكام التي يجب التفقه فيها احكام الله سبحانه الموحاة الى نبيه(صلى الله عليه وآله)المودعة عند أوصيائه(عليهم السلام) وجب اخذها عنهم وعن طريقتهم لا غير لقول الصادق(عليه السلام) اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء مالم تسمعوه منا. وذلك اما باستفادتها وفهمها من حديثهم ورواياتهم لمن منح جودة نظر واستقامة فهم. بعد ان يعد لذلك عدته باتقان العلوم الخمس او الست الآلية كي يعرف مجاري كلامهم ولحن خطابهم وهدف حوارهم المعبر عن ذلك بالدراية قال(عليه السلام) «خير تدريه خير من الف حديث ترويه» وقال(عليه السلام) «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من روايتهم عنا فانا لا نعد الرجل منهم فقيها حتى يكون محدثا فقيل له: اويكون المؤمن محدثا؟ فقال: يكون مفهما، والمفهم المحدث» وقال(عليه السلام) «لا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا» فمن كان في امكانه ان يستخرج الاحكام من مأخذها وعنده استعداد لذلك جاز له ان يعمل على حسب ما فهمه وعلمه وهذا يسمى فهمه في العصور السابقة واصطلاح الحديث بالفقيه والمحدث والامين وفي العصور اللاحقة والاصطلاح الحديث بالمجتهد اما من قصر عن تلك الدرجه وانحسر عن تلك الرتبة فان وضيفتهم استعلام تلك الاحكام من اولئك الفقهاء فهم المتعلمون والمتفقهون والمسترشدون يقلدون الفقيه النائب عن الامام ويقبلون قوله ويعتمدون عليه ويركنون اليه كواسطة لهم في نقل الاحكام الثابتة عنده من قول الامام وهذا اعنى رجوع الجاهل بالاحكام الشرعية الى العالم بها احدى القضايا الجزئية للقضية الكلية الازلية الابديه العامة لجميع الطبقات السارية في جميع الادوار المطلقة لعامة الازمان اعنى بها رجوع اي جاهل كان فيما يجهله مما يضطر الى معرفته اي شيء يكون الى العالم به القضية التي توجبها جبلة الانسان. وفطرة العقول نافذة المفعول من ازل الازال الى ابد الاباد ومنذ خلق الله الاضداد ومن سنة الطبيعة وعالم الكون والامكان ولن تجد لسنة الله تبديلا ما شذ عن شمول هذا الحكم فعل من الافعال في اي حال من الاحوال لانه اذا كانت الاحكام العقلية النظرية تأبى عن التخصيص بالاطلاق فالاحكام البديهية اولى بهذا التخصيص والاطلاق.
فالغرض ان تقليد الجاهل بالحكم الشرعى للعالم به من القضايا الاولية الضرورية التي يعترف بها جميع العقلاء وظاهرة يعيها كل انسان ويشعر بها من غرارة نفسه وهو الحس الوجداني شرعة فطرية قد اندفع بها الانسان وعجن بها وجنت به لا لبس فيها ولا ابهام ولا تدخل في مسائل التقليد والاجتهاد لانها تتوقف على نظر واستدلال وافتكار.
فان من ضل الطريق يسأله -بدافع من طبعه- من الركبان ومن جهل جهة القبلة سألها من الربان فاذا اعوزه الربان حملته جبلته وحتمت عليه فطرته ان يعمل لدفع حيرته بالرجوع الى خبير في مسألته -ان كان- فيجيبه بما عنده فيها من حكم الحيران في الصلوات الى الجهات الاربع او الثلاث -على الخلاف- ان وسع الوقت لذلك او بمقدار ما يتسع له الوقت ان من ضيقه مثلا وخاف وان جهل تشخيص الربان عرفه بالعلامة والوسام (النيشان) أو امساكه مثلا بالسكان وقد نصب القرآن الكريم لحماة الدين دلائل وعلامات لدفع الاشتباه -في الموضوع- الحاصل من الاختلاط والامتزاج لتمييز الحقيق بمقام التقليد والاتباع عن المدلس في الاوضاع قال الله سبحانه: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي واياماً آمنين) ففي الاحتجاج عن الباقر(عليه السلام) قال: «فينا ضرب الله الامثال في القرآن فنحن القرى التي بارك الله فيها» وأخذ سلام الله عليه في الحديث الى ان قال «والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا الى شيعتنا وفقهاء شيعتنا وقوله سبحانه (وقدرنا فيها السير) لما يسير من العلم في الحلال والحرام والفرائض والاحكام آمنين فيها ان اخذوها من معدنها الي امروا ان يأخذوا منه آمنين من الشك والتضليل والنقلة من الحرام الى الحلال».
وعن القائم عجل الله فرجه «نحن القرى التي بارك الله فيها وانتم القرى الظاهرة» فدل هذا الحديث بان الحقيق بالسؤال هو الفقيه الشيعي دون غير الشيعي لان الفقيه الشيعي يأخذ الاحكام من معدنها فأخذها امن من الجواب المضلل ومن تبديل الحرام بالحلال والحلال بالحرام ليكون السائل في أمن وأمان من تضليل المسئول اياه فيجيبه بالتضليل او عن شك في الجواب أو يتعمد فيجعل الحلال حراما لان اخذ الاحكام من غير معدنها لا يأمن الغش بخلاف المسئول الامين فانه لا يجيبك الا بالصحيح لانه يعتبر نفسه مسئولا امام الله سبحانه يوم العرض والسؤال وقد لطف الامام الصادق(عليه السلام) برعاياه فدل على الامين على الدين بعلامة تميز صاحب الديانة من المتساهل بالامانة قال(عليه السلام): من جملة حديث له طويل: «واما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم واما من ارتكب مراكب فسقه العامة فلا تقبلوا عنهم عنا ولا كرامة» واولئك الفقهاء المعنيون المزودون من علوم الامام قد اذن هو سلام الله عليه لرعاياه يأخذ الاحكام عنهم وعن كتبهم بالاذن الخاص والعام فقد قال الباقر(عليه السلام) لابان ابن تغلب «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فانى احب ان أرى في شيعتي مثلك» وقال الرضا(عليه السلام): لوكيله عبد العزيز المهتدي - الذي يقول فيه الكشي كان خير قمي رأيته - قال(عليه السلام): عند قول عبد العزيز له: «انى لا القاك في كل وقت فعن من أخذ معالم ديني فقال: «خذ من يونس بن عبد الرحمن» وقال عبد الله بن ابي يعفور كنا جلوساً عند أبي عبدالله(عليه السلام) فقال «امالكم مفزع املكم مستراح ما يمنعكم عن الحرث بن المغيرة البصري» وقال(عليه السلام): ليونس بن يعقوب عندما قاله له: «انه ليس في كل ساعة القاك ولا يمكنني القدوم ويجئني الرجل من اصحابنا ويسألني وليس عندي كلما سألني قال(عليه السلام) فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فانه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها». وقال علي بن المسيب للرضا(عليه السلام)«عمن أخذ معالم ديني فقال: من زكريا بن أدم بن ادم المأمون على الدين والدنيا» ومن المأذنين في الفتوى ايضا ابو بصير الاسدي وزراره ابن أعين وصفوان ابن يحيى والمفضل بن عمر وعلي بن حديد ومنهم الفضل ابن شاذان وعبد الله بن أبي يعفور وحمران بن اعين والريان ابن الصلت وغيرهم ممن يطول بذكرهم المقام ومن ذلك أمره (عليه السلام)صريحاً بالتعويل على كتب يونس بن عبد الرحمن عندما عرضت عليه ومنها كتاب عمل يوم وليلة من تأليفه بعد موت عبد الرحمن فجعل يتصفحه ورقة ورقة حتى اتى عليه من اوله الى آخره وجعل سلام الله عليه يقول رحم الله يونس رحم الله يونس ولما نظر (عليه السلام)الى كتاب من تصنيف الفضل بن شاذان ترحم عليه وقال انى اغبط اهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان وتقريره على العمل بكتاب حريز في الصلوات.
فهذه طائفة من الاخبار دلت على الاذن بالرجوع الى فقيه او الاعتماد على كتاب خاص لخواص اصحابهم بعد موت مصنفيها ويتعدى الاذن الى غير الخاص بتنقيح المناط القطعي اذ لا خصوصية للخاص واما الاذن على وجه العموم فقول النبي(صلى الله عليه وآله) «من حفظ على امتي اربعين حديثاً مما يحتاجون اليه في أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيها عالماً» مع قوله(صلى الله عليه وآله) «نظر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها فبلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه الى افقه منه.» ومثل قول ابي الحسن الثالث الى احمد بن حاتم واخيه حين استخبراه عن من يأخذ معالم دينهم فأمرهما بالرجوع الى كل مسن في حبهم وكل كثير القدم في أمرهم وقوله(عليه السلام) «لا عذر لشيعتنا فيما ترويه عنا ثقافتنا» وقوله(عليه السلام)«ارجعوا الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم».
ومن ذلك الاخبار الامرة بتأليف الكتب وتدوينها وأمره(عليه السلام)بالاحتفاظ بها وتوريثها معللا ذلك بانها سوف تكون المفزع والمعتمد عند الهرج وتشعب الآراء والمذاهب.
فاذا حاز المأذنون بالخصوص او العموم الرخصة والتخويل من الامام بتبليغ الاحكام باطلاق في الكلام واطلاق المقام كما هو المفروض في المقام جاز لهم تبليغها بانحاء التبليغات وجاهيا وشفاهيا ام بتحرير وكتاب فاذا مات ذلك المبلغ لم يفت من الناس غير تبليغاته الوجاهية الشفاهية وهي كما لم تكن معتبرة في حياته فكذلك لا تضر في مماته لان المنقول عنه قد اذن له واجازه في حياته، والنقل قد كان باذنه الخاص والعام معتبر قد اخذه من الوجه المعتبر الذي اوصى به سيد البشر بقوله(صلى الله عليه وآله) «اني مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي» وحيث ان هذا الامر قد عم الأمة جمعا الى يوم القيامة فيجب ان يحفظ هذان الممسكان كيفما يمكن للامة التمسك بهما أما القرآن قد أمن الله سبحانه حفظه وسلامته بقوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) واما العترة الاطهار(عليهم السلام)فقد حافظت شيعتهم الاخيار على احاديثهم وعلومهم، واحتفظت بها وتناقلوها وتدارسوها ولانه من المحتم المعلوم اخبر به الامام(عليه السلام)وقال «ان في كل خلف او زمان عدولا ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين» واخذ الناس جيلا بعد جيل وطبقة بعد طبقة عن اولئك الحملة والحفظة فالفقيه يتلقى الرواية ويعمل بما فهمه منها والمقلدون يستفتون اولئك الفقهاء.
والذي ينبىء عن ان الحفظة منهم رواة ونقلة فقط ومنهم فقهاء واهل فتوى وفهم للاحكام قول الباقر(عليه السلام) في الحديث: «والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا والفقهاء من شيعتنا» فان النقلة هم الرواة والفقهاء هم المفتون بما فهموه من الرواية ولو كان هذان العنوانان شيئا واحداً ومترادفين لزم التكرار بدون موجب وكذلك امره(عليه السلام) بالرجوع الى كتب اهل الكتب يدل بتقليد اهلها لانها ليست كتب روايات فقط بل محتوياتها استفادات فهموها من تلك الروايات ولا يخل بذلك اختلافهم المسبب عن اختلاف الروايات والاستفادات لان هذا الاختلاف قد اوقعه بينهم الامام(عليه السلام) بنفسه ابقاء لهم ولدينهم فهم مكلفون به كما اعاب الخضر(عليه السلام)سفينة المساكين لتسلم من الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً.
وانت ترى ان هذا الارجاع والرخصة بالعمل بما يقول اولئك المراجع لم يحدد بوقت دون وقت ولم يختص بناس دون ناس بل ان في بعض تلك الرخص الاذن صريحاً او تلويحاً بالرجوع الى كتب الاموات مع علم المرخصين(عليهم السلام) ان من يأخذ عن هذه الكتب او عن الفقيه سوف يأخذ بها - باذن الفحوى - كل من يثق به وهكذا الطبقة الآتية من بعدهم يأخذون من الذين قبلهم وهلم جرا الى جميع الطبقات والاعقاب والناس جرت على هذا المنوال لم يختلج في قلب واحد منهم شك او ارتياب.
حتى جاءت العصور الاخيرة بالمتأخرين فمنعوا من تقليد الميت ابتداء ورجوع المقلدين الى رسالة العالم التى ألفها للمقلدين فيما اذا مات او لفتواه التي ترويها عنه النقول فيما اذا وجد مجتهد حى سواه وابطلوا اعمال الآخذين بتلك الرسالة وافسدوا عباداته ومعاملاته وطلاقاته وعقوداته ونكاحه وشهاداته واسقطوا الرسالة والعامل بها عن الاعتبار وان كان من المتقين الابرار.
واقوى شبهة على ذلك لديهم واعزها عليهم قوله: ان العمل بالظن حرام قد صرح به بيان القرآن وتواترت به صحاح الاخبار ومنع من التعويل عليه جميع الناس في شتى الاحوال بما فيه فتاوى المجتهدين لانها لا تعدو ان تكون من الظنون قالوا لان فتاواهم انما تستفاد غالباً من الاخبار وجل الاخبار من الآحاد التي لم يكن يتحقق صدورها عن الائمة(عليهم السلام) بنحو لا يحتمل الخلاف كما ان دلالتها على المعنى غير صريحة وانما هي ظواهر لا توجب العلم واليقين واعطف عليها آيات الاحكام ولذلك جائت احكام المجتهد وفتاواه ظنية ومن ذلك صح له ان يقول هذا ما أدى اليه ظني وكلما أدى اليه ظني فهو حكم الله في حقي وحق مقلدي ولكن اضطرار المقلد العامي الجاهل بالاحكام احل له التعويل على الظنون فان الضرورات تبيح المحذورات كما ابيح للجائع في المخمصة ان يأكل من لحم الميتة ولكن حيث ان الضرورات تقدر بقدرها فكما يجب على الجائع المذكور ان يقتصر على الميتة بما يسد به رمقه ولا يزيد على ذلك فكذلك العامي فحيث ان ضرورته تندفع بتقليد الاحياء والتعويل على ظنونهم فيجب عليه الاقتصار عليه وتبقى ظنون الاموات مشمولة لذلك المنع والتحريم هذا ملخص شبهة المانعين ونحن نقول في رفع الشبهة عن اذهانهم -بعد تنبيه المطالع على بعض معاني الظن والعلم- اعلم ان العلم يطلق ويراد به الصورة الحاصلة في الذهن وهذا ان كان اذعاناً اي قبولا لنسبة يسمى تصديقاً والا فتصورا ثم التصديق والاذعان ان كان مع تجويزه نقيضه يسمى ظناً والا فجزماً والجزم ان لم يكن مطابقاً للحق سمي جهلا مركباً وان كان مطابقاً للحق وكان ثابتاً لا يزول بالتشكيك يسمى يقيناً وهذا لا يحتمل الخلاف ولا تناقض فيه مثلما علمنا بوجود العالم ومثل علوم الانبياء والاوصياء([4]) وان كان يزول بالتشكيك سمي تقليداً.
ويطلق العلم على الاعتقاد الذي تطمئن اليه النفس وتسكن اليه وتعول عليه بحيث لا يكون لها معه تردد وتصدق بصحته عادة وان جوز العقل - بالامكان الذاتي - النقيض والخلاف وهذا العلم قد يحصل للنفس من خبر غير الثقة - فضلا عن الثقة - اذا اقترن خبره بقرائن وامارات كما لو اخبر انساناً خادم له بموت أحد احبته فانضم الى ذلك سماع الصراخ والعويل وخروج المخدرات من نسائه فانه يذعن الى خبره ويتأثر ويعتريه الحزن والاسى والعلم بهذا المعنى اعني العلم العادي هو الذي جعل الشارع العمل على ضوئه ومقتضاه في جميع الاديان والعصور لانه الميسور لعامة البشر (يريد الله بكم اليسر) والمعنى الاول هو مصطلح المناطقة والفلاسفة وعلم المعقول فهو اصطلاح حادث لان مدار تلك العلوم الخاصة عليه لانه يطلبون الواقع فوجب ان تكون قضاياه جزمية لا تحتمل النقيض والخلاف ويلحقها الاختلال باضعف الاحتمال فهو معنى للعلم دخيل لا يتفق ومعناه باصطلاح القرآن والحديث اذا عرفت ذلك فنقول:
انا نعلم بصدور هذه الاخبار المدونة في الكتب المشهورة في الامصار مثل الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار للمحدثين الاوائل ثقة الاسلام محمد بن يعقوب وصدوق الاسلام محمد ابن علي وشيخ الطائفة محمد بن الحسن والوسائل والوافي والبحار للمحمدين الاواخر محمد بن الحسن الحر ومحمد بن مرتضى الفيض ومحمد باقر المجلسي عطر الله مراقدهم بل وكذا فقه الرضا ودعائم الاسلام والجعفريات ومراسل الذكرى والمعتبر عن الأئمة(عليهم السلام)ونسبتها اليهم علمنا بذلك بشهادة مؤلفيها بصحة مأخذها وهم الورعون الثقات المتحرزون في نقل الاحاديث وانكبابهم على تدوينها وصرف الاعمار والهمم في جمعا وبيان صحيحها من سقيمها وغثهامن سمينها وضبطهم لها فان ثقة الاسلام الكليني الف الكافي في عشرين سنة والصدوق الف الفقيه في زمن طويل والمجلسى الف البحار مع كثرة تلامذته ومساعديه في عشرين سنة ولم يتمه فبعد ان يلاحظ الانسان هذه الاشعارات لا يكون عنده شك او تردد في صدور تلك الاخبار عن الأئمة(عليهم السلام) ويكون له بها علم واطمئنان ولكن ليس علم فلاسفة اليونان بل العلم الذي عليه مدار التكليف والايمان ولو اعتبر ذلك العلم في الشرع لم يكن لنا علم ابداً مع اننا مكلفون به وما كلفنا به الا لان بابه - بحمد الله - مفتوح على مصراعيه فتحه خزنته الصادقون الذين هم بيدهم المفتاح وما خرجت مزاعم سد الا من الوساوس وحجرات المدارس وليس لذلك السد اصل ولا أساس وكيف يكلف الله الناس بالعلم ويسد بابه على المكلفين ان هذا الا اختلاق فاذا راجع الفقيه هذه الاخبار واستفاد منها معنى لم تتردد نفسه في دلالة متن الخبر عليه وعمل به فهل هذا عمل بدون علم مع انه عمل بما فهمه من الخبر فظهر جلياً ان المفتي بما استفاده من هذه الاخبار عن علم بما استفاده منها وعن علم بصدورها من الامام(عليه السلام)فان الاخبار المتضمنة للاحكام جلها بل كلها ناصة على معانيها يعرف المحصل المتوصل المقصود منها والمراد.
قال استاذ المتكلمين الشيخ محمد بن قبه: ومذهب الامامية ان الاحكام منصوصة، واعلم انا لا نقول منصوصة على الوجه الذي يسبق الى القلوب ولكن المنصوص عليها بالجمل التي من فهمها فهم الاحكام من غير قياس ولا اجتهاد انتهى ولو كانت الجمل والعبارات غير مفيدة للعلم لما حصل علم من العلوم من العربية واللغة والملاحم والوقائع وغيرها ولما افادت عبارات العلماء المعاني التي ارادوها بل لو ساغ اتباع الاحتمالات العقلية لما قام دليل على مطلب من مطالب الدين لأحد من المسلمين فان غالب المعلومات غير منسد فيها باب الاحتمال فأنا نعلم الان بوجود السند والسودان علما لا يشوبه شك مع انه بالامكان ان يكون افناها الله بخسف او طوفان ونعلم بوجود أحد الاخوان الذي شاهدناه بالامس مع قيام الاحتمال بافناء الله اياه في هذا الاوان.
ثم ان الائمة(عليهم السلام) ما كانوا يخاطبون الناس بمصطلحات فسلفية ولا كانوا يلغزون في البيان او بتعمية في جواب عن سؤال([5]).
ومن تأمل حق التأمل في الآيات والاخبار الناهية عن اتباع الظنون ووصفها بالباطل والناعية على الظانين وذم الافتاء بغير علم في الحكم والقول والعمل بدونه وانه ليس من الله ولا من رسوله ولا من امنائه وانه ناشىء من البغي والعدوان وانه من خطرات الشيطان وان الناس مأمورون باتباع العلم وتحصيله واتباع البرهان وانه اية الصدق وعلامة الحق وان الظن ضد العلم وانه افتراء وارتياب وقول النبي(صلى الله عليه وآله): «من عمل على غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح.»
تيقن جازماً بأن النهي عنه غير قابل للتخصيص في حال من الاحوال كما ان الامر باتباع العلم أب عن التخصيص فطريق التوفيق بين هاتين الطائفتين من الايات والاخبار ان يكون المراد من الناهية عن الظن هو القول في دين الله بالعقول والآراء من دون استناد الى الثقلين كما ان الظن المذموم في القرآن هو ظن أهل الجاهلية فان مستندهم عمل اسلافهم على الاباطيل اعتماداً على كثرتهم واستمرارهم عليه أو على الاوهام التي لا تصل الى مرتبة الظن ولذلك سماها القرآن خرصا في قوله تعالى (ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون) ففي تفسير القمي في قوله تعالى: (وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون) قال: «هو ظن شك» وقال في الصافي هو تظن لا دليل عليه وعلى هذا فالظن المنهي عنه المذموم خارج عن الظن تخصصاً لانه شكوك واوهام وليست من الظن الذي هو موضوع الكلام فهو من الشك بل الكذب كما قال(صلى الله عليه وآله): «اياكم والظن فان الظن اكذب الكذب» اراد(صلى الله عليه وآله) الشك العارض خواطر القلوب التي لا تملك كما قال(صلى الله عليه وآله)«اذا ظنت فلا تحقق» فليس من الظن معناه الصحيح ولذلك صحح القرآن الاعتماد عليه بمعناه الصحيح كما في قوله تعالى في شأن من طلقت ثلاثاً وحللت بمحلل وانه يجوز للمتفارقين ان يتراجعا بعقد جديد فقال تعالى (ان ظنا ان يقيما حدود الله) اي حقوق الزوجية والفقيه اذا استفاد من الخبر الذي علم بصحة صدوره من الامام وعمل به فقد عمل عن علم ويقين ومقلده لم يتكل على هذا العالم الا لعلمه ان مقلده قد استند الى ركن ركين.
فأين الظن المحلل للمقلدين حتى يحدد بظن الاحياء من المجتهدين دون الميتين.
انما الممنوع منه تقليد من يعتمد على الآراء والاهواء والظنون والتخمين لان هذا ميت في الحين كما ان ذلك حى في الميتين([6]).
 
 
الشبهة الثانية للمانعين
قالوا اذ مات العالم المجتهد مات علمه بموته لان علومه ظنون وهي عوارض الحياة وما الكتاب الا نقوش حاكية فاذا ذهب الرأي بذهاب صاحبه بطل الحاكي بذهاب المحكي.
والجواب ان هذه فلسفة يكذبها الخبر المستفيض بأنه «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح» فالخبر الصحيح صريح بأن علمه باق وينتفع صاحبه به لانتفاع الناس به
نعم العلم الذي يموت بموت صاحبه ذلك العلم الذي يكون وليد الاهواء والظنون المسبب للضلال والاضمحلال لقوله(صلى الله عليه وآله) «من ترك سنة نبيه ضل» وقال صادق المقال: «من أخذ علمه من الكتاب والسنة زالت الجبال قبل ان يزول» وذاك هو العلم المأخوذ من آل الرسول(صلى الله عليه وآله) واما حكايه الحكاية - فهل يا ترى بين ايدينا الا نقوشاً تحكي الروايات الحاكية عن قول الامام(عليه السلام): الحاكي أقوال النبي عليه وآله الصلاة والسلام واحاديثه الحاكية عما في القرآن الذي نزل به جبرئيل الامين الذي تلقاه من وحي الرب الجليل وهذه المحكيات ان هي الا الفاظ وتقاطيع اصوات ذهبت في غياهب الاجواء. فاذا لم يكن في الحاكي فائدة ولا يقوم مقام المحكي اذن ليس عندنا سنة ولا قرآن فالى من المفزع قبل ظهور مولانا صاحب الزمان.
ثانياً: ان العلوم والمدركات قائمة بالروح الانسانية وما الجسد الا شأن من شئونها ونسبتها اليه نسبة المتقوم بالمقوم. والعلوم والملكات تصحب الروح الانسانية كما حقوق ذلك في علم النفس ومن اراد ان يقف على الحقيقة من ذلك فليلم به بعض الالمام بل تلحقه خواص الانسان من الفرح والحزن اللذان هما من عوارض النفس الانسانية قال ابو عبد الله(عليه السلام)في جملة حديث له: «ان الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى اليه.» وهي لا تنفصل عن البدن كل الانفصال بل يبقى لها اتصال به بخيوط من شعاع نورها وريثما يرجع المشيع بعد الاقبار تدخل الجسد الى الحقوين. فاذا فرغت الملائكة من سؤاله فاقت هذا البدن وتقمصت البدن البرزخي الى ضياء وفسحة او الى ضيق وظلام الى يوم ينفخ في الصور النفخة الثانية المنعشة للابدان بولوج تلك الارواح فيها كما كانت في الدنيا. فالكتاب نحو من الوجودات لقول العالم يحكي استفاداته وفتاواه التي صحبت روحه الانسانيه فهو لم يزل يوصف بالعلم والفقيه والحجة من الامام على رعاياه. كما هو الشأن في وصف علي ابن ابي طالب(عليه السلام) بأمير المؤمنين ووصف الامام بأنه الحجة على جميع الانام وبالاخص العلماء في حديثه الذي يقول فيه «فهم حججي عليكم وأنا حجة الله عليهم.» وكما يوصف الشيعي الميت بالمؤمن بدون تسامح أو عناية أو تجوز في الاطلاق. وما ذلك الا لقيام مبادىء هذه الاوصاف بالمذكورين حال الجري والاطلاق.
وقد أثبت العلم الحديث في معامل الجامعات: ان الروح الانسانية بعد ان تفارق الجسد باقية ولها كيان وحياة متواصلة تحمل جميع مشاعرها ومداركها كما تشعر بذلك هذه الآية: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)بل ان الاوامر والنواهي الواردة عن النبي والائمة صلوات الله عليهم في مقام بيان الاحكام حاكيات لاحكام الله سبحانه المبينه الثابتة في متن الواقع فهي كالجمل الخبرية التي تحكي عن ثبوت نسبة متأصلة خارجية.
ولأن سلمنا موت الرأي وذهابه مع الميتين فلا نسلم سقوط الاحكام التي استفادها الفقيه وافادها عن الاعتبار لان رأيه ليس جزءاً مقوماً لفتواه ولا شرطاً لها كي تبطل بفواته كما يبطل كل مركب بذهاب أحد أجزاء قوامه وكما يبطل كل شرط بذهاب شرطه وعلته الموجبه لوجوده وعلامة له ليس الا كاشف عن قول الحجة وعلامة له ومعرف اياه ولا يتبع المنكشف الكاشف بالذهاب ولا المعلم بذهاب العلامة بلا ارتياب ولو قلنا بأن موت صاحب الكتاب يوجب سقوط الكتاب وعدم التعويل عليه لانسد باب التعويل على أقوال الرواة والمعدلين والجارحين والوسائط في تحمل العلوم عن الاموات.
ثم ان هذه الاقاويل ان هي الا افكار وانظار لا تقاوم دليل الفطرة الذي اعتمدنا في دليل المسألة عليه لان الافكار والانظار تخطىء وتصيب والفطرة لا تتبدل ولا تتغير ولا تخطىء فهي ثابتة دائمة على مدى العصور والاعقاب وليست تابعة لافكار البشر وانما البشر تابع لها لانها امر تكويني (ولا تبديل لخلق الله).
ومغزى القول ولب الامر وحقيقة الحال ان المقلد لا يعتمد على رأي العالم ولا فكره وانما يتكىء على علم الامام الثابت في احاديثه المدلول عليه بعباراته وجملة التي فهمها العالم لاحاطة علمه بمداليل الالفاظ وأوضاع التراكيب ومعاريض الكلام فليس شأن العالم والعامي الا كشأن المحامي وموكله فان صاحب الدعوى قد اعتمد في تخليص حقه على محاميه والمحامي لا يرتأى له بفكر من عنده يحتج به لموكله في دعواه وانما يدلل على ذلك بما يرويه للحاكم ويدلي به اليه من مواد القانون وقضاياه فكل من المحامي وموكله قد قلدا - في حقيقة الحال - نصوص القانون واعتمداه وليس الفارق بينهما الا ان المحامي درس القانون وفهم شرح نصوصه وجملة معناه وموكله يفهم مجملا ان في القانون مواد اذا استند اليها وكيله امام الحاكم العادل سوف تنجحه في دعواه. فأنت ترى في المثال والنظير كلا من الموكل والوكيل قد اقتديا بالقانون الذي جعل مدركا لاحكام المحكمة وليس المحامي الا واسطة كنائب عن موكله في رواية احكام القانون التي يدلي بها لدى الحكام والمقلد الحقيقي للاثنين بل للحاكم ايضاً في البين هو القانون ومؤلفوه بل المؤلف بالخصوص وان كان مؤلفوه الذين ارتأوه من الميتين فانه لا يخل بالاعتماد عليه موت مرتأيه اذا كان المرتاء الذي هو نقطة الاعتماد محفوظا في الصدور ومحرراً في الاسفار فالفقيه المقلد والمحامي الموكل في المحامات ليس من شأنهما الا درس القواعد الكلية ووعيها التي هي بطبيعة حالها تنحل الى قضايا جزئية وصغريات تكون مسألة المستفتي المقلد وقضية المدعي احد تلك الجزئيات المندرجة في عناوين تلك الكليات.
على ان مسائل الفقه اغلبها جزئيات ومشخصات لموضوع من المواضيع وتشمل غيره من الموضوعات بدلالة التنبيه او الاشارة أو غيرها من الدلالات. فان الذي قال للنبي(صلى الله عليه وآله) هلكت واهلكت جامعت اهلي في شهر رمضان كان شخصاً واحدا معيناً الا ان جواب النبي(صلى الله عليه وآله) اليه بقوله: كفر يشمل كل صائم جامع في شهر رمضان بل ان بعضهم الحق بالجماع الاستمناء لانه شبيه الجماع ووسعه بعضهم فسرى الحكم لكل مفطر وان لم يكن جماعاً أو شبيه الجماع وقس على هذا المثال مثله من الاشباه والامثال. فان طالب القسمة في ملك من الاملاك مثلا لافراز حصته منه عن حصص مشاركيه فيه اذا كان يجهل مقدار ميراثه فيه وما هو بالغه من السهام تقدم الى فارض فقيه في مسائل فيه اذا كان يجهل مقدار ميراثه فيه وما هو بالغه من السهام تقدم الى فارض فقيه في مسائل الميراث وماهر في تخريج السهام السليمة من الكسور والانقسام فطالب القسمة في هذا المثال قد قلد هذا الفارض الفقيه في اعمال فريضة له تعين استحقاقه من بين السهام والفارض المذكور يعمل تلك الفريضة على ضوء ما وعاه من مسائل الارث وقواعد الحساب وهذا الفارض لم يكن هو المشروع لاحكام الميراث ولا هو الواضع المبتكر لقواعد الحساب وانما درسها على معلم او فهمها من كتاب والمدرس اخذها من آخر وهكذا دواليك حتى تصل تسلسل الانساب الى مشروع الاحكام والمؤسس الاول لقواعد الحساب فانه بالحقيقة هو العالم المقلد المقتدى به لكل من هذه السلسلة من طالب القسمة الى المؤسس الاول لهذه الفروض والاحكام وما بين الطرفين وسائط ونقله لهذه العلوم ممن احاط بها علماً الى من يجهلها من الطالبين([7]).
وقس على ذلك كل معمد ومختار ومهندس ومعمار وما يدخل في هذا المضمار فان جميعهم بمثابة الضرير عندما يستهدي الطريق من بصير فان الضرير قد اعتمد في حقيقة الحال على الدليل الذي هو يفقده ويجده البصير اعني به نور بصره وسناه.
فما يهم صاحب الدعوى وطالب الفريضة وجالب المهندس لتخطيط عرصة الدار من مهامهم من موت مؤلف القانون وواضع قواعد الحساب وموت اقليدس مؤسس الهندسة وما الذي يضيرهم من ذلك ما زالت علومهم قد وعتها الصدور وسجلتها الاسفار وما دام لها من احاط بها دراسة واختبار.
وهل سمعت اذناك ان احداً توقف او شك في الاعتماد على هؤلاء الوسطاء من جهة موت المؤسسين لهذه العلوم -كلا- وكأن العلامة المحقق المجيد الشيخ حسن نجل العلامة العظيم الشهيد قدس سرهما عنى هذه الشبهة اذا استنكرها في معالمه فقال: والحجة المذكورة للمنع (منع تقليد الميتين) على ما وصل الينا من كلام الاصحاب ردية جداً لا تستحق ان تذكر.
فاذا احرج موقف المانعين بتزييف هذه الشبهات فزعوا الى الدليل البغيض المستعار وهو الاجماع وهذا الدليل العليل معلوم الحال فان اكثر الاجماعات التي ادعوا تحصيلها هي محل للنقاش والخلاف وبالاخص هذه المسألة فانها لم تكن محررة في زبر الاولين وعندما حررت وقع فيها اكبر خلاف وشتى الاقوال فبين من لم يجوز التقليد بتاتاً وهم الحلبيون وبين من أجازه مطلقاً وهم أكثر المحدثين وكثير من المجتهدين ومنهم من اجازه بدليل الانسداد عند الانسداد قال الشيخ المار الذكر قدس سره: الحق امتناع الاطلاع في زماننا هذا اي في زمن الشيخ الطوسي الى زماننا وما ضاهاه من غير جهة النقل ويعني بالنقل الاجماع المنقول وهذا عندهم غير معتبر ولا مقبول الا ان يكون النقل بطريق التواتر دون الاحاد الا ان الشك في صحة أصل الاجماع يغني عن رد المنقول منه. فان الاجماع عندهم هو اتفاق من يعتبر قوله في الفتاوى والشرعية على أمر من الامور الدينية وقالوا في وجه الحجية فيه هو وجود قول الامام في جملة أقوال المجمعين ودخوله فيه لانه رئيسهم والخطأ عليه مأمون لانه الامام المعصوم فنقول - اولا اي ملزم على الامام(عليه السلام) الذي غيبه الخوف من الولاة حتى اخذ الحيطة لنفسه ودمه ان يراق فمنع عن ذكر اسمه على الحضار ان يحضر مع المجمعين وعلى تقدير ذلك فمن يقدر ان يحصيهم مع تفرقهم في البلاد والمشهور المعروف منهم أقل من المخفين وعلى تقديره من أين يعلم ان مستند فتواهم جميعهم كان قول الامام فمن المحتمل غير بعيد ان يكون استند الى دليل آخر غير نص الامام سيما في هذه المسألة التي تسابقت فيها الافكار. ومع هذا الاحتمال سقط به الاستدلال نعم الاجماع الذي لا يتطرف فيه هذا الاحتمال ذاك اجماع الفقهاء المتقدمين الذين لا يفتون الا عن سماع من الامام او من خبر رواه عنه ثقاته العظام أما اذا اتفق تكون اجماع على ما ذكر في صدر هذا المقام فانه حجه بدون كلام لانه يكون من المتواترات وهي من الضروريات المسلمة الحجية عند الخاص والعام ومسائلها لا تدخل في مسائل التقليد والاجتهاد وهي نظير وجوب الصلاة والصيام واستدل بعضهم على انحصار التقليد بالاحياء بقوله تعالى: (واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)وبقوله تعالى: (وان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) وقوله عز وعلا: (فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليه لعلهم يحذرون.) فان السؤال المذكور في الآية الاولى لا يكون الا بمواجهة ومقابلة وهي تستلزم الحياة كما ان نشر القضية التي يكون فيها جدال ونزاع لا يكون الا في محضر فيصل حي يفصل في النزاع كما هو مورد الاية الثانية وكما ان الحذر والحزن لا يتأتي الا من الاحياء بعد انذار الاحياء إياهم عن قبائح الاعمال.
الجواب: ان الآية الاولى قد جاء تفسيرها عن الائمة(عليهم السلام) مختصة بهم وان الذكر هو القرآن ولان سلمنا دلالتها على سؤال المقلد للعالم الحي فلا تدل على انحصار التفقه من طريق هذا السؤال
والثانيه تخص الخصام ولا يكون الحاكم بطبيعة الحال إلا من الأحياء ولا يفصل الخصومة كتاب القضاء حتى لو كان مصنفه اعلم الاحياء في جميع الاحياء
والآية الثالثة لا نسلم انها في التفقه بأحكام الصلاة والصيام ونظائرها من الفقه المصطلح بل هو التفقه في محاسن الاعمال والنيات المنجيات من وخائم مساوىء الاعمال والموبقات كما اشرنا اليه في صدر الكتاب ولان سلمنا ذلك فان الاية الكريمة لا تدل الا على انه يجب على المسلمين ان يتفقهوا في الاحكام من الحي او يجب على الفقهاء الاحياء ان يفقهوا الجاهلين لا أزيد ولا أقل ولا تدل على انحصار التفقه بالاحياء الا بدلالة مفهوم اللقب الذي لم يقل به احد وانما التفقه من العالم الحي احد الطريق اليه فلا يناقض التفقه من رسائل الميتين. ولو كان للحياة مدخل في ذلك المقام لكانت المواجهة والمشافهة ادخل في المقام والحال انها لم يعتبرها احد منهم بلا كلام.
وحق القول وخلاصة الكلام ليس الفقه الجعفري من الظنون ولا قلب الفقيه الجعفري مختزناً للظنون وانما فقهه علم ودراية وعاه قلبه المستنير بنور الولاية من علوم القرآن والرواية ومقلده لم يقلده الا عن يقين جازم بأن مرجعه لا يعمل بالظن والتخمين وانما يستند الى ركن ركين ودليل سديد احاط مرجعه به خبراً بالتفصيل والمقلد بالاجمال فاذا كان اعتماد المقلد على الاحكام الصادرة الملتقات من الامام بتوسط نائبه المخول بالتبليغ فأي دخل لحياته وموته وأي فرق بين تلقيها من الخطاب أو تلقيها من الكتاب بل الكتاب للاستفادة أفيد وللمطالعة أعود من الخطاب فاذا سجل الفقيه فتاواه في كتاب ومات فقد مات الواسطة لنقل علم الامام وهو غير ضائر بالمنقول.
نعم الشريط الوحيد الواجب الاعتبار الذي ليس عنه محيد وتواترت به الاخبار في المرجع للتقليد والمخول له في الافتاء ان يكون مستنداً في فتاواه الى الادلة المسلمة الحجية والاعتبار وهما الكتاب والسنة المتلقاة من الائمة الاطهار(عليهم السلام) وان لا يدين بحجية غيرها ولا يركن عليه في الاستنباط.
لذلك انحصر التقليد عندنا بالمحدثين الذين اقتصروا في الاحكام على تلك الادلة المسلمة والذين يؤلون مذاقهم على ما يطابق مرام امامهم ولا يثقون بتقليد من يدين بحجية الافكار والانظار ويؤلون مرام الامام على ما يتفق ومرادهم لان العقول تخطىء وتصيب اما الاخبار فالخطأ فيه مضمون والأخذ بها مأمون من العثار.
قال(عليه السلام): «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» وقال الرضا(عليه السلام): «اذا اخذ الناس يميناً وشمالا فالزم طريقتنا فان من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه وان ادنى ما يخرج الرجل من الايمان ان يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين الله بذلك ويبرأ ممن خالفه» هذا وقد نسب بعض المشتغلين في منضومه له عملها في التقليد الى المقدس العلامة الشيخ حسين القول بحرمة تقليد الاموات مستنداً له في ذلك الى عبارة له مقحمة في جواب المسئلة السادسة والعشرين من مسائل الدهلكية وحيث ان العبارة المشار اليها لا دخل لها في مسئلة السائل دخلا مباشراً لذلك جائت مختصرة مجملة وبالنظرة الأولى العابرة متشابهة وصارت بالامكان لمن (يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه) وابتغاء التعمية على البسطاء ان يستغلها كاحبولة يصطاد بها الاغبياء لغاية العدول عن تقليد علامه العصور الذي كان ولم يزل مرشداً بسداد رأيه ولوامع أفكاره المسترشدين والرواد.
وليست هذه الدعاية الفاشلة بالاولى لاهلها بل هذه للمرة الثالثة -على ما وصل الينا- من نوعها وكانت الاولى بتوسط الدس في كتب الشيخ والتزوير ولا ينبئك مثل خبير فاستخبر الحال من هذا السؤال الذي وجهه الشيخ علي بن الشيخ عبد الله البورى الى خاله العلامة الاوحد الشيخ محمد بن الشيخ أحمد الذي هو أخو الشيخ الكبير قال السائل المذكور: ما يقول مولانا الامجد الشيخ محمد دام ظله: في مختار شيخنا العلامة المقدس المبرء من الشين شيخنا الشيخ حسين رحمه الله في المسائل اليوسفيه: هل يختار جواز تقليد الميت ابتداء واستدامة مطلقاً أم مع عدم الفقيه الحي وأما العبارة التي في آخر جوابه في نسخة عندنا فالقرآئن تدل على انها حاشية من غيره ادخلها الكتاب في ذلك الجواب لما نرى من اطلاق جملة من كلماته في الرد على الاصحاب حيث انكروا جواز تقليد الاموات مطلقاً من غير قيد كما في شرح مقدمة المفاتيح وغيرها الى آخر السؤال قال الشيخ المسئول -اعلا الله مقامه في الجواب: الجواب وعلى الله التوفيق للصواب: اعلم ان هذا الشيخ المذكور خدين الولدان والحور توفاه الله تعالى على القول بجواز تقليد الميت ابتداء واستدامة بل ترقى الى جوازه ولو لم يكن الواسطه الا كتابه لم يتغير عن ذلك ولم يتبدل الى آخر الجواب في 14 ج1/1247.
وكانت الثانية اشاعة شفوية اشار اليها العلامة الامجد المرزا محمد بن الميرزا علي بن الميرزا محمد المحدث الشهير الشهيد القتيل قد نبه عليها في سؤال له للشيخ محمد المار الذكر قال الميرزا: قد نسب بعض المشتغلين الى شيخنا المبرء من الشين الشيخ حسين آل عصفور قرنه الله مع الولدان والحور تحريم تقليد الميت ابتداء ولم اعثر له في كلام.
والظاهر مقصده (ذلك المشتغل) عدول البقية ممن لم يدرك هذا الشيخ رحمه الله كالشبان والكهول الى الحى من العلماء في العراق قال الشيخ محمد في الجواب: لا شك ولا ريب ان هذا الشيخ المذكور خذين الولدان والحوريرى تقليد الميت ابتداء واستدامة حتى لو لم يكن الواسطة الا كتابه هذا اذا كان من أهل التقليد فانه حيا كهو ميتاً وكذلك كتابه.
وأما من سلك غير جادة النجاة التي هي عبارة عن التمسك بالثقلين فان تقليده غير جائز في الحالين الى آخر الجواب 22 / 12781 رأيت كيف ان هذين السائلين العظيمين قد عرفا ان نسبة هذا القول الى الشيخ انما هي دعاية الى الغواية يعرفان هذا المعنى الى الغاية وانما قصدا تأييد دحضها وابطالها بقلم عظيم من عظماء اسرته واعرف الناس بمذهبه وسيرته فبت ذلك الخبير بأنه قد توفى الله عمه على هذا الرأى من تقليد الميت مع وجود المجتهد الحي ولو بالرجوع الى كتابه اترى ان هذا الشيخ وغيره من مشايخ اسرته وتلامذته لم يطلعوا على عبارة الدهلكية فلم ينسب احد منهم هذا الرأي اليه أم أنت أعرف بكلامه ومرامه من اولئك العلماء العظماء من تلامذته واقوامه.
واليك ايها الناظر المسئلة الدهلكية انقلها اليك من اولها الى محل الشاهد منها.
قال السائل: ما يقول شيخنا في امام الجمعة ومن له اقامتها في زمن الغيبة على تقدير الوجوبين التخييري والتعيني وعلى تقدير انه الفقيه الجامع الشرائط الفتوى فلو صلاها غير الفقيه فصلى خلفه من يقلد من يعتبر الفقيه - حياء وعشره- واعادها ظهراً بعد ذلك أكان داخلا في قولهم: الجامع بين الظهرين كالجامع بين الاخنين والحال ان بقربها أقل من فرسخين تصلى فيه جمعه يصليها غير فقيه جامع الفتوى ايجب الحضور عنده ام لا.
الجواب عن فروع هذه المسئلة المعضلة في أوقات الغيبة والموقعة للعباد في الشبهة والريبة حيث قد رجعت العباد بعد فقهائهم بالخيبة فلا أئمة لهم سوى الموتى من أحد الجهتين الذي (كذا) لا يجوز تقليدهم مع وجود الفقيه الجامع في الحالين فمصلى الجمعة في هذه الاعصار حيث لم يبلغ هذه المراتب والمقدار لا يجب على العباد السعى الى جمعته (انتهى موضع الحاجة) فانت ترى ان هذه العبارة وهي قول الشيخ (فلا أئمة لهم الى قوله في الحالين) ليس لها كثير مدخل في السؤال وانما وقعت حشوا في الجواب لان السؤال عن جمعة غير الجامع لشرائط الفتوى وعن من له منصب الجمعات من الائمة الذين يتقدمون الى محرابها ولم يسئل السائل عمن يصح تقليده ومن لا يصح تقليده وانما ذكر الشيخ ذلك استطرادا فلذلك أجمل العبارة وصارت تشابه المشتبهات وربطها بالجواب فقال (لا أئمة لهم سوى الموتى من أحد الجهتين) يعني بالائمة أئمة الجمعة وبالموتى من أحد الجهتين هم المحرومون من الدرجة العالية من العلم وهم الموتى في الحيين وهي احد حالتى الموت وهو أردأ حالا من الميت في الميتين وهم الذين لا يجوز تقليدهم ولا الاقتداء بهم (مع وجود الفقيه الجامع للشرائط وتحققه في الحالين في حال حياته وفي حال وفاته) والقرينة على ان مراده بالموتى من احد الجهتين هو ميت الجهل ان امام الجمعة لا يكون ميتاً وهذا المعنى من هذه العبارة هو ما شرحه الشيخ محمد وأوضحه بقوله (هذا اذا كان الى قوله في الحالين) واليك ماهو اصرح وأوضح من عباير الشيخ نفسه قال عليه الرحمة في اللوامع عند شرح عبارة مفاتيح الفيض وهي قوله (واعترف اكثرهم بعدم جواز تقليد الميت) قال الشيخ حتى نقلوا على ذلك الاجماع من المتقدمين والمتأخرين وأيقنوا بذلك ان لا قول للميتين واحتجوا على ذلك بحجج واهية قد بنيت على الظنون والتخمين وأخذ في سرد حججهم وردها الى أن قال وتارة يقولون وهو المتصلف منهم: ان الاخبار الواردة بجواز الرجوع الى العلماء في الحكم والقضاء مقصورة على الاحياء الى ان قال وهذا أقوى دليل على ما قالوا لكنه مدفوع بعموم اخبار امرت بالرجوع الى أقوال من اتصف بهذه الصفات وان مات الى ان قال وقد اوردنا تلك الاخبار في البراهين النظرية في أجوبة المسائل البصرية وبينا فيها انه لا فرق بين حيات الفقيه ومماته اذا كان متمسكاً بالعروة الوثقى التي ليس لها انقصام اذ التقليد في الحقيقة انما هو للامام. واما من تنكب عن هذه الطريقة الى قواعد أهل الاصول المؤسسة على التخمين والمتجافية عن طريق اهل اليقين فلا يجوز الرجوع اليه فهو في الاحياء من الميتين ولقد قلد المتأخر منهم المتقدم في هذه المسئلة ولم يأتوا بشيء مبين انتهى موضع الحاجة من هذا المقام.
وقال في البراهين النظرية متى تحقق الفقيه واتصف بالامور المشروطة فيه واقتصر على حكم السنة والكتاب وحبس نفسه على احاديثهم في جميع الابواب وجب على الرعية قبول ما يلقيه من الاحكام لانه الخليفة بعد الامام ومن هنا وجب الرجوع اليهم وان الراد عليهم كالراد عليهم(عليهم السلام) وانه لا فرق بين حياته ومماته.
ثم قال واما من انحط عن هذه الطريقة وجاوز أصحاب هذه السليقة بان لا يكون معتمداً على هذا المدار بل يتعدى الى الاصول المخترعة والانظار فهو غير جائر التقليد حتى في الحياة فضلا عن الممات لاعلان الآيات بالمنع عن الاخذ عنه فضلا عن الروايات. وبهذا يظهر: ان ما اشتهر بين متأخر الاصوليين من الاصحاب من المنع من تقليد الميت مطلقاً من المسائل المخترعة والاراء المبتدعة وحيث ان حججهم عليه موكولة الى الاوهام أو اجماع غير تام اعرضنا عن ذكرها في هذا المقام.
ومثله بدون تفاوت في المعنى وما فيه المغنى ما ذكر في جواب المسألة الثانية من مسائل المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية وقد بين في هذا الجواب، اختياره في عدة بحوث من مسائل التقليد والاجتهاد.
قانه قال: اولا ان هذا السؤال مبنى على دعوى رجوع المكلفين الى الاعلم بمسائل الدين كما عليه جماعة من الاصوليين وقال لم نقف لهم على دليل سوى الظن والتخمين وأخذ في سرد الاقوال والادلة. وترجيح اختياره وان التراجيح انما يجب اعمالها في موارد الاختلاف بين الاخبار لا غير.
ثم قال لا يشترط في تحقق الامتثال في أخذ الاحكام مشافهة الامام(عليه السلام)، بل يكفى الاخذ عنه ولو بواسطة في حضوره وغيبته الى يوم القيامة. ثم قال ويشترط في الفقيه ان يكون متعرفا ذلك عن الائمة الاطياب. وشرح شرائط الاستنباط.
ثم قال فظهر لك من هذه الروايات وامثالها وهي بالغة حد الاستفاضة وان اقتصرنا على حد القليل منها للاستغناء به بما يأتى من الدعوى: انه متى تحقق الفقيه واتصف بالامور المشتركة واقتصر على حكم الكتاب والسنة وحبس نفسه على احاديثهم في جميع الابواب وجب على الرعية قبول ما يلقيه من الاحكام لانه الخليفة بعد الامام. ومن هنا وجب الرجوع اليه والراد عليه راد عليهم. لا فرق بين حياته ومماته لما عرفت انه من جملة نقلة حديثهم ورواته فقوله كسائر الروايات المودعة في سائر الاصول. بل في الكتب الاربعة.
ثم قال وأما من انحط عن هذه الطريقة.. وجاوز أصحاب هذه السليقة بان لا يكون معتمداً على هذا المدار. بل يتعدى الى الاصول المخترعة والانظار فهو غير جايز التقليد حتى في الحياة فضلا عن الممات. لاعلان الآيات بالمنع من الاخذ عنه فضلا عن الروايات. وعلم بهذا ان ما اشتهر بين متأخري الاصوليين من الاصحاب من المنع عن تقليد الميت مطلقاً من المسائل المخترعة. والاراء المبتدعة وحيث ان حججهم عليها موكولة الى الاوهام أو اجماع غير تام اعرضنا عن ذكرها في هذا المقام.
ثم بين مسألة التجزى فاختاره تبعاً لعميه في الحدائق والاحياء ثم بين انه مع وجود ذلك الفقيه المستجمع لشرائط الاجتهاد لا يجوز لغيره ممن انحط عن رتبته تولى شيء من الامور الحسبية فضلا عن الحكم والفتوى وان تلبس بلباس العدالة والتقوى ثم بين انه مع فقده فيه أقوال واختار عدم جواز تصدى هذه الامور من القضاء والفتوى للقاصر عن درجة الاجتهاد. وان مستنده في ذلك ليس هو الاجماع وانما هو اخبار وروايات واعقب هذا الكلام بذكرها ثم قال في نهاية الجواب وانت اذا لاحظت هذه المقامات الثلاث انكشف لك المطلب من السؤال وتبين لك حقيقة الحال وهو: ان هذه الرتبة (الافتاء) المسؤول عنها لا تجوز لمن أخذ علمه بطريق التقليد ولم يسلك ذلك المسلك السديد سواء كان تقليده للاخباريين أو المجتهدين لانحطاطه عن تلك الرتبة وحصول اليقين واعتماده على الظنون والتخمين.
ثم ختم الجواب ببيان الطريق الى معرفة الفقيه الجامع وهو: انه اما بالمعاشرة أو شهادة عدلين (يعني فقيهين جامعين شرائط الاجتهاد وشرائط المرجعية) أو بعرض فتاواه مع فتاوى من تكون له القوة أو عمل أهل العلم بأقواله وبفتواه وركون العارفين من أهل العدالة الى أوامره ونواهيه.
فانكشف لك من هذه العبائر واضحاً وتبين بياناً طافحاً رأى الشيخ في التقليد: أنه متى كان الفقيه معتمداً في فقاهته على الكتاب والسنة جاز الاعتماد على فتواه في الحالين حال حياته وحال مماته فبدلا عن تعبيره في البراهين والمحاسن (باذا تحقق) قال في الدهلكية (اذا وجد) وان كان بخلاف ذلك سواء كان عامياً صرفاً وليس عنده من الفقه الا أقوال الفقهاء أو كان متجزياً أو كان غير مقتصر على الكتاب والسنة بل يتجاوزها الى الاصول المخترعة فانه لا يجوز التعويل عليه لان مثل هؤلاء غير داخلين في الماذونين من الائمة لان فقاهتهم وعلمهم لهم تعتبرهم من الاحياء في العلم بل من الاموات وهم الذين أشار اليهم في الدهلكية بقوله الموتى (بأحد الجهتين) أى فاقدي العلم الذين هم بالحقيقة من الاموات كما قال القائل:
اخو العلم حى خالد بعد موته***وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميث وهو ماش على الثرى***يظن من الاحياء وهو عديم
فاى انسان صاحب ضمير ووجدان ينسب الى علم من الاعلام قولا ينشره في الملأ العام مخالفاً لمذاقه ومنافياً لمساقه تشبثاً بعبارة مجملة مقتضبه وقعت في جواب مسألة مفترضة كجملة معترضة.
خصوصاً مثل الناظم الفاضل فانى أكاد أجزم بانه يعرف -كل المعرفة- رأى الشيخ الاقوم كما يعرف المهمل من المعجم ولكن نسبة هذا الرأى اليه بها معنى آخر أشرنا اليه فيما تقدم شقشقة نعرفها...
ويشبه ما نحن نعانيه في مثل هذه الايام كتابة رأيناها الآن في العدد 4 الدور 3 من نشر الثقافة الصادرة من كربلاء المعلا فانه استدل على وجود تقليد الحى وعدم تقليد الميت بقوله(عليه السلام): خذ بما اشتهر بين أصاحبك ودع الشاذ النادر لان تقليد الحي هو المشتهر وتقليد الميت هو النادر.
وهذا من الاستدلال غلط وتعمية فان هذا الخبر هو المسمى باصطلاح (علم الدراية) بالمشهورة وقد اتى صاحب النشرة بذيلها وترك صدرها للتعمية فانها هكذا: زرارة قال: سألت ابا عبد الله(عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتى عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما أخذ فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فان هذه الرواية تدل على ترجيح الخبر المشهور على الخبر الغير المشهور فلا تشمل ترجيح القول المشهور على غير المشهور ليصح ان يستدل بها صاحب النشرة على وجوب تقليد الحي وحرمة تقليد الميت وقد اتفقت كلمة العلماء في كتب الاصول: ان الشهرة في الفتوى لا يعول عليها كحجة ودليل ولا تشملها المشهورة لا عموماً ولا اطلاقاً اللهم الا بالقياس المنبوذ المردود الذي اخترعه ابليس الملعون المطرود.
ثم تعود بالعتاب الى ذلك الجناب فنقول: ليتك يا صاحب الفضيلة نظرت (على الاقل) الى بيان الشيخ خلف نجل الشيخ عبد علي حفيد الشيخ في شرح ديباجة السداد فانه قال عند شرح قول السداد: (ان ألف كتاباً جامعاً لفنون المسائل الفقهية الفرعية مما ظهر لدى من الكتاب والسنة المحمدية الكاشفة لاشكال الاحكام وابهامه. قال الشارح اراد بهذه العباره بيان ما قصده في هذا الكتاب من الرجوع في جميع احكامه الى الكتاب والسنة خاصة ملاحظاً في ذلك الخبر المجمع عليه بين الفريقين: اني مخلف فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا وفي ذلك تعريض بجملة من فقهائنا الذين خلطوا في مدارك الاحكام بالرجوع الى الاجماع والاستصحاب والبرائة الاصلية وغيرها من القواعد الاصولية الى ان انتهى بالشارح المقال الى شرح قول الشيخ (ينتفع به المنتهى والمتوسط والمبتدى) فقال: فعلى كل حال نفعه عام. وفي ذلك اشعار بجواز الرجوع الى كتب الفتوى وان كان بعد موت المفتين. لاطلاق عبارته حيث يرى جواز تقليد الميت والرجوع الى فتاواه المودعة في الكتب.
ولو اردنا ان نستقصى كلمات ابنائه واحفاده وسائر اسرته وتلامذته الجارين على سيرته العالمين ببجدته لطال بنا المقال.
واليك شيئاً من ذلك من باب المثل: فقال الشيخ عبد علي نجل الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي بن الشيخ حسين في كتابه لآلىء الافكار في هذا المضمار (تبصره): متى تحقق حال الفقيه واتصف بالامور المشروطة فيه وجب على الرعية قبول قوله في الاحكام. لانه الحاكم بحكم الامام فالراد عليه كالراد عليه وهو كالراد على الله وهو على حد الشرك بغير اشتباه.
ومن لم يكن من ارباب هذه السليقة ولم يكن من أصحاب هذه الطريقة واعتمد على اصول مخترعة واستند في ظنه الى ادلة مبتدعة ما جاءت بها السنة والقرآن وما انزل الله بها من سلطان فهو غير جائز التقليد في الحياة والممات لدلالة الآيات والروايات على المنع الاكيد من هذا التقليد. بهذا يظهر ضعف ما اشتهر بين متأخري الاصوليين من عدم جواز تقليد الميتين مطلقاً ابتداء واستدامه سواء وجد الحي ام لا فانه مما لا دليل عليه من كتاب ولا سنة بل الدليل على خلافه.
فالتحقيق الحقيق بالاتباع: ان كل قول مستند لكتاب الله وسنة النبي الواردة عن أهل بيت العصمة لا يموت بموت قائله لقوله(عليه السلام) «ومن أخذ علمه منا زالت الجبال قبل أن يزول.» وقوله(عليه السلام) «كل علم لم يخرج من هذا البيت فهو باطل» وانما يموت العلم اذا كان مأخوذاً من اصول بنيت على الظن والتخمين وان كان من جملة الاحياء لقوله(عليه السلام) من ترك سنة نبيه ظل.
فنلفت نظر المطالع الكريم الى قول هذا الشيخ: وانما يموت اذا كان الى قوله وان كان من جملة الاحياء فانه متفق المعنى والمبنى مع قول الشيخ وهو كتفسير لقوله في الدهلكية: الموتى باحد الوجهين.
ولو كان للشيخ هذا الاختيار الذي اشاعه عنه صاحب النظام لنبه عليه هؤلاء الاعلام الذين ما جادت بمثلهم الايام وهم في العلم والتقوى في أرفع مقام والشيخ صاحب لآلىء الافكار قد انتقل الى جوار ربه الكريم والنعيم المقيم في ابوشهر في هذا الزمن الاخير سنة 1303.
 
( تنبيه هام )
لا يتوهم من تحريرنا السابق ان تقليد المجتهد الفقيه الميت يغنى عن وجود الفقيه الحي - كلا - لان ثمرات الفقيه ليست منحصرة ولا مقصودة بالتقليد بل ثمراته جمة لها مكانتها الهامة لا يقوم بها الا الحي كالقضاء وحفظ الحوزة العلمية وابهة الشريعة والذود عنها وتولية الامور الحسبية والوضايف الدينية والتولية عليها بل ربما يكون الفقيه الحي - حتى في مرجعية التقليد أولى وأرجح اذا كان يمكن مشافهته بالاستفتاء أو مكاتبته للافتاء فان بيان الجواب -حينئذ - يكون اوضح للافهام وابلغ للانفهام سيما للامي الذي لا يقرأ أو العامي الصرف الذي لا يفهم ما يقرأ ويجهل اصطلاح الفقهاء وفي الحوادث الجديدة التي لا يهتدى الى تخريجها من مسائل الرسائل الا الطالب المحصل المراهق للاجتهاد.
ولكن مع احراز الشروط العامة المعتبرة للمراجع فيه التي صرحنا بها ولوحنا اليها في سالف البيان فافهم المراد هدانا الله سبحانه واياكم للسبيل السوي ومنهج الرشاد.
 
« اتمام »
في بيان بعض حكم التكليف وبعض شروطه اعلم: ان افعال الباري جل اسمه مبتنية على مصالح واغراض قال تعالى:(اتحسبون أنما خلقناكم عبثاً،) وقال (ما خلقت الجن والانس الا ليعبدون).
وهذا أصل من اصول العقائد الاسلامية قد اتفقت عليه كلمة جميع العقلاء والعرفاء من المتكلمين والحكماء، وانما الفرق بين الفريقين في ان أفعاله بالقصد أو بالرضا ومعنى انه فاعل بالرضا انه حيث انه تعالى خير وكمال الخير فلازمه أن يصدر منه الخير والصالح ولا يلزم أن يكون ذلك عن قصد منه وتحاشوا عن تسميته قصداً لان عندهم ان القاصد انما يفعل لصلاح الغير فيكون مستكملا بذلك وهو ينافي كماله تعالى الذي هو فوق كل كمال بخلاف ما اذا كان فعله بالرضا فان الرضا من لوازم الفاعل وهو العناية بخلقه، وأجاب المتكلمون القائلون بان أفعاله بالقصد عن اشكال الحكماء من حيث الاستكمال بان فعل الكمال لا يستلزم الاستكمال فان الفعل الكامل في حد ذاته دليل على كمال صاحبه اذ لا يقال للاستاذ انه مستكمل بفعل الصنعة «الكاملة» فافعال الباري سبحانه عن قصد وغرض الا أن الغرض والغاية ليست راجعة له لانه الغنى المطلق وانما قصده نفع مخلوقاته، كما قال العارف الرمي:
من نكر دم خلق تاسودى كنم***بلكه تابر بند كان جودى كنم
كما قال تعالى: كنت كنزاً مخفياً لم أعرف فخلفت الخلق لكي اعرف.
أي لكي يعرفونه بعود نفع معرفتهم اياه لهم لا له، وكما قال تعالى: (اتحسبون انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون) اي خلقهم ليرجعون اليه بعد الفناء.
اما الاشاعرة ففروا من اشكال الحكماء بنفي الغرض من أفعال الله جل وعلا وقالوا ان أفعاله ليست مغياتاً بغايات وليست مشتملة على حسن أو قبح فيلزم على قولهم هذا انه عابث، تعالى الله.
ومن جملة أفعال الباري سبحانه المبنية على مصالح العباد (التلكيف) وبيان ذلك يتوقف ببيان أمور الاول في بيان حسن الافعال وقبحها، اعلم ان الفعل الاختياري يتصف بالحسن والقبح مثل العدل والاحسان والظلم والعدوان ولا شك ان معنى حسن العدل ان فاعله يستحق المدح والتحسين ومستاهل لجزاء الخير وهذا الجزاء اذا كان من الله يسمى ثواباً وهكذا معنى قبح الظلم مثلا ان مرتكبه مستحق للذم واللوم واهل لاستحقاق جزاء السوء وجزاء السوء اذا كان من الله يسمى عقاباً كما لا شك ان جميع طوائف الاسلام على اختلاف مذاهبها وعقائدها سواء كان في هذا الزمان ام في السابق لا يريدون من معنى الحسن والقبح غير هذا المعنى سواء كان ذلك في محاوراتهم أم في كتبهم ومؤلفاتهم مثلا في الفارسية يقولون للحسن (نيك) وللقبيح (بد) بل جميع طبقات الاسلام حتى الكفار وعبدة الاصنام لا يوجد فرد منهم قد فهم معنى العدل يقول بانه قبيح أو لا يعرف حسنه وهكذا يقول بان القبيح حسن أو لا يعرف معنى القبيح، وهذا هو معنى ان الحسن والقبيح عقلى.
أما الاشاعرة فيقولون: ان الاشياء ليس فيها حسن وقبح ذاتي وانما الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه هو ولا يخفى ان المراد من ان حسن الافعال وقبحها عقلي ليس ان العقل مستقل في معرفة الحسن والقبيح في جميع الافعال بل المراد ان الافعال مشتملة على جهات الحسن والقبيح والعقل يمكنه أن يدركها اما بالاستقلال كمثل الامثلة المذكورة واما باعانة الشرع مثل العبادات فان العقل يدرك (بعد وردها من الشرع) بأنه لو لم يكن فيها حسن أو قبيح لما أمر بها أو نهى عنها لانها صادرة من حكيم عليم، وتكليفه بها من دون اشتمال لها على تلك الجهات قبيح ممتنع عليه، وحسن التكاليف العقليه غير محتاج الى دليل لان حكم العقل بالاحكام العقلية عبارة عن حكمة بصحة تلك الاحكام وحسنها، وأما الدليل على حسن التكاليف الشرعية فهو كونها لطف في التكاليف العقلية بمعنى: انه متى صار الانسان مواضباً على الطاعات والعبادات الشرعية مثل الصلاة والصيام وساير الطاعات لا جرم يكون أقرب حالا للعمل بالتكاليف العقلية مثل تحصيل المعرفة ومراعات الحقوق واستعمال العدل واجتناب الجور ولو لم يكن تكليفه بالشرعيات لاهمل التكليف العقلي وانتقض الغرض من خلق الخلق بتركها واهمالها وللحديث صلة لا يتسع لها المجال.
ومن شرائط التكليف اعلام المكلف المأمور بالفعل المكلف به اذا الاتيان به لا يتصور بدون قصده على وجه الامتثال والغافل عن الشيء يمتنع منه القصد اليه فلابد من التنبيه عليه.
ومن شروط حسن التكليف علم المكلف به أو امكان علمه به، فالجاهل المتمكن من العلم بما كلف به غير معذور بتركه ومنها قدرة المكلف بالمكلف به فلا يكلف الله تعالى نفساً الا وسعها.
ومنها امكان آلة الفعل فلا تكلف العاجز بالصلاة قائمة لانه تكليف لا يطاق لم يكلف الطاعة الا دون الوسع والطاقة سبحانه ما أبين كرمه وأجل نيله وأعظم احسانه.
 
    
 
      الحلقة الثانية من كتاب
 
                                   أحسن الحديث
                                                               في
                                   فقه أهل الحديث
 


بسم الله الرحمن الرحيم
الجهة السادسة من جهات الحديث في المقدمة في الاشارة الى فضل الصلاة وثواب المصلين وحال المتهاون بها ومن كان لها من التاركين.
بذكر الآثار والأخبار الواردة عن الائمة الاطهار سلام الله عليهم أجمعين.
منها عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) «عن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربهم وأحب ذلك الى الله تعالى ما هو؟» فقال(عليه السلام): «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة الا ترى أن العبد الصالح عيسى بن مريم(عليه السلام) قال: وأوصاني بالصلاة والزكان ما دمت حياً.»
والظاهر أن المراد من المعرفة معرفة الامام، والمراد من الصلاة هي الصلاة اليومية بالقرينة اللفظية والاشارة الحسية وأفضلية الشيء يدل بالدلالة المفهومية العرفية على فضله على ما سواه، كما اذا قلت ليس في أهل البلد أفضل من فلان فانه يدل على فضله على غيره وفي خبر «أنها عمود الدين» وفي آخر «انها معراج المؤمنين» وفي غيره «أنها قربان المتقين» يعني يرتقى ويصعد بها الى سماء العرفان وتوصله الى منزلة الرضوان.
قال رجل لاحد العلماء - اني لا أرى في نفسي شيئاً من الاثار المذكورة للصلاة فقال له ذلك العالم - صلى بالصفة التي ذكرتها الأخبار ترى نفسك مغمورة بتلك الأنوار.
أما تاركها والمتهاون بها فمصيره الى النار ومع الكفار سئله أحد أصحابهم(عليهم السلام) عن تعريف الكبائر وعددها فقال(عليه السلام) - أولها الكفر بالله العظيم ثم أخذ (عليه السلام) في بيانها الى أن أنهى كلامه الشريف فقال له السائل: أنك يا سيدي لم تذكر ترك الصلاة في عداد الكبائر فقال(عليه السلام) ما الذي قلت لك في أول الكلام يقصد(عليه السلام): ان ترك الصلاة والكفر سيان في درجة العصيان. وسئله عبيد بن زرارة عن تفسير قوله تعالى: (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله) قال(عليه السلام): ترك العمل الذي أقربه من ذلك ان يترك الصلاة من غير سقم.
هذا حال من كان بها من المتهاوين في أنه يعامل في الآخرة معاملة الكافرين.
أما اذا تركها عن تعمد واستحلال فهو من المرتدين عن الاسلام ويكون من حزب الكفار باجماع المسلمين.
الجهة السابعة: من جهات الحديث في المقدمة اني - وايم الحق - يا اخوان- لا الكم نصحاً ولا اطوى عنكم كشحاً فأدعوكم الى التوحيد في التقليد والأخذ بقول ترتضيه جميع المراجع لكم في الأحكام فان الاتحاد خير من الانقسام والاتفاق أولى من الاختلاف. فأما فيما اتفقت فتواهم فيه فالأمر فيه واضح لا شبه فيه وأما فيما اختلفوا فيه على طرفي نقيض. وهذا نزر قليل فالترجيح لقول الأعلم منهم -لو كان وكانت معرفته بالامكان وأما فيما لم يختلفوا فيه بتلك الصفة فيأخذ فيه بأحوط الاقوال - ان لم يتعسر الاحتياط لأنه- ما جعل الله عليكم في الدين من حرج - ولا تعسير فان العمل بالاحتياط ليس فيه كثير مشقة على المتحرز في الدين.
وقد بينا أمر هذا الكتاب على الذي وصفناه ورمزنا لصاحب الفتوى التي توافق الاحتياط بحرف يشير الى اسمه فرمزنا الى الشيخ يوسف بالحرف (ف) والى الشيخ حسين بالحرف (س) والى الشيخ عبد الله بالحرف (ع) تبصرة للمراجعين.
الجهة الثامنة: - اذا اتى الانسان بعمل على صفة من الصفات ولم يخطر في باله ولا بأدنى احتمال أن يكون للعمل كيفية وصفة شرعية غير الكيفية التي أدى العمل على نسقها وهذا هو الجاهل القاصر مثل الاعراب النازلين البوادي أو الخلق الناشئين في بلاد الشرك ولم تبلغهم أحكام الشريعة الاسلامية. فان مثل هؤلاء قد أعذرهم الله تعالى شأنه ولا اثم عليهم وعملهم مجز ومقبول.
أما العوام القاطنون في البلدان التي فيها العلماء ويشاهدون المسائل من عامة المكلفين الذين يسألون عن الاحكام ويفهمون أن هناك حلالا وحراماً. ثم يعلمون أن هناك أشياء نهى عنها الشارع وأبطال بها جملة من الأعمال ويتركوا أنفسهم في مهمة الجهل والنسيان ويجلس أحدهم في دويرة أهله ويشتغل بأمور دنياه دون آخرته معرضاً عن معرفة دينه وآخرته مع تبحره في أمور دنياه وشدة معرفته. وهذا هو الجاهل المقصر فهذا مأثوم وغير معذور ومؤاخذ بتقصيره وعمله فاسد الا أن يكون ناقص العقل كما هو المشاهد من كثير من الناس الذين لا يفرقون بين الهر والبر كغالب النساء ومن يكون في أوائل زمن التكليف من الشبان وهؤلاء تقع مسئوليتهم في غالب الظن على ابائهم وأوليائهم حيث يهملون تمرينهم على العبادات والاداب الشرعية سيما في هذه الازمان حيث اتكل الناس في أمر صغارهم على المعلمين والمدرسين والغالب في هؤلاء أنهم لا يحتفلون في مسائل الدين ولا مساس لهم في الشرعيات فهؤلاء الذين هم على هذا الحال معطوفون على الحزب الأول من الجاهلين واليك في التعليقة([8]) مسألة من مسائلهم فطالعها باهتمام أما عند كثير من الفقهاء فان جميع أحزاب الجهل يتساوون في بطلان الأعمال ولا تسقط عن الجاهل القاصر سوى الاثام بناء منهم على أن الصحة والفساد من أحكام الوضع للذاكر والغافل وليس تابعة لاحكام التكليف من تحريم وايجاب.
المسألة ـ 1 ـ الجاهل المقصر وان صح عمله في بعض الأحيان الا أن جهله بها وتقصيره في التعلم مخل بعدالته لأنه من الآثام سيما اذا تكرر ذلك منه واستدام.
المسألة - 2 - من لم يعرف شكيات الصلات وسهوياتها ومبطلاتها كلا أو بعضها وظن أو احتمل بأن يسنح له شك أو سهو أو يحدث له في أثنائها أمر لعله يكون من مبطلاتها وجب عليه تعلم ما جهله ولا يسوغ له الدخول بالصلاة في سعة الوقت قبل أن يعرف ذلك فان صلى - والحال هذه - فصلاته غير صحيحة.
أما لو ضاق الوقت ولم يتسنى له التعلم، أو كان واثقاً من نفسه انه بامكانه أن يتم الصلاة من دون حدوث أي سهو أو شك أو فعل مبطل جاز له أن يشتغل بها، فان أكملها كما تحرى فبها وصحت، وان صدر عليه شيء من تلك الاشياء وأشباهها فان عليه أن يتحرى طرفاً صحيحاً ويتم صلاته وبعد فراغه يراجع من يعرف المسألة ويشرح له صورة الحال فان صوب عمله صح وان خالف الحكم عمله اعادها. مثلا شك قبل أن يقوم في أنه أتى في الركعة السابقة بسجدة واحدة أو بالسجدتين فتحرى أن يسجد فسجد وأكمل صلاته.
وبعد الفراغ راجع العالم فصوب عمله صحت صلاته وتمت وقد انتهت مقدمة الكتاب.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] احالة المعروف الى الفطرة طريقة اختص بها القرآن ويباين بها طريقة الفلاسفة الذين يستندون الى الادلة النظرية التى يخطىء فيها بعضهم البعض. وليست معلومة الصحة كما يباين مسلك الصوفية المبنى على الرياضة والاربعينيات لانها ايضا تخطىء وتصيب وليس محروزا فيها الصواب. والمراد بالفطرة هى الجبلة والطبيعة التى تجمع نوعى الحياة: الحياة الجسمانية والحيوانية والروحانية التى توصل الى معرفة عالم المادة وعالم ما وراء المادة وهذه القوة العزيزية عبارة عن ذلك الحس الوجدانى الذى يشعر بوجود قوة فوق جميع قوى العالم ومقرراته واسبابه التى قام بها جميع مراتب العالم واستقر بها وان صاحب هذه القوة والقدرة هو خالق الارض والسماء وجميع ما فيها وذلك هو المصدر الذاتى الخصيص ومحرك الشعور والاحساس ومن امثلة الفطرة اذا احسن احد الى احد او عمل له مساعدة فانه يميل اليه بطبعه لان النفس مجبولة على حب من احسن اليها واذا اساء احد الى احد او ترك مساعدته فانه يكرهه ويبغضه وهذه الحالة لا تتغير فى البشر. قال الله تعالى (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) واختصاص القرآن بهذه الطريقة للمعرفة هو ادل شيء على انه من عند الله تعالى واقوى بينة على نبوة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولو ان القرآن استدل على معرفة الله جل وعلا بادلة الفلاسفة وعرفانيات المتصوفة لم يعرف انه كلام الله لان علومه ممتازة على علوم البشر فان علومهم اوهام. كما قال امير المؤمنين(عليه السلام) سلام الله عليه: كلما ميزتمون باوهامكم فهو مخلوق مثلكم مردود عليكم.
وهذه المعرفة اذ تناساها فى الرفاه والرخاء فانه يلتجىء اليها فى الشدة والباساء فقبل ان تجيىء الانبياء لدعوة البشر الى الله يبتلى الناس بانواع البلايا حتى يتوجهوا اليه ويذكروه يشير الى ذلك قوله تعالى (وما ارسلنا فى قرية من نذير الا اخذنا اهلها بالباساء والضراء لعلهم يضرعون).
وقة حققت التجارب: ان كل انسان لابد وان يبتلى فى عمره ولو بمشكلة واحدة فى حال يأسه من كل مساعد تلجئه الى ان يتوجه بفطرته الى الله تعالى وينسى كل وسيله سواه قال تعالى: (امن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء)بل انهم مفطورون على ذلك مذ كانوا فى الاصلاب ولسان حالهم الذى هو افصح من لسان المقال يعترف به وهو الميثاق الذى واثقهم به والعهد الذى اشهدهم به واخذ اعترافهم بمقتضاه. قال تعالى (واذا اخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا). فاذا نسوا هذا العهد الفطري وجهلوه بصرف حزب الشيطان لهم عنه يبعث سبحانه الانبياء لان يذكروهم بما نسوا ويعرفوهم ما تجاهلوا واخذ الله تعالى العهد والميثاق من الانبياء على تذكيرهم للخلق ما نسوه قال تعالى: (واذا اخذنا من البنين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا) قال امير المؤمنين(عليه السلام) واختص من ولده (آدم) انبياء اخذ على الوحى ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة امانتهم لما بدل اكثر خلقه عهد الله اليهم فجحد واحقه واتخذوا الانداد معه واحتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطفتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله وواتر فيهم انبيائه ليستادوهم: يوجهوهم الى طلب العهد والميثاق وعوده الى ذاكرتهم ( ميثاق فطرته ويذكروهم منسى نعمة: الاعتراف به جل وعلا فانها من اجل النعم واعظمها وهى اساس جميع النعم واصلها.
كل ذات وقائم بنفسه، يقال له ذات واللفظ الدال عليه اسم كزيد وعمرو وكل عرض وقائم بغيره يقال له صفه واللفظ الدال على الذات باعتبار اتصافه بصفة من الصفات صفة كقائم واحمر وابيض.
اما بالنسبة الى الله سبحانه فكل لفظ يدل على الصفة بدون ملاحظة الذات يقال له صفة كالعلم والقدرة والارادة وامثالها. ومعانى هذه الالفاظ فى غير البارى يقال لها صفات كما مر واللفظ الذى يدل على الذات باعتبار اتصافها بصفة يقال له اسم كالعالم والقادر والمريد وامثالها. فالالفاظ: العلم، القدرة، الادارة، المشيئة الحياة، وامثالها صفات الله. والالفاظ عالم، قادر، مريد، شائى، حى، وامثال هذه اسماء الله سبحانه فما هو بالنسبة الى الباري جل وعلا اسم هو صفة بالنسبة لغيره.
طلب احد الملوك من احد العلماء: ان يتولى له القضاء فابى عليه اشد الاباء فطلب منه ان يعلم اولاده فاعاد الاباء ففكر الملك مليا في علاج تبديل عزيمة ذلك العالم وارادته فاعاد عليه الطلب وقال له لابد لك من احدى ثلاث: اما ان تتولى القضاء واما ان تعلم اولادى واما انن تاكل عندى وجبه غداء فراى ذلك العالم ان ثالث خصال التخيير خفيفة عليه فقبلها فامر الملك طاهى الطعام ان يطبخ للشيخ طعاما نفيسا معمولا من المخاخ والسكر الطبرز والزعفران وقدم اليه فلما تملى منه وتسرى الى قلبه وحشاه اعاد عليه الملك تلك الخصال فتقبلها كلها بقبول حسن وامتثال فتولى القضاء وعلم اولاد على ما يرام وتبدلت تلك العزيمة الحكيمة الى ارادة ضعيفه اثيمة من ذلك الطعام.
وقد اخبر موثوق به: ان شخصا كان شديد الغيرة على نسائه جدا بحيث يغار اذ ذكر اسم زوجته ولكن بعد ان عاشر اصحابا له من اولاد الحرام ياكلون لحم الخنزير والميتة والمجلوب من بلاد الافرنك وواكلهم تحللت تلك الغيرة الشديدة الاكيدة بالتدريج الى ان ال امره (بالاختصار) ان اولم لاصحابه وليمة وامر تلك التي كان يغار من ذكر اسمها بعد ان قدمهم اليها وقدمها اليهم ان تقدم لهم الطعام حاسرة بلا حجاب وبعد ان تملوا من كؤوس الحميا امرها ان ترقص امامهم وتعانق الاصحاب.
والشاهد: ان للاكل الحرام تاثير في الاخلاق السيئات كما ان الاكل الحلال الطيب تأثير في الاعمال الطيبات قال تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا).
[2] والصحيح: القول الشارح.
[3] ومن اراد ان يلم بهذا العلم وينور قلبه بانواره ويستفيد من كتبه واسفاره فعليه بحقائق الفيض وجامع الزاقي قدس سرها فانهما اجمع المجامع لحقائق ذلك العلم النافع في علاج القلوب المريضة من الاثام واياك اياك وكتب المتصوفين فانها -وان بلغت الغاية في بيان درجاته وطبقاته بحسن تحرير ولباقة تعبير الا ان فيها سم مدسوس وخلابة ترغب المطالع الى ما هم عليه من العقايد الشاذة والممقوتة.
[4] علم النبي(صلى الله عليه وآله) لدنى «وعلمناه من لدنا علما» بدون واسطة بشر بل الهاماً او وحيا أو بواسطة جبرئيل(عليه السلام) ولما تخرج(صلى الله عليه وآله) من هذه المدرسة (اللدنية) اعطى شهادة عامة عالمية (انا ارسلناك للناس بشيراً ونذيراً).
واذا تخرج على ابن ابي طالب من مدرسة هذا الرسول ظهرت شهادته من الرسول (علي مع الحق والحق مع علي) (من كنت مولاه فعلى مولاه). وخطب على منبره بشهادة الحسن والحسين(عليهما السلام)(ولداى هذان امامان قاما او قعداً).
هؤلاء لا يخطئون ولا ينسون ولا يعسر عليهم جواب اى مسئلة مهما تكن معضلة ومشكلة ويعلمون العلل الواقعية للاحكام لا بالقياس والاستحسان.
سئل الامام جعفر ابن محمد(عليه السلام) «ابا حنيفة: بم تفتى الناس؟ فقال بالقرآن فقال له فان لم تجدها في القرآن فقال بالسنة فقال له فان لم تكن بالسنة فقال اقيسها برأي» يعنى يتحرى علة حكم من الاحكام فاذا رآها في موضوع آخر قاس عليه حكم ذلك المجهول مثلا يتحرى ان علة تحريم جماع المحارم هو مباشرة بشرة عورة الولد لامه فاذا قال له سائل: انى الف على ذكرى قطعة حرير واجامعها فان عليه ان يجيبه ان عملك جائز وحلال لان علة الحكم مفقودة.
فقال(عليه السلام): «الصلاة اهم عند الشارع ام الصوم؟ فقال الصلاة افضل واهم لانها عمود الدين فقال(عليه السلام)فما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة فلم يعرف الجواب فقال له باطن الرجلين اكثر تعرضاً للنجاسة ام ظاهرهما فقال بل باطنهما فقال: فلم وجب مسح ظاهرهما دون باطنهما.»
وهكذا سرد له الامام عدة اسئلة من هذا القبيل التي تعاكس احكامها القياس ثم قال له «اياك يا ابا حنيفة والقياس فان اول من قاس ابليس والدين اذا قيس محق.»
ومثل ذلك ما استغربه ابان ابن تغلب احد اصحاب الصادق(عليه السلام) المبرزين قال له ما تقول في رجل قطع اصبع امرءته فقال(عليه السلام) «عليه عشرة من الابل فقال فان قطع منها اصبعين فقال عشرون فقال ابان فان قطع ثلاثة فقال ثلاثون. فقال فان قطع أربعة فقال الامام: عشرون فقال ابان: كيف يكون يقطع منها اصبعان يكون عليه عشرون واذا قطع اربعة ليس عليه الا عشرون؟ كنا نسمع هذا فنقول ما جاء به الا شيطان فقال(عليه السلام) مهلا يا ابان انك قد اخذتني بالقياس والحكم اذا قيس محق الدين ان المرئة تعاقل الرجل الى ثلث الديه فاذا بلغت الثلث رجعت الى النصف.»
هذا هو الذي يعرف علة الحكم على حقيقتها وانها ليست الاولوية التي ظنها ابان لان العلة ليست هى الاصبع فقط بل هى مع الشرط الاخر وهو مراعات نقصان دية المرئة عن دية الرجل بالنصف (العقل بفتح العين) هو الديه.
اقول: هذا هو علم النبي والامام عليهم الصلاة والسلام الذى اذا تعلمه منها المسلم انار له الطريق الى الرفيق الاعلى في ارفع مقام كما قال تعالى: (يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه يسعى نورهم بين ايديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى تحتها الانهار).
وفقنا الله تعالى للاقتداء بهم والاهتداء بنورهم ووقانا بهم من كل ظلم وظلام.
[5] ولان تنزلنا وقلنا بان الدلالة ظنيه الا ان هذا الظن مستند بالاخرة الى الاذن بالتعويل عليه المعلوم بالقطع من أمرهم(عليه السلام) بالرجوع الى احاديثهم والعامل بها ليس عاملا بالظن او لان الظن المستفاد من الكتاب والسنة ليس ظنا بل علم والعلم المأمور به هو هذا لا ما يرفع النقيض كما ان العلم الحاصل من شهادة البيئة لا يسمى ضناً بل علما والحال انه لا يرفع النقيض.
[6] وليس ذلك من التقليد المصلح عليه لان التقليد امتزاج رأي برأي وهذا من أهل الجاهلية جمود على رأي مستقل وكل من التابع والمتبوع مستقل بالرأي وذلك لان الشخص اذا خالط شخصاً اخر وكثر اجتماعه به حصل له لطخ من طبعه وسنخ من طينه حتى يكتسب من ذائقته ويمشي على طريقته ويتذون بذوقه ويتخلق بخلقه ويحصل بينهما انسجام تام فيسلك طريقته لا عن تقليد بل موافقة كانت منه برأي مستقل الا انه رأى تبعي وليس لانه يعلم ان متبوعه مستند الى حجة كي يكون من التقليد الصحيح المصلح بل منشأه صرف التطبع والتخلق بخلق الآخرين.
[7] اشارة الى ان مسالة تقليد الاموات لا تعد من الفوارق بين الفريقين الاصولي والاخباري لان معنى الفارق: ان يقول فريق باجمعه بشيء ويقول الفريق الاخر باجمعه بضده مثلما يقال: ان مسألة العدل من الفوارق بين العدلية والاشعرية فان العدلية شيعية ومعتزلية تقول بوجوب العدل - الذي هو احد اصول الدين- على الله جل وعلا وليس احد من الاشاعرة من يقول به. وذلك لان كثيراً من الاصوليه يجوزون تقليد الميت ابتداء كما انه يوجد في الاخبارية من لا يجوز ذلك كما نسب ذلك للشيخ الطريحي وهو من مشاهير المحدثين واستاذ جملة من مشاهيرهم كالسيد العلامة سيد هشام البحراني صاحب البرهان وكالمجلسي صاحب البحار.
فاذا كانت هذه المسألة التي عرفت بأنها من أكبر الفوارق لا يصح تسميتها فارقاً لما بيناه. فما ظنك بغيرها مما عد فارقاً ولم يشتهر.
ولو اعطى المنصف في هذه المسائل حقها من التأمل والاختبار والاعتبار لم يجد اي شيء فيها فارقاً فان علماء الفرقة الناجية «انار الله برهانهم» لم يألوا جهداً في ترويج المذهب واحياء علوم آل الرسول(صلى الله عليه وآله) وليس همهم الا هذا وما خاضوا في هذه المسائل الا لتحقيق الحق وازاحة الستار عن وجه الصواب وليس لأحد منهم قصد اثم.
ومن ظن بهم غير ذلك فسوف يلقون عذاب الهون جزاء بما كانوا يأفكون.
نعم ربما جرف ببعضهم تيار الاغيار فسلك في بعض المسائل مسلكهم غفلة عن الحال بسبب الاختلاط بهم ودراسة كتبهم المشحونه من الاصول المغرية الخلابه وأوجب لبعض أهل الحمية على الدين ان يذكرهم بمسلك الأئمة الميامين الا انه أفرط في النكير بلهجة غير مستحسنة فلذلك قوبل بافحش منه وابشع الا ان غرض الكل ديني وصحيح وعفو الله عظيم.
[8] هي المسألة 27 من مسائل الدهلكية للعلامة الشيخ حسين أعلا الله مقامه. قال السائل - ما يقول شيخنا حرسه الله في شخص في بلوغه بل ربما مضى عليه عام أو عامان أو أكثر في زمان التكليف وقد اتفق له الاحتلام غير مرة في شهر رمضان فيؤخر الاغتسال الى النهار بل الى الزوال أو قبله قريباً منه من جهة الحياء أو الاختجال أو لاخفائه عن اهله ليدفع بذلك مظنه من يظن أن هذ جنابة واذا رأوه في ذلك الوقت يغتسل يحملونه على التبرد وذلك من الخجالة والحياء ويتصور له بهذا التصور ولم يدر أن ذلك موجب لفساد الصيام بل غاية علمه في ذلك أنه فعل قبيح أيجب عليه بذلك القضاء خاصة أم هو مع الكفارة أم لم يكن عليه لمكان الجهالة وعلى تقديره لم يدر كم مرة صدرت منه هذه الفعال. فما يجب في هذه المسألة.
قال الشيخ في الجواب -الجواب: ان ما أوقعه هذا المكلف الجاهل: بأن الاغتسال شرط في صحة الصوم ولو بالعزم عليه قبل أن يتفجر الفجر قبل زوال الليل والدخول في النهار غير صحيح الا أن يكون من ذوي الأعذار عندنا لمكان الجهالة الحامل عليها الحياء والانقباض والخجالة ثم قال رحمه الله في النهاية: لا يلزم قضاء ولا كفارة كما عليه المشهور لكن لا يجب عليه الا ما تيقن تركه وما سواه موضوع عنه.

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2492845

 • التاريخ : 15/09/2019 - 22:58