فائدة6: المعجز 

القسم : مصنفات الشيخ باقر آل عصفور   ||   الكتاب : مختصر النظرة الحساسةحول اشتباهات الكراسة   ||   تأليف : الشيخ باقر آل عصفور

فائدة 6:

المعجز: عمل خارق للعادة، وذلك بأن يكون جامعا لشروط ثلاثة، الأول: أن يكون خارجا عن حدود مقدرة نوع البشر ومنطقة العقول والفكر، ثانيا: أن يكون توأما لدعوى النبوءة، يعني أن يكون لمدعي النبوة كحجة وسند يدعم به دعواه بأنه رسول الله، الثالث: أن يكون مقرونا بالتحدي، يعني يأتي به عند المباراة للمعارضين بأن يدعو الناس بأن يأتوا بمثله إن كانوا يقدرون عليه، فإذا اختل أحد هذه الشروط لا يسمى معجزا، وقد يسمى كرامة، وبهذه الشروط يفترق المعجز عن مخترعات نوابغ العالم الجديرة بالإعجاب والمحيرة للألبابن فإن أروع مبتدع وأبدع مخترع يمكن أن يبرز للوجود نابغة آخر فيأتي بمثل ذلك المخترع أو بأحسن منه، بخلاف المعجز فإنه لو اجتمعت الإنس والجان على أن يأتوا بمثله أو أقل منه لكان ذلك عليهم عسيرا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

     مثلا: يمكن أن يكون طفل لم يبلغ عمره إلا السادسة في حين أنه لم يدرس شيئا من علوم الأدب ولم يتعلم القراءة ولا يحفظ شعرا ولا نثرا ومع ذلك يقوم في حفل حاشد بالبلغاء والخطباء ويلقي خطابا مهما في موضوع قد اقترح عليه لم يعلم به من ذي قبل بدون تتعتع ولا تلجلج ولا لحن، مشتملا خطابه على النكت البديعة والاستعارات وجميع محسنات الكلامن ولكن لا يسمى هذا الخطاب معجزا، لأنه بالإمكان أن يوجد طفل آخر في بلد آخر وبأقل من ذاك السن ويخطب بمثل ذلك الخطاب أو أحسن منه، فإنه ليس من المستحيل لا عقلا ولا عادة، ولكن هل يكون بالإمكان أن يوجد طفل لم يبلغ عمره إلا يوما أو يومين ويجيب بدل أمه أثر سؤالهم لها حيث كانت على صوم من الكلام فيتكلم بلسان طلق ذلق ويقول: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)، إلى آخر الآيات المباركات.. كلا وألف كلا.. ويشهد كل الملأ والعقلاء بأن هذا من صنع الله وليس بمقدور البشر وأنه معجز، مثال آخر: قد نرى أن الطب الحديث تقدم تقدما رائعا قد حاز به سهم المصلى، وبلغ به القدح الأعلى، حتى صار في مطمع الأعمى، غاير العين، الذي جاب البلاد للعلاج حتى جاز السدين، وبلغ أقصى الصين ، فلم تتحقق أمانيه، ولكن لما جاء الدور الجديد للطب الحديث عمل له عينين طبيعيتين كأنهما سراجا سليط أو (كلوب) أبو رقم ميتين، لكن هل بإمكان الطب الجديد والأجد أن يصنع ناظرين لأكمه ممسوح مكان العينين منذ كان جنينا وقبل أن يكون جنين، وإذ كان في ظلمات ثلاث.

الجواب: بالنفي المطلق وبأداته: كلا ولو تظاهرت عليه كل الأطباء والدكاترة كلهم أجمعون أكتعون، إلا من ابن الصديقة مريم عيسى المسيح بإذن الله المقتدر العليم.

     ومثال آخر: المعروف عند أهل النخيل أن الفسيلة إذا غرست لا تعطي أكلها إلا بعد غرسها وبعد حين أن يمضي على غرسها سبع سنين، ولكن من الممكن أن يغرس الفسيلة أكار ماهر يعني يغرسها بحذق ومهارة فتثمر بعد عام من غرسها، ولكن هل من الممكن أن يعمد إنسان إلى نواة من أم تلك لفسيلة أو غيرها فيغرسها وتعطي ثمرتها للآكلين في الحين،الجواب كلا إلا أن يكون من بن آمنة الميمونة الأمين، لأن ذاك من عمل البارع في الزراعة، وهذا من عمل محمد الشافع ، وبإذن الله المحيط العليم.

     وقد أثار بعض المرتدين وبعض المشككين شبها حول إمكان وجود المعجز والفعل الخارق للعادة، ومن أولئك المتنبي الجديد (أحمد الكسروي) وبعض المعممين الذي مال كل الميل إلى تلك الأقاويل، فمن تلك الشبه وأقواها بنظر أهل تلك الأقاويل قولهم: إن المعجز المزعوم يتنافى مع العلم المتحقق المعلوم، فإن العلم كلما تقدم تتأصل عنده قاعدة (مبدأ السببية) وتزداد رسوخا وتحقيقا، ومعنى مبدأ السببية: أنه يستحيل وجود حادث ومعلول بدون محدث وعلة، فهذه حركة الأوراق والأغصان على الأشجار وتلك حركة الجنين حول فؤاد الحاملة به في الآصال والأسحار، وانظر إلى تحرك الأطيار نحو الأوكار، وهطول المطر بضغط المعصرات السحاب، آناء الليال وأطراف النهار، وفي كل وقت تستوجب الأرض للأمطار، ونرى أن الطفل لا يتكلم لأول وهلة من حلوله في الأحضان، بل بعد مدة من ولادته، ولا يكون منه تكلم ولا كلام لا بعده معدات وأسباب: من حنجرة ولهات وأضراس وشفاه، وتلقي الكلمات من الحواضن والأمهات، وفهم معانيها بشعور يفهم به الإشارات، وعقل ينظم الجمل والحكايات، ويهديه إلى مخارج الحروف والحركات، فيفرق مخرج الظاء من مخرج الضاد، والهاء من العين.

     هذه القاعدة الطبيعية من مبدأ السببية لتكلم الإنسان ونطقه، الذي اعتبره المنطقيون جزءا من ماهية الإنسان على أحد التفسيرين فقالوا في تعريفهم: الإنسان هو الحيوان الناطق، يعني ناطق بالشأنية والإمكان، وبعد أن يعد له ذلك الاستعداد وتلك الأسباب، هذا حال تكلم الإنسان، فكيف نصدق بتسبيح صغار الحصى في يد النبي (ص)، ما تحسب هذا إلا هذيان أو بهتان، وكيف كان، فنحن لا نؤمن بالحصى ولا بالعصا ولا باليد البيضاء ولا بقصه الأكمه والأبرص ولا بنطق الأخرس ولا بعوسجة أم معبد ولا بالجذع إذ حن ولا بالنخل ولا قضية سلمان لأنها تخالف حقائق العلم وميزان البرهان.

     ويشير إلى ما نراه نص نبي الإسلام إذ يقول القرآن إثر طلب الناس منه الآيات: (ما كنت إلا بشرا رسولا)، الجواب: إننا نؤمن بمبدأ السببية بحقيقة الإيمان والإيقان، بل ونعد من لا يؤمن به في عداد الأغبياء أو الجاهلين، كيف لا وهذه كتب المتكلمين تعتبر دليل حدوث العالم من أقوى البراهين  على وجود رب العالمين لأنه العلة الوحيدة لحدوث العالم وإحدى العلل الفاعلة لوجوده والثانية الغاية من إيجاده وهي (خلقت الخلق لكي أعرف).

فنحن وأنتم سواء في الإيمان بذلك المبدأ، وإنما الفرق بيننا وبينكم أن نطاق الأسباب عندكم محدود وعندنا واسع الاحاطة ومطلق النطاق وفسيح الميدان، فإن السببية محصورة عندكم بالعلل المادية الطبيعية وبالمحسوسات بإحدى الحواس الخمس لا غير، وأما عندنا فإنها تتجاوز الطبيعة إلى الأفق الأعلى وما فوق عالم الطبيعة التي لم يصل لها علمكم الحديث، وقد وصل علمها إلينا من طريق المادة بل من طريق أعلى وهو طريق الوحي الذي تلقيناه من الرسل الكرام، ومن كتب السماء كما أن الأسباب الطبيعية عندنا لا تقتصر على المحسوسات بالحواس الخمس، فمن الممكن أن يكون في الطبيعة سبب لا تدركه حواسنا ويكون مما استأثر الله جل وعلا بعلمه فإننا لا نعلم إلا ما علمنا لقوله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء).

     ولو أمكن للمخلوق أن يعلم جميع ما يعلمه الله لصار إلها –تعالى الله- فحينئذ نقول في رد ما أنكرتموه وزعمتم أنها مسببات بدون أسباب ومعلولات من غير علة أنه لابد أن تلك المعجزات على حسب –قانون مبدأ السببية- لكن لا يلزم أن تكون من الطبيعيات بل إما أن يكون سبب تسبيح الحصى وقلب العصا وتحويل يد موسى بيضاء إلى غير ذلك مما استغربوه أن تكون علتها مما فوق الطبيعة أو تكون طبيعية ولم يشأ الله أن يطلعنا عليها، والخلاصة: أنه قد ثبت بالأدلة والبراهين إمكان وجود المعجز على رغم المنكرين والجاحدين، كما تحقق وجوده على يد الأنبياء والأوصياء والمرسلين لأجل إقامة الحجة لهم على الخلق أجمعين ما دام قلم التكليف جاريا على المخلوقين، ونافذة المفعول طوال الأعوام والسنين.

     وأما جوابهم عن الآية التي زعموا أنها تسند ادعائهم بأن النبي محمد (ص) تبرأ من نعم الناس أنه يأت بالآيات يعني المعجزات بنص القرآن: (قل ما كنت إلا بشرا رسولا)، فنقول إن هذه الآية تسبقها آيات قبلها تفسر المراد من الآيات والمعجزات، والآيات هي قوله تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك لك جنة –بستان- من نجيل وعنب تتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو نرقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه).

     وقصة الآية بالاجمال: أن النبي صلى الله عليه وآله لما أتم الحجة على الناس وعلى قريش بالأخص –بالقرآن المجيد- وتحداهم به وعجزوا عن معارضته ولو بآية واحدة، جاء زعماء قريش وهم: الوليد بن المغيرة، أبو البحتري بن هشام، أبو جهل بن هشام، العاص بن وائل، عبد الملك بن أبي أمية، أبو سفيان، الوليد بن المغيرة، المخزومي، عتبة، شمبة، جاءوا رسول الله (ص) وهو جالس بفناء الكعبة واقترحوا عليه الآيات والمعجزات التي تضمنتها الآيات المذكورة فمنها: أية خير وبركة عامة تناسب وضع صحراء مكة وهي العين المتفجرة ومنها أية خير خاصة بالنبي وهي بالجنة ذات النخيل والعنب، أو كون له بيت مزخرف بالذهب، ومنها أية شرود مار، إن كان يعجز عن الآيات الأول وهي: إهلاكهم بالكسف، قطع السحاب الساقط عليهم من السماء، وإن شق عليك إتيان الآيات بكلا نوعيها، فأحسن حل للقضية هذه أن تأتي بالله والملائكة فنقابل معهم في هذا المحل الشريف ونطرح المسألة على بساط البحث والتحقيق، وإن كان هذا عندك مستحيل، فأتنا بكتاب –خط- من عند الله تقرؤه بحيث يمكننا أن نقرؤه بأن يكون بخط عربي واضح ومغلف ومكتوب على الغلاف: هذا العنوان: الحجاز – مكة المكرمة إلى عبد الله بن أبي المخزومي زعيم زعماء قريش.

     السلام عليك وعلى العظماء حواليك الذين أمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب وصدقوه بمقالته فإنه من عندي وفي الختام نخصكم بأتم السلام.

     وبعد ذلك كله لنا الخيار فرد الرسول الأكرم اقتراحاتهم هذه بجملة مختصرة اللفظ غزيرة المعنى (ما كنت إلا بشرا رسولا) يعني والله أعلم ما أنا إلا رسول وما وظيفتي إلا البلاغ، أما الآيات فلا تكون باقتراحي ولا باقتراحكم وما أنا وأنتم والاقتراحات على رب العزة، وليس له مصلحة ومنفعة ملحة كيما يشتري خواطركم ويلبي طلباتكم وإنما يريد نفعكم بأن يرفع قدركم ولا تكونوا في صف الغنم والأنعام بل أضل سبيلا من الغنم والأنعام، فإنه ما من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ولو كنتم كما تزعمون يعوزكم الإيمان بي الآيات والمعجزات فلم كفرتم بالقرآن فما انتم إلا مفترون.

     أما الطريق الثالث لإثبات النبوة فهو تبشير الأنبياء السابقين (ورسولا يأتي من بعدي اسمه أحمد).

 




أقسام المكتبة :

 • القرآن الكريم (1)
 • كتب علوم القرآن (0)
 • كتب التفسير (0)
 • الكتب العقائدية (0)
 • كتب علم الكلام (0)
 • كتب ميراث وتراث أهل البيت (0)
 • كتب الحديث عند اهل السنة (0)
 • كتب دراسات حول كتب الحديث (0)
 • كتب دراسات حول رواة الحديث (0)
 • كتب دراية الحديث (0)
 • كتب شروح الحديث (0)
 • كتب الأربعين حديثاً (0)
 • نهج البلاغة وشروحه (0)
 • الصحيفة السجادية وشروحها (0)
 • كتب الآداب والسنن (0)
 • كتب الأخلاق والسلوك (0)
 • كتب الأدعية (0)
 • كتب اصول فقه أهل البيت (1)
 • الكتب الفقهية (0)
 • كتب القواعد الفقهية (0)
 • كتب المصطلحات الفقهية (0)
 • كتب فقه الدولة (0)
 • كتب الاقتصاد وفقه المعاملات (0)
 • كتب فقه الأسرة (0)
 • طب أهل البيت (0)
 • كتب تاريخ الأديان والملل والنحل (0)
 • كتب تاريخ الأنبياء (0)
 • كتب تاريخ الاسلام (0)
 • تاريخ خاتم المرسلين (ص ) (0)
 • كتب تاريخ أهل البيت (0)
 • كتب معاجز أهل البيت وفضائلهم (0)
 • كتب فضائل الصحابة (0)
 • كتب الرجال والجرح والتعديل (0)
 • كتب تاريخ الدول والمدن (0)
 • كتب تاريخ القبائل والأسر (0)
 • كتب الأنساب (0)
 • كتب علوم اللغة العربية (0)
 • كتب معاجم اللغة العربية (0)
 • كتب فهارس مصنفات علماء الشيعة (0)
 • كتب فهارس الكتب (0)
 • كتب فهارس المكتبات الخطية (0)
 • كتب الأوزان والمقادير (0)
 • مصنفات المحقق البحراني الشيخ يوسف آل عصفور (5)
 • مصنفات العلامة البحراني الشيخ حسين آل عصفور (6)
 • مصنفات الشيخ باقر آل عصفور (4)
 

إحصاءات :

 • عدد الأقسام : 45

 • عدد الكتب : 17

 • عدد الأبواب : 55

 • عدد الفصول : 397

 • تصفحات المكتبة : 2494832

 • التاريخ : 18/09/2019 - 01:45